|
قراءات في مشروع
القانون المالي لسنة 2003
بقلم عبد السلام أديب
يعتبر القانون المالي
أداة سياسية فعالة تستحوذ عليها السلطات العمومية لتكيف بواسطتها
الفضاء الاقتصادي والاجتماعي حسب منظور سياسي واقتصادي واجتماعي
معين. ونظرا لقوة تأثير هذه الأداة على معيشة مختلف طبقات الشعب فإن
المنطق يستوجب أن تتطابق توجهاتها مع رغبات الشعب وطموحاته. واللحظة
الوحيدة التي يتحقق خلالها هذا التطابق تحدث عندما تمثل الحكومة
والبرلمان بشكل ديموقراطي أغلبية المواطنين. ونظرا لأن الحكومات
والبرلمانات في المغرب لم تصل بعد لمستوى هذا التمثيل الديموقراطي،
فإن القانون المالي سيظل يعكس مصالح طبقات حاكمة ترتبط بالخارج أكثر
مما ترتبط بالشعب.
ولا يخفى على أحد اليوم
أن السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمالية المتبعة في بلادنا منذ
عقدين من الزمن لا تنبع من رغبات الشعب وطموحاته بقدر ما تنبع عن
إملاءات المؤسسات المالية الدولية. فالمغرب يخضع منذ سنة 1983 لبرامج
تدبير أزمة المديونية الخارجية قصد تحرير الفوائض المالية الكافية
لسداد مدفوعات خدمة الدين العمومي. فإعداد القانون المالي في المغرب
يخضع إذن لإملاءات خارجية أكثر مما يخضع لضرورات المصلحة الوطنية.
وهناك عدة مستويات
لقراءة القانون المالي السنوي، من بينها إجراء هذه القراءة على
المستوى المنهجي وإعداد ميزانية الدولة، وتتطلب إجراء قراءة لكيفية
إعداد الميزانية العامة للوقوف على الطبيعة غير الديموقراطية لهذا
الإعداد، مع التطرق للنقائص التي تتخلل الميزانية العامة وانعكاسها
على المضمون. لكن مثل هذه القراءة ليست سهلة نظرا لطبيعتها الداخلية
ونظرا لكون إعداد الميزانية ينحصر داخل دائرة مغلقة تقتصر على من
يشرفون أو يساهمون في تحضير الميزانية.
كما أن هناك قراءة
ثانية تسلط الضوء على المستوى التقني والمحاسباتي ، أو على مستوى
السياق العام للميزانية العامة ومدى ارتباطها بالتوجه العام للدولة
وبالمعتقدات السياسية للحكومة. والمطلوب هنا متابعة مستمرة واطلاع
دقيق على خبايا القضايا المرتبطة بالمحاسبة وبالتقنيات المستعملة في
إعداد الميزانية. ولا مجال هنا للتخمين والمساءلة والحدس، بل اللجوء
إلى منهج علمي قائم على التمحيص والتدقيق، لذا فإن هذه القراءة وان
كانت ضرورية فهي صعبة وتتسم بالمجازفة.
هناك قراءة أخرى تكون
في متناول المتتبع للسياسة الاقتصادية المعتمدة، نظرا لاعتمادها على
مقتربات خارجية يتم التعامل فيها مع الميزانية العامة كأداة من أدوات
السياسة الاقتصادية. حيث يتوفر القارئ هنا على معطيات موضوعية يسائل
من خلالها الميزانية، ومن بين هذه المعطيات طبيعة الحكومة وتوجهاتها
السياسية ومقارنة هذه الأخيرة بسياسات الحكومات السابقة إلى غير ذلك.
إذن سنحاول من خلال
محورين اثنين تقديم قراءة تحليلية لمشروع القانون المالي لسنة 2003
اعتمادا على المعطيات العامة المرتبطة بها. فسيتم التركيز على تقديم
أجوبة على سؤالين أساسيين، الأول عن المؤشرات الرقمية للقانون المالي
لسنة 2003 سواء من خلال بنية التحملات أو بنية الموارد العمومية؟ أما
الثاني فعن كيفية تقدير السياسات الاقتصادية والاجتماعية من خلال هذا
القانون والقوانين المالية السنوية السابقة؟
أولا:
المؤشرات الرقمية للقانون المالي لسنة 2003
1 – بنية التحملات
العمومية
ستعرف التحملات
العمومية في ظل مشروع القانون المالي لسنة 2003 (165,8 مليار درهم)
تراجعا بنسبة 1,5
% مقارنة بسنة
2002. كما ستضل بنية نفقات الميزانية العامة (139,5 مليار درهم) على
حالها تتسم بنفس الاختلالات المزمنة، المتمثلة في هيمنة حصة نفقات
التسيير (78,2 مليار درهم) بنسبة 56
%
ومحافظة نفقات خدمة الدين العمومي بالمرتبة الثانية (41,7 مليار
درهم) بنسبة 30 %
(38 %
منها مخصصة لمدفوعات المديونية الخارجية و61,8
%
منها مخصصة لمدفوعات المديونية الداخلية).
أما نفقات الاستثمار
العمومي فتضل في أسفل السلم (19,5 مليار درهم) بنسبة 14
%
فقط، بل ومسجلة لتراجع يناهز 0,4 مليار درهم عن الميزانية السابقة.
وحتى إذا ما أضفنا نفقات الاستثمار المتعلقة بكل من المؤسسات
العمومية والجماعات المحلية وصندوق الحسن الثاني للتنمية فلن تتجاوز
هذه النسبة 20 %.
2 – بنية الموارد
العمومية
أما بالنسبة للموارد
العمومية (160,6 مليار درهم) فستعرف زيادة بنسبــة 0,55
%
فقط. وإذا كانت موارد الميزانيـــة العامــــة (136,7 مليار درهم)
ستعرف زيادة بنسبة 0,5
%
، فإن ذلك يرجع أكثر إلى المداخيل الاستثنائية كمداخيل الخوصصة
والاقتراضات الخارجية التي بلغت على التوالي 12,5 مليار درهم و 35,3
مليار درهم. أما بالنسبة للمداخيل العادية فيعرف بعضها نموا ضعيفا
بينما يعرف البعض الآخر تراجعا كما هو الشأن بالنسبة للرسوم الجمركية
ومداخيل احتكارات الدولة.
3 – التوجهات
الاقتصادية والاجتماعية للقانون المالي
ويسعى مشروع القانون
المالي المقبل في المجال الاجتماعي الى احداث 7.000 منصب شغل مع
تخصيص 4.000 منصب مالي لمنح الترقية العادية أو الاستثنائية لبعض
الموظفين والمثير هنا هو مدى التراجع الذي سجلته الدولة في عهد حكومة
التناوب في مجال التوظيف العمومي. هناك أيضا اعتمادات خصصت لدعم بعض
المواد الأساسية أو لدفع حصة الدولة للصندوق المغربي للتقاعد وباقي
مؤسسات الاحتياط الاجتماعي....
أما على المستوى
الاقتصادي فأهم التدابير المشار إليها في مشروع القانون المالي ترمي
إلى تكريس اقتصاد الريع عبر منح امتيازات مختلفة للقطاع الخاص المحلي
والأجنبي، ويتم ذلك عبر تحميل ميزانية الدولة عبء تهيئة البنيات
التحتية الضرورية لتوسع القطاع الخاص وكذا عبر إحداث إعفاءات جبائية
تحفيزية على الاستثمار مثل توسيع الإعفاء الجبائي على استيراد سلع
التجهيز. وتخفيض الرسم الداخلي على استهلاك الغاز الطبيعي المستعمل
في إنتاج الكهرباء وتوسيع مجال الإعفاء من الضريبة على القيمة
المضافة على المحروقات لفائدة وسائل النقل المستعملة من طرف
المقاولات...الخ.
ثانيا:
تقدير السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية المعتمدة من خلال
القانون المالي السنوي
1 – هاجس التوازنات
الهيكلية
و يستفاد من مشروع
القانون المالي لسنة 2003 استمرار البحث عن سبل المحافظة علــى
التوازنات المالية الكبرى: كحصر عجز الميزانية فــي حدود دنيا تقل عن
2,03 %
من الناتج الداخلي الإجمالي والحفاظ على مستوى منخفض من عجز الحساب
الجاري لميزان الأداءات يدور في حدود 1
%
في المتوسط والحفاظ نتيجة لكل ذلك على مستوى منخفض من التضخم في
حدود 1,6 %
في المتوسط.
وتظهر كلفة الحفاظ على
التوازنات الكبرى في ظل مديونية داخلية وخارجية متفاقمة من خلال
الضغط الذي يمارس على النفقات العمومية سواء على مستوى الاقتصاد في
نفقات خدمة الدين الخارجي والذي بلغ نسبة 0,2
%
أو عبر ضغط نفقات التسيير من خلال تجميد حجم رواتب وأجور
الموظفين(ففيما عدا تمويل الترقية الاستثنائية لقسم من الموظفين
تطبيقا لما يسمى بالحوار الاجتماعي، لا يبدو بأن الحكومة تفكر في
زيادة الرواتب والأجور المتآكلة والتي ستداهمها الزيادات في الأسعار
مع مطلع السنة المقبلة) أو من خلال حصر نسبة التوظيف العمومي وتقليص
نفقات دعم المواد الأساسية.
على العموم فإن
القانون المالي تتنازعه انشغالين، أحدهما خارجي مرتبط بالمحافظة على
التوازنات الهيكلية والثاني مرتبط بضرورة إيجاد علاج ناجع للقضايا
الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن التعبير عن هذا التأرجح بهاجس العجز
المالي وهاجس العجز الاقتصادي، فتأرجح القوانين المالية بين هذين
الهاجسين يعتبر نتيجة الضغط الاقتصادي والاجتماعي. فقوانين المالية
رجحت دائما العجز المالي أو الهاجس الخارجي بينما يتم تغييب الهاجس
الداخلي إلى أن اتضح بأن تجاهل العجز الاقتصادي قد يترتب عنه عواقب
مالية وخيمة فكان لابد من مغازلة الهاجس الداخلي بمباركة من
الأولويات الخارجية لتجنب القطيعة والمحافظة على الأولويات القائمة.
2 -
التوجهات الانكماشية
لسياسة التوازنات الهيكلية
ويبدو أن ظروف الجفاف
والارتفاع الكبير والمتسارع لسعر النفط إضافة إلى تقلبات سعر الأورو
بالنسبة للدولار وكذا تقلبات مبيعات الفوسفات، لا تقف وحدها وراء
التوجهات الانكماشية لسياسة الميزانية التي دأبت على ممارستها حكومة
التناوب منذ تنصيبها (عبر هزالة مستوى الاستثمار والتشغيل العمومي
مثلا...) بل تقف ورائه كذلك التزامات المغرب اتجاه الدائنين
ومتطلبات متابعة برامج التقويم الهيكلي التي تشرف عليها المؤسسات
المالية الدولية والتزامات المغرب اتجاه المنظمة الدولية للتجارة
والشراكة الأورومتوسطية إضافة إلى الاختلال البنيوي للميزانية العامة
(هيمنة نفقات التسيير ونفقات المديونية على نفقات الاستثمار).
لذلك يصعب في ظل هذه
الوضعية التكهن بنسبة النمو المعلنة خلال السنة المقبلة، خصوصا وأن
السلطات العمومية تراهن على أهداف غير يقينية، كالتطلع إلى جذب
المزيد من الاستثمارات الأجنبية الخاصة وخوصصة باقي المقاولات
العمومية و عبر منح المزيد من الحوافز الجبائية للمقاولات الخاصة
(الوطنية والأجنبية) لحثها على الاستثمار. فلسان حال السلطات
العمومية يؤكد مقولة أن أرباح اليوم (التي سيحققها القطاع الخاص عبر
الحوافز المقدمة له) سوف تؤدي إلى عدد من مناصب الشغل في الغد.
إن سياسة التوازنات
الكبرى الانكماشية تؤدي إلى التضحية بالتنمية والى خلق حالة من
الادخار الإجباري تهدف فقط إلى دفع أعباء الديون الخارجية، بينما
يفترض في المقابل مزاولة سياسة مالية تنموية توسعية عبر الزيادة
في حجم الدخل وفرص التوظيف والزيادة في مستوى المعيشة وبعث الحيوية
في قدرة الدولة على أداء وظائفها والزيادة طبعا في قدرة البلاد على
دفع أعباء ديونها الخارجية.
تدبير العجز المالي
أما فيما يتعلق بالعجز
المالي فهناك جانب الكمي وآخر كيفي للمشكلة.
- فالجانب الكمي يتعلق
بتقليص العجز المالي. حيث أن الطريقة التي يتم بواسطتها تقليص العجز
المالي تفتقد للشفافية. ولا يجب هنا أن نخلط بين العجز المالي والعجز
الاقتصادي. فالعجز الاقتصادي في المغرب يعتبر أقرب إلى الواقع من
العجز المالي. فوضعية القطاع العمومي متأزمة ونفس الشيء بالنسبة
لوضعية الجماعات المحلية، فإذا أخذنا بعين الاعتبار وضعية ما يسمى
بالحسابات الثابتة
Comptabilité consolidé
سنجد أن العجز المالي الثابت يفوق العجز المالي الرسمي بمعدل 2 الى
3 نقط مقارنة مع الناتج الداخلي الإجمالي. كما أن العجز المالي
الرسمي لا يفي بالغرض لأنه لا يأخذ بالحسبان محاسبات احتكارات
الدولة وممتلكاتها. فمن حيث الكيف لا يعتبر تقليص العجز المالي هدفا
بحد ذاته. فإذا كان العجز المالي للميزانية العامة منخفضا، فماذا
يعني ذلك بالنسبة للمتطلبات الاقتصادية والإجتماعية؟
-
هل نتج عن
هذا الإنخفاظ تحسن في الوضعية الاقتصادية والاجتماعية؟.
-
وهل نتج عنه
توزيع عادل للدخل الوطني وتوزيع عادل للعبء الضريبي؟
-
وهل نتج عنه
تحسن في وضعية حقوق المرأة المغربية؟
-
وهل نتج عنه
انخفاض في معدل البطالة؟
-
وهل نتج عنه
تحسن في جودة الخدمات المقدمة من طرف الدولة؟
3 – ديماغوجية
الهاجسين الاقتصادي والاجتماعي ضمن الميزانيات المتعاقبة
إن ترجمة التصريح
الحكومي والوعود الاجتماعية والاقتصادية ضمن القوانين المالية
المتعاقبة منذ 1978 لم يترتب عنه الوقع السيكولوجي المنشود. بل على
العكس من ذلك أحدثت هذه القوانين خيبة أمل كبيرة على الرغم مما قيل
بشأن مستوى الاستثمار والنمو والانعكاس الاجتماعي لكل ذلك. فمثلا
أولت مختلف القوانين المالية أهمية بالغة في خطابها للجانب
الاجتماعي. غير أن ذلك لم يكن له الوقع السيكولوجي على المتتبع أو
على الفاعلين بل على العكس من ذلك حدثت خيبة أمل كبرى.
فرغم ما وفرته
الميزانيات المتعاقبة من امتيازات للمقاولات، فإن هذه الأخيرة لم
تتوقف يوما عن نقد السياسة الحكومية مفضلة عدم المجازفة والانتظار.
ويفضح هذا السلوك عدم الثقة السائد كما يأخذ بعدا صداميا عند الشغيلة
بكل مكوناتها إلى حد أن المغرب عاش خلال الخمس سنوات الأخيرة عاش على
وقع إضرابات واعتصامات ووقفات إحتجاجية لم يسبق لها مثيل في تاريخه
الحديث.
والغريب في الأمر هو أن
مركزية نقابية كان لها ارتباط وثيق بالحزب الأساسي في حكومة التناوب
المخزني كانت من بين مؤطري هذه الاحتجاجات. حيث كان من المفروض أن
يساعد العنصر الإيديولوجي على خلق جو اجتماعي ملائم عبر إيجاد الشروط
الضرورية لاقرار سلم اجتماعي ، إلا أنه اتضح فيما بعد مدى التنافر
بين الحزب الأساسي في حكومة التناوب وقواعدها العاملة رغم الاتفاق
الذي توصلت إليه المركزية النقابية مع الحكومة سنة 2000.
كما أن التوجه
الليبرالي لحكومة ضلت نواتها الصلبة تدين خلال أربعين سنة للاشتراكية
والعدالة الاجتماعية لم يسهل مهمتها لاستعادة الثقة للمستثمر ولشحذ
الرأسمال المحلي خاصة للانخراط بشكل أكبر وأقوى في الجهد المبذول
للحد مثلا من البطالة. كيف يمكننا إذن تفسير هذه الظاهرة؟
غياب أي رؤية
استراتيجية تنموية عن القوانين المالية المتعاقبة
إن القانون المالي
عموما يتعامل مع القضايا الهيكلية بمنظور ظرفي، فهو يعمل على رصد ما
هو آني للتأثير عليه وإعادة تشكيله وتهذيبه لتخليصه من كل ما هو
طفيلي حتى يتمكن من الانسياب في استراتيجية تأخذ مكانها ضمن مخطط
اقتصادي شامل؟ فالميزانية هي إذن توظيف لفترة زمنية محدودة لاستشراف
المستقبل وجعل الزمن الحليف الاستراتيجي لتحقيق الأهداف المرجوة.
لكن القانون المالي
المغربي تغيب عنه بالمطلق هذه المسلمة. فقد تحولت الميزانية العامة
من أداة إلى هدف بحد ذاتها تختزل نفسها في تدبير اللحظة. فالميزانيات
العامة المتعاقبة ظلت إلى حد كبير وفية للمنهجية المتبعة في المغرب
منذ 1983 في تحضير قوانين المالية. فالجفاف في المغرب مثلا لم يعد
برأي الخبراء ذو طابع ظرفي بل أصبح له بعد هيكلي مما يتطلب مراجعة
أسلوب تعامل الحكومات معه. كما تم اختزال إشكالية العالم القروي في
تزويد القرى بالماء والكهرباء والى حد ما في تشجيع التعليم الأساسي،
غير أن هذه العناصر لا أثر لها على الحد من الهجرة القروية
المتزايدة؟
فالتمدن الذي أصبح
السمة الغالبة بالنظر إلى المعطيات الموضوعية، يفترض إعادة النظر في
سياسة إعداد التراب الوطني والتعامل مع الفضاء الجغرافي من زاوية
اكتساح التمدن للمجال القروي. فغياب سياسة مندمجة لتدبير الفضاء
الجغرافي قد يؤدي أولا إلى إضفاء الطابع القروي على الحضر بمعنى أن
المدينة ستفقد روحها وتصبح مجرد مجمع سكني. ومن شأن هذه الوضعية أن
تؤدي إلى تفاقم المشاكل في المراكز الحضرية من بطالة وانتشار للجريمة
وأزمة السكن إلى غير ذلك، وتعميق الهوة ما بين الطبقات والفئات
والشرائح الاجتماعية.
علاقة القطاع الخاص
بالدولة
فيما يتعلق بعلاقة
الدولة بالقطاع الخاص لا زال
ينظر
للدولة بمنظار
البقرة الحلوب، حيث تتحالف طبقة أوليغارشية بيروقراطية
من داخل الإدارة
مع هذا القطاع الذي
يغتني من خلال
الريوع المتنوعة
المتأتية
عبر الإعفاءات الجبائية أو عبر منح الأراضي والتجهيزات الأساسية
والمساعدات المادية ومنح رخص استغلال المناجم والمقالع والصيد في
أعالي البحار ... وما دام هذا المنظور الاستغلالي قائم، فكيف يمكن
تحقيق الصالح العام من خلال السياسة المالية؟.
لقد راهن
المواطنون على حكومة التناوب لتجاوز مثل هذه الوضعية،
غير أن الأمل خاب بشأنها
منذ السنة
الأولى لتنصيبها
حينما تأكد بالملموس تنكرها
لخطابها السياسي ووعودها المقدمة
للشرائح الاجتماعية التي تعلن أنها تمثلها.
ممارسة العنف الاقتصادي
والاجتماعي
فقد مارست هذه الحكومة
ما يسميه الاقتصاديون الليبراليون بالعنف الاقتصادي والاجتماعي، أي
تسليط العنف الاقتصادي على المواطن، ويتخذ هذا العنف أشكال متعددة
بعضه يعتبر موروثا محتفظ به، على الرغم من وعود
الأحزاب الاجتماعية
الديموقراطية
خلال الحملة الانتخابية،
ومطالبتها بالتخلي عن
بعض الإجراءات
عند ما كانت في المعارضة نظرا لانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية،
وقد كانت تقيم من أجل ذلك الدنيا ولا تقعدها وتسخر مختلف الوسائل من
جرائد وخطب ومنبر البرلمان وإضرابات إلى غير ذلك من الوسائل.
ومن بين هذه التدابير
مثلا إخضاع الأراضي الحضرية غير المبنية للضريبة وعدم إخضاع الخدمات
الطبية وعدد من النوادي للضريبة على القيمة المضافة وعدم إخضاع
استيراد معدات الأشخاص المعاقين للرسوم الجمركية والاقتطاع الضريبي،
والعمل على تفعيل السلم المتحرك للأجور، وعدم تجميد أجور المياومين
والعرضيين في الادارة وتركها دون الحد الأدنى للأجور. والإبقاء على
التوزيع الجغرافي غير العادل للاستثمارات العمومية ... إلى غير ذلك
من التدابير الاجتماعية الحساسة. فهذه المطالب كانت من بين التدابير
الموروثة التي كانت المعارضة السابقة والأغلبية الحالية تطالب
بالتخلي عنها لكن التجاهل التام والسير في الاتجاه المعاكس هو الذي
حدث خلال الخمس سنوات الفارطة.
ومن بين التدابير
الجديدة المستحدة نشير إلى التصرف في أجور ورواتب الموظفين بكل حرية
وفرض إقتطاعات إما برسم الصندوق المغربي للتقاعد أو إقتطاعات برسم
الصندوق الوطني للاحتياط الاجتماعي بدون سابق إعلان ودون إذن مسبق.
هذه الإقتطاعات التي تمت سنة 2000 بدون اخطار الموظفين الشيء الذي
أحدث تدمرا نظرا للوضعية المالية الصعبة لأغلبية الموظفين، وتشكل هذه
التصرفات ما يسمى بالعنف الاقتصادي والمالي، ارتكبه الجهاز التنفيذي
في حق المواطنين.
4 – تخبط السياسة
المالية وسوء التدبير
وبالإضافة إلى الخلل
الهيكلي الذي يمس بنية الميزانية العامة وتوجهاتها فإن السياسة
المالية تتسم على العموم بالتخبط وسوء التدبير ناجم أساسا عن عدم
كفاءة النخبة المسيرة للشأن العمومي،
مثل الإرتفاع
في
نسبة الفائدة مقارنة مع
سنة 1997 خصوصا ما يتعلق بفوائد الدين الداخلي التي تفوق نسب النفقات
الجارية، كما تتجاوز نفقات الفائدة حجم نفقات الاستثمار. إضافة إلى
أن تمويل العجز يؤدي إلى تشديد الضغط على الموارد المالية المحلية
نظرا للرصيد السلبي للقروض الخارجية.
أما بالنسبة لما يسمى
بالتدبير النشيط للمديونية الخارجية فالملاحظ أن المديونية الخارجية
إذا كانت تسير نحو الانخفاض فإن المديونية الداخلية تسير في اتجاه
تصاعدي. كما أن المديونية الخارجية إذا كانت تسجل انخفاضا منظورا
إليها بالدرهم فإنها تبقى مرتفعة جدا منظورا إليها بالدولار
والعملات الأجنبية.
وتجدر الإشارة إلى أن
مشكلة المديونية لا تكمن في الحجم، بل في كيفية استعمال
وتوظيف
القروض، والمشكل هنا هو أن مردودية المشاريع التي يتم تمويلها مشكوك
فيها أو ذات مردودية منخفضة، فماذا فعلت حكومة التناوب من أجل تحسين
الأداء في هذا المجال؟
سداد التسبيق التعاقدي
لبنك المغرب
هناك مثال آخر على عدم
الكفاءة ويتمثل في ما يسمى بسداد المتأخرات خاصة بالنسبة لمستحقات
التسبيق التعاقدي.
فقد تم هذا التسديد
باللجوء إلى الاقتراض عبر سندات الخزينة، وقد تمت العملية بين
الخزينة العامة للمملكة والبنك الشعبي وبنك المغرب، فالتسبيق
التعاقدي لسنة 1997 كان تسبيقا بفائدة، وفي مارس 1999 كان معدل
الفائدة المطبق على هذا التسبيق 3,5 % وقد تم تسديد هذا التسبيق عن
طريق اللجوء إلى سندات الخزينة التي تعتبر مكلفة حيث تبلغ كلفتها 5
ملايير درهم بمعدل مليار لكل سنة لمدة خمس سنوات بفائدة 6,73 % ثم 2
مليار لمدة عشر سنوات بفائدة 6,99 % و2 مليار لمدة 15 سنة بفائدة
7,15 %.
فقد تم هنا استبدال
قروض ذات تكلفة منخفضة بقروض ذات تكلفة عالية لصالح الأبناك. نفس
الشيء حدث بالنسبة لتجديد الودائع النقدية
La réserve monétaire.
وأيضا تسديد المتأخرات. فالحكومة تدفع المواطن المكلف بالضريبة إلى
تقديم هدايا مالية وتمويل التراكم الرأسمالي لحفنة من الأبناك عبر
هذا الأسلوب.
ومقابل منح الامتيازات
والحوافز والهدايا إلى أصحاب الثروات نجد الحكومة تستعمل خطابا
متشددا اتجاه الطبقة العاملة خصوصا العاملة منها بالقطاع العمومي.
فمنذ مدة تلجأ الحكومة إلى التذمر من ثقل الكتلة الأجرية التي تصل
إلى 11 % من الناتج الداخلي الإجمالي وتحاول تبرير تدمرها من خلال
إجراء مقارنة تلك النسبة بدول مثل مصر 6 % أو كوريا الجنوبية أقل من
6 % ، بينما تتجنب الإشارة إلى وضع فرنسا التي تتجاوز كتلتها
الأجرية 11 %. كما يتجنب هذا الخطاب الإجابة عن تساؤلات متعددة
كالتساؤل عن دور ضعف مستوى الناتج الداخلي الإجمالي وضعف نسبة
التنمية في ارتفاع هذه النسبة؟ وهل كل مكونات هذه الكتلة تعتبر أجورا
صرفت مقابل استهلاك حقيقي لقوة العمل أم صرفت كعلاوات خيالية
للأوليغارشية البيروقراطية النافذة؟ ثم ما هي بنية هذه الكتلة؟ وما
هي درجة تمركزها؟
بدلا من الخاتمة
|