اليسار المغربي والمسألة الدينية

إن إخفاق اليسار المغربي في خلق قاعدة شعبية تسند مشروعه السياسي من أجل التحرر الوطني والديمقراطي على طريق بناء الاشتراكية ،ليس مرده فقط إلى القمع الشرس الذي تعرض له طيلة مسيرته الكفاحية ،ولم يسمح له بمراكمة التجارب حتى يتسنى له القبض على الحلقة المركزية في تمتين أواصر الارتباط السياسي والفكري بالجماهير الشعبية، بل يعود إلى عدم تجديد أدوات خطابه وتعميق رؤيته حول مختلف القضايا ومن ضمنها المسألة الدينية التي ظلت حكرا على القوى الرجعية والظلامية والامبريالية تؤولها حسب مصالحها الآنية والإستراتيجية.
من هنا فإن أولى المهام المطروحة علينا هي إعادة بناء تصورنا للمسألة الدينية الذي كانت تحدده نزعة اقتصادية وتصور مادي ميكانيكي وليس جدلي ،مما يجعل علاقتنا بالجماهير علاقة يطبعها الاغتراب وعدم الانصهار في همومها اليومية والتجاوب مع وجدانها .
من أجل استيعاب المسألة الدينية بالمعنى الجدلي ،يلزم تطبيق المنهجية الجدلية بشكل خلاق على التجربة الدينية ،جدلية متحررة من النزعة المادية المبتذلة التي يستغلها الخصوم التي ترى في الأفكار والتصورات وبشكل عام التمثلات الرمزية والإيديولوجية ،باعتبارها مجرد انعكاس بسيط لتطور قوى الإنتاج ،والنزعة العلموية المغرقة في العقلانية الأذاتية ،التي تتجاهل النشاط البشري ،وتعطي قيمة مطلقة للعقل بالمعنى التأملي والتجريدي ،إذ تختزل أبعاد التجربة الإنسانية وكل العلاقات الاجتماعية والثقافية وكل الروابط الدينية والقبلية والاثنية والوقائع السياسية وحتى الفنية أو الروحية فيما هو تجريبي ومادي محض ،أي وضعي معزول عن شروط إنتاجه المتعدد. هذه الجدلية تتجاوز وتنتقد تلك النظرية التي تواصل فلسفة الأنوار ،فتنظر إلى كل المجتمعات على أنها تسير في نفس الخط التاريخي المحتوم ،فتغيب الشروط الخاصة للتطور في التكوينات الاجتماعية المختلفة .
غير أن مضمون هذه الجدلية يتميز بإعطاء مفهوم الاستلاب المجال المركزي لتجاوز جميع النظريات المثالية ذات الطابع الثقافوي ،الذي ينحو إلى تجزيء الظاهرة ،وعزلها عن باقي المكونات الأخرى .
هكذا يمكن تناول المسألة الدينية من زاويتين منهجيتين متكاملتين :استخدام المنهج الأنتربولوجي الذي ينطلق من المحددات الوجودية للكائن البشري ،المرتبط بإشكالية الحياة والموت،وبالمنهج المادي التاريخي الذي يعتبر أن الوجود الاجتماعي هو محدد الوعي الاجتماعي .

تعلمنا الأنتربولوجية أن الإنسان عاش منذ القدم على تلك العلاقة التي تربطه بالطبيعة والكون ،ومهما حاول فهم أسرار هذه الطبيعة والكون وتقدم خطوات جبارة من أجل تطويع الطبيعة لتلبية حاجياته ، بواسطة تقدمه العلمي والتقني،فإنها ستظل تشكل لغزا محيرا ،لأنها تتجاوز محدودية وجوده الخاص الذي يرتبط بفنائه وموته .
ذلك أن مشاكل الحياة والموت لن يجد لها حلا ،وكلما غاص في محاولة فهم كنهها اعتقلته ميتافيزيقيا الوجود المعقدة ،إذن تتميز هذه العلاقة باستلاب أنتروبولوجي ،يتخطى جميع التكوينات الاجتماعية ،لذلك فله طابع الديمومة ولن يندثر من الوجود كما بشرت بذلك الفلسفات العلموية.
إن وجود هذه الظاهرة الأنتروبولوجية في جميع المجتمعات والحضارات ،المنغلقة منها والمتفتحة هي التي تفسر حاجة الإنسان الموضوعية للدين والفن وكل أشكال التعبير الرمزي ،كي يستطيع الرفع من ذاتيته وتجاوز المثبطات التي تعترض حياته الخاصة والعامة ،وتحفزه علة الانخراط بشكل أوسع في الحياة الاجتماعية والسياسية لبلده .
إن هذه المسألة تعاش على مستوى الإحساس وتدخل في المجال الرمزي الذي يتخطى المستوى العقلاني للوجود المادي ،وقد سبق أن عبر عن ذلك بمفهوم “الحساسية” من قبل الفيلسوف الماركسي إرنست بلوخ الذي أعلى من شأن اليوتوبيا والأمل ،وهي تختلف جذريا عن مفهوم التدين المرتبط أساسا بالعبادات.
كما تعلمنا المادية التاريخية ،أن هناك استلابا ثانيا،هو وليد آليات الاستغلال والقهر التي عرفتها جميع المجتمعات الطبقية منذ ميلاد أول مجتمع طبقي حتى هذا اليوم.
إن مضمون هذا الاستلاب في التكوين الرأسمالي ،يأخذ شكل استلابا “سلعيا”أي يجعل من آليات الاستغلال الرأسمالي وما يرافقه بفضل تدخل الايدولوجيا ،من إعادة تكوينه ل”قوانين موضوعية مستقلة عن الناس الفاعلين”وستظل هذه القوانين قائمة إلى الأبد.
إلا أنه في التجربة التاريخية لمجتمعنا ساد قبل الغزو الاستعماري تكوين اجتماعي كانت فيه الهيمنة لنظام سياسي تيوقراطي ،فطبع المجتمع بأكمله ،بطابع مطلق حيث اتخذت فيه الايدولوجية هي الأخرى طابعا مطلقا ،كما هو الشأن بالنسبة للمذهب المالكي الذي يكرس هذه “الشرعية المزعومة” طيلة قرون من تاريخ المغرب.
وإذا كان صحيحا أن انبثاق مسلسل الكفاح الجماهيري في صيرورة إلغاء آليات الاستغلال والقهر الرأسماليين وبالتالي التحرر من الاستلاب الذي تنتجه ،فإن الاستلاب الأول المعبر عنه بالأنتربولوجي سيظل موجودا حتى في ظل مجتمع بدون طبقات.
من خلال هذ المنظور ،وانطلاقا من معايشة التجربة الدينية عند الجماهير ،فإن للدين طابع مزدوج :فهو من جهة تعبير وإحساس عن/وبالوجود من خلال الإيمان ،وفي هذه الحالة ليس هناك دخل لصراع المصالح ولا خطوط لإعادة هيكلة المجتمع في كل زمان ومكان أو طبيعة السلطة المتوافقة مع ذلك الإيمان ،ولا أيضا خطا اقتصاديا ينظم علاقات الناس فيما بينهم حتى يصبح الدين مرادفا لنمط معين من تشكيلة اجتماعية-اقتصادية أو دافعا لاكتمال معتقدات الناس الدينية ،كما تذهب إلى ذلك جميع دعوات الإسلام السياسي،ومن جهة ثانية تعبير عن الاحتجاج ضد الظلم الاجتماعي ،من زاوية أن القيمة المطلقة التي تدعو إلى تعميم الحرية والخير والتقدم تحيل على معطى آخر :معطى التجربة الإنسانية برمتها وفي صيرورتها هي الأكثر التباسا في فهمه من قبل المناضلين.
إن هذ المعنى لا يشكل في نهاية التحليل سوى محفزا إيديولوجيا يرفع من ذاتية الجماهير شريطة تناوله في سياق وتصور يليقان بخدمة أهداف التحرر والتقدم الاجتماعي .
حسن الصعيب