مفهوم الإيديولوجيا في منظور ألتوسير

في الكتابات الأولى التأسيسية لألتوسير وبرفقة “مجموعة عمل” التي تحلقت حوله في بداية الستينات، كان الهاجس الكبير الذي يحرك انشغالهم النظري ،هو بلورة تصور علمي حول “الإيديولوجيا”أي تحديد المنطق الذي يقوم عليه كل”إيديولوجيا” بصفة عامة كيفما كان مضمونها ،ومعرفة الميكانيزمات التي تشتغل عليها ،بشكل خاص ،في نظام اجتماعي قائم على التمايز .
وتعد هذه المحاولة جد شائكة ومعقدة ،لأنها تبني مرتكزاتها النظرية من خلال التقاطع المنهجي لعدة علوم إنسانية :التحليل الفرودي وموضوعه العلمي “اللاشعور”وعلم اللغة،وخصوصا ما يتعلق بالكلام والمنطوق والملفوظ،وعلم الاقتصاد السياسي ومضمونه العلمي “صنمية البضاعة”
على خلاف المضمون الخاص للإديولوجيا ،أخد الجانب الآخر ،المتعلق بالطابع الخارجي لمادية وجود” الإيديولوجيا ” الحظ الأوفر من الانتقادات والتعليقات ،لتوفره على وضوح منهجي من جهة أولى وللتأكيد من صلاحيته على مستوى التطبيق من جهة ثانية.لقد كان التصور المادي “للأديولوجيا” عاما كما بلوره ماركس ،وتعمق بشكل منهجي من خلال الإسهام النظري لأنطونيو غرامشي ،بل تم رفعه إلى مستوى المفهوم النظري مع ألتوسير من خلال صياغته المشهورة “الأجهزة الايدولوجية للدولة”.غير أن الطفرة النوعية في تصوره “للإيدلوجيا” هو الذي سيبلوره بشكل عفوي في البداية من خلال قراءته لإيديولوجية” العلم والعلماء”.
سيقف في هذه القراءة حول الادعاء المزعوم ل”الطابع المحايد للعلم”وهو الإشكال الذي لم يستطع لا ماركس ولا أنجلز أن يفكرا فيه يعمق لأنهما عاشا في شروط تاريخية ، كان العلم يتقدم باطراد،ويحقق ثورة كبرى في العقليات والبنيات الاجتماعية والسياسية ، ويشكل سلاحا مضاء في يد الطبقات الصاعدة التقدمية،وهو تصور ورثاه عن فلسفة الأنوار ،الذين كرسوا مفهوما “إيجابيا للعلم” وقد بدأهذا التصور يفقد بريقه وإشعاعه خصوصا مع المرحلة الثانية من المشروع البرجوازي إبان مرحلة “الإمبريالية”عندما تم اكتشاف أن نقل العلم والتكنولوجيا إلى بلدان العالم الثالث ليس بالأمر المحايد،بل هويعكس ويكرس السيطرة الجديدة للغرب الرأسمالي على البلدان المسيطر عليها ،ويبقى على تخلفها وتبعيتها للمراكز الإمبريالية العالمية ،الشيء الذي يقف حائلا أمام تطورها المستقبلي .كما أن العلماء حينما يطورون أبحاثهم العلمية في المعاهد والمختبرات العلمية ،فهم غير مفصولين عن المصالح الكبرى للشركات المتعددة الجنسيات وتصوراتهم العلمية تخترقها الإيديولوجيا السائدة وبعبارة أخرى فهم في غالب الأحيان يؤولون العلوم ونتائجه حسب منطق” الإيديولوجيا السائدة”.
في كتاباته الأخيرة ،ولو بشكل غير مفصل ،لأن الزمن لم يسعفه في ذلك،سيعمق المضمون الطبقي “للإديولوجيا”في مختلف أشكالها الفلسفية والفنية والقانونية والعلمية والسياسية بل سيضيف إضافة مبدعة لمفهوم “الايدولوجيا من خلال تأكيده على السيرورة التاريخية لتشكلها ،والمعارك التي تخوضها في زمن طويل لفرض هيمنتها ، وهو هنا يقدم مثالا تاريخيا لتشكل الإيديولوجيا البرجوازية التي احتاجت إلى أربعة قرون كي تأخذ اكتمالها الواضح وتفرض نفسها “كإديولوجيا مهيمنة ” على الصعيد الكوني ،بحيث قامت على اختراق العلوم ،الفنون ،الآداب ،الثقافات ،الشعوب والمجتمعات والدول .
من خلا هذا التصور نستطيع أن نستشف ميلاد “إيديولوجيا “نقيض ،هي نفسها تحتاج إلى سيرورة تاريخية طويلة ومعقدة،يخلقها ويوجدها “فاعلون متعددون “أي أنها تتبلور ليس فقط من داخل “كتلة العمال والفلاحين” كقاعدة كلاسيكية للتحرر الاجتماعي بل أيضا من جميع الفئات المضطهدة وجميع الشعوب المسيطر عليها وجميع الثقافات والذاكرات المهمشة والمقموعة ،ويمكن القول إننا الآن على عتبة مرحلة جديدة من مسار هذه “الإيديولوجيا النقيض”بعد أن مررنا بالمرحلة الاولى التي كانت غنية بالدروس والدلالات.
حسن الصعيب