حسن الصعيب
في توصيف أزمة المثقفين

رغم أن المغرب،يمر بأزمة مركبة :اجتماعية وقيمية، غير مسبوقة في التاريخ ، التي تفرض انخراطا واعيا للمثقفين ،من أجل تفكيك شروط وأسباب تفاقمها ، والمساهمة الجادة ، في النقاش العمومي ، بإدماج جميع الفئات والطبقات الاجتماعية الأكثر تضررا من الأزمة المجتمعية والأخلاقية ، بأفق اجتراح الحلول التي من شأنها تجاوز هذه الأزمة ، والحيلولة دون تكرارها .
غير أن فهم وتوصيف أزمة المثقفين ببلادنا ،مرتبط أشد الارتباط ، بالتحولات التي طالت علاقة المثقف بالسياسة وبشكل أدق بالنظام الساسي القائم،خصوصا مع الانتقال الهادئ والسلس للسلطة من الملك الراحل إلى الملك الحالي، في ظل حكومة عبد الرحمان اليوسفي.
لقد انتفت علاقة التبرم والحيطة التي حكمت سلوك المثقفين، إزاء عهد الحسن الثاني ، عندما احتفلت الدولة سنة 2006بمرور”50سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق 2025″ ، مكرمة نخبة من المثقفين الذين قاموا بتوصيف حالة المغرب بالأرقام والمعطيات السوسيو اقتصادية والمراحل التي قطعها بكل تناقضاتها ودروبها المنعرجة وسبل تجاوزها، من خلال تطبيق سياسات اقتصادية واجتماعية عقلانية، تجد تكثيفها الأمثل في أسس حكم ملكي ديمقراطي وحداثي
لأول مرة في التاريخ الحديث للمغرب، يتم إدماج مثقفين ذوي كفاءات عالية واختصاصات متعددة ، في رسم ملامح مستقبل المغرب ، على ضوء التحديات الاقتصادية والسياسية والثقافية ولكن في إطار من التشيع لنظام الحكم القائم وتوجهاته الأساسية .
إنها علامة بارزة على تحول جديد في علاقة المثقف بالسلطة ومؤشر خطير على القبول الطوعي بتكريس سياسة الصمت إزاء المناطق المعتمة ، حيث تجري الصفقات السياسية والاقتصادية والتسويات الاجتماعية والثقافية ، لإغراق السواد الأعظم من الشعب في مستنقع البؤس واللامساواة الصارخة.
وإذا كانت الألفية الجديدة قد حسمت بطريقة لا يمكن التراجع عنها ، حيث تم تغليب أولوية الميكانيزمات الخاصة بالسوق على الدور الذي كان موكولا للدولة لضمان نمو اقتصادي سريع ، فقد ترجم هذا التحول بالدور الموكول للنخب الاقتصادية في القطاع العام كما في القطاع الخاص ، على حساب النخب الفكرية والسياسية .
ليس بوسع النقد أن يبلغ مداه ، إلا بتجاوز الطرح ألموضوعاتي الذي ينتعش بصورة ملحوظة في الجامعة المغربية ، بارتباط مع الطلب المتزايد لكبريات الشركات المتعددة الاستيطان ومراكز البحت العلمي ذات المصالح المشتركة، التي تمولها وكالات التنمية الدولية الغربية، وبالاستقلال التام عن مراكز القرار الاقتصادي والسياسي الذي يتحكم في الإنتاج الثقافي والفكري في إطار تأبيد علاقات الهيمنة والسيطرة .
حقا، أضحت المهمة المطروحة على المثقف المستقل والنزيه ، في مثل هذه الظروف –عسيرة ومحفوفة بالمخاطر-، إذ تتطلب منه وبدون تأخير التحلي بالشجاعة وروح الإقدام في مواجهة ازدواجية السلطة بمعناها السياسي الذي لا يخلو من مكر وإغراء ، وبمعناها أيضا الفكري الأكثر التباسا والذي يختفي وراء أقنعة متعددة ومختلفة ، أخطرها المؤسسات الثقافية والعلمية ورموزها ذات الكفاءة العالية والرأسمال الثقافي.