المغرب في طريقه ليصبح دولة فاشلة

في السنوات الاخيرة وخاصة مند عدة شهور اصبح نقاش وضع المغرب متواترا ويتعلق بالتشخيص الاستراتيجي. فقد انتقل هذا النقاش من هل هو دولة ضعيفة واهنة الى هل هو دولة فاشلة؟ وفي هذا التشخيص هناك من يرى ان المغرب مستهدف من قوى خارجية وهي تسعى الى جعله دولة فاشلة وهذا ما يفسر حسب هذا الرأي كل ما نراه اليوم من اضطرابات واحتقانات. تغدي الدولة هذا التوجه عندما تتضمن الخطب الرسمية ذلك التركيز عن حالة المغرب الاستثنائية بين دول الجوار او حين يبتهل الملك بالدعاء اللهم كثر حسادنا.
في الجانب الاخر من الذين يشخصون الحالة بالدولة الفاشلة يعتبرون ان الوضع الذاتي للمغرب وعوامله الخاصة الداخلية والمحيطة هي ما يفسر حالته ومستقبلها اما خطاب القاء اللوم على قوى خارجية فهو بذاته خطاب الازمة ودليل على الفشل. ان هذا الفريق يستعمل مفهوم الدولة الفاشلة كمفهوم انتجته العلوم السياسية له مواصفات ومعايير ويتجنبون استعماله السهل او المغرض.
هكذا وبتركيز تعتبر دولة ما فاشلة لما تجتمع فيها المؤشرات والمعايير التالية:
1- المعايير.
– فشل الدولة في فرض سلطتها على كاما ترابها الوطني.
– فشل تامين الحدود البرية او المياه الاقليمية او المجال الجوي من الاختراقات الخارجية.
– فقدان الشرعية اللازمة للحكم وعدم تداول حقيقي للسلطة وتفشي الفساد الاداري بالإضافة إلى غياب النظم القانونية أو ضعفها.
– حصول تقاطب اجتماعي حاد وبروز صراعات دينية او عرقية تهدد الوحدة الوطنية.
2- المؤشرات:
– المؤشّرات الاجتماعية: الضغط النمو الديموغرافي، هجرة الداخلية من البوادي للمدن، انقسام وسط الساكنة بغرض الانتقام المتبادل، بروز مشكلات حزبية وعرقية، الفقر والبطالة والجريمة والمخدرات والسرقة، وتنامي الهجرة المزمنة والطوعية بما في ذلك هجرة الأدمغة.
– المؤشّرات الاقتصادية: التنمية الاقتصادية غير المتكافئة ما بين الجهات، والتدهور الاقتصادي الحاد (اختلالات بنيويّة، ركود في الدورة الاقتصادية، وانهيار قيمة النقد الوطني).
– المؤشّرات السياسية: تراجع مساحة الشرعية في النظام السياسي القائم، فقدان الثقة بالدولة ومؤسّساتها، تراجع وظيفة الدولة لجهة تقديم الخدمات العامة، إساءة استخدام السلطة وزيادة التدخل الخارجي في شؤون الدولة الداخلية، زيادة الشقاق الحزبي، والصراعات بين النخب الحاكمة.
– المؤشّرات العسكرية: انتهاكات حقوق الإنسان، ضعف السلطة الأمنية، وبروز قوى أمنية غير نظامية. (الدولة الفاشلة بين المفهوم والمعيار. الرائد وائل محمود)
على ضوء هذه المعايير والمؤشرات يتضح ان الدولة المغربية تتجه جديا نحو وضع الدولة الفاشلة.ولهذه المؤشرات جذور تاريخية خاصة في جانب تقلص القاعدة الاجتماعية للنظام الى حد ان استمراره كنظام بات مهددا وسقوطه اصبح وشيكا. تلك كانت حالته الاجتماعية والسياسية مطلع سبعينيات القرن الماضي.لقد انتقلت التناقضات العدائية الى داخل النظام المخزني وانفجرت داخليا بمحاولة انقلابية تكررت في اقل من سنة. كيف عالج النظام هذه التناقضات والتصدعات في صفوفه؟
1- فتح مجال توسيع القاعدة الاجتماعية عبر سياسات عمومية وتشريعات تضمن خلق مصالح لفئات مرتبطة بأجهزة الدولة.
2- تغيير البنية الطبقية للقيادات العسكرية.من خلال فتح المجال للقيادات العسكرية للاغتناء بكل الطرق. ومن جهة ثانية اعادة النظر في تركيبة هذه القيادة واختيارها بدقة والاهتمام بطريقة الترقي والمسار المهني والأكاديمي للنخب العسكرية.
3- سن سياسة المغربة وتوزيع الأملاك والشركات الممغربة على فئات اجتماعية مختارة للعب دور الحزام الاجتماعي للملكية بالمغرب.
4- جعل العمل السياسي والاشتغال في قضايا الشأن العام المحلي والوطني مصدرا للتسلق الاجتماعي ومصدرا للريع.هكذا تم انشاء احزاب ادارية وخلق جمعيات مهدت لما هو قائم اليوم في ما يسمى بجمعيات التنمية البشرية والمجتمع المدني الممخزن.
كانت تلك هي استراتيجية صنع النخب التي وضعها نظام الحسن الثاني وطبقها على ارض الواقع لكنها وبشهادة منه اوصلت البلد الى السكتة القلبية. عالجها بعقد حلف مع عبد الرحمان اليوسفي والذي باع حزبه ورصيده التاريخي بثمن فتح المجال الى نخب جديدة لتأخذ حظها من الريع.
استعمل المخزن في عهده الجديد هذا الحل كعجلة احتياط ريثما يرتب اوضاعه وهو ما حصل لما استغنى عن خدمات اليوسفي وعوضه بإدريس جطو.استشعر المخزن إن طبخته نضجت وان الحزب الجديد البام أصبح جاهزا لتسلم المشعل. لكن الرياح جرت بما لم تتوقعه دوائر التخطيط المخزنية. كسرت حركة 20 فبراير كل الحسابات وعلى صخرتها تحطمت النخب الجديدة وانكشفت طبيعتها الارتزاقية.
منذ 2011 وبفعل النفس الثوري الذي هب على منطقتنا تسارعت وثيرة استهلاك النخب وانفضاحها امام عامة الشعوب الثائرة وبينها شعبنا المكافح. واليوم وعلى خلفية الحراك الشعبي الذي انطلق بالريف وامتد الى باقي المناطق فان النظام يعاني ازمة حقيقية في قلبها عدم توفره على ما كان يعتقده نجح في بنائه من جيش متماسك من نخب شابة وعصرية. وفي هذا الاطار كشف خطاب 29 يوليوز حقيقة ان القطاع الخاص استحوذ على الدماء الجديدة وهي غير معنية إلا بمصالحها الفردية ولا يعول عليها في الدفاع عن النظام ودولته. اما القطاع العام وإدارته فهي وكر لجيش من المنتفعين بل اصبحوا عبئا على الدولة ومصدرا لتعميق مشاكلها.
المخزن يعيش فترة خصاص في نخبه ومثقفيه وتقلصا في قاعدته الاجتماعية وتفاقما شديدا في ازمته الاقتصادية. انها عوامل الازمة العامة فكيف يا ترى يتم التعامل معها من طرف القوى المعارضة؟ يتم ذلك بنظرتين متناقضتين تماما:
+ نظرة إصلاحية متخاذلة ترى في ازمة النظام مناسبة للترقي الاجتماعي لها كأحزاب ولقواعدها وللمتعاطفين معها ويتم تبرير ذلك بضرورة التعامل كقوى جدية تسعى لملء الفراغ وتقطع الطريق على الغير، وهي مناسبة للإصلاح من الداخل والمخزن الضعيف مؤهل وقابل بذلك.انها نفس الحجج ونفس التبريرات المقدمة منذ أكثر من 50 سنة. وأثبتت التجربة ان النظام هو من ينجح في مخزنة هؤلاء ويخرج اقوى مما كان عليه من استبداد وتسلط.
+ ونظرة معارضة حازمة ذات افق ثوري تعتبر ان اللحظة هي لحظة اشتداد أزمة النظام وهو غير قابل للإصلاح ولا مجال لإمداده بأسباب البقاء او النجدة وكل محاولة في هذا الاتجاه هي عدم الاخذ بعبر التاريخ وهو بيع للوهم للشعب ولقواه المناضلة. تعتبر من واجبها حشد أكبر قوة اجتماعية وسياسية من اجل تحويل شروط الازمة العامة الى الشروط الموضوعية والذاتية للازمة الثورية التي ستفتح الطريق امام شعبنا بقيادة الطبقة العاملة وعموم الكادحين لتحقيق مجتمع الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية مجتمع متحرر من الهيمنة الامبريالية والاستغلال الطبقي للبرجوازية الوكيلة وملاك الاراضي الكبار.
ان الدولة المغربية وهي تركز كل هذه الصفات والمؤشرات فهي لا محالة سائرة الى المصير المحتوم بان تصبح دولة فاشلة بكل ما يحمله المفهوم من معنى ومن تبعات. ومما يقوي هذا المنحى هو ما يعرفه حراك الريف بصموده وبأشكاله النضالية المتعددة من تعاطف الشعب الامر الذي يفتح اليوم امام المغرب طريقا جديدا نحو التحرر، خاصة وان الحراك مكن لأول مرة في تاريخ المغرب من الربط الجدلي بين النضال الاجتماعي والنضال من اجل المطالب الثقافية وقضايا الخصوصيات الجهوية.