مقدمـــة:
لقد شكلت انتفاضة بلدة تالسنت ليلة 28 أكتوبر 2005، قفزة نوعية في سيرورة النضال الجماهيري الذي تخوضه ساكنة إقليم فكيك، منذ الدخول الاجتماعي والسياسي لهذه السنة خلال شتنبر 2005، الشيء الذي ثم التنبوء له من داخل إحدى التظاهرات النقابية بالإقليم من خلال كلمة الاتحاد المحلي.
وإذا كان هذا الزخم النضالي المتواصل والاستعداد التلقائي من طرف جماهير الفلاحين والعاطلين والفقراء للتضحية والنضال لمواجهة التهميش والفقر والأمية، سواءا من خلال مسيرات التهديد بالهجرة الجماعية إلى الخارج "الجزائر" في 12 شتنبر 2005، أو إضرابات المعطلين أصحاب الشواهد، أو الإضرابات البطولية لشغيلة الجماعات المحلية وآخر وليس أخيرا الانتفاضة الشعبية بتالسنت، فإن عملية التأطير وقيادة هذه النضالات المشروعة تتطلب منا وقفة تأمل تتغيأ تصحيح الهفوات واستشراف آفاق المستقبل لهذه الحركة النضالية التي تنخرط في سيرورة النضال الديمقراطي والتقدمي لكي يتسع المغرب لكل أبناءه.
الأوضاع الاجتماعية وواقع الحركة النضالية:
تعيش ساكنة الإقليم أوضاعا اقتصادية واجتماعية خانقة نتيجة لتوالي سنوات الجفاف وغياب سياسة تنموية محلية بديلة قادرة على تحويل اقتصاد المنطقة من أنشطة فلاحية معيشية، إلى أنشطة إنتاجية بديلة. لقد تراجعت الأراضي المزروعة، وتضرر القطيع الحيواني بشكل صارخ، بحيث تقلصت قطعان الماشية في كل من تالنست وبني تجيت وتندررة وبوعرفة وبوعنان إلى أزيد من 70%. كما أن "كاديطاف" المؤسسة العمومية الموكول لها تنمية وإنعاش القطاع المنجمي أصبحت عالة على الصناع المنجمين – خاصة في بني تجيت وتالسنت وبوعرفة- منذ 1987 حيث تمارس اقتطاعات تصل إلى 30%، بالإضافة إلى الاختلاسات والتلاعب في الجودة …
كما أن رحيل الجيل الأول من المهاجرين إلى الخارج بالنسبة لمدينة فكيك، والمتقاعدين في الجيش الفرنسي بالنسبة لبلدة تالسنت الذين كانوا يوفرون سيولة نقدية مهمة في النشاط الاقتصادي لهذه المدن قد أثروا بشكل صارخ في الأوضاع المعيشية لأغلب أسر هذه المدن. الشيء الذي أدى إلى هذه الموجة من الاحتجاجات والنضالات المتواصلة والتي عضدها وقوى عودها استفادتها من التجربة النضالية والتنظيمية لحركة الشباب المعطل بالإقليم، وفيما بعد بروز حركة نقابية وحقوقية مناضلة نذكر منها على الخصوص الإضرابات البطولية للنقابة الوطنية للجماعات المحلية التابعة للكدش رغم الحصار والتطويق المخزني وتهديدات القيادة النقابية مركزيا كلما اتخذت نضالات هؤلاء تصعيدا جهويا أو إقليميا. وكذلك العمل الجبار الذي يقوم به فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لبوعرفة.
قيادة النضال وآفاق المعارك:
ومع هذا الزخم النضالي المتواصل والذي يعكس الرفض الطبيعي والموضوعي للأوضاع المعيشية المزرية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا والمتمثلة في التراجع الخطير لدور الدولة في هذه المناطق حيث نجد خصاص فضيع في التغطية الصحية (عشرات الوفيات من النساء الحوامل، ووفيات في صفوف الشيوخ كلما احتدت الأوضاع الطقسية حالات وفيات شتاء 2004 في بني تجيت وتالسنت)، الخصاص المهول في رجال التعليم الإعدادي والثانوي "17 أستاذ في ثانوية بني تجيت وأزيد من 10 أستاذة بالنسبة لإعدادية تالسنت … بالإضافة إلى التزايد المهول في أعداد العاطلين نظرا لظروف الجفاف الشيء الذي فجر غضب بلدة تالسنت ليلة 28 شتنبر 2005، على إثر تدخل قائد البيروقراطية الترابية الجديد الذي تم تعيينه مؤخرا عاملا على الإقليم والذي اعتقد أن المعالج الأمنية والعضلية للمظاهرات اليومية التي كانت تعرفها بلدة تالسنت قد تأتي أكلها كما حصل بالنسبة للقمع الذي تعرضت له إضرابات المعطلين والمجتمع المدني ببوعرفة جاهلا بأس وبسالة قبائل أيت حمو وأيت بوشوان وأيت بومريم عندما يتعلق الأمر بمسألة الدفاع عن كرامتها وحقوقها المشروعة. ولعامل الإقليم أن يساءل عن ضراوة المواجهة فيالق القوات المساعدة والسيمي وعلى رأسهم رئيس دائرة بني تجيت الذين تكلفوا بالهجوم على المواطنين العزل ليلة 28 شتنبر 2005 بتالسنت.
إلا أن كل هذا الفعل النضالي المشروع دفاعا على الحقوق الأساسية للمواطنين القاطنين في هذه المناطق، الذين ينظر إليهم كمواطنين من درجات دنيا، لا يوازيه نفس العمل في قيادة هذه المعركة وتأطيرها من طرف الانتلجنسيا المحلية خاصة منها الأطر المناضلة في الحقل النقابي والجمعوي والسياسي لتحقيق الأهداف العفوية للجماهير المنتفضة بتالسنت. وقد أدى ذلك إلى إفراز لجنة للحوار مناضلة حقيقة لكنها تفتقد لكل المقومات التي تجعل منها قيادة قادرة على متابعة المعركة وتأطيرها إلى غاية تحقيق الأهداف الأساسية منها. وبالتالي فسح المجال لتسرع فصيل الحزب الاشتراكي الموحد للقاء العامل في خضم هذه المواجهات. وعليه فإننا ننتقد كلا الموقفين:
-موقف تراجع المناضلين القياديين للمعارك ميدانيا والأطر النقابية والجمعوية عن الانتداب في لجنة الحوار، والذي يجد سنده في الموقف العام على مستوى الإقليم بمقاطعة الحوار مع الإدارة الترابية الجديدة إلى غاية تقديم اعتذار رسمي، رغم أن الاعتذار الرسمي غير أساسي ومتعالي عن الانتظارات الحقيقية للجماهير المنتفضة.
-والموقف الإقليمي المتسرع لمناضلي الحزب الاشتراكي الموحد بمباشرة الحوار انطلاقا من اجتماعات داخلية لفروعها، ودون إعطاء الوقت الكافي للتنسيق والتداول لإشراك أكبر عدد من الإطارات المناضلة مع ما لهذه الإطارات من امتدادات جماهيرية قادرة على إسناد عملية الحوار تلك.
خلاصــة:
وعليه ومهما تكن مواقف وممارسات هؤلاء وأولئك ودرجة الاختلاف حولها، فإن المعركة السياسية والاجتماعية بالإقليم متواصلة، وأن إمكانيات تجاوز الهفوات والمثبطات لازلت ممكنة بالانخراط في المعركة الحالية التي يقودها الاتحاد المحلي للكدش بتنسيق مع المراكز العمالية في كل المدن وقرى الإقليم، ولكن مع ضرورة توسيعها على باقي الإطارات، والفعاليات الديموقراطية والسياسة من خلال تأسيس لجان محلية موسعة ذات مطالب اجتماعية واقتصادية على شاكلة اللجان التي عرفتها مدن تعيش نفس الأوضاع المزرية ونقصد (سيدي افني، كلميم، طاطا، الحسيمة … ) هذه اللجن التي تضمن تمثيلية كل الأطراف وتكون قادرة على قيادة وتأطير المعارك والحوارات المرتبطة بها إلى حين تحقيق المطالب الأساسية.
إن هذه اللجن المحلية مطالبة بتسطير برامجها الخاصة بمشاركة أوسع الشرائح الاجتماعية والإطارات الاقتصادية أو التنظيمية التي تتأطر فيها (الصناع المنجميون، أولياء وآباء التلاميذ، الكسابة، الفلاحين، المستخدمين … ) كما يجب أن لا تنبهر بأية وعود أو أماني غير ملموسة ودقيقة.
وفي هذا السياق سأعطي بعض الأفكار حول الخطوط العامة للبرنامج وكيفية اشتغال اللجان المحلية:
1-عدم مماهات مواقف الهيآت السياسية والنقابية (كدش) الوطنية مع مواقف فروعها في الإقليم بالنظر إلى جرأة هذه الأخيرة واستعدادها للانخراط في هذه المعارك ولو اقتضى الحال فك ارتباطها مع امتداداتها الوطنية.
2-الدفاع عن المدرسة العمومية من خلال استمرار أداء دورها عن طريق ميزانية الدولة الرسمية "ميزانية وزارة التربية الوطنية" وعدم التفريط في هذا المكتسب الذي يذكرنا بشهداء انتفاضة 23 مارس 1965، ورفض كل محاولات التوظيف في سلك التعليم من خلال ميزانيات الجماعات المحلية عبر عقود عمل من الداخل " Soustraitence ".
3-الدفاع على ضرورة استمرار حماية الدولة للقطاع المنجمي سواءا من خلال إصلاح " CADETAF " أو خلق بديل عمومي لها، ومواجهة نوايا بديل مشروع وزارة الطاقة والمعادن الذي يسير في اتجاه رفع وصاية الدولة عن المنطقة وعن العمل التعاوني التقليدي المنجمي وفسح المجال لتدخل الشركات المهيكلة والخاصة الشيء الذي تؤكده العقود المرخصة مؤخرا.
4-توسيع مساحة التدخل الشبه العمومي لمؤسسة " ORMVAT " -المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لناحية تافيلالت- ليشمل كافة مناطق إقليم فكيك، وحثه على رفع ميزانيته السنوية المرصودة لمدن ومناطق الإقليم من خلال بناء السواقي وإصلاح الخطارات وبناء السدود الثلية لدعم الفرشة المائية. بالإضافة إلى توفير الأدوية وتنظيم المراعي الجماعية. وإعطاء اهتمام خاص للتراجع المتواصل لشجرة النخيل في كل من فيكيك وبوعنان.
5-العمل على مراقبة والإشراف على كل الأموال المرصودة للتشغيل في إطار صندوق الإنعاش الوطني أو غيرها من خلال الحضور في اللجان الرسمية لاختيار المشاريع وتحديد الأولويات، وأثناء القيام بالدراسات والحضور في لجن تتبع الأعمال.
6-الإطلاع كل على المشاريع الذاتية المقدم في إطار توظيف الشباب المعطل، وإخضاعها للدراسة والمصادقة وذلك بتجنب استفادة أبناء أو أقارب أصحاب القرار فقظ .
7-دعم البنيات التحتية الصحية في الإقليم وتزويدها بالأطر والموارد البشرية الكفؤة، وتجاوز منطق تعيين بها الأطباء والممرضين الجدد فقط بالإضافة إلى توفير الأدوية مجانا أخذا بالاعتبار الوضع الاقتصادي الهش لساكنتها.
-انتهى-
أمزيان لحسن
مكناس في 20/11/2005 |