تونس: العدالة الانتقالية، ْالذاكرة وجدل المقاربات

ملاحظات بمناسبة انطلاق جلسات الاستماع العلنيّة للعدالة الانتقاليّة

uali-el-jellouli بقلم علي الجلولي

وأخيرا انطلقت يومي 17 و18 نوفمبر الجاري جلسات الاستماع العلني إلى ضحايا الاستبداد الذي حكم تونس منذ أواسط القرن الماضي، انطلقت هذه الجلسات مصحوبة بلغط كبير وجدل متعاظم في الساحة العامة التونسية.

ولئن انتظر الضحايا والمناضلون هذا اليوم بفارغ الصبر واعتبروا مجرد عيشه هو في حد ذاته حدث عظيم ذو دلالة أقلّها أنّ شيئا ما تغير في البلاد وأنّ ما قضى من أجله عديدون وضحّوا، ها هو يزهر في هذه التربة. لكن في الضفة المقابلة انتصب جيش أنصار الدكتاتورية وأيتامها، خدم الدولة العميقة وحشمها الذين كالوا للجلسات كلّ التّهم، لعلّ أقلّها أنها منذرة بالفتنة وأنها تفتح صفحات ما كان لها أن تفتح. وفي كلّ هذا يُعتبر غياب الرؤساء الثلاث حركة ذات رمزية كبيرة. وهو أنّ هذا المسار الدستوري – كي لا نقول الاستحقاق الثوري – يتمّ اليوم بمقاطعة السلطة ودوائر الحكم في درجاتها المختلفة بما فيها رئاسة السلطة التشريعية التي احتكمت للقرار الحزبي عوضا عن القرار المؤسساتي. إنّ هذا الوضع إنما يعكس حقيقة الأوضاع في بلادنا بعد قرابة ست سنوات من رحيل رأس الدكتاتورية.
العدالة الانتقاليّة اليوم مستهدفة
إنّ غياب الرؤساء الثلاث وكلّ أعضاء الحكومة بمن فيهم القادمين من المعارضة ومن الحركة النقابية (عدا السيدين مهدي بن غربية ومبروك كورشيد) إنما يعكس موقف الائتلاف الحكومي الرجعي الرافض لفتح كتاب الاستبداد وتصفّح تفاصيله المرّة والاطّلاع عليها من قبل التونسيين، كما أنه يعطي رسالة طمأنة للجلاّدين وكلّ المتورّطين في ممارسة الاستبداد الذين يحسّون اليوم أكثر من أيّ وقت مضى بالحماية. وهذا سيمثّل عائقا آخر أمام إحقاق حقوق الضحايا.
لقد كان شعبنا يأمل أن تتمّ على الأقل الجلسة الافتتاحية في القصر الجمهوري وبحضور كلّ مستويات القرار بما يؤذن بالالتزام الرسمي بتطبيق العدالة الانتقالية، لكن رسالة قوية أعطيت اليوم لكل من اعتدى على الشعب التونسي أنهم بمنأى عن المساءلة والمحاسبة وأنّ الإفلات من العقاب سيظلّ سائدا. لكن فات هؤلاء أنّ الجرائم المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان لا تسقط بالتقادم، كما أنّ مثل هكذا سلوك سيستفز أكثر الضحايا وسيجبرهم على مزيد تحدي الجلادين بذكر أسمائهم ونشرها ونشر أكثر ما يمكن من تفاصيل الانتهاكات والإصرار على تتبّع المتسبّبين فيها.
لقد كان من الممكن تمرير رسالة أخرى تتجه أكثر نحو أقل وقت ممكن لقول الحقيقة، لكن هذه المقاطعة المصحوبة بحملة منظّمة من قبل الأزلام وخدم الدولة العميقة من نواب وإعلاميين… تؤكد قناعتنا الراسخة أنّ الاستبداد مازال قائما وأنّ ما رحل ليس سوى رأس حربته، أمّا المنظومة وأسلوب الحكم والعقلية فمازالت معشّشة، وهي تنتعش اليوم تحت حكم النداء/النهضة اللذين ضربا المسار الثوري وتوافقا على التسوية التاريخية بين مستبدّي الأمس وضحاياه ومستبدّي اليوم عبر التحالف الرجعي القائم. إنّ هذا الوضع يطرح على القوى الثورية والتقدمية مهمة التشبث باستكمال مسار العدالة الانتقالية على علاّته وإخلالاته والتصدي للمساومات الحاصلة خاصة بين حركة النهضة التي تساند المسار بضغط من قواعدها الذين تعرّض الآلاف منهم إلى القمع والانتهاك، وحركة النداء التي تضمّ وتعبّر عن مصالح الدولة العميقة ورموزها، وهي مستعدة لأجل ذلك لإسقاط كلّ ملفّاتها، ولا أدلّ على ذلك من الحكم الصادر على المتّهمين باغتيال لطفي نقض. إنّ المسار برمّته وجلسات الاستماع كجزء منه، على الإخلالات التي حوتها، لا يجب أن تكون مسوّغا لدينا لعدم اليقظة تجاه ما يُحاك من مؤامرات بهدف أن تبقى حقبة الاستبداد دون كشف ومساءلة ومحاسبة.

ملاحظات حول جلسات الاستماع الأولى

إنّ انتصارنا للعدالة الانتقالية مسارا وإجراءات لا يعفينا من إبداء بعض الملاحظات النقدية حول تنظيم الحلقة الأولى من جلسات الاستماع العلنية، ففضلا عن أخطاء في التنظيم وفي التغطية الإعلامية، إذ كان يمكن مثلا كتابة أسماء مقدمي الشهادات على الشاشة وذكر تاريخ الانتهاك، كما كان يمكن الترجمة الفورية لشهادة المناضل جلبار النقاش، كما أنّ توزيع الشهادات لم يكن مبنيّا على أسس سليمة، فالتركيز في الحصة الأولى على ضحايا إس الميين والحصة الثانية على شهادتين متتاليت ني لمناضلين يساريين (المناضل بشير عبيدي عن اعتقالات انتفاضة الحوض المنجمي، والمناضل رضا بركاتي عن عائلة الشهيد نبيل بركاتي) لم يكن توزيعا سليما. لقد كان من الممكن اختيار عيّنات ممثلة لأنواع الانتهاكات (تعذيب، قتل، اختفاء قسري، حرمان من العمل، افتكاك أملاك…) وللأجيال (الحركة اليوسفية، الطلبة، عائلات شهداء الثورة، الجرحى…) فضلا عن تمثيل كل الحساسيات السياسية والاجتماعية التي تعرّضت إلى الاضطهاد، ففي هذه الحصص لم يقع تشريك مناضلي التيار القومي (الناصري والبعثي)، وكذلك مناضلي الحركة النقابية (معتقلي جانفي 1978 ، 1985…) فضلا عن الأحداث الكبرى (انتفاضة الخبز…)، فإن وقع الاحتكام إلى مثل هكذا معايير لكان من الممكن حشد جماهير أكثر مناصرة للمسار، ولنَقُص حجم الانتقاد للهيئة ولرئيستها التي أصبحت اليوم شمّاعة لأعداء العدالة وأنصار الدكتاتورية لتنظيم هجومهم حتى لا يعرف شعبنا وخاصة أجياله الجديدة ما عاناه المجتمع طيلة أكثر من نصف قرن من القهر والاستبداد والتعسف. إنّ مناضلات حزب العمال ومناضليه، باعتبارهم مناضلي حرية لا يمكن أن يكونوا إ في صفّ الحقيقة، كلّ الحقيقة من أجل تصفية تركة الدكتاتورية والاطّلاع على ماضي الانتهاكات بأدقّ تفاصيله بما فيها، وعلى رأسها، تسمية الجلاّدين والمتواطئين من مخبرين ووشاة وأطبّاء وقضاة وأعوان سجون ومسؤولين إداريّين وحزبيّين ودبلوماسيّين… ليس بداعي التشهير والانتقام، بل بداعي دفع هؤلاء إلى الاعتراف وطلب الصفح وتجاوز المكابرة، فبمثل هكذا سلوك يمكن أن نسدّ الباب نهائيا أمام عودة الاستبداد ونطمئن إلى مستقبل الأجيال اللاحقة.
إنّ أعوان السلطة التنفيذية والقضائية وغيرهم سيكونون رافضين لانتهاك الحقوق بل ضامنين لها إمّا بمقتضى القناعة – وهذا الأصل – وإمّا بمقتض ى الخوف من التتبّع ولو بعد زمن، وفي الحالتين فإنّ المجتمع هو المستفيد.
إنّ تقدّم الجلاّدين للشهادة والاعتراف وطلب الصفح، وضمان حق التتبع لجميع الضحايا الراغبين في ذلك، والإحالة الآلية لملفات مرتكبي الجرائم الكبرى (القتل، الاغتصاب…) على المحاكم العادلة، من شأنه أن يحمل رسالة قوية ومضمونة الوصول حتى للمسؤولين الحاليين، رسالة تربوية بيداغوجية تنعكس إيجابا في احتكامهم للقانون بمناسبة ممارسة مهامهم، رسالة تنزع عنهم الحماية والإفلات من التتبع والعقاب وتسهّل إلى أبعد حدّ مهمّة إصلاح المؤسسات وهي خطوة أساسية وهدف من أهداف العدالة الانتقالية.
إنّ تطوير المسار في هذا الاتجاه من شأنه أن يؤسّس إلى نموذج تونسي متميّز في الانتقال الديمقراطي الحقيقي لا المزيّف.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com