rechercher sur ce site contactez-nous rendez-vous importants nos activités communiqués documents qui somme nous? index
 

التحولات الاقتصادية والسياسية للطبقات الاجتماعية في المغرب

(الجزء الأول)

بقلم عبد السلام أديب

 

تتعايش في بلادنا  ثلاث طبقات اقتصادية وسياسية واجتماعية، أفرزها نمط الإنتاج الرأسمالي  السائد وسوء توزيع المداخيل والثروات مما أحدث تفاوتا في الثروة والنفوذ والمراكز الاجتماعية. فهناك الطبقة الأولى، العليا بطبيعة الحال، والتي تمتلك كل شيء: الثروة والنفوذ والمركز الاجتماعي، وتتعاون مع الطبقات الأولى في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة للحفاظ على مكانتها وعلى مصالحها. وتختلق هذه الطبقة تعبيراتها السياسية بواسطة ما تمتلكه من ثروة ونفوذ للدفاع عن مصالحها وعن النظام السياسي المخزني القائم. وتمارس هذه الطبقة استبدادها من خلال التأثير على صنع القرار السياسي الذي يخدم مصالحها على حساب مصالح الطبقات الدنيا.

أما الطبقة الثانية فهي الطبقة المتوسطة التي تنتمي إليها شرائح اجتماعية تتفاوت مداخيلها وثرواتها المتوسطة بطبيعة الحال. وتتسم هذه الطبقة بالسلوك الانتهازي، حيث تعمل على ضمان استقرار النظام السياسي القائم حتى وإن كان مستبدا، وذلك  لقاء تلبية بعض طموحاتها التسلقية. وقد تتحول هذه الطبقة إلى قوة معارضة وازنة إذا ما تعرضت طموحات لإحباطات متكررة، كما تتسم تعبيراتها السياسية المتمثلة في الأحزاب التي تعبر عن طموحاتها بنفس الطابع الانتهازي حيث نجدها تتخلى بسرعة عن وعودها للطبقة التي تنتمي إليها حالما تصل إلى السلطة، فتتحول نحو خدمة الطبقات العليا التي تصبح قيادتها جزءا منها.

أما الطبقة الثالثة فهي التي تضم أغلبية المواطنين الكادحين من عمال المصانع وفلاحين وباعة متجولين وأصحاب الحوانيت والمشتغلون في المهن اليدوية المتعددة إضافة إلى مختلف العاطلين وخادمات البيوت إلى غير ذلك من المواطنين ذوي المداخيل المتواضعة والفقراء... وتشكل هذه الطبقة قوة العمل الأساسية في البلاد كما تشكل سوقا واسعة الاستهلاك وهي بذلك تعتبر أهم منتج ومستهلك في البلاد إذ تساهم بحصة الأسد في تكوين ثروات الطبقة الأولى ومصدر غير مباشر لمداخيل الطبقة الثانية، غير أن حصة هذه الطبقة من الدخل الوطني يعتبر ضعيفا جدا بسبب سوء التوزيع السائد. كما أن هذه الطبقة تفتقد التعبيرات السياسية عن مصالحها، فمختلف الأحزاب السياسية العاملة في الحقل السياسي تعاملها كورقة انتخابية فقط بينما تتنكر لمصالحها عندما تضع برامجها المحابية للطبقات العليا والمتوسطة. أما التنظيمات اليسارية التي تتبنى قضية هذه الطبقة فإنها تتعرض لهجوم عنيف من طرف القوى السياسية والمخزنية.

لقد تعرضت مختلف هذه الطبقات لتحولات عنيفة منذ بداية عقد الثمانينات وسنحاول من خلال هذه الدراسة تناول طبيعة التحول الذي عرفته كل طبقة على حدة.

 دور الأزمة في تكييف الانتماء الطبقي

عانت مختلف شرائح المجتمع المغربي من جراء الأزمة المستفحلة أواخر عقد السبعينات وبداية عقد الثمانينات ثم من جراء سياسات تدبير الأزمة التي انطلقت سنة 1983. فبالإضافة إلى الركود الاقتصادي الذي أثر تأثيرا واضحا على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، فإن سياسات تدبير الأزمة المنبثقة عن برامج التثبيت والتقويم الهيكلي، مثل تخفيض قيمة الدرهم وتعويم الصرف، وتخفيض الدعم، وزيادة الضرائب غير المباشرة، وإطلاق آليات السوق، وزيادة رسوم وأسعار الخدمات العمومية، وخفض الإنفاق العمومي الموجه للخدمات الاجتماعية، وزيادة أسعار الطاقة وأسعار الفائدة،...الخ. كل ذلك أثر بقوة على توزيع الدخل الوطني.

وتشير الحصيلة الملموسة حاليا لتراكمات آثار هذه السياسات إلى أن نمطا جديدا لتوزيع الدخل يجري الآن لصالح رأس المال وضد صالح العمل. وقد نجم عن ذلك ، بالتبعية، أن هناك تباينات شديدة تحدث الآن في مستوى معيشة الطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة طبقا للتغير الذي حدث في مداخيلها. فهذه السياسات أثرت سلبا على دخول ومستوى معيشة الطبقة المتوسطة وعمال المدن والبوادي ومن يعملون في القطاع الهامشي، في حين أدت –في المقابل- إلى تحسن واضح في دخول واستهلاك رجال الأعمال والطبقات العليا وعلى الخصوص بالنسبة لمن يعملون في أنشطة ذات العلاقة بقطاع التجارة الخارجية. على أن عمق تأثير هذه السياسات لم يكن أفقيا فحسب، أي على مختلف الطبقات الاجتماعية فقط، وإنما امتد للتأثير عليها بشكل عمودي، أي داخل شرائح الطبقة الواحدة. فهناك، داخل الطبقة الواحدة، شرائح معينة تضررت ضرر كبيرا من تلك السياسات، على حين استفادت شرائح محددة، داخل نفس الطبقة. فالتمايز الاجتماعي الذي نجم عن هذه السياسات، لم يكن قاصرا على التمايز بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وإنما أيضا داخل صفوف تلك الطبقات.

هناك إذن خريطة جديدة من علاقات القوى الاجتماعية التي يجري الآن تشكيلها تحت وقع سياسات تدبير الأزمة المتبعة. فما هو دور الدولة في ظل التشكيلات الطبقية الجديدة؟

يواجه المغرب حاليا كغيره من دول العالم الثالث زحفا قويا لرأس المال الأجنبي الذي بدأ منذ الاستقلال في البحث عن كيفية العودة إلى استعادة مواقعه السابقة في التحكم في المقدرات الاقتصادية للبلاد. فالموقع الجغرافي المتميز لبلادنا الذي يوجد وسط أسواق جهوية متعددة مهمة (أبرزها الأسواق الأوروبية والعربية والإفريقية) وتوفرها على نسبة هامة من المواد الخام(الطبيعية والمعدنية) إضافة إلى القرب من مصادر الطاقة(كمنابع الغاز والنفط بالجزائر وليبيا)، إضافة إلى رخص الأيدي العاملة (التي تتوفر على كفاءات لا بأس بها) تجعل بلادنا مصدر جاذبية وإغراء للعديد من القوى الرأسمالية العالمية.

فرأس المال العالمي  بدأ منذ الحرب العالمية الثانية في تجاوز حدوده الترابية  في ما يعرف بعملية نشر رأس المال على المستوى العالمي محاولة منه لتدعيم الطابع الكوني للإنتاج والذي يعتبر غاية الطبقة البرجوازية العالمية. وتشير هذه العملية إلى محاولة دمج البرجوازية المحلية الهجينة في إطار عمل الشركات عابرة القارات، ليس من خلال علاقات السوق فقط، وإنما كذلك من خلال نقل عملية الإنتاج الرأسمالي إلى البلدان الفقيرة المنتجة للمواد الخام والموفرة لقوة العمل الرخيص. ويؤدي هذا إلى خلق قطاع صناعي وزراعي رأسمالي في قلب القطاعات المحلية يتمفصل معها ويسخرها لخدمته. وتلعب الشركات متعددة الجنسية دورا حيويا في هذه العملية. فمن خلالها يعبر رأس المال الحدود ويتجاوزها، ويتحالف مع البرجوازية الكومبرادورية للبلدان النامية، ممهدا الطريق لتنويع الأنشطة الخارجية للاحتكارات الدولية ويوسع رقابتها على مجالات الإنتاج المشابهة في الاقتصاد الوطني.

ويحاول النظام السياسي المخزني في بلادنا  التماثل مع هذا الزحف الرأسمالي للظفر بمساندته السياسية والاقتصادية للحفاظ على هيمنته وذلك من خلال تبني سياسات تستهدف تطوير القطاع الرأسمالي بشقيه الزراعي والصناعي. وقد تم ذلك على مراحل بدأ بتدخل الدولة في نطاق العملية الإنتاجية في الزراعة والصناعة، ثم انتهى إلى تشجيعها للأنشطة الرأسمالية الخاصة المحلية والأجنبية. وقد برزت الوظيفة الاقتصادية للدولة في ما يتصل بسن التشريعات الاقتصادية والمالية، وتنظيم عمليات الإنتاج والتوزيع والاستثمار والادخار. كما وجدت الدولة نفسها طرفا في العملية الإنتاجية ذات الطابع الدولي. بل إنها تكاد تكون قد تورطت فيها تورطا لا يمكن الفكاك منه بسهولة (مثل الالتزام أمام المؤسسات المالية الدولية بتطبيق برامج التثبيت والتقويم الهيكلي والتوقيع على اتفاقية الكات وتفكيك الرسوم الجمركية من طرف واحد).

فخلال العقود الأولى للاستقلال تجاهل النظام المخزني تعبئة المدخرات المحلية لاعتمادها في تغطية نفقات الاستثمارات العمومية الصناعية والزراعية والخدماتية. وفي غياب طبقة رأسمالية قادرة على الحلول مكان الدولة للقيام بهذه المهمة اتجهت السلطات المالية إلى الاستدانة الخارجية لتحقيق الأهداف التنموية. وقد أدى الإفراط في الاستدانة انطلاق من عقد السبعينات إلى تزايد العجز في ميزان المدفوعات، والعجز عن سداد أقساط الديون وفوائدها. كما أصبحت الدولة تقترض لا من أجل التنمية ولكن من أجل تسديد أقساط الديون والفوائد، وقد تضاعفت مديونية بلادنا ما بين 1975 و 1996 إلى أكثر من ثماني مرات، حيث قفزت هذه الديون من 2353 مليون دولار أمريكي عام 1975 إلى 19.856 مليون دولار أمريكي عام 2000 (حوالي 59 % من الناتج الداخلي الإجمالي)، بينما بلغ حجم خدمة الديون الخارجية خلال هذه السنة 3.534 مليون دولار أمريكي .

وقد أدى التفاعل مع رأس المال العالمي منذ بداية عقد الثمانينات  إلى تأسيس قطاع رأسمالي تابع، دون أن يتمكن هذا القطاع من تحقيق الأهداف  التنموية المتوخاة. وبدلا من تحقيق النمو التراكمي الداخلي لرأس المال، تحول جزء كبير من رأس المال المحلي إلى الخارج في أشكال متعددة تتراوح بين المدخرات الفردية في البنوك الأجنبية وبين ما تدفعه الدولة لخدمة الديون الخارجية وما يحوله المستثمرون الأجانب نحو الخارج من أرباح بالنقد الأجنبي. وقد أدى هذا الوضع إلى بروز الوظيفة الريعية لأجهزة الدولة(من خلال سياستها الضريبية على الخصوص وعوائد احتكاراتها). لكن نتيجة للضغوط الخارجية أخذت السلطات المخزنية  تعيد النظر في الدور التدخلي للدولة بحجة أن ذلك لم يحقق الأهداف التنموية المنشودة، من هنا بدأ العمل على تشجيع القطاع الخاص أو تحويل المؤسسات العمومية إلى مؤسسات خاصة، مع تحديد أهداف أخرى، مثل الدعوة إلى رفع الكفاءة والتأهيل والقضاء على التضخم  والتخفيض من عجز الميزانية وإصلاح الجهاز البنكي والقضائي وقطاع الوظيفة العمومية إلى غير ذلك من المقولات التي تتماشى مع متطلبات رأس المال العالمي.

لكن رغم توسع  نمط الإنتاج الرأسمالي إلا أن هناك أشكال إنتاجية أخرى غير رأسمالية لا زالت منتشرة في القطاعات التقليدية على الخصوص. وفي هذا الصدد يعمل نظام التراكم والتبادل في نمط الإنتاج الرأسمالي على تحويل مختلف أشكال قيم الاستعمال (القائمة في الاشكال غير الرأسمالية) إلى قيم تبادل كما يعمل في نفس الوقت على ربط دور الدولة بنمط الإنتاج السائد ارتباطا مزدوجا، أي بعلاقات وثيقة مع المراكز الرأسمالية العالمية المسيطرة (أو ما يمكن الاصطلاح عليه بالنظام الدولي)، وكذا بالبنيات الاقتصادية المتخلفة في الداخل. وهذا الارتباط المزدوج جعل  الدولة تتحول إلى جهاز وسيط بين بنيتين إحداهما متخلفة في الداخل وأخرى متطورة في الخارج.

وتظهر مظاهر دور وساطة الدولة في هذا المجال في ميادين  كثيرة أهمها اعتماد التدابير التشريعية والسياسية التي تسهل دخول رأس المال الأجنبي سواء في شكله الاستثماري أو السلعي. وكذا تنظيم عملية التبادل الاقتصادي في الداخل والخارج، إلى آخر هذه المظاهر التي تخلق التزاوج الشرعي بين رأس المال العالمي وبين الإنتاج والاستهلاك المحليين.

الهيمنة الخارجية وسلوك السلطة في المغرب

تؤدي العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة لبلادنا اتجاه النظام الدولي إلى إفراز علاقات سياسية غير متكافئة. فنسق العلاقات الدولية يظهر وكأنه يشكل البنية الفوقية لبنية اقتصادية عالمية. فإذا كانت البنية الاقتصادية العالمية تقوم على اللاتكافؤ بين مكوناتها، فإن مثل ذلك يقال بخصوص بنية العلاقات بين الدول. ويظل اللاتكافؤ السياسي قائما بصرف النظر عن تغير طبيعة التحالفات بين الدول. فهذه التحالفات متقلبة وتخضع لمتطلبات وتغيرات عالمية. ولكن مهما تبدلت نظم التحالف ونطاقاته، تظل العلاقات السياسية بين الدول غير متكافئة، كما أنها تظل قائمة بصرف النظر عما يتيحه النسق العالمي من مساواة قانونية بين الدول ذات السيادة، والاعتراف الدولي والحكومة الشرعية. فبالرغم من هذه المساواة إلا أن قدرة الدولة على الفعل السياسي ونطاق إسهامها في التفاعل العالمي يتحدد من خلال الدور الذي يؤديه نمط (أو أنماط) إنتاجها في تقسيم العمل الدولي، وبالتالي من خلال قدرتها على استخدام ما لديها من موارد في تفاعلها السياسي في الداخل والخارج.

فالنظام الرأسمالي العالمي الجديد يتسم بأشكال من اللامساواة الطبقية الضاربة بجذورها في علاقات الإنتاج والتبادل داخله، إلى درجة أن هناك من  يذهب إلى القول إن التباين المكاني (أو اللامساواة الإقليمية) بين مناطق النظام الرأسمالي العالمي ما هو إلا مظهر لأشكال اللامساواة الطبقية الموجودة في قلب النظام، ومن هنا ظهر الميل نحو تحليل البنية الطبقية من منظور عالمي. وتظهر أبعاد اللامساواة الطبقية في النظام العالمي على مستويين: الأول هو الانقسام القائم بين الطبقات المرتبطة برأس المال وتلك المنفصلة عنه، والثاني هو الانقسام داخل الطبقة المرتبطة برأس المال وفقا لدرجة السيطرة أو وفقا لما تحصل عليه من فائض.

ويمكن التمييز هنا بين الطبقة المسيطرة في مراكز النظام الرأسمالي، وبين الطبقات أو الشرائح الطبقية المسيطرة محليا وتتكون الطبقة المسيطرة في مراكز النظام العالمي من طبقة واحدة متجانسة ومترابطة تضم أصحاب الشركات الكبرى والقابضين على رأس المال في النظام الرأسمالي. أما الطبقة المسيطرة في الداخل فإنها تضم شرائح متعددة أهمها كبار ملاك الأراضي، وكبار التجار والصناع في المدن، وكبار رجال البيروقراطية. ويختلف الطرفان (الخارجي والداخلي) في درجة السيطرة على رأس المال، ومن ثم فإنهما يختلفان في درجة التأثير على مجريات الأمور الاقتصادية. ومن هنا تظهر اللامساواة بينهما، حيث تكون الطبقة الرأسمالية العالمية أكثر سيطرة وأكثر نفوذا في مجال تحريك رأس المال وتراكمه، وهي من ثم أكثر قبضا عليه.

ولذلك فإنه بالرغم من المصلحة المشتركة بين طرفي التكوين الطبقي المسيطر في الخارج والداخل، إلا أن موقع كل منهما في عمليتي التبادل والتراكم، وما يترتب عليه من اختلاف في ما يحصل عليه كل طرف من عائد، يؤدي إلى وجود قدر من التنافس بينهما. ومن ناحية أخرى، فإنه بالرغم من المصلحة المشتركة بين شرائح الطبقة المسيطرة في الداخل، إلا أن موقع كل منهما وما يترتب عليه من اختلاف في المكاسب يؤدي إلى خلق ضروب من التنافس الداخلي بين الشرائح ذات الصلة برأس المال في الداخل.

وإذا كانت السلطات المخزنية ببلادنا ترتبط ارتباطا بنيويا بالنظام العالمي ذي الوجهين(الخارجي والداخلي)، فإنها تجد نفسها في مواجهة مع الطبقة المسيطرة على رأس المال في الخارج من ناحية ومع الشرائح الداخلية من ناحية أخرى. كما تجد نفسها -داخليا- في مواجهة مع الشرائح المتنافسة على الثروة. ولا نقصد بالمواجهة هنا أن السلطة المخزنية تدخل في صراع مع هذه الأطراف، ولكن المقصود أن هذه السلطة -بحكم وجودها في قلب بنية عالمية- تجد نفسها مضطرة لكي  تتفاعل مع هذه الأطراف وأن تنظم العلاقة فيما بينها، أو أن تقوم بدور الوسيط بينها. وهي عموما تصبح أداة للطبقات المسيطرة بشرائحها المختلفة. لكن أمام هذا الوضع الطبقي المعقد كيف تعمل السلطات المخزنية على بناء شرعيتها واستقرارها وقوتها الذاتية؟

لا يمكن في ظل هذا الوضع المعقد الناتج عن سياسات تدبير الأزمة فهم الوظيفة الاقتصادية للسلطات المخزنية في إطار علاقتها برأس المال الأجنبي فقط، بل يجب فهمها أيضا في إطار علاقاتها بالطبقات السائدة. ففي إطار قيام هذه السلطات بدور الوسيط بين الطبقة الرأسمالية العالمية وبين الشرائح الطبقية المسيطرة في الداخل (الكومبرادورية)، تتمكن من أن تحقق لنفسها قدرا من الاستقلال النسبي. إلا أن السلطة السياسية لا تتمكن من القيام بهذه المهمة كما لا تتمكن من تحقيق استقلالها عن الفئات المسيطرة إلا إذا أحرزت لنفسها قدرا من القوة. وطالما أن المجال الذي تتنافس عليه الطبقات المسيطرة هو المجال الاقتصادي، فإن القوة التي يفترض أن تسعى السلطات المخزنية إلى تحقيقها هي القوة الاقتصادية والتي بواسطتها تقوم بدورها في حماية المستثمرين من المخاطر السياسية ومظاهر عدم الاستقرار التي يعرفها السوق العالمي، وفي تأمين الوصول إلى الموارد الأولية  والأسواق الداخلية والخارجية، وفي تنظيم أنشطة العاملين في المجال الاقتصادي، وفي ضبط عمليات التنافس فيما بينهم .

إن تدخل النظام المخزني في الشؤون الاقتصادية (أو تشجيعها لقطاع من القطاعات أو سعيها نحو الحصول على أشكال مختلفة من الريوع وتنظيمها لعمليات التوزيع والاستهلاك) سيمثل أنشطة ينظر إليها على أنها محاولة من جانب الدولة لتحقيق قوة اقتصادية تمكنها من أن تقف مع البرجوازية العالمية وشرائح البرجوازية المحلية على أرض صلبة قوية. وفي هذا الإطار يصبح من البديهي تغليف هذه القوة الاقتصادية بقوة سياسية. وتتمكن الدولة من أن تصل إلى هذه القوة إذا ما حققت قدرا من الاستقرار السياسي والشرعية السياسية.

وتسعى السلطات المخزنية إلى تحقيق الاستقرار السياسي والشرعية السياسية لجهاز الدولة من خلال كسب دعم الأطراف الأكثر قوة ، والمقصود هنا الدول الكبرى، والجماعات ذات التأثير الاقتصادي والسياسي المحلي، والهيئات والشركات الدولية. ولكن بالنظر إلى عدم القدرة على ضمان تأييد هذه الأطراف بشكل دائم، فإنها تسعى  من ثم إلى تكوين طبقة خاصة بها يمكن أن يطلق عليها بورجوازية الدولة، وهي شرائح من البرجوازية الصغرى التي تدير أجهزة الدولة وتشرف على خدماتها من ناحية، وتدير قطاعها الاقتصادي من ناحية أخرى. وتوجه الدولة سياستها الاقتصادية والتعليمية نحو خلق هذه البورجوازية التي تعتمد عليها في اكتساب شرعيتها واستمرارها وتفوقها إزاء الأطراف الأقوى التي تتفاعل معها. فالتعليم يتيح تخريج الكفاءات المطلوبة في إدارة الأجهزة البيروقراطية وتشغيل المؤسسات الخدماتية. أما سياسة التدخل الاقتصادي فإنها تخلق قطاعا اقتصاديا عموميا  يرتبط بهذه الشرائح ويتحدد وجودها من خلاله. وهكذا تصبح أفعال السلطات المخزنية الاقتصادية محاولة لخلق فئات اجتماعية تستند إليها في تعميق نطاق شرعيتها  واستقرارها، وتجد الدولة بطبيعة الحال في الطبقات الوسطى ضالتها اعتمادا على تطلعاتها التسلقية وانتهازيتها.

لكن الحفاظ على الاستقرار والشرعية ليس أمرا سهلا كما انهما لا يتحققان دائما بالدرجة المطلوبة. فإذا كانت علاقة الدولة برأس المال الأجنبي قد أغرقها في الديون وجعل أفعالها تفارق أهدافها التنموية، فإن توسيع قاعدة الطبقة الوسطى وتضخيمها لا يؤدي بالضرورة إلى تعميق نطاق الشرعية والاستقرار. فالشرائح الوسطى التي ساعدت الدولة على نموها وتضخمها لم تقف كلها في صف الدولة، ولم تتبنى جميع أجنحتها الإيديولوجية الرسمية للدولة. لذلك تجد الدولة نفسها مضطرة لاكتساب أكبر قدر من التأييد اعتماد مبدأ  التناوب السياسي ما بين الشرائح الموالية لخطها السياسي والشرائح التي كانت مستبعدة من السلطة، شريطة التزام هذه الأخيرة بالواقع الذي يفرضه النظام العالمي الجديد، مقابل تلبية بعض المطالب الاجتماعية المحدودة والتي لا تصل إلى حد زعزعة المنظومة الاقتصادية والاجتماعية القائمة.

ولكن السياسات الاقتصادية للسلطات المخزنية، والدور الاقتصادي الذي اختطته لنفسها من خلال سياسات تدبير الأزمة أحدث تناقضات عديدة في علاقة الدولة بالطبقات المتوسطة والدنيا، وذلك من خلال ما يلي:

أ – قصور القطاع الإنتاجي الحديث عن استيعاب كل الطاقات العاملة:

فمن أولى التناقضات أن القطاع الإنتاجي الحديث الذي أنشأته الدولة ودعمته لم يستوعب كل الطاقات العاملة، في الوقت الذي يخرج من نطاق القطاع التقليدي أعدادا متزايدة ممن لا عمل لهم، إضافة إلى انسداد أبواب الشغل سواء في القطاع العمومي أو في القطاعين الحديث والتقليدي في وجه أغلبية الخريجين الجدد. ومن هنا فقد تم تهميش قطاع عريض من الشرائح الفقيرة، وأصبحوا بغير عمل. وهاجرت أعداد غفيرة منهم إلى المدن لتصبح عبئا على خدماتها ومواردها.

ب – تجاهل مطلق لتدابير إعادة توزيع المداخيل:

فسياسات تدبير الأزمة لا تؤدي إلى إعادة توزيع المداخيل إلا عرضا  نظرا لانحيازها المطلق لرأس المال على حساب العمل والذي ظهر بشكل جلي من خلال السياسة الضريبية المتبعة. وفي ظل هذه الوضعية يحصل الثلث فقط من السكان الحائزين على وسائل الإنتاج على نصيب الأسد من الدخل الوطني، بينما لا يحصل الثلثان الباقيان إلا على جزء يسير من هذا الدخل.

ج – تفشي أنماط الاستهلاك الترفية:

في الوقت الذي تنمو فيه الطاقات العاملة المهمشة وتزداد مظاهر الإفقار،  تتجه البنية الاجتماعية برمتها إلى أن تصبح بنية متماثلة في الاستهلاك. فسياسات تدبير الأزمة صاحبتها أنماط استهلاكية ترفية ، وقيم استهلاكية قادتها الطبقات العليا وانتشرت بين فئات السكان ذات الدخل المنخفض بفعل "المؤثر الاستعراضي". الامر الذي أدى إلى تشوهات غير عقلانية في بنية الطلب وإلى تراجع معدلات الادخار.

د – تحول علاقة الدولة بالعمال كعلاقة رب العمل بهم:

إن سعي الدولة إلى تبني نظام السوق وتحفيز القطاع الخاص الوطني والأجنبي  بكافة الوسائل حول التناقض القائم بين رأس المال والعمل إلى تناقض بين الدولة والعمل. ومن هنا تحولت علاقة الدولة بالعمال كعلاقة رب العمل بهم، بما يصاحب هذه العلاقة من تحكم في الأجور والحوافز، بل تعمل الدولة على فرض قيود أشد، كمنع الإضرابات العمالية، ومنع نقابات العمال من أن تتخذ طابعا سياسيا، إضافة إلى أن هدف التخلص من جل مؤسساتها العمومية وكذا تقليص أعداد العاملين بقطاع الوظيفة العمومية يجعلها تتغاضى عن مطالب الفئات العاملة في هذه القطاعات بالرفع من مستوى أجورها ورواتبها لجعل القطاع الخاص يبدو أكثر جاذبية من القطاع العمومي.

وتؤدي كل هذه الظروف إلى أن تصبح الشرائح الفقيرة مصدر عدم استقرار بالنسبة للدولة. وتجد الدولة نفسها في موقف يفرز سياسات متناقضة، وإن كانت أسسها البنائية واحدة. فوضع الدولة في داخل المنظومة العالمية الرأسمالية ، وإدارتها للتناقضات  التي يفرزها هذا الوضع (خاصة مشكلات ديونها الخارجية والداخلية)، تجعلها تفرض سياسات تقشف تؤثر بحدة على الشرائح الفقيرة. ولكن الشعور بوضع الشرائح الدنيا، وبمظاهر عدم الاستقرار الكامنة هناك، يجعل الدولة تتدخل لدعم السلع الأساسية التي تستهلكها هذه الشرائح، الأمر الذي يفرض على الدولة أعباء جديدة تحاول أن تتغلب عليها بمزيد من الاقتراض، أو بتنظيم عائداتها الريعية، أو بتعديل سياساتها الاقتصادية، أو بكل هذه الإجراءات جميعا.

لقد أحدثت ظروف الأزمة وسياسات تدبيرها إذن أوضاعا اجتماعية جديدة تمثلت أهم مظاهرها في تكريس تدهور أوضاع الطبقات الحضرية والقروية المتوسطة والدنيا مقابل استفادة أقلية محدودة من شرائح الطبقات العليا.

تطور أوضاع الطبقة الأولى، العليا

تضم الطبقة العليا فئتين متميزتين، تتمثل الأولى في فئة البرجوازية الوطنية المشتغلة بالصناعة والتجارة والعقار والفلاحة ، بينما تتمثل الفئة الثانية في فئة البرجوازية البيروقراطية والتقنوقراطية وهي تضم عددا من العلماء والباحثين وأساتذة الجامعات والمعاهد العليا والمديرين وأصحاب المهن المتميزة كالأطباء والمهندسين والقضاة والمحامين والفنانين وكبار ضباط القوات المسلحة والبوليس والفنيين العاملين في قطاع المعلوميات .

وتشير الدراسات المنجزة حول الطبقة العليا الحضرية إلى أنها قلة من سكان المدن المغربية، ت