كلمة العدد لجريدة النهج الديمقراطي  153

 

ستكون سنة 2011 والتي ودعناها على التو سنة مفصلية واستثنائية بكل المقاييس،وربما ستكون سنة بداية لتأريخ لمرحلة جديدة بالنسبة لشعوب العالم العربي؛حيت انطلقت شرارة النضال ضد الأنظمة المستبدة والفاسدة وحيت ألهبت تلك الشرارة نار الكفاح فكاد أن يعم المنطقة برمتها.

لقد أثمرت هذه الشرارة إسقاط بعض رموز الدكتاتورية في تونس ومصر واليمن وتكفل النيتو باغتيال القدافي ونظامه كما انطلق حراك جماهيري عارم في البحرين وسوريا والأردن والمغرب.

إن منطقتنا بعد 2011 أصبحت ملتهبة تهدد بانفجار مد ثوري حقيقي سيعصف بمصالح الأنظمة الفاسدة والرجعية الخليجية والامبريالية وصنيعتها الصهيونية.ولوقف هذا الخطر الداهم فإنا نرى بالعين المجردة تحالفات سياسية جديدة تعقد قوامها جماعات الإسلام السياسي (اخوان مسلمون ومشتقاتهم) ،فلول الأنظمة المتساقطة ،دولارات أنظمة أمراء البترول،قوات النيتو خبراء الشركات المتعددة الاستيطان ومهندسو السياسة الصهاينة.

إنها سنة الكفاح التحرري والنضال بكل أبعاده من اجل الحياة الكريمة والحرية والديمقراطية وهي حقوق حرمت منها شعوبنا لعقود عدة تحت مبررات انكشف أنها كانت خادعة وظفت من اجل تأبيد أنظمة الاستبداد ؛فتحولت بموجبها جمهوريات إلى ملكيات وملكيات إلى مستوطنات للرق والعبودية والى حدائق خلفية لخدمة المصالح الاقتصادية و العسكرية للامبريالية.

ونحن في النهج الديمقراطي إذ نتطلع إلى تلك الكفاحات وما فتحته من آفاق نستخلص :

1- أن سرعة انتشار شرارة النضال وقوة تجاوب الشعوب فيما بينها يؤشر إلى عمق الروابط ووحدة المصير و الإدراك السليم لحقيقة ملموسة بوجود عدو مشترك متضامن  ومتحالف بعضه مع بعض بالنسبة لكافة شعوب العالم العربي عدو متشكل من الأنظمة والصهيونية والامبريالية.

2- فكما أجهضت الطغمة العسكرية وأجنحة البرجوازية الصغيرة في السابق معركة التحرر من الاستعمار فهاهو اليوم يتم الاستناد إلى الإخوان المسلمين ومشتقاتهم من اجل وقف السيرورات الثورية الملتهبة وبالتالي إجهاض ثورة شعوب منطقتنا.

3- أظهرت التجربة التاريخية وكذا تطور الأحداث الماتلة للعيان بان استكمال مهام الثورة التحررية وبناء الديمقراطية الحقيقية هي مهمة الطبقات الشعبية الكادحة وفي طليعتها الطبقة العاملة المتحالفة مع الفلاحين الفقراء والكادحين،ولكي تنجز هذه المهمة التي أصبحت ذات راهنية لابد للقوى الماركسية أن تنفض عنها كل تلك الأمراض البرجوازية الصغيرة العالقة بها والتي لازالت تكبلها وتحجمها عن التحول النوعي إلى قوى سياسية مناضلة منغرسة في حاضنتها الشعبية .

أما في المغرب فان سنة 2011 شهدت ميلاد حركة 20 فبراير التي انطلقت بمبادرة من شباب قرر الانخراط في قيادة حركة نضالية من نوع جديد فأبدع شكلا  نضاليا أعطى معنى للنضال السياسي الجماهيري يقطع مع المناورة والكواليس ،فأصبحت المطالب تعرض في الشارع وقدم هؤلاء الشباب العشرات من الشهداء والمعطوبين والمعتقلين جراء القمع الأهوج الذي استعمله النظام كمحاولة يائسة لوقف حركة 20 فبراير التي حافظت إلى حد الساعة على طابعها السلمي.

لقد استطاعت الحركة تنظيم المئات من المسيرات في العشرات من المدن والبلدات وان تستقطب الآلاف من المواطنات والمواطنين وان تنظم عشرة أيام وطنية.

فعبر تجربتها الرائدة تمكنت الحركة من تطوير أساليبها وشعاراتها وان تجتاز بنجاح كل المطبات بل تجنبت بروية وتعقل كل الفخاخ المنصوبة والمعدة لتفجيرها من الداخل.وهاهي اليوم وعبر إنجاح يومها الوطني العاشر استطاعت أن تبرهن على إرادة الصمود والتبات خاصة بعد إعلان جماعة العدل والإحسان انسحابها من صفوف الحركة عبر بيان يترجم المراجعة السياسية لخط الجماعة على ما يبدو يولى الظهر إلى حركة 20 فبراير ويتلاءم مع مستجدات الوضع العربي والمغربي.

إن الحركة ماضية في نضالها الجماهيري ضد الاستبداد والفساد ومكوناتها عاقدة العزم على حمايتها وصون وحدتها و تجدير مواقفها وتحويلها إلى حركة ينخرط فيها الشعب بكل فئاته الكادحة والتي لها مصلحة في التغيير،وكما عبرت عن ذلك فان الحركة لن تنخدع بالأعيب المخزن و توظيفاته لورقة الاسلامويين والتي سيكون مآلها شبيه لما نجم عن توظيف الكتلة الديمقراطية  الذي أوصله إلى قمة العزلة السياسية وتدهور أسس شرعيته كما عكسه استفتاء دستور 2011 وتفسخ أحزاب الكتلة نفسها بحيث فقد الاتحاد الاشتراكي ما تبقى له من رصيد نضالي و مصداقية أم حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية فقد أصبحا خديمين طيعين للمخزن لا يمكن أن يتصورا وجودهما بعيدا عن عطف وحدب دار المخزن .

أما بالنسبة لنا في النهج الديمقراطي فسنة 2011 كانت سنة خوض النضال على كافة الجبهات،فاستطعنا تجسيد شعار مؤتمرنا الثاني الداعي إلى بناء قيادة حازمة للنضالات الجماهيرية التي  ساهمنا فيها إلى جانب الجماهير وقوى صديقة.لقد خاضت مناضلاتنا ومناضلونا وفي طليعتهم شبابنا معارك بإخلاص ونكران الذات مقدمين بذلك نموذجا للعمل السياسي النبيل.

كما مكنتنا سنة 2011 من ربط علاقات رفاقية وأخوية مع رفاق لنا عبر العديد من مناطق العالم  فقربت بيننا وجعلتنا نشعر بوحدة مصير شعوبنا في النضال ضد الأنظمة الفاسدة والمستبدة وضد الامبريالية عدوة البشرية والطبيعة.

لقد عرفت العديد من الدول تطورا جديدا للازمة البنيوية للرأسمالية حيث أصبحت دول مهددة بالإفلاس كما هو الشأن بالنسبة لليونان واسبانيا وايطاليا كما أن وثيرة الأزمة آخذة في التصاعد في فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة.

وكعادتها دائما تسعى الدولة الرأسمالية إلى حل الأزمة على ظهر الطبقة العاملة وباقي جماهير الشغيلة عبر تقليص ساعات العمل وإلغاء الخدمات الاجتماعية والنفقات المرتبطة بخدمة القطاعات الاجتماعية وعلى الصعيد الدولي عبر البحث عن إذكاء الحروب وفتح المجال واسعا للمركب المالي - الصناعي للتربح عبر المزيد من الاستثمار في الصناعات الحربية والأسواق المرتبطة بها.

لقد شكلت سنة 2011 لحظة قوية في إدراك الارتباط المتين بين الحركات الاحتجاجية المناضلة في عقر دار الامبريالية وحركة الشعوب المكافحة ضد الديكتاتوريات المحلية عميلة مصالح الامبريالية (دولا أو شركات متعددة الاستيطان).

إن هذا الوضع  يجب أن يدفعنا للإقرار بان هذه الحركات ستبقى قابلة للاحتواء ثم الإجهاض إن لم تكن مسنودة بل تحت قيادة جبهة سياسية مناضلة ذات أفق مناهض للامبريالية والرجعيات المحلية وفي هذا المقام أيضا يجب أن ندرك الدور الذي على الماركسيين أن يلعبوه كقوة أممية ولذلك أصبحت هذه المهمة غير قابلة للتأجيل إنها مهمة بناء أممية ماركسية مناضلة ضد الامبريالية تساعد على قيام المجتمعات البديلة للاستغلال الرجعي والامبريالي في أفق نجاح الثورات الاشتراكية. 

ونحن نستقبل سنة 2012 فإننا نتسلح بإرادة وعزيمة قويتين مستمدتين من إيماننا بعدالة قضايا شعبنا .إن طموحاتنا كبيرة وانجازاتنا متواضعة لكن إصرارنا لا حدود له لنجعل من السنة الجديدة نقطة انطلاق للأفضل.