قراءة نقدية في أرضية:”الأفق الجديذ

حازت هذه الأرضية أثناء أشغال المؤتمر الوطني الرابع للحزب الاشتراكي الموحد ، على أغلبية الأصوات أي بنسبة80%،وبالتالي أصبحت هذه الأرضية هي خريطة الطريق ،خلال المرحلة المقبلة ،قبل انعقاد مؤتمر إدماج أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي ،في حزب واحد ،الذي يرتبط بما سمته الوثيقة ،بالعرض السياسي الجديد،وقد نال حظا واسعا في نقاشات المؤتمرين .
في تصورنا لقراءة هذه الوثيقة ،يلزم ربطها ومقارنتها ،بالوثيقة السابقة التي أقرها المؤتمر الثالث ،المعنونة ب”الديمقراطية ..هنا والآن”وتحت شعار “الملكية البرلمانية الآن”،والتي شكلت الموجه السياسيي لأداء الحزب ،خلال الفترة المنصرمة .
1-في المنطلقات السياسية لوثيقة “الديمقراطية ..هنا والآن”
بعد وقوفها على تحليل أهم المعطيات السياسية ،ومختلف الأحداث الوطنية والإقليمية والدولية ،خلصت إلى الخلاصات السياسية التالية :
“- فشل “المسلسل الديمقراطي”الذي انطلق من سنة 1976-1977 إلى انتخابات 2009 ،بحيث”حسم النظام بشكل انفرادي وسلطوي في التوجهات الأساسية للدولة”ومن فشل “التناوب”،ذلك أن “الحملة المفترضين للمشروع الديمقراطي فشلوا في تحويل المرحلة المنتهية إلى مرحلة انتقال ديمقراطي حقيقي وسقوط في حمأة أزمة سياسية غير مسبوقة” مع العلم أن هذا الفشل قد انعكس على مجموع اليسار المغربي الرسمي وغير الرسمي ودخل في أزمة صياغة برنامج للمرحلة وتجسيده على أرض الواقع، ثم بروز حركة 20 فبراير باعتبارها مرحلة “الزمن السياسي الجديد”،
-هذا يستدعي ربط “النضال الديمقراطي بصيرورة الزمن الجديد”،و”التشبث بإستراتيجية النضال الديمقراطي باعتباره خطة للتحول السلمي الشرعي الجماهيري والمتعدد المداخل نحو الديمقراطية”،
-بلورة شعار “الملكية البرلمانية الآن”،أي أن ترجمته لا تقبل التأجيل ،ذلك “أنه تحقق بفضل حركة 20فبراير في بضعة أسابيع ما لم تستطع المشاركة الانتخابية تحقيقه عبر عقود وسنوات ،
-لقد “انتهى “المسلسل الديمقراطي ما بين 2007 و2009 وغدت العملية الانتخابية على هامش المجتمع .أربعة أخماس الناخبين المفترضين لا يشاركون عمليا في التصويت ولم تستطع النداءات الرسمية ولا مناشدتنا إقناع هذه الكتلة الناخبة الضخمة بجدوى معركتنا ا الانتخابية”
-اليوم يتصدر النضال الديمقراطي في الشارع أشكال النضال الأخرى وجزء من الناخبين والناخبات الذين هجروا مكاتب التصويت نزل إلى الشارع ،ومهمتنا أن نلتحم معه من أجل إعادة ظروف العودة إلى المؤسسات المنتخبة بطريقة جديدة تكون منتجة وفعالة ،
انطلاقا من كل ذلك ،أصبحت الطريق معبدة لتأسيس توافق سياسي مع مختلف الأطراف السياسية ،هذا التوافق يجب أن” يرتكز على بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تعني استبعاد خيار الدولة الدينية والدولة العسكرية ،والملكية البرلمانية تعني أن تكون سلطة القرار في كل ما يتعلق بالبرنامج وتوجهاته الكبرى وفلسفته أو في تفاصيله ومقتضياته أو سائر مناحيه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية والعسكرية والثقافية ،الداخلية والخارجية ،بين يدي المنتخبين والمنتخبات ،وأن تكون المهمة الرئيسية للملكية هي تمكين هؤلاء المنتخبين والمنتخبات من ممارسة سلطتهم ،وبعبارة أوضح لا تستقيم البرلمانية إلا بسمو الشرعية النابعة من الشعب على كل الشرعيات ،وفرض حقوق الإنسان والحريات الجماعية والفردية بمعناها الكوني ،وتوجد في طليعتها حرية الاعتقاد والمساواة بين المرأة والرجل “،
تملك هذه “الأسس حد أدنى مشتركا لبناء الديمقراطية في المغرب”
من هذا المنظور ،فالزمن السياسي الجديد هو الإعلان مند الآن عن “مشروع ميثاق يمثل قاعدة العلاقة بين الأطراف المشاركة في الإتلاف المغربي من أجل ملكية برلمانية الآن” ،من هنا ضرورة “مواصلة النضال من أجل دستور الملكية البرلمانية وإعداد أرضية الانتقال إلى الديمقراطية التي ترتكز على ثلاثة أسس:ا-مقومات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الضروري لمرحلة الانتقال
ب-أسس الوثيقة الدستورية المطابقة لمتطلبات إلى الديمقراطية في إطار الملكية البرلمانية
ج-مقومات الإصلاح السياسي المصاحب للوثيقة الدستورية .
نقد تجربة أداء الحزب
في ترجمته لوثيقة “الديمقراطية ..هنا والآن ” كرس مراهنة مطلقة على حركة 20 فبراير ،واستعجل مهمة تنفيذ “ملكية برلمانية الآن” في الوقت الذي لم يستطع إدراك الإشكاليات السياسية والاقتصادية الكبرى التي تحرك التناقضات العميقة وسط مختلف الطبقات الاجتماعية ،بل لم يستطع إدارة التناقضات الثانوية داخل “حركة 20 فبراير”وسعى إلى استعداء بعض أطرافها ،لما وصف في وثيقته المذكورة بالخطر الذي يهدد حركة 20 فبراير ،بأنها تتمثل في الاتجاه اليساري الراديكالي والتوجه الإسلامي ،كما رمى بكل أوراقه الاستراتيجية دفعة واحدة ،دون أن يتوفر على الموارد الاستراتيجية ،من إعلام ومنظمات شبيبة ونسائية وهياكل تنظيمية في الأحياء الشعبية والطبقة العاملة وعموم الكادحين ، بل كانت مراهنته ،على الفئات الوسطى ،بدون أن يتمكن حتى على تنظيمها ،أو خلق شبكات التنسيق معها ،في مختلف المناطق ،لسبب بسيط ، أنه لم يترجم خطة نضالية ،لربطها بمشروع “الملكية البرلمانية” وهو ما سيتداركه بوعي متأخر ،وبنقد ضمني في وثيقة “الأفق الجديد” ،كما أن تقديره السياسي للمشاركة في انتخابات 2015 و2016 لم يأخذ بعين الاعتبار التنامي المطرد لعزوف المواطنين عن المشاركة في الانتخابات ،في الوقت الذي تعارض مع الموقف الذي بلوره الحزب خلال انتخابات 25نونبر 2011 ، “الذي يعتبر أن استراتيجية النضال الديمقراطي لا تعني المشاركة الدائمة في الانتخابات –في غياب دولة الحق والقانون- بل تعني رفض المقاطعة الدائمة ” عندما لا تتوفر شروطها ،وهو ما لم يتوفر في انتخابات 2015 و2016 ،على اعتبار أن المعطيات السياسية لم تتغير مند مقاطعتها سنة 2011 ،خصوصا مع إقفال المخزن الحقل السياسي ،ليس فقط على القوى التقدمية وإنما أيضا على القوى الرجعية المحسوبة عليه.
أما بخصوص قراءته لحركة 20 فبراير،فقد تحكم فيها منطق التبرير ،ولم يتمكن من رؤيتها بشكل موضوعي ،ذلك أن استراتيجية المطالبة بالقضاء على الاستبداد والفساد ،وتحقيق العدالة الاجتماعية ،لم تكن تتوفر على أدوات سياسية وتنظيمية قادرة على تعبئة الجموع الغفيرة من الجماهير الشعبية والكادحة ،كما أنها لم تكن تتوفر على برنامج سياسي انتقالي قابل للتنفيذ في إطار جبهة وطنية موحدة ،ولا على قيادة سياسية تمتلك الجرأة السياسية ووضوح الرؤية من أجل تجدير حركة 20 فبراير وخلق أزمة سياسية عميقة بالنسبة للطبقات السائدة وعلى رأسها المؤسسة الملكية .
إن الحجج التي سيقت بخصوص التباعد الاديولوجي والسياسي بين الأرضيات المؤطرة لحركة 20فبراير ،لم تكن من الأسباب العميقة لضعف المشروع الديمقراطي والتقدمي ،بل نعتقد أن السبب يكمن في غياب تصور سياسي لتوحيد مختلف القوى الديمقراطية والتقدمية الفاعلة ،وحول الأهداف السياسية المتفق عليها كحد أدنى مشترك في إطار نهج ثقافة التفاوض التي تفضي إلى تنفيذ الاتفاقات بشكل مشترك وموحد ،وعلى عكس ما ترمي إليه وثيقة “الديمقراطية ..هنا والآن” التي تعتبر ان “الخطر ” الحاذق بحركة 20 يكمن في التوجه “الثورة الطبقية ” وفي التوجه “الثورة الدينية” ،نعتبر أن جدلية الثورة والإصلاح في مثل هذه الظروف ،لا يمكن الحسم فيها بصفة قطعية ،بل تنمو وتتطور حسب تطور الصراع الطبقي في مختلف واجهاته الاجتماعية والسياسية والاديولوجية . ففي التجارب الثورية ما يسعفنا على إدراك التحولات العميقة التي تطال بعض الأحزاب ذات النفوذ الكبير،عندما تتجاوزها الأحداث ،بسب إخفاقها في ضبط التناقضات الطبقية والسياسية ،وتفويتها فرصة التغيير الملموسة ،لما لا تطرح مشروعا عقلانيا ،ولا تجيب بالملموس عن البديل الاجتماعي –السياسي الذي يخرج الجماهير عن عزلتها الصامتة .
وإذا كانت حركة العدل والإحسان ،قد أبانت عن قدرات هائلة في التنظيم والتعبئة ،واستطاعت إخراج الآلاف من أنصارها إلى الشوارع ،فرغم ذلك ،لم تكن تتوفر على برنامج سياسي قادر على هزيمة المشروع المخزني ،وليس صدفة أن تنسحب بمجرد فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية ،وترؤسه الحكومة ،وبالتالي فإن أقصى ما كانت تطمح إليه ،هو الاعتراف الشرعي بكيانها كفاعل سياسي ،وتبوئها مكانة سياسية هامة داخل المشهد السياسي العام ،قد يؤهلها مستقبلا ،إذا توفرت لها شروط المشاركة السياسية في المسلسل الانتخابي ،أن تلعب دورا سياسيا إلى جانب النظام ،مع تقديم هذا الأخير بعض التنازلات السياسية لصالح استقلال السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية ،مع الحرص على عدم الإخلال بالتنازلات العامة ،وتنويع أوجه النشاط الاقتصادي ،مثل ما يروج له المعهد الأمريكي الديمقراطي والبنك الدولي ،حول ما يسمى بالحكامة الجيدة لتدبير موارد الدولة وفصل الثروة عن السلطة ومحاربة الفساد والرشوة والزبونية ومناهضة التهرب والغش الضريبيين واقتصاد المادونيات وجعل الصفقات العمومية شفافة إلى غيرها من التدابير الاقتصادية والسياسية التي لا تمس في الجوهر بنية نمط الإنتاج الرأسمالي المهيمن ،ليس فقط على المستوى الاقتصادي بل على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية.

في الخلفيات السياسية لأرضية “الأفق الجديد”

إن فشل تجسيد شعار “الملكية البرلمانية الآن”خلال الفترة الفاصلة بين المؤتمرين ، أملى على مدبجي هذه الوثيقة تحويل مسار هذا الشعار إلى مرحلة لاحقة ، وبالتالي أصبح مدمجا في إطار استراتيجية التحضير للانتقال الديمقراطي ،مع تدقيق مختلف القضايا ذات الطابع التكتيكي والاستراتيجي ،أخذا بعين الاعتبار تحولات السياق ،من امتصاص الطاقة السياسية لحركة 20 فبراير في البلاد من الشوارع ،وتحقيق انتصار تكتيكي للنظام ،أكتر منه نزع فتيل الاحتقان الاجتماعي والسياسي بصفة دائمة ، في غياب استراتيجية للهيمنة من قبل القوى الديمقراطية والتقدمية..إلى أزمة سياسية في القمة ،وما ترتب عنها من إقفال الحقل السياسي والاجتماعي ،وانفجار الحراك في الريف وفي كل مكان ،وتكريس عقيدة القمع والضبط والمراقبة ،والعودة إلى عقود الرصاص.
فإذا كانت الوثيقة السابقة ،هي تعبير عن تجسيد تاكتيك أو برنامج مرحلي ،أملتها جذوة النضال التي فجرتها حركة 20 فبراير،لدرجة بدا للحزب أن تحقيق هدف :”الملكية البرلمانية الآن”أصبح على مرمى حجر ،فإن الوثيقة الجديد ة ،كرست تصورا ذا طابع استراتيجي،يأخذ بعين الاعتبار ،كل الشروط الدالة على إنجاز هذا الهدف ،ومن بينها تدقيق وتوضيح التوجهات الاستراتيجية الكبرى وتحضير العرض الجديد، أي مجمل العناصر التي تشكل البرنامج السياسي المطلوب ، في أفق الانتقال الديمقراطي ،ثم أدوات التغيير المرتبطة ببناء الحزب و لسيرورة اندماج أحزاب الفدرالية و التحالفات وجبهة لانتقال وغير ذلك .
نعتر في الوثيقة على تفصيل وتدقيق في التوجهات السياسية الكبرى، ومن ضمنها إشكالية تحقيق الديمقراطية في بلادنا بارتباط مع منظور خاص للعلمانية وللاشتراكية وشروط وأسس الانتقال الديمقراطي إلى جانب المحاور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية لبرنامج الحزب ،خلال المرحلة القادمة .
حول مختلف هذه القضايا ،سنحاول قراءتها بمنهجية نقدية ،تتوخى المساهمة في تطوير الجدل السياسي بين مختلف أطراف اليسار المناضل ،في إطار التقليد اليساري للنقد :وحدة-نقد-وحدة .
في نقد مضمون العرض السياسي الجديد
جسد مفهوم العرض السياسي الجديد ،في وثيقة”الأفق الجديد” ،الحلقة الوسطى،بين تحضير شروط “الانتقال الديمقراطي وبلوغ الديمقراطية الحق في إطار الملكية البرلمانية” واعتبرته الوثيقة بأنه”أكبر من عملية اندماج ثلاثي أي اندماج الأحزاب المكونة لفيدرالية اليسار الديمقراطي بل هي “عملية بناء مرتبطة بإشراك أطراف أخرى ،من فعاليات وأطر سياسية وكيانات مدنية والانفتاح ما يمكن على التجارب الحية في المجتمع ” من خلال “بنية حزبية جديدة” كما تتصور الوثيقة أن “العرض السياسي الجديد سيكون جاهزا سنة قيل موعد الانتخابات المقبلة ،ولذلك يتوجب علينا بذل كل المجهودات الضرورية الكفيلة بإنجاح هذه الخطوة في هذا الأجل”
يدعو هذا العرض السياسي الجديد أيضا ،إلى تحديد مفهوم الانتقال الديمقراطي ،وتجاوز إخفاق تجربة الكتلة الديمقراطية ،التي أدت تجربتها إلى “تراجع المصداقية بسبب عدم الوفاء بالتعهدات وتبني سياسات مجردة من كل قيد متعلق بالمبادئ ومن انحدار أخلاقي في الوسائل المستعملة ،وغلبة الطموحات الشخصية ومن عقد تسويات غير منتجة وغير قادرة على توفير فرص حقيقية لتغيير الأوضاع جذريا نحو الأفضل”
تعرف الوثيقة مفهوم الانتقال الديمقراطي ،بأنه”المرور من نظام الملكية شبه إقطاعية أو النظام السلطوي(الملكية التنفيذية)إلى نظام الملكية البرلمانية وبأن تجسيد ذلك رهين بحجم النضال الديمقراطي الذي ستقوم القوى الديمقراطية والضغط الذي ستمارسه على الحاكمين”وتظهر مؤشرات هذا الانتقال من خلال “وجود إرادة سياسية للتغيير تقبل بشرعية التداول وقيام مسار انفتاح ،يشع فيه فضاء الحريات وتحقيق مصالحة واعتراف متبادل بين الأطراف وتعاقد فعلي على وثقة دستورية ليست وثيقة غالب على مغلوب وإجراء انتخابات حرة ونزيهة ،مؤسسة ،وبإنجاح إصلاح اقتصادي واجتماعي حقيقي وانبثاق قيادة ناجعة ذات مصداقية ودخول مرحلة تصليب الديمقراطية أي وضع البلاد على طريق السكة النهائية للديمقراطية”
إن أهم ما يميز هذا العرض السياسي الجديد ،هو منح الدولة المخزنية ،شيكا على بياض ،لما يتقدم بضمانات لحماية أسس الدولة ،عندما تشير الوثيقة إلى”أننا نرمي إلى إقرار الديمقراطية وليس إلى تمكين الثوار من السطو على الحكم وادعاء الحق في أن يحكموا البلد لمجرد أنهم ثوار ،أي لعبوا الدور الأساسي الذي بمقتضاه تم وضع حد لاستمرار عهد سابق”الشيء الذي يتعارض مع تصورها للعلاقة التي تربط مكونات الحركة الديمقراطية واليسارية فيما بينها ،في إحدى فقرات الوثيقة ،التي تقول ب”رفض استعمال الوسائل المنافية للقواعد الأخلاقية المتعارف عليها في السجل الديمقراطي ومتمتعة باستقلالها عن “الدولة” وعن “أحزاب الدولة”تعبر هذه الإشارة عن توريط الحزب قبل أي مخاض ثوري ،إلى لعب دور صمام أمان ،للحيلولة دون حصول ذلك ،وهذا يذكرنا بالدور القدر الذي يلعبه الحزب الحاكم في تونس وتحالفه مع حزب النهضة ،من أجل إجهاض أهداف الثورة.
والأدهى من كل ذلك ،أن هذا العرض السياسي الجديد ، يعيد استنساخ ،في عدة نقاط برنامجية ،على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ،لتجربة الكتلة الديمقراطية ،على الأقل من ناحية التأصيل النظري والسياسي ،لمفهوم الانتقال الديمقراطي ،بالرغم من تمايزه في قضيتين جوهريتين :الأولى المتعلقة بمضمون الدستور ،أي حل “مشكلة وجود ازدواجية بين سلطة “الدولة”وسلطة “الحكومة “وتضمن الانتقال من نموذج الحكومة “المحكومة”إلى نموذج الحكومة “الحاكمة”التي تدير كافة مناحي الشأن العام وتملك وسائل ذلك”
والثانية هي “ربط المشاركة الحكومية بتوفر وسائل تطبيق البرنامج وبوجود أغلبية منسجمة وتوفير وسائل ضمان ممارسة المواطنين لنوع من الرقابة على أداء المنتخبين والأعضاء ومحاسبتهم”
على الرغم من هذه الاحترازات المهمة،فإن المحدد في العملية السياسية برمتها ،ليس التركيز فقط على البنية السياسية ،بل وعلى البنية الاقتصادية في ترابطهما الجدلي ،ذلك أن النضال من أجل القضاء على الاستبداد يجب أن يتوازى مع النضال ضد السيطرة الطبقية للبورجوازية الطفيلية وضد احتكار ونهب الثروات ومصادر الطاقة من قبل الامبريالية ،إن الفصل بينهما ،هو الذي يرجح كفة “الاتجاهات الليبرالية ” في الحزب إلى البحت عن حلول توافقية مع النظام السياسي الحاكم ،هذه الاتجاهات التي لاترى أفقا سياسيا لوجودها إلا بالاحتماء تحت “جبة النظام ” كما أن المراهنة في الانتخابات المقبلة على الفئات الوسطى ، كقاعدة انتخابية للحزب الاشتراكي الموحد ،أصبح شبه منعدم ،بسبب تدهور أوضاعها المعاشية وتقهقر مستواها السياسي والاديولوجية ،بسبب تطبيق السياسات النيوليبرالية ،التي كرستها أحزاب الكتلة خلال ما سمي بمرحلة “التناوب السياسي ” وبسبب الفراغ الذي خلفته ،وملأه “الإسلام السياسي” الذي مارس تأثيرا سياسيا وأخلاقيا ،على قاعدة انهيار الأسس الطبقية والسياسية لهذه الفئات .
يحاول هذا العرض السياسي الجديد ،استعمال خطاب يساري ،لكنه في العمق، هو خطاب أقرب بكثير، إلى خطاب ليبرالي ،بمواصفات رأسمالية القرن التاسع عشر ،والذي يتبنى مفهوما ملتبسا عن الحداثة ،التي تعني في تصورنا ،التعبير عن العصر ومميزات العصر،فلم تعد الديمقراطية والحرية والعلمانية ،التي تولدت عن نشأة الرأسمالية،في القرن التاسع عشر والمكتسبات التي تحققت بفضل نضال الطبقة العاملة والقوى الاشتراكية والشيوعية ،والتي عمقت مضمون هذه الديمقراطية الغربية ،ليست هي ما نعيشه اليوم ،في ظل المرحلة النيوليبرالية وسيطرة الثالوث الإمبريالي (أمريكا –أوروبا –اليابان) التي جعلت من “ديمقراطية التمثيل والإنابة” وسيلة لاضطهاد الشعوب وإشعال فتيل الحروب والاستحواذ على ثرواتها .
فلا غرابة ،أن نستشف من الوثيقة ،جملة من المفاهيم والمصطلحات والمقولات ،التي لاتنتمي إلى خطا ب يساري واضح ،في هذا الخطاب أصبح مفهوم التعاقد يعوض مفهوم الصراع الطبقي وميزان القوى ،والتمثيل السياسي والمدني محل التمثيل الطبقي ،والدولة محل العلاقة الجدلية بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ،وديمقراطية الإنابة محل الديمقراطية التشاركية ،وسلطة المؤسسات القائمة محل السلطة المؤسسة للشعب ،وعلمانية مبتورة التي تتمسك ب”دين الدولة هو الإسلام” وبتلقين التلاميذ “مبادئ الدين الإسلامي”واشتراكية فضفاضة وغريبة تجمع بين القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع المختلط.
ومن الملاحظ أيضا ،في هذا العرض السياسي الجديد ،هو الرهان السياسي الكبير ،على دخول غمار تجربة الانتخابات القادمة ،رغم عدم توفر شروطها ،سواء على مستوى الاستعداد الجماهيري ،بعد إغلاق النظام الحقل السياسي ،أو على مستوى انهيار أسس المشاركة السياسية ،بعد ولوجنا مرحلة “عقيدة القمع” واستئثار الأجهزة القمعية بالقرار السياسي ،مما يكرس تزكية “الخط الانتخابي” على حساب خط النضال الديمقراطي الجماهيري.