|
الشاعر الفلسطيني سميح القاسم للنهار اللبنانية: لا أحترم حزن المستوطنين
قال الشاعر الفلسطيني سميح القاسم: إن حق العودة هو حق مقدس
للاجئين الفلسطينيين، ولا يستطيع احد انتزاعه أو إجبارهم على
التوطين، وأضاف: لا يوجد فلسطيني واحد لا يحلم بالعودة إلى وطنه.
القاسم أجاب على أسئلة "النهار":
*كيف ترى الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وهل هو بداية ؟
- بعيدا عن الفذلكة السياسية والإعلامية، وبمزيد من الفرح الذي هو
حالة استثنائية في الحالة التاريخية الفلسطينية، لا يمكن إلا أن
ابدأ بكلمة مبروك لانحسار الاحتلال عن بقعة غالية وعزيزة على
قلوبنا هي غزة.
ونحن نفرح اليوم بمثل ما فرحنا لاندحار الاحتلال الإسرائيلي عن
جنوب لبنان عام 2000، وبمثل ما سنفرح عند اندحار الاحتلال عن هضبة
الجولان المحتلة، وبكل انجاز نحققه في هذا الصراع الطويل والمرير
الذي توازي فيه الفرحة الحلوة أطنانا من الدم والدموع.
أقول مبروك، وبالمقابل لا نستطيع أن ننظر إلى هذه البقعة المحررة
بمعزل عن الوطن، وفي القلب منه القدس وباقي الأراضي الفلسطينية.
لقد تعلمنا معايشة الفرح الصغير بمثل ما تعلمنا معايشة الألم
الكبير، ولا يسكرنا هذا الانتصار الجزئي عن الوطن الكلي، لكن بمثل
ما عودنا الاحتلال وعودنا العالم كله سنظل دائما على هذا الطريق
الصعب، الذي طرحته في إحدى قصائدي منذ أكثر من أربعين عاما وأصبح
احد لافتاتها الروحية في وطننا هنا.
*هل تعتبر تفكيك المستوطنات اليهودية في قطاع غزة سابقة؟
- لا هي ليست سابقة. من خلال نظرتي القومية التي تعرفونها فان
تفكيك مستوطنة "ياميت" في سيناء كان بداية تخلخل المشروع الصهيوني
التاريخي، واذكر أن بن غوريون عام 1956 أعلن قيام مملكة سليمان
الجديدة إلا انه اضطر للتراجع تحت ضغط الصمود العربي والإرادة
الثورية والانسحاب.
يوم تفكيك مستوطنة "ياميت" كتبت مقالة نشرتها تحت عنوان" سبحان من
يحيي وياميت"، لذلك فان تفكيك مستوطنات غزة هو حلقة جديدة في سلسلة
طويلة لا بد أن تكتمل.
لقد قلت في مقالة نشرتها حديثاً في جريدة "كل العرب"، ردا على
الذين يطالبون بتحويل بيوت المستوطنين إلى منازل للفلسطينيين: إن
شعبنا يرى ان بيوت المستوطنين ليست سوى صناديق قمامة لا يحب السكن
فيها، لان طراز البناء العربي والإسلامي والحاجة لا تتوافقان مع
هذا الطراز من البناء، علما أن المستوطنين كانوا يحتلون 40% من
مساحة قطاع غزة.
نحن بحاجة إلى بناء المزيد من المدن الجديدة مثل مدينة الشيخ زايد،
هذه المدن التي تلبي احتياجات السكن المناسب والمحترم لآلاف
المشردين الذين دمرت جرافات الاحتلال بيوتهم طوال قرابة العقود
الأربعة.
*ما رأيك بالحملة الإعلامية الإسرائيلية التي رافقت إخلاء
المستوطنات من قطاع غزة؟
- هذه الحملة هي من نوع التراجي كوميدي، وأنا قد اصدق حرص اللص على
إعادة المسروقات التي سرقها إلى أصحابها الشرعيين، لكني لا استطيع
أن احترم حزنا كهذا.
هي ببساطة مسروقات أعيدت إلى أصحابها الشرعيين ولا مكان للحزن
الإنساني ولا مكان للصدق التاريخي فيها أيضا.
وفظاظة المستوطنين بإقحام الرموز النازية ومقتل عدد من الشهداء
الفلسطينيين على خلفية الانسحاب من غزة، ولا أقول إعادة الانتشار،
لان ما جرى هو انسحاب تحت ضغط المقاومة والصمود الشعبي الفلسطيني.
إن إقحام المأساة النازية في هذا الموضوع هو نوع من الابتزاز
الرخيص للعذاب اليهودي على يد النازيين، وهو كما قلت مسرحية يقصد
منها ابتزاز التعاطف الدولي وهم لا يستحقون أي شكل من أشكال
التعاطف، وهم يبدون وكأنهم يريدون إيجار استعمال الأراضي التي
احتلوها بالقوة، وأي تعاطف معهم تحت أية ذريعة، هو نوع من التضليل
التاريخي والفكري والسياسي.
*كيف يمكن للفلسطينيين الحفاظ على هذا الانجاز الوطني؟
- المهمة الأولى الرئيسية هي وضع المماحكات العصبوية والتنظيمية
والفئوية جانبا، وعلى الفصائل الفلسطينية أن تكون جزءا من الحركة
التاريخية وان تنأى بنفسها عن الحالة القبلية والعصبوية.
هذا هو انجاز لشعبنا الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير، وأي كلام آخر
لتجيير هذا الانجاز لهذا الفصيل أو ذاك هو بمثابة دخول في لعبة إذا
نجحت فسوف نكون نحن أول ضحاياها.
نحن مطالبون بحماية الوحدة الوطنية ومنع أي شكل من أشكال الاحتراب
وتحريم الاقتتال الداخلي، فلا فضل لفلسطيني على آخر إلا بالنضال.
لذلك الوحدة الوحدة وتحويل الأراضي المحررة إلى مشروع وطني مشترك
تحت إدارة السلطة الوطنية التي هي السلطة الشرعية والمنتخبة
ديموقراطيا، وهي العنوان الوحيد بغض النظر عما يمكن أن يقال عنها،
ويجب احترام وحدانية السلطة ووحدانية المشروع الوطني بمثل ما نحترم
التعددية وحرية الاجتهاد الفكري والسياسي.
*شارون يريد استغلال الانسحاب من غزة من اجل التطبيع مع الدول
العربية، ما رأيك في ذلك؟
- كل شكل من أشكال التطبيع مع استمرار وجود الاحتلال الإسرائيلي في
الأراضي الفلسطينية والعربية، هو بمثابة سقوط ومهانة وجهل سياسي،
وأرجو أن تنهي الأسرة السياسية العربية هذا الأمر وألا تكافئ
المحتل على إعادة مسروقاته.
هناك مسألة اخطر وهي حماقة كبرى، وهي ترشيح رئيس الحكومة
الإسرائيلية شارون لنيل جائزة نوبل للسلام من قبل حركة ايطالية
لحقوق الإنسان، مع العلم أن هذه الجائزة فقدت صدقيتها في السياسة
والأدب وكل شيء، لأنها أصبحت جائزة سياسية تديرها المخابرات، لكن
بغض النظر عن سقوط هذه الجائزة، فان ترشيح شارون لها يعتبر سقوطا
آخر لها.
يجب على العرب ودول العالم أن تلاحظ أن ما جرى هو حالة من حالات
الانحسار العسكري عن أراضي تم احتلالها بالقوة وعن شعب مقهور بقوة
الاحتلال وبطشه.
*ماذا تقول للاجئين الفلسطينيين في لبنان، الذين يشعرون بالقلق على
حق العودة؟
- هناك مشاريع وأحاديث متواصلة في الحلبة الدولية والإقليمية عن
توطين اللاجئين الفلسطينيين في ديار اللجوء، وتوطينهم أيضا داخل
الدولة الفلسطينية العتيدة، وهذا لن يتم إلا بإلغاء حق العودة، وهو
حق تكفله القرارات الدولية وخاصة القرار 194.
فهذا الحق ليس منة من احد، وهو حق من حقوق الإنسان، لكنه ليس
إجباريا لان القرارات الدولية تعطي الحرية للاجئ للاختيار بين
العودة وقبول التعويض.
وهذه المسألة لا تقررها الحكومات بل صاحب الشأن مباشرة الذي هو
اللاجئ الفلسطيني.
لذلك أقول لإخواني اللاجئين في لبنان وجميع دول الشتات: لا يستطيع
احد أن يحرمكم من حق العودة، ولا يستطيع أحد أن يكرهكم على
التوطين.
وأقول لأشقائي اللبنانيين، ليس هناك فلسطيني واحد لا يحلم بالعودة
إلى وطنه، أو يحلم بالتوطين، أو أن يشكل خطرا ديموغرافيا على احد،
ونرفض الزج بالعذاب الفلسطيني في المعادلة السياسية اللبنانية أو
السورية أو الأردنية.
وأنا قلت للمسؤولين والقادة اللبنانيين الذين التقيتهم، وكنت أقول
دائما، إن من حق الفلسطيني أن يعود إلى وطنه نظيفا ومرتاحا، ومن
حقه أن يعيش بكرامة في لبنان وسوريا والأردن ومصر وكل مكان، كأي
عربي لأنه صاحب حق، ونحن لسنا سياحا في هذه الدول، هذا وطننا
الكبير، لكن شعبنا يتطلع دوما إلى العودة إلى وطنه الصغير فلسطين،
وهذا حق تاريخي ومشروع وأرجو من أشقائنا في لبنان أن يحتملوا
لجوءنا القسري بروح أخوية طيبة، وألا يزجوا بنا في لعبة الصراع
الداخلي اللبناني.
وانتهز الفرصة لأقول لأهلنا في لبنان انه يجب الحذر من الأجواء
التي يشيعها تقرير ميليس حول اغتيال الشهيد الكبير الشيخ رفيق
الحريري وكل الشهداء الذين استهدفتهم عمليات الاغتيال الجبانة.
أريد أن أقول إن هذا التقرير لا يسعى لكشف الحقائق، بل يسعى لذر
الرماد في العيون، والى تأجيج الصراع الطائفي والمذهبي في لبنان،
ولدينا مثل فلسطيني يقول "حلس ملس مثل النجس" فاحذروا يا إخوتي هذا
التقرير واحذروا الفتنة التي قد يزجكم فيها تقرير الناعم النجس.
|