المرور إلى الديمقراتورية بالمغرب والأشكال الجديدة للعمل السوسيو-سياسي
أبراهام السرفاتي

في سياق التفاعل مع أزمة انهيار “الاشتراكية الفعلية”وفي إطار الجواب على الإشكاليات التي فجرتها هذه الأزمة ،من زاوية الربط الجدلي بين الطابع العام والطابع الخاص ،نسوق هذا النص الثاني الذي كتبه في أكتوبر من سنة 1996 في منفاه القسري بباريس.
العرض التالي يستند على الربط بين التأمل النظري والصراع على أرضية المغرب ،في إطار المرور من الدكتاتورية القاسية بشكل خاص إلى الديمقراتورية(democrature)بالمعنى المحدد من طرف كاليانو(galeano) .هذه الفترة الممتدة من 1992 إلى خريف 1996،تلي مباشرة انهيار الاشتراكية المطبقة في شرق أرويا وبالأساس في الاتحاد السوفياتي سابقا والتأمل النظري يأخذ، طبعا ،بعين الاعتبار الدروس المستقاة من هذا الانهيار،لكنه يستند بالدرجة الأولى على تاريخ حركتنا.
فخلال مرحلة النضال السياسي الثوري اللاقانوني ضد الاستبداد،أي التجربة التي امتدت ربع قرن،عرفت حركتنا ، على مستوى المفاهيم التنظيمية،في مرحلة أولى تأثير “الخط الجماهيري”كما حدده ماوتسي تونغ سنوات 43-44 .ثم ،في مواجهة القمع القاسي جدا،تم اللجوء إلى المفهوم اللينيني لمنظمة المحترفين الثوريين.وإذا كان هذا قد مكن بالفعل من تصليب الهيكل السري لبضع سنوات،فإنه قد استنفد فعاليته نظرا لأن الوسط الذي كنا نتغذى منه كان هو الشبيبة المدرسية من من طلبة وتلاميذ وليس الطبقة العاملة المهيكلة سياسيا ،كما هو الشأن في روسيا سنوات 1906-1913.
وفي السنوات الموالية،أي أساسا في الثمانينات ،تمكنت حركتنا من الاستمرار في الفعل ،نتيجة عاملين :المقاومة السياسية داخل السجون والتنظيم الذاتي لقطاعات مهمة من الشبيبة المغربية تحت تأثير هذه المقاومة وتأثير الأفكار السياسية المدافعة عنها ،ضد الرياح والعواصف ،منذ السبعينات.
وهكذا فإن المظاهرات العارمة التي اجتاحت العديد من المدن المغربية في يناير 1984وأخذت طابع انتفاضة في عدة مدن في الشمال ،كان رأس الرمح فيها مجموعات الشباب الحامل لهذه الأفكار ولهذا النموذج.
بعد ذلك تمكن المناضلون داخل السجون ،الذين تقووا بعد اعتقالات 1984-1985 ،من نسج ،ليس بسهولة وبدون كفاح ،إما علاقات نقاش سياسي داخلي أو علاقات مع خارج السجون .ولعبوا بذلك ،دور النواة الثورية بالنسبة للنضالات خارج السجون ،خاصة أن تفكيرهم النظري الخاص ،حول مجموع الإشكالية الثورية في المغرب ،قد اغتنى بدروس هذه النضالات والذي أنضاف إلى مفعول هذه المقاومة ليساهم في بروز حلقات مناضلين عندما بدأ طوق القمع يخف،ثم بشكل كبير عندما فتحت أبواب السجون.
ويمكن أن نحدد المرور من مرحلة الديمقراتورية(democrature)بالإعلان عن (الشبه)عفو عام في يوليوز 1994.
وقد كان أحدنا ،انطلاقا من هذه التجربة ومن فشل الاشتراكية بالاتحاد السوفياتي ،قد اقترح في خريف 1993 التخلي عن المفهوم اللينيني “للحزب الثوري” طليعة مجموع الحركة الثورية ،من أجل تعويضه بمفهوم “الأنوية الثورية” (بالجمع)المنبثقة عن منظمات المجتمع المدني ،التي تمكن بارتباطها ،من بلورة الاستراتيجية الملائمة لمرحلة النضال الحالي (1). سأعود إلى ذلك لاحقا ،لكني أريد أن أوضح بأن مراجعة المفهوم اللينيني للحزب الثوري ،لا تعني التخلي عن مجموع إسهام لينين في نظرية الثورة الاشتراكية في المرحلة الراهنة ،حيث علينا الغرف من هذا الإسهام ومن مجموع إسهام ماركس والذين واصلوا طريقه ،بشكل نقدي ،انطلاقا من المشاكل الملموسة للنضال الثوري في بلداننا (2).
ويمكن أن نخلص كما يلي إطار الفكر والمكتسب الذي يسبق مفاهيمنا الحالية،التي هي طور المخاض نظريا وعمليا ،المتعلقة بالفعل الاجتماعي –السياسي الجذري بالمغرب.
إن نقطة المنطق الأساسية هي الأسبقية المعطاة إلى بروز المجتمع المدني والحركات الاجتماعية النابعة منه، وأريد أن أدقق هنا بأن هذه الحركات هي في نفس الوقت ،ما نسميه “الحركات الاجتماعية الجديدة”وفي هذا الإطار فإن الملف المقدم من طرف مجلة “بدائل الجنوب” (alternatives sud)حول الحركات الاجتماعية الجديدة بأمريكا اللاثينية، كان قد درس باهتمام من طرف مناضلينا كما أن افتتاحيته قد نشرت بالعربية –وكذا الحركات الاجتماعية الأكثر قديما ،أي أساسا النقابات العمالية التي تلعب دورا طلائعيا بالمغرب ،لكن في إطار سيادة تقاليد نابعة من الاستقلالية العمالية أكثر منها تبعية إلى هياكل سياسية متجاوزة.
وقد تمكنا من توضيح أن الشرط الأول للانتماء إلى الحلقات المناضلة التي تبني رصيد حركتنا هو العمل النضالي داخل إحدى منظمات المجتمع المدني وليس الانتماء إلى إحدى “المنظمات القاعدية” للحزب الثوري كما وضع ذلك لينين سنة 1903 ، بل الانتماء والعمل النضالي في إحدى منظمات المجتمع المدني .
وأضيف هنا ،بأنه منذ بداية التسعينيات ،نعيش في المغرب بشكل تصاعدي وأكثر فأكثر،بروز منظمات المجتمع المدني ،وأعطي هنا مثالا “الجمعية الوطنية لحاملي الشهادات المعطلين”.فعدد المعطلين يقدر في المغرب ب200.000 ثلثهم منظم في أغلب المدن المغربية من طرف هذه الجمعية ،النشيطة بشكل كبير والمهيكلة إما كإطار للتعاضد والبحث عن شغل وإما كجمعية للعمل النضالي من أجل الشغل.
يشكل عام ،فإنه تنمو في كل مكان ، أشكال متنوعة وجديدة من منظمات المجتمع المدني ،وفعل المناضلين الجذريين يساهم غالبا في ربط هذه الأشكال فيما بينها و/أو مع الأشكال الأكثر تقليدية والأحسن تنظيما للنقابات العمالية.
النقطة الثانية هي الحذر من هيكلة الحزب المركزي وأكثر عموما ،من شكل –الحزب، وقد أتيحت لي الفرصة لشرح الإطار النظري لذلك في ندوة نظمت في دجنبر 1995 من طرف مركز الدراسات بأمريكا اللاتينية للجامعة الحرة ببروكسيل .
إن الإدراك الملموس لهذه المشاكل من خلال التجربة السياسية للشعب المغربي تفسر هذا الحذر ، ففي مرحلة الديكتوقراطية (dictocratie ) التي بدأنا في الخروج منها ،كانت الأحزاب وأتحدث هنا عن تلك التي كانت .تابعة للسلطة ، يسميها الشعب في المغرب “المخزن” على رسم النظام القديم الماقبل استعماري ذو الطابع الإقطاعي ، وكانت ساقطة في أعين الشعب ، لكن السيرورة العميقة للتطلعات الشعبية أخذت طريقها ،رغم طوق الاستبداد لتصل حتى إلى داخل هذه الأحزاب ونظام الديمقراتورية (democrature )الذي هو طور الولادة يحاول الجواب على المد النضالي داخل هذه الأحزاب والمرتبط بدوره بالمد النضالي في البلاد ، وذلك بانفتاح محدود ومراقب للحياة السياسية والذي يركب بين استمرارية الأجهزة العتيقة للنظام السلطوي وإقامة واجهة سياسية حيث يمكن أن تجري الأشكال الأكثر انحطاطا وارتشاءا للديمقراطية البرلمانية والتي نعرف كم يمكن أن تنحط في بلدنا بالجنوب. كما أن النظام الشديد الحرص ، يأمل كذلك بهذه اللعبة ، تحييد كل أو جزء من المد الإسلامي المتصاعد في بلادنا.
وهذا هو بالضبط رهان “الدستور الجديد” المصادق عليه ب96،99%بواسطة استفتاء 13 شتنبر الأخير بالمغرب، الرهان الذي ينضاف إليه ،تهيئ منطقة التبادل الحر المرتقبة سنة 2002 مع الإتحاد الأوروبي.
ليس المجال هنا للقيام بتحليل مدقق لهذا الدستور ، لكن أدقق أنه رغم كونه هكذا فإنه يمكن أن يسمح بتوسع الفعل السياسي الجذري والحركة الاجتماعية بالمغرب بواسطة الفاعلين الاجتماعيين –السياسيين الجذريين وأساسا المحيط الجهوي، لكنه يجب التأكيد أن عملا كهذا ، لا يمكن أن يكون ذا فاعلية إلا إذا تخلصنا من ضغط الواجهة السياسية ، دون السقوط في رفض هذه الواجهة ، وإن التقدم الممكن يكمن داخل هذا الجدل .
إن التوجه السائد اليوم داخل القوى الجذرية هو الرفض بكل بساطة لهذا الدستور ،وموقف المقاطعة أو عدم المشاركة في استفتاء 13 شتنبر يعبر عن رد فعل صحي لهذه القوى وكذلك لتيارات عميقة وسط الشعب من أجل رفض لعبة المخزن ن وإذا تمكنت هذه القوى وهذه التيارات من تصريف حركتها نحو قطب جذري سيمكن لرد الفعل هذ ان يكون له مفعول إيجابي ودائم.
وإنه هنا حيث يجب على هذه القوى أن تتعلم كيف تتحكم في الجدلية المركبة للوضعية الجديدة ،فالانسياق نحو الاندماج في الواجهة السياسية سيكون بكل وضوح انتحاريا ويترك المجال فارغا ،وسط الجماهير الشعبية ،للحلول التبئيسية المدافع عنها من طرف التيارات الإسلامية الأكثر تشددا ،لكن رفض العمل في الساحة السياسية ،انطلاقا من المجتمع المدني ،سيدفع إلى الانغلاق في المزايدة اللفظية التي ستكون التيارات الإسلامية هي الأقوى فيها دائما ، كما سيؤدي إلى عزل التيارات المناضلة داخل الأحزاب الديمقراطية المشاركة في اللعبة البرلمانية المهادنة ويضعف أكثر القطب الجذري كما سيدفع هذا الشرخ إلى وضع حد للتحالف الضروري مع الطبقات المتوسطة .
‘ن الطريق النضالي يقود إلى اكتساح الديمقراطية من الأسفل ،فبالنضال ،يجب اكتساح المستويات المتوالية للسلطة المحلية والجهوية وطرد سلطة المخزن ، وهنا أساسا أين يتضمن الدستور ازدواجية حقيقية للسلطة في الأقاليم والمدن الكبرى والجهات حيث أنه في مواجهة المجالس المنتخبة فإن كل السلطة التنفيذية تعود إلى العمال المعينين من طرف الملك ..وإن الصراع في مجموع المجتمع المدني بالمدن والجهات ،يجب أن يضع حدا لهذه الازدواجية وفرض إعادة السلطة التنفيذية المحلية والجهوية إلى ممثلي المجالس المنتخبة.
إن الأمر يتعلق بشيء مغاير تماما للعبة البرلمانية التقليدية ، ونرى أنم القوة المحركة تكمن في الجماهير الكادحة وفي قدرتها على التحالف مع الطبقات الوسطى من أجل إنجاح هذا المشروع .إن الأمر يتعلق ، في ثغر الديمقراتورية ، بواسطة الصراع الشعبي إلى قطائع متوالية (rupture) في الزمان كما في المكان ،والتي ستمكن من بناء الأشكال السياسية الجديدة للمستقبل وجعلها تستفيد من الماضي وذلك دون السعي للقيام “بعملية مسح منذ البداية”كما يجعلنا نحلم بذلك النشيد الثوري.
وأضيف أن هذ المسار يمكننا من الجواب على المأزق النظري الذي تركنا فيه فشل التجارب الاشتراكية في هذا القرن ، فمنذ البداية وجه الفكر السياسي الماركسي نقدا صائبا للديمقراطية البرلمانية ، ووضع في مواجهتها طريق الديمقراطية المباشرة ، طريق كمونة باريس والسوفياتات ،لكن هذا الطريق فشل لما تعلق الأمر بنقله إلى المستوى الوطني ،مستوى الدولة ،فبقدر ما تكون الأشكال الديمقراطية التمثيلية قريبة من المنتخبين ، بقدر ما يكون بإمكان هؤلاء مراقبة منتدبيهم ،كما كان الشأن في حالة كمونة باريس ن نتذكر هنا ، أ، هذه المراقبة لم تكن تمر عبر أحزاب بل كانت تمارس بشكل مباشر انطلاقا من المجتمع المدني .
وكيف يمكننا ،انطلاقا من ديمقراطية المشاركة المحلية والجهوية كهذه بناء نظام أعلى على المستوى الوطني .لا توجد هناك وصفة جاهزة للمستقبل ،كما يقول ماركس .فالأعمال النظرية الحالية يمكنها تساعد على شق طرق ، لكن الإبداع الشعبي هو الكفيل بالتدريج وبقدر ما تفتح أمامه ،بواسطة نضاله الخاص ،آفاق جديدة ، هو الكفيل بإيجاد حلول للمستقبل .
إن العمل الجذري انطلاقا من المجتمع المدني الذي لا يستصغران يكون له وزن على الساحة السياسية يعني مختلف التيارات السياسية الجذرية سواء كانت خارج الأحزاب الديمقراطية المشاركة في اللعبة البرلمانية أو داخلها تقارب كهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بواسطة هيئات غير مقننة مثل ملتقى (forum )ديمقراطي ، هيئات تسمح لمختلف هذه التيارات بمقارعة تجاربها وأفكارها مع ترك ، لكل منها ، الحرية المطلقة للعمل في إطاره الخاص ، ولا يمكن لأي من هذه التيارات أن يدعي الهيمنة على الآخر خاصة عندما تتخلص مثل هذه التيارات نهائيا من “الحزب القائد” (partie-guide ) .
أكثر من هذا ،فإن منطق أولوية المجتمع المدني يستلزم أن تتأسس مثل هذه التيارات من طرف مناضلات ومناضلين منبثقين من العمل داخل منظمات المجتمع المدني ومتجذرين داخله ،وتستلزم التخلي النهائي عن كل شكل من “المركزية” حتى ولو سميت “ديمقراطية” والكف عن استمرارية مثل هذه التيارات حتى بلوغ “ثورة” غامضة وغير واضحة .
فكل مرحلة ، تسعى إلى طفرة معينة ،يناسبها تشكيل الأنوية الثورية ،أو التيارات السياسية الجذرية الساعية لتحقيق مثل هذه الطفرة التي تبلور لها مضمونها وخط عملها ،بشكل ديمقراطي في إطار نقاش فكري مرتبط بممارسة كل واحد من هذه الأنوية أو التيارات.
لأنه بعيدا عن الهياكل ، فإن الضامن لاستمرارية السيرورة الثورية في زمنها التاريخي والضامن لنقل التجارب المكتسبة والارتقاء بها إلى المرحلة اللاحقة ،الضامن لكل هذا هو تكون داخل هذه الدينامية ، مناضلين مكونين ومصقولين في مدرسة الصراع والتجدر داخل المجتمع المدني ، لكن مرونة هذه الهياكل ومراجعتها في كل مرحلة من مراحل هذه السيرورة هو الضامن لحيويتها ولمقاومة التحجر الذي يؤدي إليه بكل تأكيد ، استمرار الهيكلة الحزبية ،فخلال الانتقال إلى المرحلة الأعلى تكون بعض هذه الهياكل قادرة على التكيف والأخرى مرغمة على الانقراض أمام القوى الجديد المنبثقة من الحركة الجديدة للمجتمع المدني.
ولقد عاشت حركتنا مثل هذه المرونة خلال الربع قرن الذي تمكنت فيه من الصمود في وجه القمع القاسي جدا ،وقد صمدت نتيجة هذه السيولة التي كانت في نفس الوقت استمرارية في الصراع وفي مقاومة هذا القمع.
واليوم تطرح على حركتنا مشاكل جديدة تماما ، فإذا كانت نواة الحركة قد تكونت من خلال الصراع القاسي داخل السجون والنقاش الذي واكبه ، فإن الانفتاح على عالم الديمقراتورية الجديد يرى مواجهة انبعاث مبدأ المركزية القديم المرتبط بإرادة الحضور على الساحة السياسية أمام الاندفاع تجاه استقلالية الهياكل الجهوية الملائمة في نفس الوقت للقوى الجديدة التي تفرض نفسها ، ولحقائق النضال السياسي الحالية ،لكن المكسب الأخلاقي أساسا ،لسنوات المقاومة والتجربة المعاشة للجدلية بين المرونة والاستمرارية والأهمية المحققة بالنضال داخل المجتمع المدني ،تمكن من الاعتقاد بأن التطور الجاري يمكن من تجاوز مخلفات الماضي الايدولوجية .
ينضاف إلى هذه العوامل الموضوعية والذاتية الايجابية أي كون الأولوية الضرورية هي للنضال على الصعيد المحلي والجهوي هناك واقع أساسي وهو كون عامل الخصوصيات الجهوية يفرض بإلحاح وأكثر فأكثر ،وأن هذا يجد جذوره في تاريخ بلادنا (4)فهو يعود إلى الإشكالية النظرية للإثنية وتمفصلها مع الصراع الطبقي ،تمفصل يكون فيه هذا ليس دائما هو السائد رغم أنه يمكن أن يحلل بصفته محددا .
إننا نعرف أن الماركسية قد أهملت غالبا مثل هذه الإشكالية ،المغرب فيما يخصه بلد ذو جوهر أمازيغي أنضاف إليه العطاء العربي ،وحيث يكون هذا الجوهر أكثر رسوخا فإن مطلب الحكم الذاتي (autonomie) يحوي أكثر الطاقات الثورية الكامنة .
كيف تتحدد الأشكال الملموسة للعمل الاجتماعي-السياسي في مثل هذا السياق ؟
إن تأكيد استمرارية الحركة على الساحة السياسية والاجتماعية وكدا تحولها ،قد تجسد بإصدار جريدة قانونية ،لحد اليوم شهرية ،النهج الديمقراطي ،والتي تشكلت حولها في كل البلاد ،حلقات مناضلين ،هم بدورهم نشيطون في منظمات المجتمع المدني ،وتتشكل بالتدريج هياكل جهوية ،ومنذ بضعة شهور أدت سرعة الأحداث السياسية بالبلاد إلى تشكيل لجنة وطنية للتنسيق ،كما أن سرعة الأحداث هاته إلى جانب استمرارية العقائد المركزوية(dogmescentralistes ) أدت مؤخرا إلى تشكيل سكرتارية وطنية داخل اللجنة الوطنية للتنسيق ،إنه إذا ظهر أنه ينمحي ،فإن التوجه لازال نحو الأولوية للقرار المركزي بدل أن تكون الأولوية للمبادرة الجهوية نرغم أن الأبواب لن تفتح على أشكال جديدة للعمل السياسي الاجتماعي إلا إذا تغلبت المبادرة الجهوية .
إن المشكل الجديد للفعل الاجتماعي-السياسي الذي هو طور الولادة- يجد أساسه في منهجية جديدة نغن هيكل العمل السياسي التقليدي ،إصلاحيا كان أو ثوريا –إذا ما استثنينا الفوضويون(libertaitre)كان ممركزا حول الدولة ،هل يجب إصلاحها أم تدميرها من أجل بناء أخرى ،وإن الحركة الثورية المرتكزة على تأكيد المجتمع المدني ،عليها أساسا في مرحلة أولى تجاهل الدولة وبناء ،دون انتظار ، أسس مجتمع جديد ،منع الدولة من الوقوف في وجه هذا البناء ،إن منهجية كهذه تنهل كثيرا من الفوضويين وأعتقد منذ مدة أن انتصار ماركس السياسي على باكونين قد كان قويا جدا مما همش لوقت طويل طاقات باكونين النظرية.
وسنلاحظ أن منهجية شياباس (chiapas) تستند على نفس التصور ،لكن أضيف أن منهجية كهذه لا تقتضي بالضرورة ،كنقطة المنطلق وجود نواة مسلحة ،ففي بدية 1995 وفي قلب جبال الريف ،كان رئيس جماعة قروية ،جماعة التي يتطابق مجالها مع الهياكل القبلية القديمة المنشقة على السلطة المركزية ،كان هذا يعني بالنسبة لممثل السلطة المركزية في الجهة بأن جماعته تسترجع حقوقها القديمة على الغابة التي انتزعتها السلطة المركزية منذ أكثر من أربعين سنة ،ولم يستطع العامل ،الذي كان قبل بضع سنوات شديد البأس ،مواجهة مثل هذه الجماعات .
إن مثل هذا المثال لم ينتشر بعد في الريف ،وإحدى الأسباب هي كون المناضلين بالجهة لا زالوا مقيدين بالهياكل المركزية ،مع ذلك فإن هذ هو مسار الأشكال الجديدة للعمل الاجتماعي-السياسي التي من المفترض أن تكون التيارات المناضلة هي المحفزة فيه ،إن مثل هذا الدور قد تبلور بالنسبة للعمل الاجتماعي في بعض المدن والمراكز المنجمية ،كما كان الشأن مثلا في الشهور الأخيرة ،والحركة لم تنته ،،بالنسبة لمساندة نضال حاملي الشهادات المعطلين بالرباط ،حيث تمكن المناضلين من تمفصل هذا النضال مع الحركة العمالية ،وكذلك دعم هم للنضال الطويل والبطولي للعمال المنجميين بجبل عوام ،بوسط المغرب ،ضد إغلاق منجمهم والذي حال دون عزل هذا النضال وشكل عاملا أساسيا من أجل الدعم الوطني والدولي والذي أرغم في النهاية على إعادة فتح المنجم .
إننا نرى في هذ الأمثلة المختلفة ،بأن جوهر المشكل ليس هو “المطلب” بل هو بناء بديل سويسيو-سياسي،بديل يمسك فيه العمال في المدن كما في البوادي مصيرهم في أيديهم .
وإذا كان يجب أن يخاض مثل هذا النضال على كل الجهات ،فإن الحلقة الضعيفة ،في ظل الشروط الملموسة الحالية بالمغرب،هي النضال من أجل الحكم الذاتي الجهوي وذلك في الجهات المطبوعة أكثر بالخصوصية الجهوية وكذا بتقاليد الانشقاق على النظام المركزي ،والأقطاب الثلاثة ،التي لا تقبل التجزئ ،لهذه المعركة تستند على الصيغ :الهوية ،الديمقراطية ،التنمية ،وهذه الأخيرة بمعنى التنمية الذاتية ،وكنت قد كتبت منذ مدة أنه عكس المفهوم التكنوقراطي للتنمية فإن هذه تعني :”انبثاق وازدهار الطاقات الخلاقة لكل إنسان في المجتمع ” هذا هو الهدف الأساسي للنضال الثوري وهكذا يجب أن تكون الاشتراكية .
وكخلاصة لهذا العرض ،سأركز الاختيارات الأساسية التي على المغرب مواجهتها اليوم :
كما قلت ذلك في بداية هذا العرض ،فإن المرور إلى الديمقراتورية والدستور الذي ينجم عنها ،تشكل بالنسبة للأوساط السائدة في البلاد وللذين يدعمونهم من الرأسمال الدولي الكبير ،تشكل الإطار الذي يمكن للسلطة المخزنية القديمة وللبرجوازية الوكيلة ،أن تنسق فيه مطامعها للاندماج في منطقة التبادل الحر المستقبلية مع أروبا ،أي التحول إلى “مكسيك أروبا” كما قيل ذلك منذ سنوات.
إن الأهداف المركزية للمعركة الحالية ،والتي يقود تحقيقها إلى أحداث قطيعة مع الوضع السائد هي :
– بلورة وتطبيق دستور ديمقراطي من طرف مؤتمر الشعب التأسيسي المنبثق من المجتمع المدني .
– بديل تجاه الليبرالية الجديدة بواسطة تنمية داخلية(endogene)
– المساهمة بنشاط في بناء المغرب العربي-الأمازيغي الديمقراطي ،المتضامن مع مجموع الشعوب العربية وبالدرجة الأولى الشعب الفلسطيني
– علاقات التكامل ،وغير التابعة ،مع أروبا المتحررة من وصاية الأسواق المالية ومن الليبرالية الجديدة.
الهوامش

1- أبراهام السرفاتي :مجلة إلى الأمام “العدد7،باريس شتنبر 1993
2- بيان المنظمة المغربية “إلى الأمام” بمناسبة الذكرى 25/غشت 1995
3- أبراهام السرفاتي :”انبثاق المجتمع المدني في السياسة في عصر الحداثة بروكسيل 11-12-95
4- التناقض الأساسي والتناقض الرئيسي في الصراع الطبقي بالمغرب
5- “المضمون الاجتماعي للثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية “مجلة إلى الأمام العدد 17/18 السلسلة الثانية ماي 1991 .

حسن الصعيب