الإطار المرجعي للنهج الديمقراطي

تقديم:

1 - تهدف هذه الوثيقة إلى تحديد وتوضيح المبادئ والتصورات العامة التي يرتكز عليها النهج الديمقراطي في عمله السياسي. وهي بمثابة علامات في الطريق أو عناصر في الهوية تنطوي على بعض عناصر الثبات تفيد في توجيه المسار الذي نتجه نحوه كما تفيد في وضع الحدود الفاصلة بيننا وبين توجهات سياسية وإيديولوجية أخرى. وتكتسي عملية التوضيح الفكري والإيديولوجي أهمية كبرى في ظروف الأزمة العامة التي دخلتها الحركة الاشتراكية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار المنظومة الشرقية، والتي ألقت ظلالا من الشك على مصداقية المشروع المجتمعي الاشتراكي ذو الأفق الشيوعي وعلى الماركسية. ففي الوقت الذي باتت الرأسمالية المنتصرة تقدم نفسها بوصفها الأفق الوحيد الممكن، وفي الوقت الذي تحولت فيه أحزاب اشتراكية وشيوعية سابقة، أذهلتها الأحداث المأساوية لنهاية القرن العشرين، إلى الديمقراطية الاجتماعية وإلى الاشتراكية الوطنية، بل وإلى إيديولوجيات عرقية، غدا من واجبنا، نحن المقتنعين بأن البربرية الرأسمالية لا يمكن أن تكون قدرا محتوما على الإنسانية، إعادة الاعتبار للمشروع الاشتراكي وللفكر الاشتراكي، وأنه يحق للإنسانية، بل يجب عليها أن تتطلع إلى بناء مجتمع أكثر عدالة وإنسانية، مجتمع لا يقوم على استغلال الإنسان للإنسان، وعلى تركيز معظم الخيرات المادية في يد أقلية من المستغلين بينما يلقي بالغالبية العظمى في هاوية البؤس والحرمان والتهميش. ولا شك أن إعادة الاعتبار هذه تقتضي من الحركة الاشتراكية العالمية، ونحن أحد فصائلها، تجديد مشروعها المجتمعي الاشتراكي وإعادة بناء أدواتها الفكرية، على أساس استيعاب دروس التجربة التاريخية. ومن هذه الناحية، فإن أحد أهداف هذه الورقة هو تحديد التوجه الإيديولوجي والسياسي للنهج الديمقراطي بوصفه توجها يجمع في نفس الوقت بين مواصلة النضال ضد الرأسمالية والالتزام بالعمل من أجل بناء مجتمع اشتراكي، والانخراط في مجهود التجديد وإعادة البناء الذي ينبغي أن يتم بمساهمة مكونات الحركة الاشتراكية العالمية.

ويكتسي مطلب التوضيح الفكري أيضا أهمية كبرى لأسباب ترتبط بالفترة الراهنة من تطور المجتمع المغربي، والتي تتميز بتسارع عملية بلقنة أجزاء من الطبقات الوسطى ولا سيما البرجوازية الصغرى بمختلف شرائحها.كما تتميز هذه الفترة بانهيار القيم التقدمية وتراجع الثقافة النقدية والتحررية نظرا لتراجع الأحزاب التي كانت في الأمس القريب تتبنى الديمقراطية وهيمنة التوجه اللاعقلاني تحت غطاء الدين والهوية الإسلامية في إطار من الإرهاب الفكري. ففي أجواء الغموض والتخبط التي تميز الفترة الراهنة، تختلط الأوراق وترتفع شعارات تدعو إلى "البراغماتية السياسية"، وإلى "نبذ الإيديولوجيات" تحت شعار "الحداثة " الأمر الذي يعني في نهاية المطاف دعوة الطبقة العاملة إلى الاستسلام للاستغلال والوقوع تحت هيمنة الإيديولوجيات البرجوازية والمخزنية السائدة.

المرجعية التاريخية:

2- يمثل النهج الديمقراطي شكلا من أشكال الاستمرارية السياسية والفكرية للحركة الماركسية- اللينينية المغربية، وخاصة منظمة " إلى الأمام "، وقد تشكل في ظل ظروف موضوعية تميزت بانفتاح ثغرة في جدار القمع بفعل النضالات التي خاضها شعبنا من أجل الديمقراطية، واشتداد الضغط الدولي على النظام المخزني الذي دخل نتيجة ذلك، منذ بداية التسعينات، في مناورات سياسية يرمي من وراءها إلى التظاهر بإجراء إصلاحات ديمقراطية، ولكن دون التفريط في الجوهر المخزني للدولة، وفي ظروف ذاتية تمثلت في إرادة الانخراط في نضال شعبنا من أجل الديمقراطية وفتح الطريق لبناء المجتمع الاشتراكي.

لذلك فالنهج الديمقراطي ينهل، على مستوى مرجعيته التاريخية والفكرية والسياسية، من رصيد فكري وسياسي وكفاحي استمر وتطور منذ نهاية الستينات رغم كل محاولات الاجتثات والتلغيم والاحتواء والتمييع.

إن الاستمرارية تعني التمسك بالقيم الكفاحية التي بلورتها الحركة الماركسية- اللينينية عبر عقود من النضال والصمود في وجه واحدة من أعتى آلات القمع في المنطقة، غير أنها تعني أيضا نقد وتطوير وإغناء ذلك الرصيد الفكري والسياسي والنضالي على جميع المستويات خدمة للمشروع التحرري الديمقراطي والاشتراكي.

3- إننا ننظر إلى التشكيلة الاجتماعية المغربية - موضوع وذات نضال النهج الديمقراطي- والتي يهيمن فيها نظام الرأسمالي التبعي ككل ملموس يحركه الصراع الطبقي الذي يستبطن التناقضات على المستوى الدولي ويخترق كل بني هذه التشكيلة الاجتماعية على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإيديولوجية والثقافية.

4- تستند هوية النهج الديمقراطي إلى الهوية العميقة لشعبنا. هذه الهوية تشكلت في سياق تاريخي طويل تميز من ناحية أولى بالتصدي للهجمات التي تعرضت البلاد لها على مر العصور بسبب موقعها الاستراتيجي الهام، ومن ناحية أخرى بانفتاح شعبنا وتفاعله الإيجابي مع الموجات البشرية والثقافية والحضارية التي عرفها حوض المتوسط وشمال إفريقيا. وقد بنى خلال تاريخه الطويل هوية غنية ومتعددة تداخلت فيها مكونات متنوعة أمازيغية وافريقية وعربية وإسلامية ومتوسطية.

إن هذه الهوية لم تكن أبدا " حقيقة " نهائية وجامدة، إنها ليست حقيقة هذا الشعب التي تحددت دفعة واحدة وإلى الأبد في لحظة من لحظات ماضيه (سواء تعلق الأمر بالماضي العربي الإسلامي أو بفترات سابقة عليه) والتي يتعين عليه التطابق معها على الدوام، وإنما هي حقيقة تاريخية حية، تشكل محصلة لتاريخ بلادنا الغني وتتجدد مع تطوره وتعبر عن آماله وتطلعاته، إنها في نفس الوقت انعكاس لوجوده ولتجربته التاريخية وتعبير عن مشروعه المستقبلي. وهذه الهوية في أبعادها الإنسانية والروحية والوطنية والقومية هي ما وفر لشعبنا مقومات التماسك وإمكانية الصمود في وجه الأطماع الأجنبية.

وبناء عليه، فإنه من الخطأ اختزال هوية شعبنا الغنية بتعددها وتنوعها في لحظة من لحظات تشكلها وتطورها، أو في مظهر أو بعد وحيد من أبعادها سواء كان هو الإسلام أو الأمازيغية أو العروبة أو الوطنية، لأن هذه الهوية هي مركب من كل ذلك إضافة إلى آمال وتطلعات المغاربة وإرادتهم في العيش المشترك، أي إلى مشروعهم المجتمعي، الذي يمثل في واقع الأمر حقلا ورهانا لصراع المشاريع التي تحملها الفئات والطبقات الاجتماعية المتصارعة.

لذلك، فإن النهج الديمقراطي، كحركة ماركسية، يساهم في هذا الصراع من أجل تنمية وإغناء الجوانب المشرقة في هويتنا ومحاربة النزعات المظلمة والمنغلقة وفتح الآفاق أمام التطور الديمقراطي لكل مكوناتها في اتجاه تقدمي، عقلاني ومنفتح على إنجازات الفكر الإنساني، وبما يخدم وحدة شعبنا وانعتاق طبقاته الكادحة.

5- هكذا تداخلت وانصهرت في تكوين هوية شعبنا عناصر متنوعة منها العروبة والأمازيغية والإسلام والوطنية وأصبحت وحدة متماسكة صمدت في وجه كل محاولات زرع التفرقة والصدام، مما يفرض الدفاع عن هذه الهوية، عن مكونها العربي الذي يتعرض للتهميش رغم كل الخطاب الرسمي حول التعريب، وعن مكونها الأمازيغي الذي يعاني من تهميش مضاعف.

6- إن التطور الديمقراطي يقتضي العمل من أجل رفع التهميش والحيف الذي عانت منه الأمازيغية على امتداد قرون طويلة، وفسح آفاق النمو أمامها. ولذلك يناضل النهج الديمقراطي من أجل أن تتبوأ هذه الأخيرة مكانتها كلغة وطنية وكمكون أساسي من مكونات الهوية المغربية على قدم المساواة مع باقي المكونات الأخرى، في إطار حل ديمقراطي لا يفرط في وحدة الشعب المغربي، يعترف بالخصوصيات الجهوية ويضمن أقصى حد ممكن من التسيير الذاتي على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية من المناطق التي تتمتع بشخصية متميزة تشكلت خلال السيرورة التاريخية لشعبنا مثل مناطق الريف وزيان وسوس.

إن النهج الديمقراطي يساند المطالب الديمقراطية للحركة الأمازيغية التي تناضل من أجل تحقيق مطالب تصب في دمقرطة المجتمع وتحريره من مظاهر الظلم والاستبداد ويناهض الاتجاه الرجعي الذي يتكون من أعيان القبائل والذي يستثمر مشاعر الانتماء والإحساس بالغبن لدى جزء من المغاربة ليبسط هيمنته على المناطق الأمازيغية من غير أن يتقدم بأي برنامج أو مطالب حقيقية ما عدا شعارات خادعة حول العناية بالعالم القروي، هذا الاتجاه الذي يشكل جزءا من القاعدة الاجتماعية للنظام المخزني وإحدى القلاع المناهضة للتغيير الديمقراطي.

7- إن الوطنية التي نتبناها هي الوطنية التي انصهرت في الكفاح ضد الاستعمار ولذلك فهي تكتسي طابعا تقدميا لأنها تعبير عن دفاع الشعوب المضطهدة عن أرضها وكرامتها وحريتها وهويتها في مواجهة الهيمنة الإمبريالية وهي تنبذ الشوفينية والعنصرية سواء على أساس لغوي أو ديني كما تنبذ القطرية الضيقة وتؤمن بوحدة الشعوب المغاربية في أفق وحدة شعوب العالم العربي.

8- إن النهج الديمقراطي ينهل من رصيد مقاومة وكفاح شعبنا ضد الاستغلال والاستبداد وضد الغزاة على مر العصور وصولا إلى المقاومة الباسلة التي خاضها شعبنا ضد التغلغل الاستعماري وضد المخزن بأجنحته السياسية والعسكرية والدينية والتي انتشرت على طول خريطة البلاد ومثلت ثورة الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي ملحمة بارزة فيها، وكذا النضال من أجل الاستقلال الذي أطلقه جيش التحرير في الشمال والجنوب والمقاومة المسلحة في المدن.

9- إن الانتماء إلى العالم العربي قد وطد لدى المغاربة أواصر التضامن بين شعوب هذه المنطقة ضد كل عدوان أجنبي الشيء الذي يفسر تجدر القضية الفلسطينية في وعي الشعب المغربي وكذلك تعبئته للتضامن مع الشعب العراقي كما يتغذى هذا الوعي من وحدة المصير المشارك لحركة تحرر شعوب هذه المنطقة.

إن الامبريالية ما فتئت تسعى بمختلف الوسائل بما فيها التدخل العسكري المباشر إلى تأييد سيطرتها على المنطقة عن طريق زرع الكيان الصهيوني ليكون قاعدتها المتقدمة وذراعها العسكري، وهي الآن تسعى إلى فرض نظام إقليمي " شرق- أوسطي" يتكون من كيانات ضعيفة واقعة تحت الهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية لإسرائيل. ومن هنا اكتست فكرة القومية العربية في مرحلة صعودها، مضمونا تحرريا معاديا للإمبريالية والصهيونية والرجعية، وحملت آمال الشعوب العربية في الوحدة والتحرر، غير أن هذه التجارب القومية آلت إلى الفشل بسبب طابعها البرجوازي الصغير والمعادي للديمقراطية من جهة، وعجز البرجوازيات العربية عن بلورة مشروع للتحرر الوطني والوحدة القومية من جهة ثانية، ولذلك فإن بناء وحدة شعوب العالم العربي يبقى واحدا من الأهداف الأساسية للقوى الثورية، لأنه يجسد تطلع هذه الشعوب إلى التحرر من الهيمنة الإمبريالية والصهيونية، ولكن هذا البناء ينبغي أن يتم على أساس منظور جديد، ديمقراطي ينبذ الاستعلاء والإلحاق والإقصاء والديكتاتورية ويقر بالتعددية في إطار الوحدة. 

المرجعية الإيديولوجية:

10- إن النهج الديمقراطي، انطلاقا من تقديره للنزعات العقلانية المشرقة في الثقافة- العربية الإسلامية التي بلورها مفكرون من طينة ابن رشد وتطورت في عصر النهضة في أوربا لتفضي إلى فكر الأنوار وتأسيسا على تحليله الماركسي بأن الدولة هي، بالأساس، أداة تمارس بواسطتها الطبقات السائدة دكتاتوريتها على الطبقات المسودة وأن السياسة صراع مصالح، انطلاقا مما سبق، يناضل النهج الديمقراطي من أجل نزع القدسية عن الدولة والسياسية، لذلك فهو يناضل من أجل فصل الدين عن الدولة وعن السياسة، وبكلمة من أجل العلمانية لكي يتوضح الجوهر الحقيقي للصراع السياسي والصراع من أجل السلطة كصراع مصالح يدور بين فئات وطبقات اجتماعية وحتى لا يتستر الاستغلال والاستبداد وراء لبوسات دينية مخادعة.

على أن العلمانية في منظورنا هذا تعني أيضا ضمان حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية.

11- يتبنى النهج الديمقراطي الماركسية كمنهج للتحليل وكنظرية في التغيير الثوري، على أننا لا نعتبرها نظرية جامدة، بل هي خاضعة للتطور والاغتناء على ضوء الممارسة النضالية وبالاستفادة من التقدم العلمي. لذلك فإن النهج الديمقراطي ينهل من فكر ماركس وانجلز ولينين وغيرهم من المفكرين والقادة الشيوعيين الذين قدموا إضافات أغنت الماركسية كنظرية في التغيير الثوري وكمنهج للتحليل. وترتكز الماركسية من حيث الجوهر إلى المادية الجدلية والمادية التاريخية.

12- إن الماركسية، كفكر تحرري يهدف إلى انعتاق الإنسان من الاستغلال والاستبداد، يوفر الأسس النظرية والعملية في مرحلة هيمنة النظام الرأسمالي على العالم للطموح التحرري الاجتماعي والإنساني الذي تعكسه الهوية العميقة لشعبنا في أبعادها المتنوعة.

13- إن الماركسية المرتكزة إلى المادية التاريخية، تعتبر أن محرك التاريخ في المجتمعات الطبقية هو الصراع الطبقي بين الطبقات المستغلة والطبقات المستغلة والذي يتخذ أشكالا متعددة وعادة ما يتستر تحت غطاءات إيديولوجية متنوعة ومختلفة.

14- كما أن الفكر الماركسي الحي فكر تحليلي نقدي لواقع الاستغلال والاضطهاد وينطلق من موقع خدمة مصالح ومطامح الطبقات المستغلة، وتحديدا الطبقة العاملة التي تنتزع منها الرأسمالية فائض القيمة. والماركسية هي الفكر الأكثر قدرة على تحليل آليات وقوانين الرأسمالية وتوفير أدوات نقدها وتجاوزها فكرا وممارسة.

وتستند الماركسية إلى أدوات معرفية تختلف جذريا عن الأدوات المعرفية التي أفرزتها النظريات الأخرى حيث أحدثت القطيعة مع الفكر التأملي الميتافيزيقي واعتبرت أن الأفكار السديدة تأتي من الممارسة العملية ومن توظيف المعرفة العلمية المتراكمة بشكل خلاق بارتباط مع هذه الممارسة وإشكالاتها. فالماركسية تسعى إلى تغيير العالم بدل الاكتفاء بتفسيره.

15- إن التناقض الرئيسي الذي ظل ولا زال يحكم تطور الرأسمالية أصبح أكثر حدة من ذي قبل مع اكتساح النظام الرأسمالي لجل مناطق العالم. فالنمو الهائل والكوني لقوى الإنتاج الذي نعيشه حاليا، يرتكز إلى إقصاء المنتجين/المبدعين من أي تحكم فعلي في وسائل الإنتاج واستيلابهم واستغلالهم وإلى تهميش شرائح متزايدة من سكان البلدان الرأسمالية المتطورة بينما يطال التهميش والتفقير بل التجويع الأغلبية الساحقة من ساكنة البلدان التابعة؛ وذلك عوض أن يؤدي إلى إرساء الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج التي تخدم مصالح المنتجين/ المبدعين وتوفر شروط بناء حضارة إنسانية تضمن حدا أدنى من الحياة الكريمة للبشرية جمعاء.

16- إن التجاوز الجدلي لهذا التناقض الكوني في اتجاه إقامة نمط من التنظيم الاجتماعي تصبح فيه وسائل الإنتاج المتطورة باستمرار تحت المراقبة والتحكم المشتركين للمنتجين/المبدعين الأحرار وفي خدمة الإنسانية جمعاء هو ما نسميه الشيوعية. والاشتراكية تمثل مرحلة دنيا إنتقالية في هذه الصيرورة. إن الشيوعية بالنسبة لنا ليست نموذجا يجب على الواقع أن يتماثل معه، إنما هي كما طرح ذلك ماركس وانجلز في "الإيديولوجية الألمانية"، الحركة الفعلية التي تقضي على الواقع القائم، أي على الرأسمالية. 17- إن النهج الديمقراطي يعتبر أن نضاله يندرج ضمن النضال الأممي من أجل حل التناقض المسطر أعلاه. إن الطابع الأممي لنضالنا أصبح أكثر حيوية وضرورة ملحة أكثر من السابق بفعل العولمة الرأسمالية المتسارعة وعدم قدرة الثورات الاشتراكية على النجاح والصمود إلا إذا انتصرت في مناطق واسعة وأدت إلى خلخلة النظام الرأسمالي. وفي هذا الإطار فإن التطور الهائل لوسائل الإنتاج، وخاصة وسائل الإتصال، يفتح إمكانيات ضخمة أمام تطور التضامن والنضال الأمميين.

18- إن وضع المرأة الدوني لم يكن دائما قائما في تاريخ البشرية وهو ليس محددا بتكوين المرأة البيولوجي كما يدعي البعض. إنه نتيجة سيرورة تاريخية أدت منذ آلاف السنين إلى بروز العائلة البطريركية والدولة والملكية الخاصة والمجتمع الطبقي بشكل عام.

وقد استفادت الرأسمالية من هذا الوضع الدوني لاستغلال المرأة العاملة أكثر من الرجل (أجور أقل وظروف عمل أسوء في الغالب).

كما أن الرأسمالية تعتبر الأعمال المنزلية وعملية إعادة إنتاج قوة العمل التي تتحمل النساء جزءها الأكبر أعمالا خاصة لا يجب أن يتحمل رأس المال أية مسؤولية فيها.

لذلك فإن نضال النساء من أجل المساواة مع الرجل على كافة المستويات مع ضمان الحقوق الخاصة للمرأة كامرأة وكأم يصب في النضال العام ضد الرأسمالية كنظام استغلالي، وتحتل النساء العاملات مقدمة هذا النضال لكونهن يعانين كنساء وكعاملات من استغلال واضطهاد هذا النظام، فلا تحرر فعلي للمرأة إلا في إطار المجتمع الاشتراكي.

19- إن النهج الديمقراطي وارتكازا إلى الماركسية التي تهدف إلى تحرير الإنسان ليس من الاستغلال الرأسمالي فحسب بل من كل أنواع الاضطهاد والاستيلاب منفتح على كل تجارب الشعوب ونضالاتها من أجل الانعتاق من الاستبداد واستغلال الإنسان للإنسان وكذا إنجازات الفكر التقدمي العالمي في ميدان حقوق الإنسان في شموليتها وكونيتها، وفي مقدمتها حقوق النساء، والحريات الديمقراطية كحرية الرأي والتعبير والعقيدة والتنظيم وغيرها، وفي ميدان الحفاظ على البيئة وتحسينها والدفاع عن السلم والأمن العالميين ضد ما يتهدد البشرية من دمار بسبب إنتاج الأسلحة الفتاكة والعمل على تطوير التضامن والتآزر بين الشعوب خاصة عبر توسيع وتعميق العلاقات بين تنظيمات المجتمع المدني في كل بلد وأخيرا في ميدان بلورة سلوكات وممارسات ديمقراطية حقيقية تسمح بالمشاركة الفعلية للمواطنين في تدبير شؤونهم وفي صنع القرارات التي تهم مصائرهم.

20- إن الرأسمالية في بحثها الجنوني واللامتناهي عن الربح تستنزف الطبيعة والإنسان. لذلك فإن النضال ضد الرأسمالية هو أيضا نضال ضد تدميرها المتسارع للطبيعة (تبذير المواد الأولية، تلويث الطبيعة بالمواد المضرة، إنتاج الأسلحة الأكثر فتكا وعلى نطاق واسع، إشعال الحروب...) مع ما ينتج هن ذلك من كوارث طبيعية كالتصحر والجفاف والأمراض وتدمير غطاء الأوزون...

وإذا كان هذا التدمير يهدد البشرية جمعاء بالفناء، فإن عمال العالم وأغلب بلدان العالم الثالث التي تحولت إلى مزابل ومقابر للنفايات النووية والكيماوية، هم الأكثر تضررا من تدمير الطبيعة. لذلك فإن النضال من أجل الحفاظ على البيئة الطبيعية وتحسينها يرتبط أشد الارتباط بنضال العمال والشعوب المضطهدة ضد الرأسمالية.

المرجعية السياسية:

21- إن المهام المطروحة في بلادنا الآن هي مهام التحرر الوطني والبناء الديمقراطي التي تلعب فيها الجماهير الشعبية بقيادة الطبقة العاملة الدور الرئيسي. إن ما نعنيه هنا بالتحرر الوطني ليس فقط تحرير أجزاء من التراب الوطني من الاحتلال الأجنبي، بل أساسا إنهاء السيطرة الإمبريالية على بلادنا عبر استقلالية القرار السياسي وبناء اقتصاد وطني يستجيب لحاجيات الجماهير وليس لحاجيات السوق العالمي الذي تسيطر عليه الشركات المتعددة الاستيطان.

إن هذا لا يعني أننا سنعزل أنفسنا عن الخارج، بل أن تكون علاقتنا الاقتصادية مع الخارج خاضعة لمصلحة تطوير اقتصاد وطني همه الأول تلبية حاجيات شعبنا الأساسية.

إن من أسباب فشل حركات التحرر التي قاومت الاستعمار (المباشر)، علاوة على الطبيعة الطبقية لقيادتها (الطبقات الوسطى)، كونها لم ترتكز إلى الديمقراطية. لذلك نعتبر أن مهام التحرر الوطني ترتبط أشد الارتباط بالبناء الديمقراطي وأن الديمقراطية شرط أساسي وحيوي لكي يستطيع النضال من أجل التحرر الوطني أن يكتسب زخمه ويحقق أهدافه.

لذلك فإن حل التناقض الكوني بين الرأسمالية والطبقة العاملة يمر الآن، في بلادنا كما في أغلب بلدان العالم الثالث، عبر حل التناقض الرئيسي بين الطبقات السائدة والإمبريالية من جهة، وكل الطبقات والفئات الشعبية من جهة أخرى. غير أن محرك هذا التناقض الرئيسي هو التناقض الأساسي بين الطبقة العاملة وعموم الكادحين من جهة، والطبقات السائدة والإمبريالية من جهة ثانية.

22- إن التجربة التاريخية لشعبنا وشعوب العالم العربي تؤكد ما سبق، فقيادة الطبقات الوسطى للنضال من أجل التحرر الوطني في مواجهة الإمبريالية، والنضال من أجل الديمقراطية في مواجهة الطبقات السائدة قد أدت إلى الهزائم تلو الهزائم.

ففي المغرب أدت قيادة الطبقات الوسطى للنضال من أجل التحرر الوطني والديمقراطية إلى إجهاض هذا النضال وتمكين الإمبريالية وحلفائها المحليين (المخزن، الكمبرادور وشبه الإقطاع) من الحفاظ على سيطرتهم على البلاد. أما في الدول التي أدى فيها الكفاح من أجل التحرر الوطني إلى تبوئ البرجوازية الصغرى قيادة هذا الكفاح، إما خلال المعركة ضد المستعمر كما في الجزائر أو إثر انقلابات عسكرية كما في مصر والعراق وسوريا، فإن هذه الأنظمة قد خسرت معركة التحرر الوطني ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية. وهذا ما أثبتته هزيمة يونيو 1967 في مصر والمسلسل الإندحاري الذي تبعها والتراجعات التي سمحت للقوى الأصولية بأن تتقوى وتشعل حربا أهلية بالجزائر إضافة إلى انهيار النظام العراقي والنظام اليمني الجنوبي ودور النظام السوري في لجم المقاومة الفلسطينية واللبنانية. لذلك فإن قيادة النضال من أجل التحرر الوطني والديمقراطية تقع على عاتق الطبقة العاملة وعموم الكادحين، وهو ما يطرح بإلحاح ضرورة بناء التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين والتي سبق للحركة الماركسية – اللينينية المغربية أن طرحتها في بداية السبعينات.

23- إننا نطرح مفهوم التنظيم السياسي المستقل، وليس الحزب لأننا لا نجزم منذ الآن في الشكل الذي قد يتخذه التعبير السياسي للطبقة العاملة وعموم الكادحين (هل حزب وحيد؟ أم حزب يضم تيارات؟ أم عدة أحزاب تجتمع في إطار جبهوي؟..) ولأننا نعتبر أن كل الكادحين لهم مصلحة في بناء الاشتراكية وأنهم يشكلون السواد الأعظم من شعبنا.

24- إن النهج الديمقراطي سيساهم بقوة وحماس في بناء هذا التنظيم. وسيسعى في نفس الوقت إلى أن تتبوأ الطبقة العاملة قيادة النضال من أجل التحرر الوطني والديمقراطية. لذلك فإنه يتوجه بالأساس إلى الطبقة العاملة والفلاحين الصغار والمعدمين والكادحين وعموم الفئات الشعبية المبلترة ساعيا إلى تأطيرها وتنظيمها وتطوير وعيها الطبقي.

25- إن تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي تؤكد ضرورة وحيوية احترام الديمقراطية الداخلية في التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين وفي علاقته مع التنظيمات الذاتية المستقلة للجماهير الشعبية كما تؤكد على ضرورة احترام الديمقراطية على صعيد المجتمع ككل بدءا من إقرار التعددية الفكرية والسياسية كطريق لمعالجة التناقضات في مجتمع طبقي وبما يضمن أن يشق طريقه نحو الاشتراكية.

إن دور النهج الديمقراطي يتجلى في توسيع وتنويع هذه التنظيمات الذاتية وجعلها أدوات في خدمة الطبقات الكادحة عبر مواجهة محاولات احتوائها أو تلغيمها من طرف الطبقات السائدة وحلفائها وأجهزة دولتها.

إن النهج الديمقراطي يجب أن يناهض أية نزعة تجعل من التنظيم السياسي المنشود المالك للحقيقة والضامن الوحيد لمصالح الكادحين. ذلك أن العلاقة بين التنظيم السياسي والتنظيمات الذاتية لا يجب أن تكون علاقة تفوق الأول على الثانية بدعوى امتلاكه للتصور العام وتحديده للخطط والإستراتيجيات التي ليس على التنظيمات الذاتية إلا أن تطبقها في مجال اختصاصها.

إن العلاقة بين الإثنين علاقة تفاعل دائم وجدلي، ذلك أن بلورة العام أي السياسي يرتكز إلى استيعاب الخاص وتجاوزه تجاوزا جدليا. وبدون ذلك لا يعدو أن يكون العام وعاءا فارغا. كما أن العام بدون تمظهره في الخاص يبقى غير ذي معنى. أما الخاص أي نضال تنظيم ذاتي معين إذا لم يستبطن العام، فإنه سيكون فعلا معزولا ويفتقد للبوصلة وقد يسقط في الفوضى والانتهازية وقد يتم احتواءه من طرف الدولة ومختلف القوى المهيمنة.

وخلاصة القول إن التنظيمات الذاتية المستقلة للجماهير الكادحة تلعب دورا أساسيا في تبلور التنظيم السياسي للطبقة العاملة وعموم الكادحين وبناء خطه الفكري والسياسي وإغناءه، وكذلك في اكتساب الجماهير القدرة على المبادرة وعلى تسيير شؤونها وضرب الإتكالية. كما تلعب دورا مهما في تقويم الأداة وتصحيح سيرها. وفي المقابل، يؤدي التنظيم السياسي المستقل دورا أساسيا في بناء التنظيمات الذاتية وتوسيعها وتطويرها وتوجيهها نحو هدف موحد وصيانتها من خطر الاختراق أو الاحتواء أو التلغيم من طرف الطبقات السائدة والقوى المتحالفة معها وأدواتها السياسية وأجهزة دولتها.

26- إن قيادة الطبقة العاملة وعموم الكادحين للنضال من أجل التحرر الوطني والديمقراطية، علاوة على كونها توفر شروط إنجاز هذه المهام، تفتح الباب أمام إمكانية أن يؤدي ذلك التغيير إلى الاشتراكية على طريق بناء نظام اجتماعي ينتفي فيه استغلال الإنسان للإنسان، مجتمع سينبني خلال سيرورة طويلة بفضل التحكم الجماعي للمنتجين/المبدعين الأحرار في وسائل الإنتاج وفي منتوجهم في إطار الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج وإشاعة ديمقراطية تعني حق المواطنين في الاختيار الحر للمسؤولين ومراقبتهم باستمرار وتغييرهم وإرساء نظام سياسي يجسد إرادة الشعب باعتباره صاحب السيادة ومصدر كل السلطات ويحترم حقوق الإنسان في شموليتها ويطور المشاركة الفعلية للمواطنين في صنع القرارات المصيرية عبر إقرار دور التنظيمات الذاتية المستقلة للجماهير الشعبية في هذه العملية.

27- تأسيسا على ما سبق، فإن نضال النهج الديمقراطي يندرج ضمن ثلاث سيرورات:

- سيرورة المساهمة ف