|
لنشتغل، لنناضل ولنواصل النقاش
انتهى المؤتمر الوطني الثامن الذي صادق بشبه إجماع على التقريرين الأدبي والمالي وعلى 17 وثيقة أخرى سيتم الارتكاز عليها للعمل طيلة السنوات الثلاثة القادمة. وقد شرعنا في العمل بجدية.
إلا أنه لا بد من التذكير بأنه قبل المؤتمر الأخير وفي إطار عددين من النشرة الداخلية للجمعية "الجدل" فتح نقاش حول عدد من القضايا تهم الجمعية. وقد تم مواصلة هذا النقاش أثناء المؤتمر وبعده حيث اتضح أن هنالك خلافات داخل الجمعية حول عدد من القضايا، أو هناك قضايا فيها غموض وتحتاج إلى توضيح ومن ضمنها:
ــ أي صيغة للاعتذار الرسمي للدولة: اعتذار الملك أم اعتذار الوزير الأول؟
ــ مسألة العلمانية: أي موقف من مطلب الدولة الديمقراطية العلمانية؟.
ــ المسألة الأمازيغية: أي موقف من مطلب الإقرار الدستوري للغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية؟
ــ مسألة النزاع حول الصحراء: هل ما جاء في البيان العام الصادر عن المؤتمر كافي كتصور حقوقي لمعالجة هذا الملف؟
ــ أي علاقة بين الحقوقي والسياسي وبين العمل في الجمعية والعمل الحزبي وأي علاقة كذلك بين الحقوقي والنقابي؟
ــ آي آليات لتطوير الاهتمام بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ؟
ــ الإشكالات المرتبطة بتطوير جماهيرية النضال الحقوقي؟
ــ أي آليات لتطوير المشاركة النسائية والمشاركة الشبابية داخل الجمعية؟ أي موقف من آلية الكوطا؟.
ــ أي آليات لتطوير العمل الجهوي؟
ــ الإشكالات المرتبطة بانتخاب الأجهزة: لجنة الترشيحات، الاقتراع السري المباشر، التمثيلية النسبية لمختلف التيارات والفعاليات؟...
ــ أي تصور حول الامتداد التنظيمي للجمعية بالخارج؟.
ــ الإشكالات المرتبطة بالقانون الأساسي للجمعية؟
كل هذه المواضيع تستحق فتح نقاشات جادة ومن الآن سواء على مستوى الجدل أو في إطار ورشات للتفكير أو ندوات وطنية أو على مستوى الأنترنيت. ففي الوقت الذي نكرس فيه جل طاقاتنا لتطبيق مقررات المؤتمر، وللنضال من أجل حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، أعتقد أنه من المفيد كذلك مواصلة النقاش ومنذ الآن حول القضايا الخلافية أو القضايا المحتاجة إلى وضوح.
ومن جهتي أريد أن أساهم في النقاش حول الموضوع الأول المتعلق بإشكالية اعتذار الدولة للضحايا والمجتمع، كجزء من معالجة ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
================================================
أي صيغة للاعتذار الرسمي للدولة؟
خلال المؤتمر الأخير، وخاصة أثناء مناقشة التقرير الأدبي، فوجئت ببعض المؤتمرين ينتقدونني بحدة لكوني أكون قد صرحت بأن الجمعية تعتبر أن الملك هو من يجب أن يقدم الإعتذار كتجسيد للمطلب الحقوقي الجماعي المتعلق بضرورة اعتذار الدولة للضحايا والمجتمع بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة في عهد الملك السابق من طرف الدولة بمختلف مؤسساتها وأجهزتها.
وفي جوابي على هذا الانتقاد أوضحت آنذاك بأن ما كنت أصرح به دائما هو مطالبة الجمعية باعتذار الدولة وكنت أضيف أحيانا أنني شخصيا أعتبر أن الملك هو الذي يجب أن يقوم بهذا الاعتذار باسم الدولة وليس والوزير الأول.
والآن وبعد انتهاء المؤتمر، وما رافقه أحيانا من مواقف ضيقة الأفق وذاتية، أعتقد أنه حان الوقت لمناقشة هذه المسألة بشكل موضوعي وهادئ.
السؤال: من يجب أن يقدم الاعتذار للضحايا والمجتمع؟ هل الملك أم الوزير الأول؟
إن هيئة الإنصاف والمصالحة أجابت على هذا السؤال في إحدى توصياتها المتضمنة في تقريرها بتاريخ 30 نونبر 2005 والتي جاء فيها بأن الوزير الأول هو من يجب أن يقدم الاعتذار.
وهناك آخرون ــ ومن ضمنهم أنا شخصيا ــ يعتبرون بأن الملك هو من يجب أن يقدم الاعتذار باسم الدولة.
لماذا هذا الموقف؟
* أولا، إن الدستور نفسه في الفصل 19 ــ ومهما كانت مواقفنا من هذا الدستور ــ يؤكد بأن الملك هو "الممثل الأسمى للأمة... وضامن دوام الدولة واستمرارها والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات".
وفي نفس الدستور، يطرح بأن الملك "يعين الوزير الأول ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول وله أن يعفيهم من مهامهم... وأنه يرأس المجلس الوزاري وأن الحكومة مسؤولة أمام الملك وأمام البرلمان".
كل هذا يبين بوضوح بأن الملك هو دستوريا وقانونيا ممثل الدولة على المستوى السياسي وصاحب السلطة الفعلية، في حين أن الوزير الأول معين من طرفه ومسؤول أمام الملك.
* ثانيا، إن المسؤولية في ارتكاب الانتهاكات الجسيمة ترجع أولا وقبل كل شيء إلى المؤسسة الملكية نظرا لما لها من سلطات مباشرة وغير مباشرة، عبر تحكمها في الجيش والدرك وسائر الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية وأجهزتها والقضاء.
أما سلطات الوزير الأول فهي ضعيفة مقارنة مع السلطات الملكية، ويمكن الجزم أن الوزراء الأولين أنفسهم لم يكونوا في العديد من الأحيان حتى على علم بالانتهاكات الجسيمة المرتكبة من طرف الأجهزة الخاضعة لسلطة الملك ومراقبته.
ونظرا لما سبق، فمن البديهي أن الملك هو الذي يجب أن يقدم الاعتذار باسم الدولة.
* إن المعارضين لمبدأ اعتذار الملك باسم الدولة يطرحون من بين ما يطرحونه بأن الملك الحالي، محمد السادس، ليست له مسؤولية بشأن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في ظل حكم والده، وبالتالي من المجحف مطالبته بالاعتذار عن انتهاكات لم يقم بها.
صحيح أن الملك الحالي لم يكن له كولي العهد سوى دور سياسي هامشي وبالتالي لم يكن له دور في الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في ظل حكم والده. إلا أن الاعتذار المطلوب من الملك ليس اعتذارا شخصيا عن أعمال ارتكبها كشخص وإنما هو اعتذار باسم المؤسسة الملكية كنواة أساسية للدولة وباعتبار أن الملك وفقا للفصل 19 من الدستور هو "ضامن دوام الدولة واستمراريتها".
من جهة أخرى إن التأكيد على عدم مسؤولية الملك الحالي على الانتهاكات الجسيمة لما قبل 1999 للاعتراض على اعتذار الملك يمكن التحجج به كذلك للاعتراض على اعتذار الوزير الأول مادام الوزير الأول الحالي نفسه ليست له مسؤولية في انتهاكات الماضي.
* خلاصة القول، إن الاعتذار الرسمي للدولة لن يكون جديا ومسؤولا إلا إذا تم من طرف الملك. وإذا تم هذا الاعتذار من طرف الوزير الأول كما طرح ذلك من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة فسيكون ذلك مجرد اعتذار للوزير الأول أو للوزارة الأولى وليس اعتذارا للدولة.
* تبقى ضرورة الجواب على سؤال آخر. هل الاعتذار الرسمي للدولة في شخص الملك يكفي لطي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبطة بالقمع السياسي؟
طبعا لا، لأن المعالجة الحقوقية والديمقراطية السليمة لهذا الملف تقتضي وفقا لتصورنا في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان خمس متطلبات أساسية:
1) الكشف عن الحقيقة، كل الحقيقة بشأن كافة الانتهاكات الجسيمة وتحديد المسؤولية العامة ــ مسؤولية الدولة ــ وتشخيص مسؤولية كل مؤسسة وجهاز من مؤسسات وأجهزة الدولة والمسؤوليات الفردية بشأن الانتهاكات الجسيمة.
2) المساءلة وعدم الإفلات من العقاب بالنسبة للمسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
3) الإنصاف وهو ما يتطلب جبر الأضرار الفردية (التعويض المادي والعلاج الطبي والإدماج الاجتماعي) والجماعية (بالنسبة للمجموعات والمناطق التي عانت بشكل فظيع من الانتهاكات الجسيمة) والمجتمعية (حفظ الذاكرة والاعتذار الرسمي للدولة).
4) اتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة مستقبلا مما يستوجب وضع أسس بناء دولة الحق والقانون بدءا بإقرار دستور ديمقراطي في طريق بلورته ومضمونه وأسلوب المصادقة عليه عبر استفتاء حر ونزيه.
5) المعالجة الموازية للانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالقمع السياسي والانتهاكات الجسيمة الناتجة عن الجرائم الاقتصادية: الرشوة، نهب وتبذير المال العام، منح الامتيازات لكبار الأعيان ومختلف أصناف الفساد الاقتصادي. إن ضرورة هذه المقاربة تنبع من جهة، من كون العديد من المسؤولين الكبار عن الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالقمع السياسي هم في ذات الوقت المسؤولين عن الجرائم الاقتصادية والمستفيدين من نهب المال العام، ومن جهة أخرى من كونها ستمكن عبر استرجاع الأموال المنهوبة من طرف المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة من تمويل صندوق تعويض الضحايا بدل اللجوء إلى الميزانية العامة، وإثقال كاهل الشعب بالضرائب للتعويض عن انتهاكات كان هو الضحية الأولى لها.
عبد الحميد أمين
مسؤول في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان
|