الكتابة الوطنية للنهج الديمقراطي تنعي وفاة الرفيق عبد الرحيم الخاذلي
العدد 298 من جريدة النهج الديمقراطي كاملاً
من وحي الاحداث: لبناء الحزب المستقل للطبقة العاملة لا بد من شحذ سلاح النظرية.
 افتتاحية: حركة 20 فبراير وشمت ذاكرة الشعب

 افتتاحية: حركة 20 فبراير وشمت ذاكرة الشعب

 افتتاحية:
العدد 299 من جريدة النهج الديمقراطي بالأكشاك

العدد 299 من جريدة النهج الديمقراطي بالأكشاك

العدد 299 من جريدة النهج الديمقراطي بالأكشاك
الجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديمقراطي ترفض “ملحق العقد” في إطار مخطط التعاقد المشؤوم

الجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديمقراطي ترفض “ملحق العقد” في إطار مخطط التعاقد المشؤوم

الجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديمقراطي ترفض "ملحق العقد" في إطار مخطط التعاقد المشؤوم
مباشر: مسيرة حاشدة ببروكسيل تضامنا مع معتقلي الحراك

مباشر: مسيرة حاشدة ببروكسيل تضامنا مع معتقلي الحراك

مباشر: مسيرة حاشدة ببروكسيل تضامنا مع معتقلي الحراك
نسف ندوة “ASDHOM” بباريس حول “حرية الصحافة في المغرب” لمصلحة من؟

نسف ندوة “ASDHOM” بباريس حول “حرية الصحافة في المغرب” لمصلحة من؟

نسف ندوة "ASDHOM" بباريس حول "حرية الصحافة في المغرب" لمصلحة من؟
كلمة الوقفة الاحتجاجية ضد حضور الصهيوني أنريكو ماسياس

كلمة الوقفة الاحتجاجية ضد حضور الصهيوني أنريكو ماسياس

كلمة المشاركين بالوقفة الاحتجاجية ضد حضور الصهيوني "أنريكو ماسياس" الداعم لجرائم الحرب ضد الشعب الفلسطيني يوم الخميس 14 فبراير 2019...
بلاغ حول المسيرة الاحتجاجية بسبتة المنددة بسياسة إغلاق الحدود

بلاغ حول المسيرة الاحتجاجية بسبتة المنددة بسياسة إغلاق الحدود

جمعية قوارب الحياة للثقافة والتنمية                               ...

  • عبد الله الحريف

واقع اليسار في المغرب اليوم*

بالرغم من كون الظروف الموضوعية في المغرب (أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة ومتفاقمة) ملائمة لتطور اليسار وتبوئه موقع الصدارة، يتسم اليسار بالضعف والتشرذم والتيه الفكري. بل أصبح مفهوم اليسار نفسه غامضا ومضببا. وذلك، بالخصوص، بسبب الانتشار والتأثير الواسعين لمفاهيم ما بعد الحداثة التي تركز على البنية الفوقية لتحديد اليسار (المحافظة مقابل الحداثة وتضخيم الهويات والخصوصيات الجنسية والفئوية على حساب الطبقات الاجتماعية) وتنظر للعمل المجزئ، خاصة في المجتمع المدني الذي، غالبا، ما تحصره في المنظمات الغير حكومية الممولة من طرف مؤسسات إمبريالية في أغلب الأحيان، وذلك على حساب الصراع الطبقي وأدواته( النقابة والحزب)، لذلك لا بد من تحديد ما هو اليسار اليوم.

    1. ماهو اليسار؟
      تتميز المرحلة الحالية، في المغرب، بالصراع من أجل التحرر الوطني من هيمنة الإمبريالية الغربية، وخاصة الفرنسية، ومن أجل الديمقراطية. هذا الصراع الذي تخوضه الطبقات الشعبية( الطبقة العاملة، الكادحين الغير عمال في البوادي والمدن والبرجوازية الصغرى والجزء من البرجوازية المتوسطة المصطف بجانب الطبقات المذكورة سابقا). ويتكون اليسار من القوى التي تطمح إلى تمثيل الطبقات الشعبية وتناضل من أجل مصالحها الآنية (تحسين أوضاعها المادية والمعنوية) والاسترتيجية المتمثلة في التحرر الوطني والديمقراطية وتدافع على قيم التقدم والحرية والعلمانية والمساواة والكرامة.
      هكذا ينقسم اليسار إلى يسار جذري ويسار إصلاحي:
      – اليسار الجذري يتشكل، بالأساس، من القوى الماركسية المشكلة من التوجهات الرئيسة التالية:
      °التوجه الماركسي أو الماركسي-اللينيني الذي يناضل ضد الرأسمالية ومن أجل الاشتراكية ويسعى إلى بناء حزب الطبقة العاملة كأداة لإنجاز مهام التحرر الوطني والديمقراطي على طريق الاشتراكية.
      °التوجه التروتسكي الذي يرى أن الصراع، في جميع بلدان المعمور، هو، الآن، بين البورجوازية والطبقة العاملة وأن المهمة المطروحة عالميا هي الثورة الاشتراكية.
      – اليسار الإصلاحي هو يسار اشتراكي-ديمقراطي يناضل ضد الانعكاسات الخطيرة للرأسمالية على أوضاع الجماهير الشعبية وليس ضد الرأسمالية كنمط إنتاج ويعتبر أن الانتخابات هي الوسيلة الأساسية لتغيير الأوضاع.
    2.  واقع اليسار عشية إنطلاق الربيع العربي:
      إن واقع اليسار المغربي، عشية انطلاق ما سمي ب”الربيع العربي” والذي جسدته حركة 20 فبراير، له جذورا تاريخية عميقة:
      – ارتكب الحزب الشيوعي المغربي الذي تأسس، في نهاية المرحلة الاستعمارية، أخطاء إستراتيجية( تخلفه عن طرح والنضال من أجل الاستقلال وربط هذا النضال بالنضال من أجل الثورة الزراعية) وترك قيادة النضال من أجل الاستقلال للبرجوازية، وتراجع تدريجيا، انطلاقا من حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، عن مهمة بناء حزب الطبقة العاملة وعن هويته الماركسية وأصبح ذيليا لليمين. لذلك، سيفقد تأثيره الجماهيري ونفوذه في الطبقة العاملة وسيغير اسمه ليصبح “حزب التحرر والاشتراكية” ثم “حزب التقدم والاشتراكية”. الشيء الذي دفع مجموعة من أطره إلى الانسحاب منه، في 30 غشت 1970، وتأسيس منظمة الماركسية اللينينية السرية ستعرف، من بعد، ب”إلى الأمام”.
      – تشكل حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، في 1959، كحزب يساري جماهيري يضم توجها إصلاحيا وآخر جذريا. وقد عمل النظام على إضعاف هذا الحزب بواسطة ضرب التوجهات الجذرية داخله (المقاومة المسلحة وجيش التحرير) وترويض الجناح النقابي( الاتحاد المغربي للشغل) وتقوية التوجه الإصلاحي والتقنوقراطي داخله. وقد ظهر ذلك جليا أواسط ستينيات القرن الماضي حيث عجز “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” عن الرد على القمع الدموي لانتفاضة الدار البيضاء في 23 مارس 1965 وإعلان النظام حالة الاستثناء واغتيال المهدي بن بركة في 29 أكتوبر 1965 . وقد أدى ذلك، في 1968، إلى انسحاب مجموعة من الأطر التي أسست منظمة ماركسية-لينينية سرية ستعرف، من بعد، بمنظمة “23 مارس” والتي ستعيش انشقاقا أدى إلى انسحاب عدد من أطرها ومناضليها أسسوا منظمة “لنخدم الشعب” في 1970. وتخلت منظمة “23 مارس”، شيئا فشيئا، عن مهمة بناء حزب الطبقة العاملة وعن الماركسية لفائدة بناء حزب يساري اشتراكي-ديمقراطي تحت اسم “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي”. بينما اندثرت منظمة “لنخدم الشعب”.
      وتم، في 1972، انفصال الجناح النقابي عن الحزب الذي تحول اسمه ليصبح “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”.
      °وعرف، بعد ذلك، “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” انزياحا تدريجيا نحو اليمين. الشيء الذي أدى إلى انسحابات متتالية من صفوفه:
      – انسحاب الاتجاه الجذري وسطه، سنة 1983، وتأسيسه ل”حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي”.
      – انسحاب المركزية النقابية التابعة له، “الكنفدرالية الديمقراطية للشغل”، وتشكيلها لحزب “المؤتمر الوطني الاتحادي” في 2002.
      – وأخيرا انسحاب تيار “الوفاء للديمقراطية” الذي له امتداد وسط شبيبة الحزب.
      وتشكلت، خاصة انطلاقا من ثمانينات القرن الماضي، مجموعات تروتسكية صغيرة، ليس على أساس خلافات جوهرية حول القضايا المصيرية للشعب المغربي، بقدر ما أنها انعكاس لانقسامات الحركة التروتسكية في أوروبا أو صراعات ذاتية (تيار “المناضل(ة)” وتيار “التحرر الديمقراطي” و”رابطة العمل الشيوعي”).
      وتهيكل، أواخر السبعينات من القرن الماضي، تيار نقابي وسط المنظمة الطلابية “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” سيعرف ب “الطلبة القاعديون” متأثر بالفكر الماركسي-اللينيني سرعان ما انقسم إلى مجموعات متناحرة.
      في نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي، سينطلق نقاش من أجل تجميع القوى المنحدرة من تجربة الحركة الماركسية اللينينة المغربية والاستفادة من الانفراج السياسي النسبي آنذاك. وسيسفر هذا النقاش إلى:
      — تشكل “النهج الديمقراطي”، في 15 أبريل 1995، كتنظيم سياسي علني يعتبر نفسه استمرارا لتجربة الحركة الماركسية-اللينينية المغربية، وخاصة منظمة إلى الأمام وأن مهمته المركزية هي بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين. وسينتزع حقه في الوجود القانوني سنة 2004.
      — تأسيس “اليسار الاشتراكي الموحد” من خلال اندماج “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي” وإحدى المجموعات المنحدرة من تجربة القاعديين (الديمقراطيون المستقلون) وأخرى من تجربة الحركة الماركسية اللينينية( الحركة من أجل الديمقراطية ) والذي سيلتحق به تيار “الوفاء للديمقراطية” ليشكل “الحزب الاشتراكي الموحد”.
      هكذا فإن اليسار في المغرب اليوم يتكون من “حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي” والمؤتمر الوطني الاتحادي” و”الحزب الاشتراكي الموحد” و”النهج الديمقراطي” ومجموعات تروتسكية صغيرة (“المناضل(ة)” و”التحررالديمقراطي” و”رابطة العمل الشيوعي”) ومجوعات منحدرة من القاعديين، أساسا “البرنامج المرحلي”.
      وأسس “حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي” والمؤتمر الوطني الاتحادي” و”الحزب الاشتراكي الموحد” إطارا سياسيا مشتركا تحت اسم “فيدرالية اليسار الديمقراطي” مع الحفاظ على تنظيماتهم الحزبية الخاصة.
      إن أهم سمات اليسار اليوم هي:
      الضعف الكمي لتنظيماته المختلفة.
      °ضعف ارتباطه بالطبقات والفئات والشرائح التي من المفترض أنه يمثل مصالحها، وفي مقدمتها الطبقة العاملة والكادحين يشكل عام.
      °ضعف ارتباطه بالنساء رغم كونه يدافع عن المساواة التامة بينهن والرجال.
      °ضعف ارتباطه بالشباب، ومنهم الطلبة. ما “البرنامج المرحلي” الذي له نفوذ في بعض الكليات، أساسا في مدينتي فاس ووجدة.
      – التشرذم: إذا كان من العادي والطبيعي أن يتواجد في اليسار تياران أساسيان (تيار جذري وآخر إصلاحي)، فلماذا ينقسم كلا التياران إلى عدد من المنظمات عوض البحث على ما يوحد (على الأقل بالنسبة لليسار الماركسي، العمل المشترك من أجل توسيع الإشعاع والانغراس وسط الطبقة العاملة) ولماذا لا يبحث التياران على قواسم مشتركة ويبنيان جبهة للنضال حول المشترك؟
      – التيه الفكري بسبب أزمة البديل الاشتراكي الناتج عن انهيار تجارب بناء الاشتراكية وضعف المجهود لتطوير الفكر الاشتراكي وعن اختراق الفكر البرجوازي للمنظمات والمناضلين اليساريين، وخاصة فكر ما بعد الحداثة الذي يشكك في أسس الفكر التقدمي وجدوى التغيير ويطرح كبديل الاكتفاء بالعمل على قضايا جزئية وعلى الهويات وعلى قضايا مجتمعية كقضية المرأة مثلا والترويج للعمل في”المجتمع المدني” .
      الشيء الذي دفع العديد من اليساريين إلى الابتعاد عن الماركسية بل التحول إلى لبراليين. أما أغلب المناضلين المخلصين والمكافحين، فتوجهوا إلى الانغماس في الحركية واختزال الصراع الطبقي في النضال في النقابات وجمعيات المجتمع المدني والمنتديات الاجتماعية العالمية والقارية والإفراط في الرهان على الحركات المناهضة للعولمة مع أنها حركات مائعة. كما تعاني أغلب تنظيمات اليسار تراجع الاهتمام بالنظرية وتراجع القناعة بإمكانية التغيير الجذري وبالاشتراكية.
      – كان التوتر والصراع والأحكام الجاهزة تطبع العلاقة بين اليسار والإسلاميين: فاليسار كان يعتبر الإسلاميين قوة ظلامية متجانسة لا تخترقها التناقضات وأن التمايزات داخلها ثانوية لا تعبر، في العمق، عن تموقعات طبقية مختلفة. والإسلاميون كانوا يعتبرون اليسار كقوة متجانسة واليساريين كملحدين.
    3.  كيف تعامل اليسار مع حركة 20 فبراير:
      لقد انخرطت جل تنظيمات اليسار، بقوة وحماس، في حركة 20 فبراير ولعبت دورا هاما في إذكاء جذوتها، ما عدا بعض المجموعات المنحدرة من القاعديين. الشيء الذي أثر سلبا على طلبة بعض الكليات. كما ساهمت فيها، بشكل وازن، منظمات إسلامية، خاصة “جماعة العدل والإحسان”، وكدا اتجاهات داخل الحركة الأمازيغية. بينما ناهضها أو حاربها، “حزب العدالة والتنمية” الإسلامي وجزء من الحركة السلفية والأحزاب الإدارية و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”حزب التقدم والاشتراكية”. وسرعان ما تخلت البيروقراطيات النقابية عن حركة 20فبراير، خاصة بعد اتفاق 26 أبريل 2012 الذي حصلت بموجبه الشغيلة على بعض المكتسبات. مما أدى إلى شبه غياب الطبقة العاملة عن حركة 20 فبراير.
      وبالرغم من التضحيات التي قدمها اليسار للنهوض بحركة 20 فبراير، فإنه ضيع فرصة ثمينة لتجاوز ضعفه وتحقيق اختراق ديمقراطي. وذلك للأسباب التالية:
      – يقود اليسار أو يتواجد، بشكل وازن، في منظمات جماهيرية حقوقية ونقابية لا يستهان بها. فهو يقود أكبر جمعية حقوقية،”الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” في إفريقيا والعالم العربي ولها إشعاع دولي. وهو يقود مركزية نقابية (الكنفدرالية الديمقراطية للشغل) ونقابات أساسية (الجامعة الوطنية للفلاحة والجامعة الوطنية لعمال وموظفي الجماعات المحلية والنقابة الوطنية للتعليم) منضوية ضمن المركزية النقابية “الاتحاد المغربي للشغل”. وهاتان المركزيتان من ضمن المركزيات الأكثر تمثيلية. ويقود اليسار العديد من التنسيقيات، سواء منها الفئوية أو الموضوعاتية (التعليم، القضية الفلسطينية…) أو حول مشكل محدد( الحركة ضد غلاء فواتير الماء والكهرباء وندرة مياه الشرب وضد الاستيلاء على الأراضي الجماعية…) وكذا تنسيقيات الدفاع عن الشأن المحلي( السكن، النقل، الأمن…) وغيرها من الحركات الشعبية. كما يتواجد اليسار بقوة في النقابة الوطنية للتعليم العالي ويقود الجمعية الوطنية لحملة الشواهد المعطلين…ودعم اليسار وانخرط مناضلوه ومناضلاته في الحراكات الشعبية التي عمت العديد من المناطق (حراك الريف وجرادة وغيرهما).
      وبالرغم مما سبق، يعيش اليسار عزلة جماهيرية. وأحد أهم الأسباب هو غياب تمفصل سديد بين العمل الجماهيري والعمل السياسي و التنظيمي، بين العمل والنضال من أجل المطالب الآنية (تحسين الأوضاع المادية والمعنوية) والأهداف الاسترتيجية (التغيير لصالح الطبقات الشعبية). أما العمل في التنسيقيات، فيتسم بالمناسباتية والفوقية والإنابة، عوض الالتصاق بهموم الطبقات الشعبية ومساعدتها على أخد شئونها بيدها.
      هذا ناهيك عن كون هذه التنظيمات تستهلك طاقات هائلة وتشكل ميدانا للصراع على المواقع بين قوى اليسار عوض أن تكون ميدانا للتنافس على خدمة مصالح الجماهير الشعبية والتقارب وتطوير القواسم المشتركة.
      كما عانى اليسار من عزوف الشعب، وخاصة الشباب، عن العمل السياسي، فأحرى التنظيمي الحزبي، بسبب تحول جل الأحزاب إلى دكاكين سياسية وابتعادها عن هموم وتطلعات الجماهير وأيضا بسبب الهجوم الخطير على الاشتراكية الذي وظف إلى أقصى الحدود انهيار الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية وبسبب انتشار فكر ما بعد الحداثة.
      فلا غرابة أن يفاجأ الربيع العربي اليسار المغربي الذي لم يكن مؤهلا لبلورة إستراتيجية وتكتيكات وتحالفات موحدة ملائمة للرد على خطط ومبادرات النظام. ولا غرابة إن تختلف مكونات اليسار حول شعار حركة 20 فبراير: فالشعار الذي رفعته كان “ضد الفساد والاستبداد” و”من أجل الديمقراطية والحرية والعيش الكريم”. لكن “الحزب الاشتراكي الموحد”، بالخصوص، أصر على تحويله إلى شعار “الملكية البرلمانية” بينما دافع “النهج الديمقراطي” على الحفاظ على الشعار الأصلي على اعتبار أن من حق الشعب المغربي اختيار شكل النظام الذي يبتغيه. وكان التوجس والحيطة بل حتى الصراع يحكم علاقة أغلب مكونات اليسار ب”جماعة العدل والإحسان”.
      لقد أطلقت حركة 20 فبراير نقاشا واسعا وسط اليسار أدى إلى تقييمات مختلفة للوضع والمهام المطروحة:
      – فيدرالية اليسار الديمقراطي:
      تعتبر أن المرحلة الحالية تتطلب رفع شعار الملكية البرلمانية وتشترط للقيام بأي عمل سياسي مع باقي مكونات اليسار تبنيها لهذا الشعار ولمغربية الصحراء الغربية ومشاركتها في الانتخابات. وتناهض أي عمل المشترك مع “جماعة العدل والإحسان”. لكن ضرورة التصدي للهجوم الخطير على الأوضاع الاجتماعية والانخراط الجماعي في النضالات الشعبية المتنامية، وخاصة حراك الريف(2)، ومواجهة القمع الذي تتعرض له وإصرار “النهج الديمقراطي” على العمل والنضال الوحدويين، كل ذلك أدى إلى انطلاق التنسيق والعمل المشترك بين فيدرالية اليسار والنهج الديمقراطي والذي جسدته، بالخصوص، المسيرة الوطنية ل8 يوليو 2018 بالدار البيضاء للتنديد بالأحكام الجائرة ضد نشطاء وقادة حراك الريف والمطالبة بإطلاق سراحهم وكافة المعتقلين السياسيين. بل تجاوز الأمر ذلك لتشارك القوى اليسارية والعدل والإحسان في المسيرة الوطنية ل15 يوليو 2018 بالرباط لنفس الغرض.
      – “النهج الديمقراطي”: اعتبر أن حركة 20 فبراير هي، في الواقع، الموجة الأولى لسيرورة ثورية ستمتد لمرحلة بأكملها وستعرف فترات من المد والجزر. لذلك، اعتبر أن المهام المطروحة على اليسار هي تأهيل نفسه من خلال تقوية مكوناته لذاتها وبلورته لخطة موحدة ليكون في الموعد في فترات المد المقبلة لا محالة. وأكد أن المخزن(2) هو العدو، الآن، وأن الانتخابات لا رهان فيها بالنسبة للشعب الذي يقاطعها بشكل عارم لأن المؤسسات التي تفرزها لا سلطة لها بسبب تمركز كل السلط في يد الملك ومستشاريه. واعتبر أن مشاركة جماعة العدل والإحسان في حركة 29 فبراير واستعدادها للحوار مع اليسار مسألة إيجابية يجب الاستفادة منها لتطوير العمل الميداني المشترك وإطلاق الحوار العمومي بين كل القوى المناهضة للمخزن. لذلك طرح ضرورة:
      – بناء جبهة ميدانية تضم كل القوى المتضررة من المخزن، أيا كانت مواقعها الطبقية ومرجعياتها الأيديولوجية، ما عدا القوى التكفيرية والوهابية والغير مستقلة عن النظام والقوى الخارجية. وفي نفس الآن خوض الحوار العمومي مع مكونات هذه الجبهة حول أهم القضايا الخلافية للبلورة الجماعية للبديل المنشود.
      – بناء جبهة ديمقراطية يشكل اليسار عمودها الفقري ويتمثل هدفها في تأمين المسار للبناء الديمقراطي بعد التخلص من المخزن وتضم القوى والشخصيات الديمقراطية، السياسية والنقابية والحركات الاجتماعية والحراكات الشعبية.

الهوامش:
(1) إثر طحن السماك محسن فكري في 28 أكتوبر 2018 بمدينة الحسيمة بالريف، اندلع حراك شعبي سلمي عم مختلف مدن وقرى الريف واستمر لسنة كاملة ورفع مطالب اقتصادية واجتماعية وحقوقية ورفع العسكرة عن المنطقة. وقد واجهه النظام بالقمع حيث تم اعتقال أكثر من ألف شخص وتقديمهم للمحاكمة والحكم عليهم بأحكام جائرة والتي وصلت عشرين سنة بالنسبة لقادة الحراك بشكل خاص. وقد تعبات قوى اليسار وجماعة العدل والإحسان، بالخصوص، للدفاع عن الضحايا من خلال توفير الدعم الإعلامي والسياسي والقضائي واحتضان العائلات وتنظيم وقفات متعددة ومسيرات وطنية في الرباط والدار البيضاء ومحلية في عدد من مدن البلاد.

(2) المخزن هو الأداة الأساسية للنظام الملكي لفرض سلطته وتطبيق سياساته. وتتشكل نواته الصلبة من كبار المسئولين الأمنيين والعسكريين والقضائيين والإداريين والدينيين وأغلب المسئولين السياسيين وعدد من رجال الأعمال والإعلام وكبار مقاولي”المجتمع المدني” الرسمي وبعض كبار المسئولين النقابيين وغيرهم… ممن لهم نفوذ وسلطة أو قرب منها.


* سبق نشره في موقع “السفير العربي”