المطالب الاقتصادية والاجتماعية في صلب الحركات الاجتماعية


لم تمض إلا بضعة شهور على تصريح الملك وفي خطاب رسمي يقول فيه بفشل النموذج التنموي، ويدعو إلى فتح نقاش حول البديل؛ حتى أعربت الحكومة على قرارها بتعويم الدرهم المغربي. ولتبرير هذا الاجراء قدم وزير الاقتصاد والمالية حججا لم يهتم فيها بمسألة: هل هي متعارضة أم لا مع الخطاب الآنف الذكر؟. اعتبر الوزير أن تعويم الدرهم يخدم المشروع الاقتصادي، لأنه يشجع الصادرات ويسمح بتنمية النسيج الاقتصادي وبتحقيق تنافسية هامة من خلال تقوية الصناعات المحلية تسمح بتعويض الواردات…

إنه فقط تناقض ظاهري بين خطاب رسمي للاستهلاك وامتصاص الغضب وممارسة مرتكزة على خلفية سياسية وفكرية متحكمة ونافذة منذ القديم، والتي هي سياسة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. ومما يؤكد ذلك هو أن قرار تعويم الدرهم، فبنك المغرب هو من اتخذه وقامت الحكومة بالمصادقة عليه. لاتخاذ اجراءه لم يرجع بنك المغرب إلى أية جهة، ولم يراع حتى شكليات الديمقراطية المخزنية. لقد تصرف كمؤسسة مستقلة بذاتها وهذه احدى رغبات وتوصيات صندوق النقد الدولي على الصعيد العالمي، وجدت طريقها كبند في دساتير بعض الدول (اعتبار البنك المركزي مؤسسة مستقلة وقائمة الذات). بالمغرب لا يحتاج الأمر لذلك مادامت السلطة التشريعية الحقيقية مغيبة، ليس هناك من يطعن أو يوقف بنك المغرب عند حده.

قرار تعويم الدرهم ليس إلا أحد أشواط خضوع المغرب إلى إرادة الرأسمال العالمي ومؤسساته التنفيذية. اتخذ هذا القرار في الوقت الذي يتم فيه تعميق تبعات قرارات مشابهة سابقة:فخصخصة القطاعات الاجتماعية وصلت الى اوجها في مجال الصحة التي تم فيها القضاء على المرفق العمومي وباتت المستشفيات والمستوصفات عبارة عن خربة يموت المواطنون والمواطنات أمام أبوابها؛ لنا لأنهم يجدون الأبواب مغلقة او غياب الأطباء والممرضين أو لانعدام التجهيزات. ليست هذه هي حالة المناطق النائية فقط، بل أصبحت امرأ معاشا ومألوفا حتى في المدن الكبرى بما فيها المستشفيات الجامعية. اما في قطاع التعليم فان الاجراءات والسياسات الليبرالية المتوحشة لا زالت تنتج الدمار الشامل وهذا ما يحمله مشروع القانون الاطار المعد للتطبيق. سبق ان تخلى النظام رسميا عن حق التعليم كواجب اساسي للمواطنة على الدولة توفيره كما وكيفا وهو ما يجسده الفصل 31 من دستور 2011 :” تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في :

− العلاج والعناية الصحية؛/ − الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة؛/ − الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة؛. . . . . “. فإذا تنصل الدستور من الحق في التعليم فان مشروع قانون الاطار يترجم ذلك بتحويل التعليم الى سلعة ومجال للقطاع الخاص، وقد نص في احد بنوده على:

“مراجعة نظام الترخيص للمدارس الخصوصية وتمتيعها بتحفيزات ضريبية لدفعها للمساهمة في تعميم التعليم الإلزامي، ومحو الأمية. “

هكذا تعمل الدولة على فقط تيسير وليس الالتزام بتوفير هذا الحق كواجب. ولذلك هاهي تيسره للقطاع الخاص وتسلم له المساهمة في تحقيق إلزامية التعليم ومحو الأمية. ، إنها وسعت من مجالات استثماره حتى يشمل محو الامية بما يعنيه ذلك من الانتشار في الدواوير والمناطق النائية، مما يعتبر فرصة ثمينة لنشر الفكر الرجعي الوهابي وكل صنوف الفكر الظلامي لأصحاب التمويلات المشبوهة. لقد فتحت كل الابواب امام تغلغل راس المال وفي احد اخطر القطاعات الاجتماعية. انها ترجمة عملية للاستقالة التامة للدولة وخدمة كبيرة لتنفيذ سياسات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي الذين يريان في القطاعات الاجتماعية عبئا ثقيلا على ميزانية الدول وجب التقليص منها إلى أقصى حد، والاكتفاء فقط بما يضمن تكوين يد عاملة طيعة يوظفها كيف ما شاء الرأسمال المحلي والأجنبي.

بالإضافة الى هذين القطاعين الاجتماعيين الاساسيين استهدفت السياسات الليبرالية المفلسة صندوق المقاصة، و لا زالت سياسة تفكيكه متواصلة ترى الحكومة تطلق بالونات اختبار حول مشروع إلغاءه نهائيا، واعتماد توزيع البونات على الفقراء. الهدف الواضح هما هو في هذا الباب تتوجه الدولة الى اطلاق اليد الطولى للسوق من اجل تحديد الاسعار بما عينيه ذلك من تحميل الجماهير الواسعة تبعات الأزمة، والمزيد من تفقير حتى الفئات المتوسطة. ما تعرفه اليوم المواد الاساسية من غلاء والتهاب الأسعار، وكذلك فواتير الماء والكهرباء ليست إلا بوادر من حملة الغلاء الحتمية خاصة مع تعويم الدرهم.

يتضح من كل هذه القضايا المعروضة ان المسالة الاقتصادية والاجتماعية اصبحت اليوم عنوانا بارزا لسياسة ثابتة تتبعها الدولة وبتنسيق مع المؤسسات الامبريالية. لهذا احتلت هذه القضية مركز اهتمام وانشغال كل الطبقات والفئات الاجتماعية. في جميع ربوع المغرب قامت حركات احتجاجية لمواجهة مشكلة معينة او عدة مشاكل كلها مرتبطة بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية. لقد اندلعت الحركات الاحتجاجية بعد ان نفذت طاقة الاحتمال او الصبر ولم يعد في جعبة الكادحين إلا الانتفاض أو الاحتجاج على اوضاعهم المأساوية خاصة وان الخطر الداهم بدء يحصد الارواح سواء امام ابواب المستشفيات او في مخافر الشرطة او في اماكن العمل.

في خضم هذه الحركة الاحتجاجية بدأت الجماهير تكتسب الوعي الجماعي في كيفية طرح المطالب ولمن توجهها، وكيفية خوض النضال بمختلف اشكاله بدءا من الاحتجاج الى تنظيم الوقفات والمسيرات الى إجراء الحوارات أو الاعتصامات. إن الحركات الاحتجاجية تزداد زخما وتنظيما ولحمة المعنيين تتقوى والصفوف تتنظم أكثر فأكثر، يلعب فيها الشباب والنساء الادوار الطليعية. اننا نتابع ميلاد الحركات الاجتماعية القوية، وهي تنذر بالانتشار والتوسع وبإحداث القفزة النوعية عندما تتطور إلى أنوية التسيير الذاتي للشعب وفق إمكانياته وتحت توجيه طلائعه.

هكذا يتطور نضال جماهير شعبنا وتتقوى الاستعدادات للكفاح وانتزاع المطالب، وكلها عناصر فعل فيها اليسار وله فيها سبق وإسهام، لكن عليه اليوم ان يطور اداءه وان يلتحم أكثر فأكثر بهذه الطلائع، لأنها في حاجة الى مساهمة المناضلين المنظمين والمسلحين بالنظرية الثورية والعلمية، أنهم سيساعدون على تجنب العديد من الاخطاء تدفع لها العفوية وقلة الخبرة، كما سيساعدون على تحصين الحركات الاجتماعية من اختراقات القوى المتربصة والتي ترمي الى بث سموم الفرقة والشك كي تفشل ويسترجع النظام زمام المبادرة، التي بدأت تضيع منه مع بروز العديد من المعطيات تشير على ان الدولة تعيش العديد من بوادر الفشل.