إتحاد الشغل والسلطة: الصِدام

محسن عامر


أحداث جانفي 1978 كانت مثالا بارزا عن العلاقة التاريخية بين المنظمة الشغيلة وأنظمة الحكم التي تعاقبت على تونس لاحقا. لم يكن نظام بورڨيبة المثخن بالأزمات الاقتصادية وداخل نظام حكمه وٱلذي عجز رغم اعترافه في مؤتمر المنستير (1971) ب”مساوئ الحكم الفردي” على مواجهة أزمة اجتماعية تهدد نظام الحكم برمته. حينها كان الحل ٱستقدان رجل المخابرات العسكرية بن علي لمعالجة الأزمة كمدير للأمن الوطني. النهاية الدموية للخميس الأسود كانت في جهة مسمارا آخر في نظام حكم العجوز بورڨيبة والأهم دربة للرجل الذي سيحدد مصير البلاد لربع قرن لاحقا. نجاحات بن علي الأمنية أصابتها نكسة عدم قدرته على اكتشاف “مؤامرة عسكرية”دبرت بدعم ليبي في جانفي 1980 بما عرف بأحداث قفصة. هذا الفشل ٱننهى بإرسال بن علي ملحقا عسكريا إلى بولونيا، أين كان النظام الشيوعي المنضوي في حلف وارسو بصدد القيام بقمع نقابات التضامن وزعيمها ليخ فاليسا. يقال حينها أن زوجة الحبيب بورڨيبة المرأة القوية وسيلة علقت على هذا الإلحاق ” لقد أرسلتموه لتعلم الانقلابات هناك”. القاعدة الأساس كانت دوما ؛ لا مجال لسلم بين السلطة المربوطة بعقال المانحين الدوليين والقوى الاجتماعية المدافعة عن خيارات الشعب.
إعلان نور الدين الطبوبي الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل غلق باب المفاوضات مع الحكومة البارحة منعرج حاسم في علاقة السلطة،تحالف حركة النهضة مع “النيو-نداء تونس” بقيادة يوسف الشاهد والمنظمة الشغلية أكبر قوة ممثلة للقوة العاملة تونس. تثبيت الإضراب غدا الخميس 22 نوفمبر والدعوة إلى تجمع عمالي أمام البرلمان في باردو (كرسالة سياسية واضحة موجهة نحو منظومة الحكم) مع التوجه إلى خطوات “تصعيدية” ستقررها المنظمة في نهاية الأسبوع؛ كل هذا يمنح مؤشرات أن المواجهة تصل نقطة اللاعودة.
تونس وقعت سنة 1995 اتفاقية تبادل حر جزئية مع الإتحاد الأوربي. هذه الاتفاقية ٱلتي فتحت الباب أمام تحرير المبادلات الصناعية مع الضفة الشمالية للمتوسط، كانت مدمرة لقطاعات حيوية في الاقتصاد التونسي الهش(تدمير قطاع النسيج. ). يوسف الشاهد أعلن أن تونس ستوقع سنة 2019 اتفاقية التبادل الحر الشاملة ٱلتي ستشمل قطاي الفلاحة والخدمات أيضا. في جانب آخر، تقع الحكومة تحت طائلة إجبارات صندوق النقد الدولي ٱلذي عبرت رئيسته كريستين لاغارد من برلين عن قلقها من الترفيع في كتلة أجور موظفي القطاع العام، وٱلتي تفرض على الدولة التونسية تجميد الأجور والترفيع في أسعار المحروقات (تتجه نحو أربعة مرات في سنة 2018).
حكومة حركة النهضة ذات الواجهة النيو_ندائية وٱلتي كانت في معركة عزل حزب الرئيس الباجي قايد السبسي والمستعدة لتقديم كل التنازلات للقوى الدولية (بما فيها توزير صهيوني في حكومتها)، قبلت تحت قاعدة عدم فتحت جبهات جديدة بالترفيع في كتلة أجور القطاع العام (ٱلذي استاءت منه السيدة لاغارد) لتعود الآن بعد تثبيت موضعها عبر تمرير الحكومة الجديدة إلى فتح مواجهة مع المنظمة الشغيلة. الحكومة الحالية ٱلتي فقدت الكثير من مقومات سيادة البلاد تحت إجبارات المانحين والكومسيون المالي العالمي الجديد،مطالبة بخوض منازلة مع القوى الاجتماعية من أجل قياس قوة الإتحاد في المرحلة الحالية. والأهم إظهار أن هذا الصلف والتعنت في الملف الاجتماعي المأزوم هو إذعان كامل لشروط المانحين المدمرة للاقتصاد. سياسيا لا يمكن لأي سلطة أن تتحمل وجود قوة ٱاعتراض بحجم اتحاد الشغل، فلمدى ليس ببعيد (2012) فتح الإسلاميون الحاكمون منذ الانتفاضة باب معركة تحولت إلى مواجهة دموية بمهاجمة ميليشيات الإسلاميين لمقر الإتحاد في ساحة محمد علي. الآن ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن معركة تشكيل الحكومة لم تكن سوى وضعا ترتيبيا سياسيا لإدخال البلاد إلى نفق “إصلاحات” البنك الدولي.
الأزمة الاقتصادية، ملف الاغتيالات السياسية والجهاز السري لحركة النهضة، الإضراب العام في الوظيفة العمومية؛ كل هذا يشكل حزاما يضيق يوما بعد يوم على السلطة ويزيد نظام الحكم الحالي عزلة في مواجهة الشعب والقوى الاجتماعية. يوم الخميس ذي الدلالات الرمزية في تاريخ العمل النقابي (إضراب الخميس الأسود مع بن عاشور في مواجهة حكم برڨيبة) سيكون بداية لمسار جديد في الأزمة.