القوى الفاعلة وتأثيرها في المجال الثقافي

“الثقافة هي ما تبقى في الذهن” دستوفسكي

الثقافة هي تعبير عميق عن درجة تطور الوعي، يعكسه السلوك اليومي للأفراد والجماعات والشرائح والطبقات الاجتماعية من خلال نشاطهم الاجتماعي والاقتصادي كما تحدده مواقفهم العامة إزاء مختلف الصراعات الاجتماعية و الرهانات السياسية والأنطولوجية التي تقرر في مصائرهم آنا ومستقبلا. لكن هذا الوعي مرتبط في سياق تحولاته، اشد الارتباط بجهاز الدولة المستند الى تشكيلة اجتماعية-اقتصادية في لحظة تاريخية معينة.
غير أن هذا الوعي من حيث كونه صيرورة، تصنعه النخب الثقافية والعلمية والسياسية، التي تمتلك رأسمالا رمزيا وكفاءات تنظيمية، على قاعدة التعارض أو التوافق مع إستراتيجية الدولة التي تعبر عن مصلحة طبقة محددة أو طبقات مختلفة في الراهن أو المستقبل.
وتتمظهر الثقافة باعتبارها وعاءا للوعي داخل المجتمع من خلال تفاعل متنوع ومتعدد لحقول اجتماعية مختلفة كمثل الحقل الديني والتربوي والرياضي والفني والقيمي والحقوقي والإعلامي والسياسي والفلسفي والعلمي، كما تكتسب القدرة على الحياة والاستمرار في الوجود من خلال النهوض بها عن طريق مؤسسات قائمة الذات وتتمتع بالمشروعية القانونية والسياسية والدينية.
وبحكم أن الطبقات السائدة تسعى الى تأبيد سيطرتها الاقتصادية والسياسية من خلال فرض نموذج معين للتربية والثقافة، فهي بالضرورة تحوز على القوة المادية لتمويل مشروعها الثقافي وتوجيهه وترسيخه في المجتمع لأمد طويل، وفي المقابل تسعى الطبقات المسودة عبر مثقفيها إلى خلخلة هذه الثقافة والعمل على تقويضها بأفق تغييرها من خلال مشروع اجتماعي وسياسي متكامل.
في هذا السياق، تتصارع مختلف القوى الاجتماعية والسياسية وتراهن على إنجاح مشاريعها الثقافية كمدخل أساسي للسيطرة السياسية، من هنا تأتي مراهنة كل طبقة أو تحالف طبقات اجتماعية على الظفر بالمعركة الثقافية قبل المعركة السياسية.
انطلاقا من هذا التعريف الموجز والمركز للثقافة، ماهي القوى الفاعلة ومدى تأثيرها في المجال الثقافي؟
الدولة: القوة الضاربة
منذ حسم السلطة لصالح القصر غداة “الاستقلال” بعد تصفية أعضاء جيش التحرير ورموز المقاومة السياسية، سيعتمد على جهاز دولته المخزنية الناشئ، منطلقا لنصائحه وتعليماته في صياغة المنظور الثقافي والمعرفي الذي ستسير عليه الدولة فيما بعد.
ورثت المؤسسة الملكية تراثا ثقافيا وسياسيا هائلا وعلى الخصوص ماسمي “بالآداب السلطانية” التي تداولها سلاطين المغرب عبر عصور وهي عبارة عن كتابات ونصائح سياسية ألفها كتاب السلاطين، وبلغة العصر مثقفو البلاط منذ حدث “انقلاب الخلافة الى ملك” وتقوم في أساسها على مبدأ ” نصيحة أولي الامر وحكم العامة من الشعب” وفي هذا الصدد قدم علال الفاسي نصيحته الى الملك الحسن الثاني عند الإعداد لأول دستور ممنوح سنة 1962، والتي بموجبها أصبح الدستور المغربي يتضمن لأول مرة مفهوم “إمارة المؤمنين” وقد كان علال الفاسي متأثرا بكتابات الماوردي الذي يعتبر الامارة قسمين: إمارة استكفاء وإمارة امتلاء.
وقد سبق لمحمد عابد الجابري في كتابه القيم “العقل السياسي العربي” ان انتقد هذا التصور حينما اعتبر: “العقل العربي كان مسكونا ببنية المماثلة بين الالاه والأمير وهو تقديس الحاكم وتسويغ استبداده لتماهي إرادته مع الإرادة “الالاهية”.
يعتبر هذا التحول في مسار الدولة المخزنية، بمثابة النبتة الأصلية التي تطورت عبر عقود وأنجبت ما نسميه اليوم بالثقافة التقليدية القائمة على تمجيد “الطاعة العامة والخاصة وخاصة الخاصة لسلاطينها” حسب تعبير الأديب السلطاني ابن إبراهيم السباعي(1914).
من هنا نفهم الأسس الثقافية التي انبنى عليها التعليم وإنتاج المعارف الدينية والفكرية والسياسية والتصورات الاجتماعية للفرد والمجتمع من خلال تكريس تعليم نخبوي وإنتاج مؤسسات تربوية واجتماعية كالأسرة ومؤسسات أخرى موازية ثقافية وسياسية واقتصادية تعيد إنتاج نفس البنيات التقليدية المتخلفة.
يضاف الى ذلك، الدور التاريخي الذي قام به المستعمر الفرنسي من خلال المهمات السياسية والاديولوجية التي انيطت بالجنرال “ليوطي” الذي يعتبر المهندس الأول لمسلسل تحديث بنيات الدولة وهياكلها القانونية مع إرفاقها بمخطط الحفاظ على أشكال ومضامين المؤسسات الاجتماعية والثقافية التقليدية، عن طريق استثماره لكم هائل من الدراسات والأبحاث الاثنوغرافية التي ألفها مستشرقون فرنسيون وأجانب، واليه تدين الدولة القائمة بجميل الإبقاء على السلطة الثقافية للمخزن الى جانب الإبقاء على البنيات الاقتصادية الاستعمارية الرأسمالية، وهو ما ولد هذا الفضاء الثقافي العجيب والمزدوج: أصيل ومعاصر في تناغم كبير يخدم الاستبداد من جهة ويكرس التبعية السياسية والاقتصادية للغرب الرأسمالي من جهة أخرى، وهذا يفسر الى حد ما الدلالة الثقافية التي جعلت حزبا حديثا يجمع في بنية واحدة مثقفي البلاط والأعيان وممثلي البرجوازية الوكيلة وقدماء مناضلي اليسار الجذري الذين تحولوا الى مثقفين حداثيين بتسمية حزبه “بحزب الأصالة والمعاصرة”.
وفي توليفة غريبة أصبحت الثقافة الرائجة في المجتمع تجمع بين نقيضين في المظهر لكنهما متوحدان في الجوهر، ذلك أن الثقافة التقليدية تحاول المزج بين العروبة والإسلام والنزعة الوطنية الشوفينية، التي تمجد ماضي السلاطين وتاريخ سياستهم الاستبدادية على مر العصور، بينما الثقافة العصرية أو الحديثة تحاول المزج بين الفرنكوفونية باعتبارها نزعة استعمارية والمنتجات الفكرية والأدبية والعلمية والسياسية للحضارة الغربية مضفية عليها جوهرا ثقافيا نقيا ستتحول فيما بعد الى شكل من أشكال العنصرية الثقافية.
اكتسحت الثقافة التقليدية ذات المضمون الرجعي الفضاء الاجتماعي برمته من خلال الأجهزة الإيديولوجية للنظام، وخاصة المدرسة، العائلة، التلفزيون والراديو والمجلات، المجالس العلمية الدينية، جمعيات الكشفية الحسنية والدينية بدور الشباب، الفرق الرياضية والموسيقية، السينما والمسارح بالحواضر، فيما تم تنظيم المواسم السنوية وتنشيط الزوايا ومدارس التعليم العتيق بالبوادي.
إضافة الى إنعاش الثقافة الفرنكوفونية من خلال المراكز الثقافية الفرنسية والمنشورات الثقافية والأدبية والملتقيات والندوات والمؤتمرات التفافية، يحركها مثقفون مخضرمون متخرجون من المعاهد العليا الفرنسية والأجنبية والمعينون في مراكز حساسة في هرم السلطة.
الحركة التقدمية واليسارية وانبثاق مسلسل الممانعة:
أمام هذا الاكتساح الشامل الآتي من القمة، وكرد فعل طبيعي انبثقت الحركة التقدمية واليسارية، متأثرة بالمد القومي الناصري في المشرق العربي، وبحركات التحرر في العالم الثالث المنضوية تحث لواء “مؤتمر باندونغ” التي تطالب شعوبها بالتحرر من الامبريالية، هذا من جهة ومن جهة أخرى بالمعسكر الاشتراكي وحركات اليسار الجديد في أوربا الغربية.
فانبرى عدد من المثقفين المنحدرين من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة الى الدفاع عن جوهر الثقافة التقدمية والتحررية والدعوة الى ترسيخ قيم المواطنة وحقوق الإنسان والفكر العقلاني والعلمي من خلال المنشورات الأدبية والجمعيات الثقافية والأندية السينمائية والكتب التقدمية. وقد شهدت الثانويات و الجامعات انتعاشا ثقافيا بامتياز إبان مرحلة الستينيات والسبعينيات في إطار” النقابة الوطنية للتلاميذ” و”الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” و”الجامعة الوطنية للتعليم” و”النقابة الوطنية للتعليم” وجسدت جسرا للتواصل الثقافي والإيديولوجي مع فئات واسعة من الجماهير الشعبية في الأحياء وفي القلعات البروليتارية و الفضاءات العامة، وتعتبر هذه المرحلة الى حدود الثمانينيات فترة ازدهار الثقافة التقدمية واليسارية، تميزت بالإبداع والنقد في عدة مجالات فكرية وأدبية وفنية “الأغنية والمسرح والسينما في إطار الثقافة الملتزمة” وأفرزت أطرا فكرية أغنت بتجربتها الممارسات الاجتماعية والسياسية لنضال الجماهير الشعبية ضد الاستبداد والليبرالية المتوحشة.
غير أن هذه الدورة في الإنتاج والإبداع ستعرف فتورا ثم تراجعا مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات التي تزامنت مع انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين وتعمقت أكثر مع دخول العالم في ألفية جديدة تتسم بالهجوم النيوليبرالي، فحصل تحول جديد لصالح البرجوازية الوكيلة ودولتها المخزنية ، وستعرف أوجها مع نهاية تجربة حكومة التناوب المأساوية.
البرجوازية تنتزع المبادرة وتعيد التحكم في المجال الثقافي.
اتسمت مرحلة التسعينيات بمسلسل خوصصة القطاع العام وعلى رأسها قطاع التعليم والتربية والإعلام من خلال احتضان المغرب لاتفاقية ألغات بمراكش سنة 1994، والانضمام الى المنظمة العالمية للتجارة سنة 1995، والتوقيع على بنودها سنة 2001، أصبحت معها البرجوازية الوكيلة والشركات المتعددة الجنسية هي الوصية على تمويل المشاريع والأنشطة الثقافية والفنية في إطار القانون الدولي المنظم لحقوق الملكية الفكرية والعلمية، التي تمنح الشركات وحدها حق احتكار السوق الثقافية فتزايدت معدلات الأرباح بالنسبة لشركات الإشهار التي تمول الأنشطة الترفيهية والبرامج الثقافية في القناتين التلفزيتين والإذاعات الخاصة كما تمول الجرائد المستقلة والمنشورات الأسبوعية كما أصبحت مختلف الشركات تسهر على تنظيم الملتقيات الرياضية وتمويل الفرق الرياضية وإقامة المهرجانات الغنائية والسينمائية، وسارت على هذا المنوال الابناك التي أصبحت وراء شهرة عدد من الفنانين التشكيليين، من خلال إقامة معارض في الداخل والخارج، واقتناء لوحاتهم باثمنة غالية جدا. وانخرط عدد كبير من المثقفين ذوي الكفاءات العالية في عدد من مراكز البحث العلمي التي تمولها الشركات الأجنبية والمساعدات الدولية في إطار اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.
وقد انتهت تلك المرحلة التي كان فيها المثقف النزيه ينزع الى الالتزام بالقضايا العادلة من منطلق التطوع دون تكسب من هذه الجهة أو تلك، كما انتهت معها مرحلة دور الشباب التي كانت خزانا وملاذا لعدد من المواهب الثقافية والفنية وعوضت بأنشطة الجمعيات الدينية، كما تلاشى الدور الطليعي للثانوية والجامعة في فرز الأطر الفكرية والسياسية، فيما اقتصر دور الدولة في ضبط الحقل الديني بالترويج بقوة للمذهب المالكي كأحد التيارات الرجعية في تأويل الدين الإسلامي، وإعادة تنظيمه مع محاصرة أي نشاط ديني مخالف لذلك، وفي الوقت ذاته التعامل بمرونة مع المذهب الوهابي بسبب الدعم المالي والسياسي الذي تقدمه المماليك الخليجية للمغرب. كما تركز دورها في الحفاظ على ثوابت المؤسسة الملكية في برامج التعليم والتربية والإعلام وفي مختلف المؤسسات القضائية والإدارية والاجتماعية.
وإذا كانت الجمعيات النسائية والجمعيات الثقافية الامازيغية قد برزت بقوة خلال هذه الفترة فالأمر يعود بالأساس الى التمويل الذي تتلقاه من المنظمات الدولية بحيث أصبحت لها مقرات وفروع وتشغل إداريين ومستخدمين لتحويلها الى وكالات إحصاء نسب العنف الممارس ضد النساء والأطفال والدعم النفسي والقانوني المقدم لهن، مع تحديد سقف سياسي لمطالبهن الثقافية والاجتماعية لا يخرج عن طبيعة النظام السياسي القائم كما لا يتجاوز حدود المطالب السياسية للمانحين، وإدماج الثقافة الامازيغية في المشروع الفرانكفوني الى درجة أن بعض الأطر والجمعيات الامازيغية قد سعت الى التطبيع مع إسرائيل بشكل سافر والدفاع عن المشروع الصهيوني.
وحدها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ظلت صامدة تقاوم الاستبداد والتعسف وتفضح جميع أشكالهما وصورهما الظاهرة منها والخفية لأنها متشبعة بثقافة حقوق الإنسان بمعناها الكوني وتترجمها على ارض الواقع متجاوزة نظام القمع والحصار ومتمنعة عن الاحتواء والتدجين، بسبب ذلك اكتسبت مصداقية عن جدارة واستحقاق في الداخل والخارج وهو ما توج بمنح المناضلة خديجة الرياضي بجائزة منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهذا ما زاد في تأجيج وافتعال الصراع ضد الجمعية من طرف المخزن وأذنابه في محاولة يائسة للنيل من سمعتها ومصداقيتها التي أصبحت راسخة في وعي ووجدان الشعب المغربي.
تشكل اليوم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إحدى الأدوات الناجعة لنشر ثقافة حقوق الإنسان التي ساهمت أنشطتها ومواقفها في الرفع من منسوب ثقافة حقوق الإنسان داخل حركة 20 فبراير.
وتستمر المقاومة….
جاءت حركة 20 فبراير كتكثيف لمستوى درجة الوعي الثقافي والسياسي للشعب المغربي، وكتعرية لواقع الاستبداد ببلادنا وحجم الفوارق الطبقية الصارخة وهشاشة البنيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد عبرت عن ذلك من خلال مطالب محددة أهمها: القضاء على الفساد والاستبداد وعدم الإفلات من العقاب وتحقيق العدالة الاجتماعية.
هذه المطالب وجدت تعبيراتها الثقافية من خلال إبداعات الشباب في التشكيل والرسم والمجسمات والأغنية والقصيدة وفن التصوير والكاريكاتير والسخرية السوداء، وتمكنت هذه التعبيرات من الامتداد في الزمان والمكان عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تعتبر إحدى الأدوات الدعائية الجديدة التي حلت محل المنشور والجريدة، وبالتالي ساهمت في نزع الخوف والدعوة الى محاربة ثقافة الخوف والاتكال والخنوع والإذلال وفي نفس الوقت التحفيز على التشبع بقيم الحرية والديمقراطية والتحرر.
وإذا كانت حركة 20 فبراير قد تراجعت في الآونة الأخيرة لأسباب مختلفة (ليس هذا موضوعها) فإنها كتيار ثقافي جارف وعميق لتطلعات الشعب المغربي نحو التقدم والتحرر، ستطبع لمرحلة طويلة وعي الشباب المغربي وستشكل الى جانب تيارات أخرى ملامح وعي جديد لشباب جديد يقطع مع أخطاء الماضي وترددات الأجيال السابقة من اجل ترسيخ مشروع مجتمع متحرر من الاستبداد والنيولبرالية وذو أسس ثقافية صلبة.