نظرية الحزب عند روزا لكسمبورغ

نجحت اللينينية لأنها تماهت مع شروط عصرها التاريخية وأبدعت فيها ،غير أن مفارقاتها تكمن في كونها ،تحولت إلى ما يشبه “أسطورة تاريخية” في مخيلة الحركة الشيوعية ،ومنعتها من امتلاك نظريتها الخاصة ،حسب تنوع الأوضاع وتبدل العصور ،وحدها روزا شهيدة الحركة الشيوعي كانت تملك الشجاعة والقدرة على السجال ،في مواجهة اللينينية في ظل أوج عطائها وانتشارها في كافة المعمور.
صاغت روزا نظريتها في الحزب من خلال مقالة مكتفة ،تحت عنوان :”القضايا التنظيمية للاشتراكية –الديمقراطية الروسية ” سنة 1904،ثم كراسة “الإضراب العام “سنة 1906 .وإن كانت تصوراتها حول طبيعة ومضمون الحزب الثوري ،تكتسي طابعا سجاليا مع اللينينية والكاوتسكية ،فهي في ذات الوقت تعكس أطروحة متماسكة ،التي تجد جذورها في الأوضاع العامة للحركة العمالية الألمانية وعلى الخصوص في جناحها الثوري الذي خاض صراعات مريرة ضد الاتجاهات الانتهازية التي سادت خلال مرحلة 1903-1906 وعلى الخصوص في المجموعة البرلمانية في الحزب الاشتراكي الألماني،إذ كان حزبا جماهيريا شرعي ومنظم بشكل جيد .
وكأقلية يسارية في النقابة المرتبطة بالحزب الاشتراكي الديمقراطي ،خاضت معركة بدون هوادة ضد التيارات اللاديمقراطية والمركزية البيروقراطية والنقابية الإصلاحية ومختلف المثقفين الذين اعتبروا أنفسهم قادة على “الجماهير العمياء”.
إن أهم ما يميز أطروحة روزا هو الانطلاق من رؤية شمولية غير مركزية لمنظور الاشتراكي الديمقراطي وأخذ بعين الاعتبار درجات التطور الاقتصادي والسياسي لكل بلد رأسمالي أكان ضعيفا أو متقدما ،والتعامل بالمثل مع النقد الذي يتبلور في بيئة مختلفة عن بيئة أخرى .
في هذا الصدد تشير روزا ،إلى أن الواقع الروسي يتميز عن الواقع الألماني بكون الأول يخفي هيمنة الطبقة البرجوازية ،لذلك فهو يكسب رغما عنه تعاليم الصراع الطبقي الاشتراكي الحقيقية طابعا دعائيا مجردا ،والتحريض السياسي المباشر طابعا ديمقراطيا ثوريا بشكل أساسي .
بينما في ألمانيا سعى قانون ملاحقة الاشتراكيين إلى إخراج الطبقة العاملة من الإطار الدستوري وسط مجتمع متطور جدا وتناقضات طبقية مكشوفة كليا وناضجة في إطار النظام البرلماني.
وإذ تعيد بكل شفافية الخطاطة الماركسية لتنظيم الطبقة العاملة ،تنأى بوعي حاد عن الخطاطة اللينينية المطبوعة بالإيديولوجية ،موضحة بالقول :”لا يعتبر ولا يعد التنظيم منتجا مصطنعا للدعاية بل منتجا تاريخيا للصراع الطبقي ،لا تؤثر فيه الاشتراكية الديمقراطية سوى من خلال الوعي السياسي .وبقدرما تكون الحركة الطبقية البرجوازية متفتحة وسابقة عن الحركة الاشتراكية الديمقراطية ،تضطلع بقدر كبير بتحقيق التحام سياسي للعمال .كما يقول البيان الشيوعي “إن التضامن الحاشد للعمال ..لا يعد ثمرة اتحادهم، بل ثمرة اتحاد البرجوازية”
تتعقد مسألة بناء التنظيم ليس فقط في غياب تقاليد سياسية برجوازية ،وإنما أساسا من “العدم” من دون المادة السياسية الخام التي يقوم المجتمع البرجوازي عادة بتحضيرها .
اكتساب الوعي من منظور روزا لا يتأتى عن طريق التحريض من خلال المناشير ولكن من خلال التجربة الثورية والفعل المباشر والاستقلال الذاتي للطبقة العاملة .تبدو هنا روزا مخلصة لنظرية ماركس للثورة ،ففي البراكسيس الثوري يتم تغيير الواقع ومن خلاله تغيير الوعي الطبقي ،ذلك أن الوعي الثوري لا يمكن تعميمه إلا في لحظات المد الثوري كما أن التغيير العميق لأوضاع الجماهير لا يمكنه أن يتجسد إلا في الثورة .
تنتقد بقوة الحياد المجرد لبرشتاين و الاقتصادوية الميكانيكية لكاوتسكي ،فالأول يعتبر أن شرط تغيير عقلية الشعب هو الشرط الأساسي لتجسيد “العدالة الاجتماعية” بينما الثاني يعتبر أن التطور الاقتصادي الموضوعي هو الذي “يؤدي “إلى الاشتراكية.
وانطلاقا من سنة 1905 ستناضل روزا ضد الاستراتيجية الانتظارية السلبية ،التي تعرقل تطور وعي الطبقة العاملة وتحجر عليها ، تحت قيادة كاوتسكي،وببلورة تاكتيك وإستراتيجية تتجاوز التعارض أو التناقض بين برنامج الإصلاح وبرنامج الثورة من خلال استراتيجية الإضراب العام الذي طرحته سنة 1906 ضد (البيروقراطية النقابية) وفي سنة 1910 رأت في هذا التوجه القدرة على تحويل النضالات النقابية أو المعركة من أجل الانتخابات العامة إلى حركة ثورية عارمة كما رأت في النهوض الجارف للجماهير العمالية نهاية الفصل بين النضال النقابي /الاقتصادي والنضال السياسي /الثوري ورافضة التعارض بين “الوعي تراداينوتست”و”الوعي الاشتراكي الديمقراطي “للينين .
إن الاشتراكيين الروس تتحدد مهمتهم التنظيمية في “تجاوز نمط التنظيم المتشظي والتنظيم الدائري المحلي المستقل تماما ،ذلك الذي يلائم المرحلة التحضيرية للحركة ،التي يغلب عليها الطابع الدعائي كما هو التنظيم المطلوب لتحرك سياسي موحد للجماهير في أنحاء الدولة كافة .لذلك أصبح الشعار هو المركزة “
“هذا الفهم الدي عبر عنه الكتاب بشكل عميق ومستفيض هو تصور لمركزية لا هوادة فيها “،مبدؤها الحياتي هو من ناحية الإبراز الحاد للمجموعات المنظمة من الثوار الفاعلين المتميزين وعزلها عن البيئة المحيطة بها ،حيث اللجنة المركزية تبدو في صورة النواة النشطة فعليا للحزب وباقي الهيئات الأخرى مجرد أدوات تنفيذية تابعة لها .
ويقترح بدلا عن ذلك خليطا فيدراليا من عدد لا يحصى من المنظمات الخاصة الوطنية والمحلية وبتحديد درجة المركزية الأكبر أو الأقل وطبيعة الأقرب داخل الاشتراكية الديمقراطية الروسية الموحدة “
سيرد بقوة لينين على ملاحظات روزا في كراس” خطوة إلى الأمام..خطوتان للوراء ” مشيرا إلى الطابع الخاص للثورة في روسيا ، إن الأهم في الجوانب التنظيمية الخاصة بالمتطلبات الشكلية لأي منظمة هي الشروط الخاصة بالنضال البروليتاري.
تنتقد هنا روزا الطابع اليعقوبي –البلانكي على سبيل المثال حيث يقلل لينين من الأمر بالقول :”أن الاشتراكي الديمقراطي الثوري ليس سوى اليعقوبي المرتبط برباط لا فصام منه بتنظيم البروليتاريا الواعية طبقيا”
وفي ردها تقترح روزا “إعادة تقييم لمفاهيم التنظيم ومضمون مصطلح المركزية وصيغة جديدة للعلاقة المتبادلة بين التنظيم والنضال .
وتشرح روزا أن “التنظيم ينبثق أثناء نضال البروليتاريا وأن تكتيكها النضالي ليس جاهزا بتفاصيل تابثة معدة مسبقا ،كما يحدث في تنظيم بلانكي حيث التنظيم والتوعية والنضال لحظات مختلفة للعملية.كما تتطلب عملية النضال الخالقة للتنظيم تقلبا دائما لمجال نفوذ الاشتراكية الديمقراطية .وتتخذ السمة العمياء والطاعة لمناضلي الحزب لآلية السلطة المركزية وعدم وضع حجاب مطلق بين النواة المنظمة داخل كادر الحزب من البروليتاريا الواعية طبقيا ،وبين الطبقة المحيطة التي سبق وأن تأثرت بالصراع الطبقي وتخوض غمار عملية التوعية الطبقية .
حسب اعتقاد روزا فهناك تماثل مفهوم التنظيم المركزي عند لينين بالتطبيق الآلي لمبادئ التنظيم البلانكي
إن مهام “الاشتراكي –الديمقراطي “هي إلغاء التعارض بين “القادة” و”الجماهير المقودة” وبين رجال الدولة والجسم الهش ل”جموع عمياء”
تناضل روزا ضد هذه الأطروحة التي تعتبرها الأساس التاريخي لكل هيمنة طبقية.
لا يوجد شيء يحمي الحركة العمالية من جميع أشكال الاستغلال الانتهازي من جانب أنتلجنسيا طموحة ،مثل التوكيد الذاتي الثوري للعمال ،وتقوية شعورهم بالمسؤولية السياسية .
إن الحركة الاشتراكية الديمقراطية هي حركة جماهيرية وأن العقبات التي تقف في طريقها لا تنبع من رؤوس البشر ،بل من شروط اجتماعية ،لدا لا يمكن مسبقا منع الانحرافات الانتهازية ،لابد بداية ،وبعد أن تكون قد أخذت شكلا ملموسا في الواقع العملي من التغلب عليها بواسطة الحركة نفسها ولكن بمساعدة الأسلحة التي تقدمها الماركسية من هذا المنظور تظهر الانتهازية أيضا كمنبع للحركة العمالية نفسها ،كلحظة لا يمكن تفاديها في تطورها التاريخي . أن الذات الوحيدة المخولة بدور التوجيه هي الأنا الجماهيرية للطبقة العاملة التي تصر تماما على أن ترتكب أخطائها وأن تتعلم الديالكتيك تاريخيا ، وإلى درجة كبيرة أكثر وأكثر إثمارا من عصمة أفضل “اللجان المركزية” .
إن فشل ثورة 1919 قد أكد بوضوح حدود “العفوية” وضرورة الدور الحيوي للطليعة الثورية القوية ،وفي كتاباتها الأخيرة قبل استشهادها أكدت على الحاجة إلى” قيادة واضحة وقادة مجربين بشكل محدد”
نخلص من هذا العرض إلى القول بأن اللينينية نجحت في الطور الأول والثاني في استتباب وترسيخ أول ثورة اشتراكية لكنها فشلت في الحفاظ عليها لأنها حافظت على نفس البناء السياسي والتنظيمي الذي أدى إلى إنجاز الثورة لكنها لم تغير هذا البناء عندما انتفت شروطه التاريخية ،ويعتبر في هذا الصدد إسهام روزا هو بمثابة الجواب المستقبلي عن هذا الإخفاق .ويبقى هذا الإرث المزدوج مشاعا جماعيا لكل الشعوب والحركات السياسية التواقة إلى تجاوز الرأسمالية وبناء اشتراكية حقيقية متجاوزة للأولى أي “الاشتراكية الفعلية”التي طبقت سابقا في الاتحاد السوفياتي وأوربا الشرقية.