الإستقلال الشكلي أو الإستعمار الجديد: حقيقة السيادة المنقوصة
جرد للمناطق المستعمرة بالمغرب


محمد شوية

تقديم عام:
إذا كانت مسألة السيادة بأوربا قد ارتبطت ببناء الدولة القومية الموحدة كشرط ضروري لنمو الرأسمال و تطور العلاقات الرأسمالية في وقت مبكر من العصور الحديثة ، و كتعبير عن رغبة الطبقة البورجوازية الناشئة آنذاك في ضبط و تأمين شروط الدولة المركزية القوية على حساب النظام القديم لتسهيل نمو المال والأعمال ، فإن مسألة السيادة بالنسبة للدولة ما بعد الكلونيالية قد جاءت في سياقات تاريخية مغايرة ولضرورات التحرر الوطني ولبناء الدولة المستقلة ذات السيادة وأيضا تحرير مصيرها ، ولتحقيق التنمية والقضاء على التخلف الناتج عن الاستغلال الاستعماري غير ان التناقضات التي كانت تخترق حركات التحرر الوطني بفعل التناقضات الطبقية التي كانت تعتمل داخلها واختلاف المشاريع المجتمعية وتصورات الدولة المستقلة المنشودة وطبيعتها بل طبيعة الإستقلال المنشود في علاقة مع متغيرات الوضع الدولي ما بعد الحربين العالميتين هذه التناقضات والمتغيرات ستفرز لنا عموما ثلاثة اتجاهات في حركات التحرر الوطني وهي اتجاه مرتبط بحركات التحرر العالمي واليسار العالمي عموما ، وهذا ما ينطبق خصوصا على حركات التحرر الوطني في أمريكا الجنوبية والوسطى متأثرة ومستلهمة التورة البوليفارية وبعض اتجاهات حركة التحرر الوطني بإفريقيا بزعامة باتريس لمومبا وغيره من القادة التحرريين أمثال نيلسون ماندلا وقد تعرض هذا الإتجاه لشتى المآمرات والغطرسة الإمبريالية من تصفيات للزعماء وانقلابات وحصار….
ثم اتجاه ثاني من حركات التحرر الوطني لم يحسم التناقض الرئيسي مع القوى الإمبريالية ولم يتقدم في عملية التحرر بل فضل القبول بتسويات سياسية مع الإمبريالية في إطار علاقات استعمارية جديدة غير متكافئة تضمن استمرار المصالح الرأسمالية الكبرى وتوسعها وتبوئ البورجوازية الوسطية ووكلاء الإستعمار في القسمة العالمية للعمل .
أما الإتجاه الثالث فقد اختار لنفسه بديلا ثالثا أخذ مسافة من الإستقطاب العالمي الحاد والحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي بل اتجه في إطار كتلة عدم الإنحياز واتجهت إلى البناء المتمركز حول الذات أو الكفاح المسلح وهذا ما قامت به الصين بزعامة ماوتسي تونغ 1949 والهند بزعامة غاندي 1947 وإلى حد ما مصر مع الضباط الأحرار 1952 ويوغسلافيا سابقا بزعامة تيتو والفيتنام بزعامة هوشي منه.
هذا الوضع الدولي العام الذي تحدتنا عنه ينسحب بالكامل على الوضع في بلذنا , ولا يمكن أن نتحدث عن الدولة المستقلة أو طبيعتها أو طبيعة الإستقلال أو السيادة الوطنية دون أن نفهم طبيعة التطاول الإستعماري الذي خضع له المغرب وطبيعة المخزن والذي انتهى عمليا في مؤتمر الخزيرات 1906 وأيضا دون أن نفهم تشكل الحركة الوطنية ونخبتها وأصولها الإجتماعية والإقتصادية والفكرية وطبيعة برنامجها في 1934 كتلة العمل الوطني ثم وثيقة الإستقلال 11 يناير مفاوضات Aix les bains وما وما تمخضت عنها من نتائج دون أن ننسى إعلان القاهرة 1948 بيان لجنة تحرير المغربي العربي تحت رئاسة محمد بن عبد الكريم الخطابي إذن إذا كانت هذه السياقات التاريخية العامة والمتغيرات الدولية تنسحب على المغرب كدولة مستعمرة ضمن النفوذ الفرنسي والعمل الإسباني والدولي بطنجة ثم حركة وطنية وأيضا كدولة ما بعد كلونيالية فكيف أصبح دولة فاقدة أو منقوصة السيادة ما بعد 1956 ؟ وهل بقاء بعد المناطق تحث الإحتلال المباشر هو التجلي الوحيد لهذه السيادة المعطوبة أم الأمر يمتد إلى السيادة على القرار الوطني السياسي والإقتصادي والإجتماعي والتقافي الداخلي والخارجي ؟ وما علاقة السيادة المنقوصة أو التشكلية بإعدام السيادة الشعبية ؟ وما السبيل لاعادة بناء حركة التحرر الوطني من خلال الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية و مواجهة الإمبريالية ؟
سنحاول الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال محورين كبيرين في هذه الورقة.

I المحددات التاريخية و القانونية و الترابية لمفهوم السيادة
ارتبط تشكل السيادات الوطنية بما يسمى بالحداثة السياسية والقانونية وسياقها التاريخي بأوروبا الغربية مع مطلع العصور الحديتة.
هذه السيادات الوطنية القومية الوليدة لم تكن معزولة عن المصالح الرأسمالية الصاعدة للبورجوازية الناشئة آنداك – فالمجال الوطني هو شرطا أساسي من شروط نمو الرأسمال والأعمال والمجال اللاوطني (المستعمرات) هو أيضا شرط حيوي لتوسع المصالح والعلاقات الرأسمالية الآخذة في التنامي آنداك .
والدولة الوطنية الحديتة الموحدة والقوية هو أداة سياسية قوية في يد الطبقة البورجوازية الناشئة على حساب النظام القديم والذي أصبح عقبة في وجه تراكم الرأسمال وتوسيعه ، وهو أيضا وسيلة للهيمنة الإستعمارية على حساب الشعوب الأخرى ….
أما السيادة في سياق الدولة ما بعد الكلونيالية فتعني من جهة التحرر الوطني وبناء الدولة المستقلة وحق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي وتعني أيضا إنجاز مهام النمو والتقدم والتحرر من التخلف الذي فرضه الإستقلال الرأسمالي الإستعماري .
ولأن حركات التحرر الوطني في العالم كانت مختلفة ومتنوعة كل حسب شروطها الذاتية والموضوعية وحسب سياقاتها التاريخية الخاصة وطبيعة الأشكال الإستعمارية التي واجهتها، وأيضا حسب المشاريع المجتمعية التي كانت تحملها والتناقضات التي كانت تخترقها ، وطبيعة الإستقلال المنشود فإنه يمكن التمييز بين إتجاهين داخل حركات التحرر الوطني في الفترة ما بعد الحرب الثانية.
– اتجاه تحرري : عمل على تحقيق استقلال و سيادة شعبية فعلية و تمكن من انجاز مهمات تاريخية في فك الإرتباط مع الإمبريالية و بناء اقتصادي وطني متمركز حول الذات يتحكم في القدرات الوطنية و أيضا تمكن من إنجاز مشروعه التنموي و تخلصه من التخلف الناتج عن الإستغلال الإستعماري و هذا ما حققته الصين 1949 و الهند 1947 و كوبا و البرازيل و غيرها.
– اتجاه وطني اصلاحي : و هذ التيار اختار طريقا آخر عبر تسويات سياسية على أساس استقلال وسيادة وطنية شكلية في إطار علاقات استعمارية جديدة مبنية على تابعة تخدم الرأسمال العالمي و بالمقابل ادماج النخب من أنظمة سياسية عميلة و طبقات البورجوازية الوسيطية و الملاكين الجدد في إطار رأسمالية طرفية منحطة .
و لعل الحركة الوطنية المغربية بدورها ينسحب عليها هذا السياق التاريخي كحركات التحرر الوطني في العالم .
و قد عرفت اتجاهين متباينين : اتجاه تحريري ارتبط بقائدة تورة الريف محمد بن عبدالكريم الخطابي و الذي اسس لجنة تحرير المغرب العربي بالقاهرة و التي أصدرت بيانا سنة 1948 حددت فيه برنامجها في نقطتين اساسيتين هما :
التحرير و الوحدة وتقتضي وحدة النضال من أجل إنهاء الوجود الإستعماري بشمال افريقيا و بناء اتحاد مغاربي متحرر و هنا يظهر تأثير القومية العربية ، إلا أنه مع الأسف سيتمكن الإستعمار و حلفاءه المحليين من افشال هذا البرنامج بالإضافة واقع الجيش التحرير بالمغرب و غياب قيادة سياسية حقيقة حيت سينسحب من لجنة تحرير المغرب العربي بوركيبة و علال الفاسي ، مما ادى إلى انحصارها.
ثم اتجاه اصلاحي برعماتي سيفضل الاندماج بالمشروع الاستعماري الجديد في إطار تسويات سياسية على حساب انجاز مهمات التحرير و الوحدة كما جاء في بيان لجنة تحرير المغرب العربي سنة 1948 بالقاهرة ، و سنرجع في القسم الموالي لهذه الورقة للتفصيل أكثر في هذه النقطة لمعرفة طبيعة الإستقلال و السيادة المنقوصة التي فرضت على بلادنا.
2- المحددات الترابية والجغرافية والسيادة المنقوصة
إذا كان المجال الترابي الوطني و اللاوطني واضحين في المصالح الرأسمالية العالمية ، كونها واضحت في القانون الدولي و وتائق الأمم المتحدة ،فإن المجال الترابي و الجغرافي و الحدود الدقيقة في تطور الدولة المغربية و قبلها في تصور الحركة الوطنية المغربية كان غير دقيق و غير واضح.
فالمجال الترابي و الجغرافي المعني بالسيادة و الإستقلال في نظر لجنة تحرير المغربي هو شمال افريقيا اما في نظر ووعي الحركة الوطنية فكان هو المنطقة الشمالية و الداخلية و المنطقة الدولية الخاضعة لفرنسا و اسبانيا ، أيضا في وعي علال الفاسي و تيار محدد داخل الحركة الوطنية فهو كل المناطق الخاضعة لفرنسا و اسبانيا و المنطقة الدولية لطنجة و موريطانيا و الصحراء الشرقية و الغربية و سبتة و مليلية و الجزر الجعفرية وجزر الكناري ما يعرف بالمغرب الأكبر عند علال الفاسي .
و الدستور المغربي الممنوح سنة 1962 لم يدقق ما هو المجال الوطني المعني بالسيادة فقد جاء بصغية عامة و هي “الحدود الحقة “.
ان غياب الدقة في تحديد المجال الوطني يعكس غياب تصور حقيقي لعملية التحرر الوطني مما ترك المجال مفتوحا أمام التسويات السياسية مع القوى الإمبريالية و المصالح الرأسمالية العالمية و التي تستغل هذا المعطى للإذكاء النزاعات الإقليمية و التحكم في المصير السياسي للشعوب و الأنظمة التبعية على السواء و في ما يلي جرد للمناطق التي لا زالت محتلة و لا يعمل النظام على تسجليها لحد الآن في اللجنة الرابعة بتصفية الإستعمار في شكله التقليدي .
– مليلية MELLILA : اسم أمازيغي ثم احتلالها سنة 1498 تعتبرها اسبانيا تحت السيادة المباشرة لها و تتمتع بصفة الإقليم المستقل و تجرى عليها قوانين الاتحاد الأوربي و عملتها.
– سبتة :SEUTA تم إحتلالها سنة 1580 و كانت محتلة بصفة الإقليم المستقل و تابعة سياديا للحكومة الإسبانية و تجري عليها بدورها القوانين الأوربية و العملة .
– جزر زفارين : LES ZOFFARINE و تضم ثلاثة جزر صغيرة les congrès ,sabelle,et du roi .
– جزيرة البوران : جزيرة صغيرة يبعد عن السواحل المغربية ب 75Km و شكلت منها لوجيستكية لاحتلال مليلية وضلت غير مأهولة إلى حدود 1968 بعد أن حاول الروس تحويلها إلى منطقة للصيد البحري .
– جزيرة ليلي: حاول المغرب جس نبض اسبانيا سنة 2002 بإرسال بعض قوات الدرك وردت إسبانيا بقوة بعد اعتقال هؤلاء ، و حصلت أزمة كبيرة استدعت تدخل الولايات المتحدة بالحفاظ على الوضع القائم.
– جزيرة باديس : هي عبارة عن صخرتين تحتفظ بهما اسبانيا تحت سيادتها منذ 1564 و ليست لها أي اهمية تجارية أو استراتيجية و غير مفهوم احتفاظ اسبانيا بها.
– جزيرة النكور : تتكون من جزيرتين صغيرتين بعيدة ب 300 متر من ساحل المغرب وقع احتلالها سنة 1673.
إن بقاء الوجود الإستعماري المباشر في هذه المناطق يعكس في الواقع أن لا المخزن وحلفاؤه ولا حركة الوطنية كانوا يملكون تصور دقيقا للمجال الوطني الترابي و لا فهما لمن هو الشعب المغربي او الأمة كما يعتزلونها في التاريخ المغربي كما أن الدولة لم تتحدت عنها في قوانينها بما فيها الدستور الممنوح و لم تطرح على مستوى الأمم المتحدة و لا المحكمة الأوربية…
3- المحددات القانونية للسيادة:
لفهم السيادة التأمة أو الفعلية و السيادة المنقوصة أو الشكلية لا بد من تحديد المفهوم كما تطور في الفكر السياسي و القانوني الحديثة بعجالة شديدة.
– المرحلة التأسيسية :
في إطار إضعاف السيادات الفردية و الزمنية و الدينية على عهد القيود.
– جون :J.bodun : هو أول من أسس مفهوم السيادات منظر يفك للدولة الوطنية الموحدة /المجال الوطني لنمو الرأسمال في كتابه les six livres de la république حيث اعتبر السيادة دليل على السلطة المطلقة أوالقصوى للدولة و يعتبر J.bodun أب الملكية المطلقة في فرنسا .
و يعتبر توماس هوبز T.hobbes بدوره من مؤيدي تنازل المجتمع للحاكم عن السلطات حتى تنتهي الفوضى و يعم الإستقرار.
أما السيادة الشقية و إرادة العامة ننشأين لاحقا عن طريق فلاسفة العقد الإجتماعي ومنهم جون لوك J.locko الذي دعا إلى التعاقد بين الحاكم و المحكوم ثم جان جاك روسو صاحب نظرية الإرادة العامة ثم منتسكيو الذي قام بفصل السلط أو الديمقراطية .
Gouverné selon la volonté générale.
– السيادة في القانون و الوثائق الدولية:
في القانون تفي السيادة السلطة للنظام العام ، و قد جاء في المادة 3 من إعلان حقوق الإنسان و المواطن 1789 و يقصد السيادة الوطنية ” le principe de la souveraineté
Reside essentiellement dans la nation nul corps nul individu ne peut exercer d’autorité qui n’en essan expressément.
– السيادة في الميثاق الأطلسي
عشت 1941 charte de l’atlantique تضمن حق تقرير المصير و السيادة الكاملة droits des peuples a déposer d’eux mieux leurs droit à la surcuit et choisir la forme de leurs gouvernement.
– السيادة في الميثاق الأممي :
المادة 2 من الميثاق تقول أن الدول الأعضاء متساوية السيادة l’organisation est fondée sur le principe de l’égalité de tous ses membres.
II- تجليات السيادة الشكلية و الإستعمار الجديد و سبل إعادة بناء التحرر الوطني من خلال برنامج الثورة الوطنية الشعبية و مناهضة الإمبريالية
1- تجليات السيادة الشكلية
لا يمكن فهم السيادة الشكلية دون فهم طبيعة استقلال 1956 و طبيعة الدولة المخزنية و نظامها السياسي الإقتصادي و الإجتماعي الذي ثم فرضه على بلادنا….
و يمكن التميز بين اتجاهين داخل عملية الصراع من أجل الإستقلال و التحرير في المغرب توضحت عبر ثلاثة مراحل أساسية و هي :
أ- مرحلة الحصول على الإستقلال الشكلي
 اتجاه التحرير و الوحدة :
عندما ارتمى المخزن التقليدي في أحضانت القوى الاستعمارية و انتهى عمليا في مؤتمر الخزيرات 1906 ووقع معاهدة الحماية في 30 مارس 1912 ، استمر الصراع من داخل القبائل المغربية على شكل مقاومة مسلحة قوية شكلت مقاومة الريف بزعامة محمد عبدالكريم الخطابي وجهها المتقدم و سطرت مرحلة انوال 1921.
هذه المقاومة استمرت بعد التحالف الفرنسي الإسباني بإستعمال الغازات السامة استمر من خلال القيادة في المنفى بالقاهرة ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث تم تأسيس لجنة المغرب العربي برئاسة محمد عبد الكريم الخطابي هذه اللجنة سطرت برنامجا للتحرير عبر هدفين أساسين هما :
– بناء وحدة شعب شمال إفريقيا ضد الإستعمار .
– تحقيق عملية التحرير لكل شمال إفريقيا كمنطقة موحدة .
حصل هذا من خلال لجنة المغرب العربي و التي اصدرت بيان برنامجها سنة 1948 وساعت إلى ترجمته بإطلاق بناء جيش التحرير منذ 1951 ، و إدماج الطبقة العاملة في الصراع بعد إغتيال القائد النقابي التونسي فرحات حشاد 1952 و تدشين الثورة الجزائرية بزعامة جبهة التحرير الوطني بالجزائر نونبر 1954 .
 اتجاه اصلاحي سياسي
انطلق ها الاتجاه بعد ما يسمى بإنهاء عملية التهدئة و مباشرة الإستغلال الإستعماري بالمغرب من خلال السياسة البربرية في البوادي و الإسلامية في المدن العتيقة و كان ذلك خلال منتصف الثلاثينات بالنسبة للمغرب و تونس .
هذا الاتجاه ظل يفضل العمل السياسي و الحلول التوافقية مع الإستعمار حيث انسحب حزب الدستور الجديد بزعامة بورقيبة من لجنة تحرير المغرب العربي و أصبح علال الفاسي مترددا أيضا حيث باشرت الحركة الوطنية مفاوضات إكس- لي- بان و للتاريخ فقد قاطعها علال الفاسي .
كان هدف الإستعمار من خلال إطلاق هذه المفاوضات تفكبك برنامج لجنة المغرب العربي أي برنامج التحرير و الوحدة و عزل الثورة الجزائرية بعد عزم جبهة التحرير الوطني على قيادة الكفاح المسحل بالجزائر و إقصاء التيار السياسي الإندماجي .
وإذا كانت الحركة الوطنية بتونس بقيادة الحزب الدستوري الجديد الذي قاده لحبيب بورقيبة أخذت مصارها الخاص بعد تملصها من لجنة تحرير المغرب العربي بالقاهرة ….
فإن الحركة الوطنية المغربية ظلت وافية لمصارها الإصلاحي الإندماجي حيث إعتبرت كتلة العمل الوطني 1934 ان وثيقة الحماية هي وثيقة إصلاحية على فرنسا الإلتزام بها وطالبت بإلغاء الحكم المباشر و تفعيل بنود الحماية خصوصا إحترام البرتوكولات مع المخزن وإدماج النخبة الوطنية في الإدارة و النخب التجارية في الغرف المهنية و تمكين أعيان المدن من المجالس المحلية في إنتخابات 1951 للمدن الكبرى .
إن صعود حركة التحرر الوطني و العالمي التي برزت مع الحرب العالمية الثانية و التي اطحت بالقوى العظمى أنذاك (فرنسا و بريطانيا) لفائدة قوى جديدة عالمية هي الولايات المتحدة و الإتحاد السوفياتي….
كما أن ظهور مبادئ جديدة في القانون الدولي كحق الشعوب في تقرير مصارها و هو المبدأ الذي أقرته الثورة البولاشوفية سنة 1917 و تبناها الميثاق الأطلسي سنة 1941 ثم الميثاق الأممي 1945 .
كل هذه المستجدات لم تؤثر الخط السياسي للحركة الوطنية المغربية ممثلة بحزب الإستقلال بعد الحرب العالمية الثانية حيت عمدت إلى إصدار 11 يناير 1944 و الذي تضمن مهمتين أساسيتين هما :
– مهمة الإستقلال و الذي ستبين اكس-لي – بان طبيعته فيما بعد .
– مهمة تأسيس الملكية بالمغرب و التي ستحدد طبيعتها و رهانات الإستعمار الجديد و الحركة الوطنية عليها.
و في المقابل لم تعمل الحركة الوطنية في المغرب على المبادرة لتأسيس جيش التحرير او الإرتباط به بعد الشروع في بنائه سنة 1951 استنادا إلى بيان القاهرة 1948 و علال الفاسي كان عضوا في لجنة المغرب العربي بل اتجهت الحركة الوطنية إلى الإرتباط ببعض الخلايا الفدائية داخل المدن و استثمار بعض العمليات سياسيا و توجيه بعض الضربات المدروسة في المدن الكبرى خصوصا الدار البيضاء ضد المعمرين الأكثر تطرفا و ضد مصالحهم و ضد ايضا المتعاونين معهم في الغالب و الذين كانوا يشكلون عباءا سياسيا على السياسة الإستعمارية الفرنسية بشمال إفريقيا كلها و التي كانت ترغب في التخلص منهم .
و في إطار تخريب خطة لجنة المغرب العربي و بيان 1948 عملت فرنسا خصوصا الإستعمارات على إختراق جيش التحرير المغربي و ذلك عبر الضغط على العناصر المخلصة لتوجه وروح بيان القاهرة خصوصا عباس لمساعدي و عبدالعزير الدوايري و كل مجموعة الموت بكزناية و التي نقلت قيادتها إلى الناظور ، و قد تجلى هذا الظغط من خلال إتجاه بعض الشخصيات المقربة من المخزن و من الإستعمار إلى خلق تشكيلي عسكري حاول الإرتباط بجيش التحرير و يسمى جيش التحرير جنان الرهوني قرب تطوان و الذي تشكل من بعض الضباط الذين كانوا يعملون بالجيش الفرنسي بدعوى تجربتهم العسكري ومنهم نادر بوزار المكنى بعبدالقادر و هو من اصول جزائرية و اشرف على المدرسة الحربية السرية بجنان الرهوني و للعلم فقد كان من ضباط الجيش الفرنسي و اشتغل ايضا مرقابا مدنيا بالمغرب.
إن اداء الحركة الوطنية هذا و تنكر لخطة و برنامج المغرب العربي يبين الخلفيات المتحكمة في إتجاهها نحو مفاوضات إكس-لي –بان و خطابات عبدالرحيم بوعبيد تؤكد اختيارات الحركة الوطنية و اختلافها مع تسوية سياسية مع فرنسا دون استقلال فعلي و سيادة كاملة على التراب الوطني و لا القرار الوطني عموما و فيما يلي مقتطفات من تدخل عبدالرحيم بوعبيد في المفاوضات :
نقل إدكارفور Edgar faure نقلا عن تقرير الوزير المكلف بالشؤون المغربية و التونسية قوله “يبدو ان الوطنين أكثر انشغالا بأن تعترف فرنسا رسميا برغبة المغاربة في الاستقلال اكثر من اهتماهم بان تمحنهم إياه فورا “.
و أضاف بييرجولي بان عبدالرحيم بوعبيد و هو مفاوض بارز عن حزب الإستقلال في اكس- لي- بان مفاده “أن قادة جيش التحرير مصرون على القيام بتمرود عسكري منسق يشمل مجموعة البلاد المغربية و الجزائرية ، و ان المؤيدين لفرنسا و الأوفياء لمحمد الخامس وحدهم من يسطيع إقاف تلك الداسائس الأن و إذا تأخر الامرلا بضع أشهر قاد فات و سيشتعل المغرب العربي حربا”.
و أضاف ايضا بوعبيد “يمكن ان نؤجل استقلال المغرب لبضعي سنين بناءا على اتفاق معقول بينا فرنسا و السلطان الشرعي ، غير انه أذا تأخرنا في ذلك سيكون الوقت قاد فات حتى لو قدمنا كل شيئا لمحمد الخامس “.
و أضاف بوعبيد ” لم يخفى وجود تيارات متعددة بين المجموعات الوطنية ليس لها توجها عسكري ، فإذا تحركنا بسرعة فيصبح عزل و تحيد المحاربين الثوريين امرا ممكنا “.
و بهذا المعنى فإن الحركة الوطنية و جناحها السياسي عمل إلى جانب فرنسا لتصفية الجناح الثوري لحركة التحرير المغربية و سيتم فيما بعد الإستقلال الشكلي سنة 1956 تصفية ما تبقى من حركة التحرير في محطتين بارزتين هما :
– مؤامرة تفكيك جيش التحرير بإدماجه في القوات المسلحة الملكية تحث قيادة الضباط المغاربة في الجيش الفرنسي ثم عملية إكوفيان Ecouvillon لإحباط عملية الكفاح المسلح بالجنوب انطلاقا من موريطانيا بتحالف بين إسبانيا و فرنسا .
– ثم القمع الباشع الذي تعرضت له الريف تحت إشراف ولاي العهد الملك الراحل الحسن الثاني و الذي كان رئيس الاركان العامة برفقة أفقير الضابط السابق في الجيش الفرنسي .
ب- إرساء السيادة الشكلية لإعدام السيادة الشعبية و رهن الثروة الوطنية لفائدة الراسمال العالمي و الراسمال التبعي .
 اعدام السيادة الشعبية
بعد فترة الإستقلال دخل المغرب في عدم استقرار سياسي حيت عرف أربعة حكومات في ظرف قصير أخذت منها حكومة عبدالله ابراهيم 10 أشهر فقط كحومة وطنية .
كما عرف المغرب تشكل التحالف الطبقي السائد و الذي جمع بين البورجوازية الوسطية و ملاكي الأرضي الكبار و المخزن تحت قيادة الملكية هذا التحالف الطبقي كان طرفا أساسيا في مفاوضات الاستقلال الشكلي Aix-les-bains بعد ما يسمى بالعفو عن الطبقات المتعاونة و المرتبطة بالإستعمار في شكله التقليدي .
بعد ذلك تقدم المخزن في ترتيبي الأدوات السياسية للتحكم ومنها ترتيب المشهد الحزبي حيث سيعمل تفجير حزب الإستقلال سنة 1959 كما عمل على التفقير السياسي للبادية المغربية و مخزنتها حيث كان جيش التحرير و كان أمل الإستقلال لا زل قائما و استخدم في ذلك إنشاء حزب الحركة الشعبية من طرف الدكتور الخطبي و أحرضان الأول ابن متعاون مع الإستعمار و كان يشتغل ترجمانا في فترة التهدئة جاؤ به من الجزائر و الثاني أحد قواد الإستعمار و ضابط سابقا في فرنسا .
كما بدأت الدولة بالتراجع عما يسمى بالعهد الملكي 1958 حيث تعهد محمد الخامس بإنشاء مجلس تأسيس لوضع دستور ديمقراطي إلا أن أكبر إنقلاب على التوافقات مع الحركة الوطنية مع محمد الخامس و تمتل في المصادرة الفاضحة لإرادة الشعب المغربي و منها : اغتصاب السلطة التأسيسية لفائدة الملك ممتل التحالف الطبقي السائد ووضع دستور ممنوح 1962 و شكل هذا اول مظهر من مظاهر حسم السلطة لفائدة الكتلة الطبقية السائدة و شرعنة الاستبداد الفردي و الذي سيتكرس بدساتير 1970 و 1972.
إلغاء برلمان 1963 وقد توج مسلسل الإنقلاب بإغراق انتفاضة 1965 بالدم و إعلان حالة اسثناء و استمر الحكم الفردي المباشر إلى ما بعد الإنقلابين.
و تمكن النظام من إدارة ازمته السياسية العمقية عبر الإحتواء و الإدماج كما فعل مع الحركة الإتحادية و جزء من الحركة الإسلامية كما إجتيتات اليسار للحركة ممثلا بالحركة الماركسية للنينية بالقمع الأسود و لازل النظام مستمر في نفس النهج القمع الشرس للحركة الجمهارية و الديمقراطية الحقيقة و ايضا عبر المؤسسات الصورية و ديمقراطية الواجهة .
 رهن السيادة على الثورة الوطنية لفائدة الراسمال العالمي و الراسمال التبعي:
إنه بدون تحرر إقتصادي لا يمكن التقدم في التحرر الوطني هذه المعادلة المركزية كانت مطروحة في اعلان القاهرة 1948 و الذي تحدت عن التحرر من العبودية ومن اجل الكرامة و إنهاء الإستغلال الإستعماري.
لقد حاولت الحكومة الرابعة بعد الإستقلال الشكلي 58-59 برئاسة عبدالله ابراهيم وضع برنامج للتحرر الإقتصادي من خلال سياسة تأميم و التصنيع و الإستقلال الطاقي و استراجع المكاتب الوطنية و إقامة بنيات صناعية قوية في الفوسفاط و التعدين كما قام عبد اله ابراهيم بوضع اول اصلاح زراعي موجه للفلاحين الصغار و المتوسطين و لم تدم هذه الحركة الوطنية إلا 10 أشهر حيث تم إجهاض هذا البرنامج الإقتصادي التحرري باعتباره يتناقض مع مخرجات مفاوضات اكس – لي- بان حيث تمت اقالة هذ الحكومة وقد مر رهن اقتصاد الوطني و المقدرات الوطنية بثلاثة مراحل اساسية.
– المرحلة الأولى : و هي المرحلة التي شهدت تكريس المال العمومي لخلق البنيات الأساسية لإقتصاد تبعي يستشرف مدى استفاذة الراسمال العالمي و الراسمال التبعي في إطار القسمة العالمية للعمل و ايضا اقامة اطار قانوني و مؤسساتي لاقتصاده الريع.
– المرحلة الثانية : سياسة المغربة سنة 1973 حيث بدا الراسمال الطفيلي بالتموقع في اطراف الإقتصاد الوطني حيث حدد قانون المغربة النسبة في 51 بالمائة مقابل 49 بالمائة للرأسمال العالمي أما المقدرات الإستراتيجية فقد ظلت مجالا محتكرا لشركات العالمية خصوصا الفرنسية منها و قد فشلت المخططات الخماسي و الثلاثي آواخر السبعينيات امام انهيار الفوسفاط و المنتوجات الفلاحية التصديرية نتيجة لنجاح السياسة الزراعية للسوق الاوربية المشتركة آنذاك و اصبحت الفلاحة المغربية التصديرية في مأزق و ذهبت التمويلات العمومية في سياسة السدود هدرا في الوقت الذي لم تحقق الفلاحة المغربية الإكتفاء الذاتي الغذائي .
– المرحلة الثالثة : و هي المرحلة التي بدأت مع الثمينينات سنة 1983 بتوجيه من المراكز العالمية و شكلت اكبر تجلي لفقدان السيادة على القرار الوطني في المجال الإقتصادي و اصبح الإقتصاد المغربي المترنح رهينة للمديونية المرتفعة التي فاقت ثلتين من الناتج الداخلي الخام لخدمتها و بعد الإجهاز على الخدمات الإجتماعية بإعتبارها عباءا على المالية العمومية .
وقد اوصلت سياسة التقويم الهيكلي المغرب للسكة القلبية حسب تقرير البنك الدولي لسنة 1995 حيث كانت تكلفتها ثقيلة كلفت المغاربة ثلاثة انتفاضات مما فرض على النظام الرفع من وثيرة الخوصصة و فتح القطاع العمومي امام القطاع الخاص و الراسمال العالمي المتوحش و فتح ما يسمى بالأوراش الكبرى و عن كانت غير مضمونة الجدوى كالقطار الفائق السرعة و مخططات المغرب الأخضر و الأزرق و الإقلاع الصناعي و غيرها مقابل تكلفة اجتماعية ثقيلة .
2- إعادة بناء التحرر الوطني من خلال الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية و مواجهة الإمبريالية :
أ- بعض عناصر بناء التحرر الوطني و البناء الديمقراطي :
– سياسا : انتزاع السلطة التأسيسية من يد التحالف الطبقي السائد
– دستور ديمقراطي تأسيسا و مضمونا و تصديقا
– اعتبار الشعب مصد السلطة و السيادة
– فصل حقيقي للسلط
– العلمانية و حماية جميع الأفكار و المعتقدات و التصورات
– تفكيك الأجهزة السرية و القمعية و المؤسسات الأمنية و تغير مهامها جذريا
– اقتصاديا :
– فك الارتباط و القضاء على التبعية من خلال بناء اقتصاد متمركز حول الذات يستجيب للحاجات الأساسية للشعب المغربي وربط علاقات متكافئة و التحالف مع الدول و المؤسسات المعادية لللبرالية المتوحشة .
– اصلاح زراعي حقيقي يستند الى القضاء على المعمرين الجدد و كبار المالكين و اعادة توزيع الارض على الفلاحين و العمال الزراعين في اطار تعاوني و تحقيق الإكتفاء الذاتي و الغذائي .
– خلق بنية صناعية تتناسب و حاجيات اقتصاد الوطني و السوق الداخلية و بناء مجتمع العلم و المعرفة و تقليص الهوى الرقمية .
اجتماعيا:
استعادة الخدمة العمومية في التعليم و الصحة و السكن و النقل و سائر الخدمات الإجتماعية اصلاح التعليم بإقرار تعليم مجاني و عصري و جيد و موحد و ضمان الشغل المنتج للشباب العاطل و العيش الكريم للجميع .
ثقافيا:
الاعتراف الفعلي بالتنوع الثقافي و اللغوي و الحضاري لبلادنا و حماية الحضارة المغربية بكل ابعادها .
ب- ادوات فرض البرنامج التحرري
– بناء جبهة عريضة تضم معارضين حقيقين للتحالف الطبقي السائد من الحركة الديمقراطية عموما و الجذري و التيارات الديمقراطية .
– توسيع و تقوية الحركة الجماهرية النقابية الحقوقية و الشبيبة و النسائية و الفلاحين الفقراء و ساكنة البادية المعطلين .
– المساهمة في بناء حركة الثقافية أمازيغية ديمقراطية تستهدف الاعتراف بالتنوع الثقافي و تسعى استرجاع وتحرير الارض و الماء و السلطة.
– مناهضة الإمبريالية الصهيونية و الرجعية عبر التضامن مع الشعوب و مواجهة تطبيع التدخلات الأجنبية من أجل تحقيق مبدأ حق تقرير الشعوب السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي و الثقافي.