rechercher sur ce site contactez-nous rendez-vous importants nos activités communiqués documents qui somme nous? index
 

الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية من خلال مشروع القانون المالي 2003

 الأستاذ علي فقير

 لا وجود لحل في اطار البنية القائمة التي تحتاج إلى تغيير جذري

 

ابتدعت الدولة البورجوازية القانون المالي لاضفاء طابع الشرعية على ميزانيتها التي تعمل على الموازنة بين مصاريف هذه الدولة ونفقاتها. وقد كان السلطان في المغرب قديما لا يفرق بين مالية الدولة ومصاريف العائلة الملكية والبلاط والحاشية إلى آخره، وكانت عندما تتقلص الموارد المالية يتم تنظيم حملات ما يسمى ب"الحركة" لنهب القبائل، أو يتم اللجوء الى اقتطاع اشكال من الاتاوات من الصناع الحرفيين في المدن. أما في الوقت الراهن فقد أصبحت هناك أنواع مختلفة من الموارد من هنا ساد ما يسمى باضفاء العقلنة على موارد ومداخيل ميزانية الدولة.

وتعتبر الميزانية العامة الترجمة الرقمية لسياسة الدولة في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، فعن طريق الميزانية العامة تحدد الدولة أولوياتها. ومن بين النفقات الاساسية التي ترد في الميزانية هناك نفقات التسيير والاستثمار والدين العمومي، اما فيما يخص الموارد، وبطبيعة الحال لو كان هناك مجتمع آخر، وان الأراضي هي ملكية جماعية، وأن وسائل الانتاج ملكية جماعية، فإن الموارد ستاتي من مداخيل هذه الممتلكات الجماعية. ولكن بما أننا في مجتمع تسيطر عليه الطبقة البورجوازية فإن الموارد تأتي أولا عبر الضرائب بمختلف انواعها وثانيا من مداخيل ممتلكات الدولة واحتكاراتها وثالثا من خلال   القروض ، إضافة إلى مصادر استثنائية أخرى كعائدات بيع ممتلكات الشعب عبر ما يسمى بالخوصصة.

هنا تساءل الاستاذ فقير حول من يؤدي الموارد ولصالح من تضاف النفقات، فيجيب إنه بالنسبة للمداخيل الضريبية علينا أن ننظر إلى من يؤديها بالأساس، وفي هذا الاطار يمكن التفرقة بين الضرائب المباشرة والغير مباشرة إضافة إلى الرسوم الجمركية ورسوم التسجيل والتنبر. الضرائب غير المباشرة، التي تعتبر من بين اهم الضرائب من حيث حجم مداخيلها، لا تفرق بين الغني والفقير، ويبن الرأسمالي والكادح، فشراء شخص لمعطف سواء كان غنيا أو فقيرا فإنه يخضع لنفس نسبة الضريبة على القيمة المضافة أي 20 % فهذه الضرائب تضاف إلى الأثمنة كما تظهر بوضوح لكنها تؤدى من طرف الجميع. وتشكل الضرائب غير المباشرة 54 % من مجموع الضرائب. ومن بين أهم هذه الضرائب هناك الضريبة على مواد الطاقة حيث تشكل 28 %، وتساهم هذه الضريبة في ارتفاع سعر النفط، حيث أن 50 % تقريبا من هذا السعر يكون على شكل ضرائب لصالح الدولة، ورغم أن المغرب يعتبر نفسه بلدا رأسماليا إلا أن سعر النفط فيه لا يتراجع مع انخفاض السعر على المستوى العالمي، فإذا لم يرتفع هذا السعر فإنه لا ينخفض.

هناك ضريبة غير مباشرة أخرى تتمثل في الضريبة على التبغ والتي تشكل 25 % من الضرائب غير المباشرة. ومعلوم ان الدولة تعمل حاليا على خوصصة وكالة التبغ وقد طرحت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في السنة الماضية سؤالا على وزير المالية والخوصصة : لم تريدون خوصصة وكالة التبغ ؟ وقد كان جواب الوزير أننا دخلنا في اتفاقيات دولية تمنعنا من ان يكون لنا أي احتكار في ميدان معين، لكن هذا التبرير غير معقول في الوقع. ولقد سبق للدولة أن قامت بخوصصة لاسامير التي تتوفر على الاحتكار في مجال تكرير النفط حيث تم بيعها بنصف الثمن رغم أن الكنديين كانوا سيقدمون 1000 مليار درهم مقابل هذا الشراء، إلا انها بيعت ب 500 مليار درهم فقط إلى شركة الكورال التي هي مجموعة سعودية وتتضمـــــــن

 

مساهمة ليبية والنتيجة معروفة. فمعلوم أن شركة الكورال وعدت باستثمار 700 مليار درهم على مدى خمس سنوات حتى تكون مؤهلة لمواجهة المنافسة مع الغرب، حيث سيصبح السوق المغربي حاملا للمنتجات الأوربية في هذا المجال. لكن الكورال لا تعمل على استثمار ما وعدت به فهي تعمل فقط على استرجاع مبلغ الشراء حيث أن أرباح لاسامير تقدر ب 50 إلى 52 مليار درهم في السنة، ويمكن أن نتوقع قريبا أن تعمل هذه الشركة على بيع لاسامير بمقابل مربح ولو تم بيعها بنصف الثمن الذي اشتريت به.

إذن فمداخيل مادة التبغ تحقق لميزانية الدولة مداخيل بنسبة 16 % تقريبا، وهي من بين أهم الضرائب غير المباشرة.

ومعلوم انه للتعرف على مدى عدالة نظام ضريبي معين في مجتمع معين يجب المقارنة  بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة . ففي البلدان التي تعرف فوارق طبقية صارخة تكون نسبة الضرائب الغير مباشرة أكبر من نسبة الضرائب المباشرة، ويعتبر المغرب من بين هذه البلدان. وتقوم الضرائب المباشرة في المغرب على ثلاث ضرائب أساسية هي الضريبة العامة على الدخل والضريبة على الشركات وتبقى الضريبة العامة على الدخل هي الأساسية، ومعلوم أن أكبر حصة من هذه الضريبة يؤديها بالأساس المأجورون لأن لا خيار أمامهم ولا يمكنهم الغش في الضريبة كما هو الشأن بالنسبة للشركات وأرباب العمل، لأن الضريبة العامة على الدخل تقتطع عند المنبع، فالمقاولة تقتطعها من العامل عند المنبع لتؤديها بعد ذلك إلى الدولة، في حين أن الشركات مجهولة الاسم تتوفر على امكانية هائلة للتملص من هذه الضريبة.

زيادة على ذلك فإن الملاكين العقاريين البرجوزيين والفلاحين الرأسماليين لا يؤدون الضريبة، فالحسن الثاني عمل على إعفائهم إلى غاية سنة 2010 ، ويقال أن هذا الاعفاء سيمدد لهم إلى سنة 2020. ومعلوم ان صاحب الضيعة الفلاحية لا يدفع الضريبة بينما المساعد التقني الذي يعمل في تلك الضيعة ويتقاضى فقط 3000 أو 4000 درهم يؤدي الضريبة. فأصحاب الأراضي الكبار والذين لا تعرف كيف حصلوا عليها ويقومون بالتصدير نحو الخارج ويراكمون الملايير ولا يؤدون الضرائب في الوقت الذي يؤدي فيه العاملون لديهم الضرائب حتى وإن كانت أجورهم ضعيفة فالمسألة تنطوي على حيف اجتماعي كبير.

ونشير في هذا المجال إلى ان البرلمان السابق صوت بالاجماع على اعفاء الدخل الذي يصل إلى 24.000 درهم في السنة من الضريبة، أي 2000 درهم شهريا. لكن الدولة رفضت ذلك على لسان فتح الله ولعلو وتم اعتماد الاعفاء على 20.000 درهم وليس 24.000 درهم، ونلاحظ هنا كيف أن البرلمان، حينما يقرر شيئا لا يكون ملزما لوزير المالية الذي تكون من صلاحيته رفض مثل هذا القرار.

أما بالنسبة لمداخيل الدول من الاحتكارات فيمكن المقارنة بين سنتي 1998 و 1999 ومشروع القانون المالي الحالي، حيث نلاحظ تراجع هذه المداخيل من 10 إلى 5 % ، لأن الحكومات باعت عددا من ممتلكات الشعب التي كانت تدر على الميزانية العامة مداخيل مهمة بمعنى أن التوجه القائم هو أن مداخيل احتكارات الدولة ومساهماتها في عدد من المؤسسات، ستنخفض سنة بعد أخرى، نتيجة بيع هذه الممتلكات، خاصة الممتلكات المربحة، في عقد الثمانينات كان يقال بأن مؤسسات الدولة التي تعرف مشاكل وعجز في ميزانياتها هي التي ستباع للخواص الذين يحسنون التدبير، لكن المؤسسات المربحة في الواقع هي التي تباع في إطار الخوصصة مثل اتصالات المغرب، في الوقت الذي نتحمل فيه عجز عدد من المؤسسات المفلسة مثل القرض العقاري والسياحي.

ان مداخيل الخوصصة قدرت خلال سنة 1998-1999 بنسبة 2 % من الموارد اما في مشروع 2003 فستبلغ 9 % أي 12 مليار و 500 مليون درهم حيث يتوقع خوصصة وكالة التبغ والبنك الشعبي إلخ  والتي ستدخل فيها خوصصة 16 % من أسهم اتصالات المغرب التي لا زال البحث جاريا لايجاد من يشتريها.. إن قضية الخوصصة تثير العديد من المشاكل. فالفلاح الذي يبيع أرضه لكي يقيم عرسا لابنه نعلم بأنه سائر نحو الافلاس، لذلك فإن الانسان لا يجب أن يبيع ممتلكاته، فإذا باع شيئا فعليه أن يستثمر في شيء آخر يمكن أن يجلب له مداخيل أكبر. ونلاحظ أن مداخيل الخوصصة إما أن تأخذها الخزينة العامة فلا تذهب إلى الاستثمار أو أنها توضع في صناديق لا توجد مراقبة عليها. إن تلك الممتلكات هي ملك للشعب حيث أنـــه

 

إذا ما قلنا انها ملك للدولة فهي ليست شيئا خارج المجتمع، لكن المجتمع لا سلطة له على التصرف فيها أو مراقبة استعمالها وهي قضية ذات بعد غير ديموقراطي.

هناك أيضا الرسوم الجمركية التي تسير في اتجاه الانخفاض أيضا استجابة لاملاءات الاتفاقيات الدولية. إذن ماذا سيتبقى في المستقبل، إذا ما انخفضت احتكارات الدولة ومساهماتها، وتراجعت مداخيل الرسوم الجمركية ؟ الحل المتوفر هو اللجوء إلى المزيد من الاستدانة الخارجية والداخلية. لكن القروض لديها حدود لا يمكن تجاوزها، فما هو الحل الذي سيظل قائما ؟ إنه فرض مزيد من الضرائب على الشعب المغربي. فبعد 5 أو 10 سنوات يمكننا أن نتوقع فرض عديد من الضرائب الجديدة أو رفع معدلات عدد الضرائب القائمة لأنه لا وجود لحل آخر. فالدولة تبيع ممتلكاتها ولا تستثمر.

إن نفقات التسيير تبلغ 56 % في مشروع قانون المالية 2003، ولكنهم عندما يتحدثون عن نفقات التسيير يشيرون بأصبع الاتهام إلى الأجور التي تشكل 66 % من مجموع نفقات التسيير وهذا يعني أنها لا تصل إلى 100 % . إننا عندما نأخذ أجرة امرأة أو رجل تعليم ونضعها في نفس خانة المقدم أو الشيخ فذلك يعني أن ما يصرفه المجتمع في مجال التعليم أو الصحة يماثل ما يعطى للمقدم والشرطي إلخ. لكن هناك فرق في الواقع، فبالنسبة لمجتمعنا لا يمكنه أن يتقدم إذا لم يتم القضاء على الأمية وإذا لم يكن هناك تعليم جيد ومعمم، فالنفقات في ميدان التعليم والصحة والسكن هو الاستثمار الحقيقي للمجتمع على المدى البعيد.

يقال أن قطاع التعليم الابتدائي  والثانوي بدون قطاع التعليم العالي يستحوذ على 21 % تقريبا من نفقات التسيير. إلا أن هذه المقولة مغلوطة لأن رجال التعليم يشكلون حوالي 60 % من عدد الموظفين لكنهم لا يأخذون سوى 21 % من نفقات الميزانية، فهو قطاع ضائع في مجال الأجور. وإذا ما قمنا بعملية حسابية سنجد أن نوع الأجرة في وزارة الداخلية تصل إلى 20.000 درهم في الشهر كأجر كما أن هناك من يتقاضى أكثر من هذا المبلغ، بينما الأجور في وزارة التربية الوطنية لا تتجاوز 4000 درهم، إذن هناك فرق شاسع بين قطاع التعليم وقطاع الأمن لصالح هذا الأخير. نفس الشيء نلاحظه بالنسبة لموظفي وزارة المالية. كما أن القطاع الآخر الذي يعاني من التهميش الكبير فهو قطاع الصحة، في الوقت الذي يحتاج فيه الشعب إلى ممرضين وأطباء وإمكانيات كثيرة.

أما بالنسبة لنفقات الاستثمار التي كانت تمثل سنة 1998/1999    15,5 % من مجموع النفقات، فإنها نزلت في المشروع المالي الحالي إلى 14 %، إذن كل ما يقال في التلفزة حول الاستثمار الذي يخلق مناصب الشغل لا يتم العمل به على أرض الواقع.

أما بالنسبة لنفقات الدين العمومي فقد كانت تصل سنة 1998/1999 إلى 30 % تقريبا من ميزانية الدولة وحاليا لازالت تشكل 30 % من هذه الميزانية. فكل ما حدث هنا هو بعض الانخفاض في المديونية الخارجية بينما هناك ارتفاع كبير في المديونية الداخلية.

تشكل الموارد الجبائية في مشروع ميزانية 2003   60 % من مجموع الموارد أما الموارد غير الجبائية فتشكل احتكارات ومساهمات الدولة 5 % تقريبا وموارد الخوصصة 9 % والقروض 26 %.

إن ميزانية الدولة تتحكم فيها خلفيات سياسية حيث تقرر في مشروع الميزانية 7000 منصب شغل وهو أقل عدد يدرج في الميزانية عبر تاريخ المغرب، حيث نزلت هذه المناصب من 25.000 خلال عقد السبعينات إلى 7000 منصب حاليا. ويعتبر هذا اختيارا سياسيا في الوقت الذي توجه فيه النفقات نحو اتجاهات أخرى أقل ما يقال عنها أنها نفقات تبديرية كإحياء عيد ميلاد مغني الهيب هوب الأمريكي بمبلغ مليار سنتيم بمراكش.

لقد جاء في جريدة الصباح يوم 7 نونبر 2002 عللى لسان رئيس الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين السيد عمر باعزيز ما يلخص فلسفة الميزانية العامة في المغرب حيث يقول ان " القانون المالي هو الآلية الأساسية التي تكرس الفقر والتهميش والبطالة لذلك فهو مرفوض من طرفنا ". إن حملة الشهادات المعطلين يشكلون شريحة اجتماعية درست وحصلت على دبلومات عليا وتضم من بينها باحثين وفيزيائيين و أطباء ومهندسين زراعيين إلى أخره .. لكنه لا توفر لهم فرص عمل في ميزانية الدولة . فتعبير عمر باعزيز تعبير عميق يعبر عن نظرة المعطلين إلى الميزانية العامة.

فحينما لا يضم مشروع القانون المالي سوى 7000 منصب شغل أغلبها عبارة عن ترقيات ومناصب خاصة بوزارة الداخلية وأغلبها تسند بناء على التدخلات والوساطات والعلاقات الزبونية وذلك يعني الحكم على شريحة اجتماعية عريضة من الشعب المغربي بالتهميش. ويحدث هذا في الوقت الذي تقدم فيه اعفاءات ضريبية لأصحاب رؤوس الأموال. ومن المعلوم انه  خلال فترة حكومة التناوب قدمت اعفاءات ضريبية للمقاولات لم تسبق في تاريخ  المغرب سواء من حيث الاعفاء من الضرائب أو من المساهمات في الضمان الاجتماعي. فقد تم التغاضي عن المتأخرات في هذا المجال منذ 1969، إن الطبقة البورجوازية الهجينة في المغرب تحصل على كل هذه الاعفاءات من أجل الاستثمار لكنها لا تستثمر لأنها نوع من البورجوازية المدللة تتمكن بفضل نفوذها وتغلغلها في جهاز السلطة المخزنية من الحصول على كل ما تريده فأرباب عمل صناعة النسيج قاموا بإضراب وأعلنوا رفضهم دفع مستحقات الضمان الاجتماعي فتم بسهولة قبول ذلك وأضافت إليها الحكومة امتيازات كبيرة.

كما ورد في الجرائد يوم 7 نونبر 2002 أن الوزير الأول ادريس جطو الذي هو رب عمل كذلك قرر عدم تطبيق قانون حوادث الشغل الذي تم اعتماده داخل البرلمان. كما تشير هذه الجرائد إلى أن أرباب العمل أعلنوا عن عدم تطبيقهم لهذا القانون حتى وإن دخل حيز التنفيذ، فهذه الجرأة تترتب لأن الدولة لا تعتقلهم ولا تستطيع محاكمتهم. في حين، أن الموظفين والعمال إذا ما رفضوا تطبيق قرار أو تعليمات فإنهم يرسلون إلى السجن ويحاكمون. لقد كانت هذه هي أول خطوة للوزير الأول الجديد لصالح الطبقة التي ينتمي إليها فهو الآن يقتصر على تأجيل تطبيق القانون لكن ربما سيعمل على إلغائه

وقد عرضت في جريدة "الاقتصادي" صورة كاريكاتورية مستفزة تصور رب عمل يخبر العامل بأن قانون حوادث الشغل قد تم إلغاؤه فيذهب العامل جريا نازعا ضماداته وراميا بعكازه. والمقصود هنا هو اتهام العمال والموظفين الذين يتعرضون لحوادث الشغل بأنهم يتمارضون فقط للحصول على تعويضات، فهذا الكاريكاتور يعبر عن مصالح البورجوازية الهجينة التي تعتبر أن الموظفين والعمال الذين يتعرضون لحوادث الشغل أثناء قيامهم بعملهم مجرد محتالين.

السؤال المطروح الآن هو ما العمل ؟ فالقانون المالي يشكل جزءا من البنية القانونية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد.

فالمطلوب استراتيجيا هو إعادة النظر في هذه البنية بكاملها لأن الميزانية ليست إلا جزءا منها

فاستراتيجيا لا وجود لحل في إطار البنية القائمة فهي تحتاج إلى تغيير جذري، فخارج هذا التغيير لا يمكن القيام سوى بترقيعات كما هو جار في العديد من الميادين الأخرى. فمثلا يجب فرض ضريبة فلاحية، على أن يعفى منها الفلاحون الفقراء والعمال الزراعيون، أما بالنسبة لكبار الفلاحين الذين يملكون آلاف الهكتارات ويصدرون إلى الخارج منتجات فلاحية يصعب على الأغلبية الساحقة للمغاربة من اقتنائها فيجب أن يؤدوا الضريبة الفلاحية.

كما يجب فرض ضريبة على الثروة، فقبل تنصيب حكومة التناوب كانت المعارضة السابقة تطالب بفرض مثل هذه الضريبة لكنها تناست هذه المطالب عندما أدمجت في التسيير. هنالك الكثير مما يقال حول مصدر الثروات التي تجمعت لدى بعض الاشخاص، فعلى الأقل يجب أن يتم اخضاعهم للضريبة وهنالك مبررات لفرض هذه الضريبة باسم التضامن أو التكافل الاجتماعي بحيث أن التضامن الحقيقي لا يتجلى في توزيع الحريرة خلال شهر رمضان بل يتطلب اخضاع الاثرياء للضريبة.

عندما طرحت في آخر عقد الثمانينات قضية منحة الطلبة الجامعيين، كنت من المطالبين بتقديم المنحة لجميع الطلبة، وكان هناك من يدعي أنه ليس من المعقول تقديم المنحة إلى ابناء البورجوازيين وكان جوابي هو أنه يجب فرض الضريبة على الثروة مقابل استفادة جميع الطلبة من المنح، لأن الطالب كيفما كان الحال يبقى طالبا للعلم والمعرفة، فعندما انتشرت فكرة ان الطالب الفقير هو من يجب أن يستفيد من المنحة اصبحت الفرصة متاحة لأعوان السلطة لاستخلاص الرشاوي، فاذا كنت تطمح للحصول على المنحة فعليك احضار شهادة الضعف وهذا يتطلب الدخول في متاهات أخرى .. غير أن أبناء معلم يتقاضى 3000 درهم لا يحق لهم تقاضي المنحة. علما أن مبلغ المنحة من 200 إلى 400 درهم شهريا هزيل جدا، فهذا المعلم الذي يقطن

اقليم الرشيدية مثلا، ويتقاضى 3000 درهم يعتبر في نظر القانون غنيا ولا يمكن بذلك لابنه أن يسعى الى الاستفادة من التعليم العالي بالرباط أو فاس .. الشيء الذي يجعله موضوعيا غير متوفر على اتمام دراسته في المجالات التي يتوفر فيها على مقومات ذاتية. إذن فالضريبة على الثروة يمكنها ان تعمم المنح وتحل اشكالية الانقطاع عن التعليم.

كما أن المطالبة باسترجاع الأموال المنهوبة، حيث يوجد العديد من الاشخاص الذين عملوا على استغلال مناصبهم لنهب أموال عمومية طائلة وتكديسها في الابناك بالخارج كما ان هنالك من نهب مبالغ خيالية ولا زال يعيش بسلام في المغرب، إذن يجب المطالبة بارجاع هذه الاموال إلى خزينة الدولة . المفروض هو اعتماد سياسة حازمة تجاه من يعمل على نهب أموال الشعب، فإذا كان من الممكن مناقشة مسألة العقوبة الحبسية فعلى الاقل يجب استرجاع الاموال المختلسة، فمدير سابق للخطوط الجوية المغربية مثلا، سرق مليارا أو أكثر ولا زال يلعب التنس ويحكى انه أقسم بأن لا يعيد من تلك الأموال ولو درهما واحدا وتجذر الاشارة إلى ان العديد من الصحف المغربية أشارت إلى ان الملك السابق يملك في الأبناك الأمريكية والفرنسية والبريطانية والسويسرية اموالا خيالية من شأنها ضمان عيش كريم للمغاربة وللعديد من السنوات. فلماذا لا يتم استرجاع مثل هذه الأموال ! ؟

ويجب العمل كذلك على تقوية القطاع العمومي عن طريق التأمين، يقال لنا بأن حائط برلين قد سقط كأن ذلك دليل على نهاية التاريخ ومأساة الشعوب، يقولون أن الحديث عن التأمين متجاوز ونحن نقول أن التأمين ضروري ففي مجتمع مثل المغرب دور القطاع العمومي أساسي فإذا اعتمدنا على البورجوازية الهجينة فلن تعرف بلادنا طريقها نحو النمو والتقدم لذا يجب تأمين المرافق الاستراتيجية خاصة، فخوصصة " لا سامير " مسألة غير مقبولة يقال أن الخوصصة ضرورية لأن المكاتب الوطنية والوكالات توجد في حالة افلاس ونحن نقول أن مصدر الافلاس دستوري لأنه عندما يعين مدير مؤسسة عمومية بظهير فإن الأمر يصبح منتهيا فمن سيتمكن من محاسبة هذا المدير ؟ لقد حدث عقب تنصيب حكومة التناوب أن طالب وزير الطاقة السابق من مدير المكتب الوطني للكهرباء ومديرين آخرين بمرافقته، في اطار الزيارة التي قام بها الوزير الأول السابق الى فرنسا، إلا انه ووجه بالرفض. فهؤلاء المدراء المعينين بظهائر يتجاهلون الوزير ولا يقيمون له وزنا لأنه دستوريا  لا يمكن لهذا الوزير أن يناقش قرارا ملكيا. فهؤلاء المدراء تقدم لهم اقطاعيات كما كان يحدث في المغرب في القرون السابقة، فعندما تكون احدى القبائل ثائرة ضد السلطة المركزية بفاس ومراكش يعمل السلطان على الاتصال بشخص أو شخصين من تلك القبيلة ليسلمهم سلطة جباية الضرائب على أساس تسليم السلطان نصف المداخيل والاحتفاظ بما تبقى.

نفس الشيء نجده يمارس اليوم على مستوى المؤسسات العمومبية حيث تسلم هذه المؤسسات لأناس يعملون فيها ما يشاؤون ويشغلون من يريدون ويحددون مستوى أجورهم ويضعون العلاوات لأنفسهم وتصل علاوة المدير في نهاية السنة إلى 100 أو 200 مليون سنتيم ولا يجد من يستطيع محاسبته.

فقضية التأمين تتطلب إذن تدبيرا ومراقبة ديمقراطية من طرف المنتخبين في اطار مؤسسات حقيقية لكي لا تظل الممتلكات العمومية بمثابة اقطاعيات للقائمين عليها مما يعرضها للاستنزاف ثم الافلاس، فمثلا شركة صوديا لا يمكنها أن تشتغل بمردودية إذا ما ظلت خاضعة  لمدير معين بظهير يعتبر نفسه فوق القانون والمحاسبة الديمقراطية. فمن حيث المحاسبة فإذا كان وزير الطاقة مثلا هو من يعين مدير المكتب الوطني للكهرباء وظهر بأن هذا المدير غير صالح فأولا تكون هناك متابعة لهذا المدير قضائيا ثم ثانيا تكون محاسبة على المستوى السياسي حيث تتم محاسبة حزب الوزير وفي هذا الاطار كان من الممكن محاسبة حزب الاستقلاق عندما انفجرت قضية شركة النجاة الاماراتية لأن الوزير المسؤول هو الكاتب العام لحزب الاستقلال ولكن هذه المسائل غير ممكنة في المغرب بفعل غياب الديمقراطية ففي أوربا يقدم الوزير استقالته فورا من الحزب حتى لا يورطه ويعترف بمسؤوليته السياسية عن الكارثة التي تحدث في هذا المكتب أو الوكالة. لكن في المغرب لا وجود لهذه الأشياء كما أن الرأي العام لم يصل بعد إلى مستوى مساءلة الاحزاب عن تورط مسؤوليها في مثل هذه القضية.

هناك أيضا قضية استرجاع الأراضي المغتصبة، لكن هذه القضية لا زالت غير موجودة في المغرب، فقبل الاستعمار الفرنسي كانت أغلبية الاراضي المغربية عبارة عن أراضي للجموع أي أراضي القبائل التي تعيش عليها، مثل الغرب ودكالة والشاوية إلى أخره، وحينما جاء الاستعمار الفرنسي عمل على نزع الملكية من الفلاحين وأقام فلاحة عصرية، وبعد ذهاب المعمرين بعد الاستقلال تم تمرير تلك الاراضي الى عدد من ذوي النفوذ. فمثلا في بداية عقد السبعينيات اكتشف مكتب الاستثمار الفلاحي للغرب بأن هناك ضيعة ما زالت مسجلة باسم أحد الفرنسيين لكنها أصبحت في ملكية شخص آخر دون استبدال حتى وثائق الملكية، فقد تم دفع ثمن الضيعة بالعملة الصعبة بباريس ووضع اليد الطولى على الارض بالمغرب للتصرف فيها.

اذن فقضية الارض تطرح اشكالا يجب مناقشته والبحث عن الكيفية التي تم بها تفويتها والعمل على ارجاعها لاصحابها الاصليين. اما فيما يتعلق بالنفقات فلقد طرح البرنامج الحكومي لعبد الرحمان اليوسفي تخفيض الاجور العليا لكن شيئا من ذلك لم يحدث، فهذه المسائل تتطلب تغييرا جذريا فيجب مثلا ألا يتراوح سلم الأجور بالمغرب من 1 إلى 10 فإذا افترضنا أن الأجر الأدنى هو 2000 درهم فإن الأجر الأقصى لا يجب أن يجاوز 20.000 درهم في الشهر كيفما كان مستوى المسؤولية ويجب التذكير أن السلم  المتبع حاليا يتدحرج من 100 إلى 1 فهذا يطرح اشكالية كبرى.

ويجب العمل كذلك على تخفيض ميزانيات العديد من الوزارات فوزارة الداخلية ووزارة الدفاع تستهلكان مبالغ خيالية على حساب ميزانيات وزارات الصحة والتعليم والسكن. كما يجب تقليص تبذير المال العام في أشياء غير ضرورية فميزانية الدولة مثلا تقدم 2 مليار لجمعيات الانهار والسهول إلخ وملايير تضخ في صناديق الاحزاب الادارية فقد أشار الجابري في مذكراته المنشورة مؤخرا على صفحات احدى الجرائد أنه قبل احدى الانتخابات قام وزير الداخلية السابق ادريس البصري بمحاولة تسليم مبلغ 120 مليون سنتيم للراحل عبد الرحيم بوعبيد الذي رفضها وتم الاتصال باليازغي من طرف ادريس البصري في نفس المسألة . فما خفي كان أعظم فهنالك أموال توزع في السر بدون حسيب أو رقيب. فكم هي الاموال التي تتصرف فيها بعض الاحزاب والتي تصرف في المناسبات "الوطنية" ؟ فالمواطن يصاب بالذعر عندما يشاهد الاحتفالات التي تقيمها السفارات بالخارج خلال المناسبات "الوطنية" حيث يتم كراء أغلى القاعات بأوربا وأمريكا

يمكن كذلك مراجعة الضريبة على السكن، فمسكن رئيسي تقل مساحته عن 80 متر مربع يجب أن يكون معفيا من الضريبة لكن على من يملك شقة فاخرة، يجب أن يدفع ضريبة سنوية تصل إلى 20.000 درهم أما أصحاب الفيلات والقصور فضريبة السكنى يجب أن تكون حسب مستوى الثراء.