حسن الصعيب
المنهج الجدلي من منظور جورج لوكاش

 

في دفاتر فلسفية ،أكد لينين ،بأن الفهم الكامل للرأسمال ،لن يتأتى بدون قراءة واستيعاب منطق هيغل ،جاء بعده لوكاش الذي انطلق من وصية ماركس ،التي قال من خلالها “عدم تناول هيغل ككلب مشرد” ،والتي ظلت ميتة بالنسبة لعدد كبير من الماركسيين ،بعضهم لم يأخذ بعين الاعتبار هذه الملاحظات ومن ضمنهم ماركسيون ثوريون ،بل منهم من تجاهل إرث هيغل ،وآخرون فظلوا المقاربة الهيغيلية ،وفي مقدمتهم المدرسة النقدية الألمانية ،والتي قادتهم إلى منح الامتياز بطريقة أو بأخرى ،إلى لحظة المنهج والتجرد من المضمون ،بحيث تم إدراك الرأسمال كنظام منطقي .
تكمن أصالة لوكاش ،في كونه تمكن من استيعاب المنطق الهيغيلي ،لكن دون تجاوزه ،خصوصا في المرحلة الأولى ،التي اشتهر فيها كفيلسوف ماركسي في القرة الأوروبية.وقد أنجبت هذه المرحلة ،باعتبارها مرحلة انتقالية في تفكير الفيلسوف ،كتاب :التاريخ والوعي الطبقي ما بين سنوات 1919-1922 وهي سنوات العواصف الثورية التي لبدت سماء أوروبا،حيث ما تزال الوضعية في ألمانيا تحبل بإمكانيات ثورية و”اللكسمبورية”ما تزال تمثل تيارا جد قوي في الحركة الشيوعية الأوروبية.
في هذا الكتاب يطرح جملة من القضايا التي تشغل بال الحركة الشيوعية ،ومن ضمنها النظرية الماركسية ،والتي يميزها عما ساد في تلك الفترة ،من دوغمائية التي تقدس النصوص التأسيسية لماركس وانجلز،ومن شكلا نية التي تتقيد بالمنطق أو المنهج ،دون الاهتمام بالمضمون ،وبلغته الخاصة ،هي ماركسية لا تنطلق من” أنطلوجية الكائن الاجتماعي ” بتجريداته الفكرية والواقعية . يطلق إسما على هذا النوع من الماركسية المطابقة لموضوعها :الماركسية الأصلية ،ويحددها في خمسة زوايا :
-علاقة الفكر بالواقع
“إن الماركسية الأصلية لا تعني إذن تسليما بدون نقد بنتائج بحث ماركس ولا تعني الإيمان بنظرية أو بأخرى ولا تأويل كتاب”مقدس”..إن هذه الأصالة ترجع إلى نقيض ذلك ،أي إلى المنهج بشكل حصري .إنها تتضمن الاقتناع العلمي القائل أنه بالجدلية الماركسية وجدت منهجية البحت الصحيح”
ويقتبس من الطبعة الرابعة من الرأسمال هذه العبارة “الجدلية المادية هي جدلية ثورية” أي أنها تطرح “مشكلة النظرية والممارسة ،وليس فقط ما عناه ماركس في أول نقد هيغيلي ،عندما قال أن “النظرية تصبح قوة مادية عندما تستولي على الجماهير” فالمقصود بالأحرى هو البحث ،كما في النظرية كذلك بالطريقة التي تتخلل بها الجماهير ..إذ المقصود هو تطوير جوهر النظرية في الممارسة انطلاقا من النظرية ومن الصلة التي تقيمها مع هدفها “.
غير أن هذه العلاقة التي تربط الفكر بالكائن الاجتماعي ،لا يمكنها أن تعرف شكلا من التتوير ،إلا إذا ارتبطت مسألة “وعي طبقة لشرطها التاريخي ،إذ يصبح الشرط المباشر لتوكيد ذاتها في الصراع ” وعبر امتلاكها الوعي المطابق لمصالحها ،فإنها “تمتلك المعرفة الصحيحة للمجتمع كله”ولا يتوقف الأمر عند هذه المسألة فقط ،بل تتحول هذه المعرفة ،لتجعل من “الطبقة ذاتا وموضوعا للمعرفة بذات الحين ،وتصبح النظرية بهذا الشكل متفاعلة تفاعلا مباشرا ومتطابقا مع مسيرة الثورة الاجتماعية “وهكذا تتأكد “تلك الوحدة بين النظرية والممارسة على أنها الشرط المسبق لفعالية النظرية الثورية تصبح ممكنة”
-جوهر الجدلية
الجدلية في تعريف لوكاش ،هي” مسيرة مستمرة، سيولية المرور من تقرير إلى تقرير آخر ،ومن تجاوز مستمر للتناقضات ،وأنها المعبر لمرور أحدهما نحو الآخر ،وأنه بالنتيجة يجب إبدال السببية الأحادية الجانب بالتأثير المتبادل “وكخلاصة فهي لاتفسر الواقع كهدف في حد ذاته ،بل تسعى إلى تحويله ،انطلاقا من ألأطروحة الحادية عشر من كتاب “فيور باخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية ” التي تقول :”لقد عمل الفلاسفة على تفسير العالم بينما الأهم هو تغييره”.إذن بالنسبة “للمنهجية الجدلية فإن تحول الواقع يكون هو القضية المركزية” بدون هذا المضمون الثوري تتحول المنهجية الجدلية ،إلى نوع من السفسطة وفي أحسن الأحوال إلى منطق شكلي ،لا ينفذ إلى جوهر التناقضات العميقة التي تنخر النظام الرأسمالي .
-الكلية ضد التجزيئية
يقوم هذا المنهج على نقد المعرفة التجزيئية التي تعزل الجزء عن الكل ،في عملية تجريدية ،غير قادرة عن النفاذ إلى جوهر الواقع ،إذ أنه “تنطلق من تفسيرات بسيطة نقية وطبيعية (في العالم الرأسمالي )بينما المطلوب الانطلاق منها نحو معرفة الكلية المحسوسة بكونها تمثلا في الفكر للواقع .بينما المطلوب الانطلاق منها نحو معرفة الكلية المحسوسة بكونها تمثلا في الفكر للواقع .ن هذه الكلية المحسوسة لا تعطي أبدا مباشرة للفكر .يقول ماركس :”إن المحسوس هو محسوس لأنه حصيلة عدة تعيينات ،إذن وحدة المتعدد” هنا تقع المثالية في الوهم بخلط نمط إعادة بناء الواقع مع نمط بناء الواقع نفسه.لأنه في “الفكر” يبدو الواقع كنمط تأليف،كنتيجة لا كنقطة انطلاق بالرغم من أنه نقطة انطلاق الواقع أيضا وبالنتيجة انطلاق الحدث والتمثل” وفي معرض آخر يقول ماركس بأن “صلات إنتاج كل مجتمع تكون كلا” هو نقطة الانطلاق المنهجية ومفتاح معرفة الصلات الاجتماعية التاريخي.
-الفصل بين التناقضات في العلوم الطبيعية والتناقضات في الواقع الاجتماعي
على عكس ما كان يرمي إليه أنجلز ،في كتابه “أنتي دوهرينغ” حيث نتائج الجدلية متماثلة ،بين تطبيقها في العلوم الطبيعية ،وبين تطبيقها على الواقع الاجتماعي ،إذ يثمن الجدل كمنهج أو منطق والذي لا يسمح بصياغة الطابع الواقعي للتجريدات الماركسية ،يصيغ لوكاش تصورا فلسفيا ،ينأى عن أي تصور تجريبي أو ميكانيكي ،لذلك يحدد التناقضات في علوم الطبيعة باعتبارها “لا تعرف مضادة أو تناقضا في موضوعها ،فإذا صادفت مع ذلك تناقضا بين النظريات المختلفة ،لا ترى فيه إلا عرضا من أعراض درجة المعرفة الناقصة المدركة آنذاك.إن النظريات التي تبدو متناقضة يجب أن تجد حدودها بتناقضاتها نهائيا .أما بالنسبة للواقع الاجتماعي ،فعلى النقيض ،فليست هذه التناقضات أعراض إدراك علمي ناقص للواقع ،لكنها تختص عضويا ،بجوهر الواقع ذاته ،أي جوهر المجتمع الرأسمالي ..وعندما تفتح النظرية بكونها معرفة الكلية ،الطريق لتجاوز هذه التناقضات وحذفها ،تقوم بذلك بتبيانها اندفاعات نمط تطور المجتمع الواقعية المدعوة لتجاوز هذه التناقضات واقعيا في مجرى التطور التاريخي.
-الصيغ الصنمية للموضوعية
“إن الصيغ الصنمية للموضوعية ” أو الاستلاب البضائعي كما يسميه ماركس التي يولدها بالضرورة النتاج الرأسمالي “تنحل في مظهر يفهم بكونه مظهرا ضروريا ،ولكنه لا يعدو مع ذلك أن يكون مظهرا .إن الصلات الانعكاسية لهذه “الصيغ الصنمية ولقوانينها” الناجمة بالضرورة عن المجتمع الرأسمالي ،ولكنها تخفي الروابط الواقعية بين المواضيع ،تظهر كأنها التمثلات الضرورية التي بقيمها عملاء الإنتاج الرأسمالي .فهي إذن موضوع للمعرفة ،ولكن الواقع المعروض ضمن وبواسطة هذه الصيغ الصنمية ،ليس نظام الإنتاج الرأسمالي ذاته،إنه أيدلوجية الطبقة الحاكمة”
بعد هذا العرض المركز لتصور لوكاش للمنهج المادي الجدلي ،سنركز في حلقة أخرى لتصوره الجديد أو ما يعرف بلوكاش الأخير ومدرسة بودابست،خلال سنواته الأخيرة ،لما أصدر كتابا تحت عنوان :جدلية العلم والوجود والكينونة” ويعرض في هذا الكتاب نقده الصارم للافتراضات المسبقة الستالينية ومواجهة ادعاءاتها بتأسيس حقيقة واحدة ووحيدة.