من وحي الأحداث
التيتي الحبيب
أين اختفى المثقفون؟

المثقفون ينبثقون من الفئات المتعلمة والعالمة من الفئات التي استثمر فيها الشعب من أمواله فتمكنت من التعليم بمستوياته المختلفة. في تجربة المغرب الحديثة تخرجت أجيال من المثقفين من صفوف نساء ورجال التعليم بكل درجاتهم بما فيهم التعليم العالي كما ساهم أيضا المهندسون والأطباء والمحامون والموظفون الإداريون. المثقفون انخرطوا في الحياة الثقافية للمغرب وأنتجوا فكرا تنويريا ساهم في رفع الوعي لكافة طبقات وفئات الشعب. ساهموا عبر جميع أجناس الثقافة في تغذية الفكر والروح لأبناء الشعب ومدوه بقوة الحجة لمقاومة أعتى نظام دموي عرفته منطقتنا.
قام النظام باجتثاث القوى الثورية وبإدماج أحزاب الكتلة الوطنية في حكوماته، فنجح في القضاء على الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال والتقدم والاشتراكية ليحولها إلى أحزاب تابعة له تعيش في كنفه وتتغذى من كرمه. فمات اتحاد كتاب المغرب وتحول إلى “اوبرج اسباني” حتى لا أقول …بقية المثقفين أو أشباه المثقفين اشتراهم عبر خدعة هيأة الإنصاف والمصالحة فجرفت ناس الغيوان ومن على شاكلتهم.
كل تلك الفئات المتعلمة التي كانت تنتج مثقفين أصبحت اليوم عاقرا. تغلب عليها الجري وراء المصالح الفردية وطلقت كل القناعات الجمعية والجماعية وأصبحت أنانية نرجسية، وثقافيا تعتنق أفلس الإنتاجات الفكرية التي تمجد الذات والمثاليات وكل فكر نكوصي تراجعي إن لم يتحولوا إلى ناشري الخرافة والفكر السحري.
الجامعة تم تخريبها وبلقنتها واختراقها، فأصبحت تصدر الفكر المعطوب وتساهم في بث التيه والغموض. أصبحت أيضا مصدرا لتصدير العنف والأحقاد مما رهن مستقبل أجيال وأبطل أي دور لها في قيادة الثورة الثقافية التي احتاجها الشعب وكادحوه.
اختفى المثقفون وتراجعوا، لم يعد في جعبتهم ما يقدموه وعلى ما يبدو فقدوا الصلات مع الشعب وواقعه. تحضرني نقاشاتنا مع الرفيق رؤوف فلاح حول الصفحة الثقافية لجريدة النهج الديمقراطي، وخاصة مسألة الانفتاح على المثقفين فكان يصر على استضافتهم أو يطلب منهم مساهمات من مبادراتهم، لكنهم كانوا يعتذرون، كانوا يختبئون ولا يريدون الظهور على نوع معين من المنابر؛ فكان فقيدنا رؤوف يشعر بالإحباط والحنق. لكن اتضح أنهم غادروا الساحة نهائيا، استقالوا، تخلوا عن واجباتهم تجاه شعبهم، تركوه فريسة للظلام والاستبداد والليبرالية المتوحشة والتطبيع مع الفكر الصهيوني، بل منهم من ساهم في التطبيع إياه وفي هذه الجزئية استعادوا الحماسة والشجاعة لأنهم تسلموا تعويضات وإكراميات كبيرة…
اليوم وفي هذه الموجة المتدحرجة من الحراكات الاجتماعية في المناطق الهامشية، فإن الشعب في حاجة ماسة للمثقفين العضويين. لكن المثقفين أداروا الظهر لشعبهم. هل يستطيع أن يتجاهلهم ويتجاوزهم؟ نعم يستطيع وهو مجبر لكنه سينجب مثقفين عضويين أكثر إبداعا وأكثر إخلاصا، لأنهم سيخلقون من صلب المعاناة، وقد قيل الحاجة أم الاختراع. شعبنا سيخترع مثقفيه العضويين، ولم يعد في حاجة إلى الجثث النتنة أو الطماعين المرتزقة مثقفي البلاط والمصلحة الفردية المريضة. على الحركة الطلابية أن تلعب دورها الرائد في هذه العملية. ونحن نرصد فعلا اليوم بعض تباشيرها.
التيتي الحبيب
09/01/2018