آفاق تنسيقات مناهضة ارتفاع الأسعار
وتدهور الخدمات العمومية
العربي اعبيبي
ظلت السياسات الاقتصادية والاجتماعية المنتهجة في المغرب منذ أكثر من خمسين سنة أي منذ خروج الاستعمار الفرنسي المباشر من المغرب سنة 1956، تخضع من جهة لإملاءات المؤسسات المالية الدولية ومصالح الرأسمال الدولي ومن جهة أخرى لمصالح البورجوازية المحلية والمخزن الاقتصادي القاتم على اقتصاد الريع ونهب الخيرات.
وبينما كانت هذه السياسات تمارس في العقدين الأولين عبر قطاع عمومي، بمثابة بقرة حلوب، يخضع للتحالف الطبقي الحاكم وخارج أي رقابة شعبية ديمقراطية، ويتحكم في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ويشكل مصدرا لاغتناء غير مشروع لهذا التحالف الحاكم، وقاد إلى إفلاس العديد من مكونات هذا القطاع بفعل سوء التدبير والنهب المنهجي. ثم الانتقال منذ بداية الثمانينات من القرن العشرين نحو "تحرير الاقتصاد" عبر "البرنامج للتقويم الهيكلي" والذي يعني في الواقع الملموس تفويت القطاع العمومي عبر الخوصصة، وبالتالي تخلي الدولة عن احتضان الخدمات العمومية من قبيل التعليم والصحة والنقل العمومي وعبر التدبير المفوض لقطاع الماء والكهرباء.
وفي تناغم تام مع مصالح رأس المال العالمي، تمت هيكلة الاقتصاد الوطني على أساس خدمة هذه المصالح وفي تبعية تامة له وعلى الخصوص من خلال :
- بناء اقتصاد قائم على الاستيراد والتصدير وكذلك في المجال الفلاحي متناسيا الأمن الغذائي للبلاد...
- تفويت المرافق العمومية الحيوية للرأس المال العالمي.
- توسيع هامش الربح وفائض القيمة لدى الرأسمال الدولي والبورجوازية المحلية.
- تقليص النفقات العمومية، خصوصا بالنسبة للقطاعات الاجتماعية الحيوية كالتعليم والصحة والتشغيل...
إن عواقب هذه السياسات الاقتصادية والاجتماعية متعددة الأبعاد وتتسبب في فوارق طبقية واجتماعية صارخة واختلالات مجالية، حيث تصبح مددنا وأريافنا تتميز ببؤر الفقر والهشاشة الاجتماعية... بؤر تتكدس بها طبقة عموم الكادحين...
إن السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة تضع مصالح رأس المال المحلي والدولي فقط في اهتماماتها تقود إلى عواقب اجتماعية وخيمة من بينها:
- تشجيع اقتصاد الريع والامتياز والتملص الضريبي، وإشاعة قيم نهب وتبذير المال العام؛
- استفحال الأزمة الاجتماعية حيث لازال المغرب يتبوأ المراتب ما قبل الأخيرة على مستوى المؤشرات الاجتماعية (123 سنة 2006 من بين 177 دولة)؛
- تنامي معدل البطالة واتساع حجم رقعة الفقر؛
- الاستمرار في قمع الحركات الاحتجاجية للمعطلين والفئات الاجتماعية الأخرى؛
- تفشي الأمية وتدمير البيئة؛
- هشاشة الخدمات الاجتماعية بل غيابها التام في بعض المناطق (انفكو بخنيفرة...)؛
- زيادات متلاحقة في أثمان المواد الغذائية الساسية والنقل والماء والكهرباء في جمود الجور وضعف القدرة الشرائية لمعظم شرائح المجتمع...
- الهجوم على حقوق العمال والمرونة في الشغل...
- تصفية مجانية الخدمات العمومية من تعليم وصحة...
- إتمام بيع وتفويت المؤسسات العمومية(صوجيطا، صوديا...)
- إلغاء قانون السلم المتحرك للأجور وتجميد تطبيق الحد الأدنى للأجور في اغلب مؤسسات الإنتاج بما فيها المؤسسات العمومية؛
وظل الشعب المغربي يبدع أشكالا متعددة لمقاومة هاته السياسات المتبعة، فهناك كانت مقاومات عفوية وهناك مقاومات منظمة، وقد تداخلت هذه المقاومات فيما بينها لتحدث انتفاضات شعبية كانت ذات نتائج دامية. فقد قدم الشعب المغربي تضحيات جسام في مارس 1965 وفي سنة 1979 ضد ضرب الحق في التعليم، كما شكلت الزيادات المهولة في أسعار مواد غذائية أساسية سنة 1981 إلى انفجار انتفاضة  20 يونيو 1981 وكذلك انتفاضة 1984 ثم 14 دجنبر 1990 خصوصا بمدينة فاس وكذلك بطنجة.
وأمام الهجوم الكاسح للسياسات المتبعة في بداية الألفية الثالثة، لم تبق الجماهير الكادحة مكتوفة الأيدي أمام الإقصاء والتهميش والعطش بل احتجت وبشكل عفوي في مناطق متعددة وأحيانا بابتكار أشكال تنظيمية مختلفة، وهكذا انفجرت احتجاجات سكان طاطا، وإفني، وتالسينت وفكيك وبوعرفة  وصفرو في شتنبر 2007.
وكل هذه الاحتجاجات نتيجة الغلاء والفقر والإقصاء وبوسائل ذاتية، كما عمدت جماهير "واد زم" إلى تنظيم نفسها لمناهضة غلاء المعيشة والارتفاع المهول في أسعار مختلف المواد الأساسية والخدمات بل رفعت ملصقا معروفا تحت شعار "ما تقيسش القدرة الشرائية ديالي". كما تحركت بعض الفعاليات المناضلة في بعض التنظيمات الحقوقية والنقابية والسياسية والجمعوية لتدفع في اتجاه تشكيل تنسيقات "لمناهضة ارتفاع الأسعار  وتدهور الخدمات العمومية" لتجد فيها الجماهير إطارا ملائما للاحتجاج وسرعان ما عمت التجربة من الرباط-سلا-تمارة إلى بيوكرة ومن طنجة وأكادير وإيفني وورزازات، وإلى حدود اليوم بلغ عدد التنسيقات 90 في مختلف المدن والقرى. وقد قامت كل تنسيقية بإنجاز برنامجها المحلي (وقفات، ندوات... وقوبلت في غالب الأحيان بالقمع والاعتقال. وقد عرفت هذه الحركة الاحتجاجية انخراطا جماهيريا عبر بالفعل عن مكامن الغضب والتذمر ونظمت كذلك 3 مسيرات وطنية (بالرباط، البيضاء منعت المسيرة، والرباط). ويمكن القول إن هذه الحركة حققت أهدافا مهمة وعلى الخصوص إيقاف زحف الغلاء وفرضت الحديث عن القدرة الشرائية للمواطنين وحركت الملف الاجتماعي بصفة عامة...
إذن نحن في بداية مسلسل نضالي جديد، مختلف، مسلسل ينطلق من مطالب اجتماعية (القدرة الشرائية، المستوى المعيشي...) ترتبط بشروط الحياة اليومية الاجتماعية الأساسية (مشكل القفة اليومي) وليس من مطالب ترتبط بشروط وظروف العمل (جماهير واسعة كادحة دون دخل قار ومعطلة) إذن نحن بصدد ارتكاز على قاعدة اجتماعية شعبية واسعة، وليس القاعدة الاجتماعية المباشرة للحركة النقابية يعني الطبقة العاملة، وهنا يجب التأكيد أن التنسيقات لا تشكل أي بديل للنقابة. إذن نحن أمام نضال يأخذ شكلا تنظيميا مختلفا عن الأشكال النقابية، نضال يتجه نحو أشكال نضالية جديدة (امتناع أداة فاتورة ماء وكهرباء...) تختلف عن الأشكال السابقة (الإضراب).
آفاق تطور التنسيقات:
أو بعبارة أخرى هل يمكن لتنسيقات مناهضة غلاء المعيشة وتدهور الخدمات العمومية أن تتحول إلى أداة لتنظيم وتطوير هذه الحركة، أم ستبقى في مستوى دعم ومساندة هذه النضالات الاجتماعية ؟

أولا يجب الوقوف عند:
1- السلبيات: التسييس والصراع السياسي المبكرين (وهذا يظهر بشكل بارز في الوقفات والمسيرات والاجتماعات...) الذي تعيشه الحركة.
2- الإيجابيات: التنسيقات مكسب يجب الحفاظ عليه وتطويره.
*تشكيل التنسيقات معطى إيجابي.
- لقد وفر إطارا للوحدة النضالية بين قوى اجتماعية وسياسية (منظمة وغير منظمة) وحقوقية ونقابية على قاعدة مطالب اجتماعية ملموسة لعموم الكادحين والطبقة العاملة والفئات الوسطى. وهذا مكسب يجب تطويره في اتجاه تشكيل "جبهة اجتماعية" تضم كل القوى والمكونات المناضلة (كل منطقة حسب خصوصيتها)، وهذا يتطلب كذلك هياكل تنظيمية مرنة وأرضيات عمل تطمح إلى إدماج أوسع القوى وملفات مطلبية مدققة تعكس المطالب الخاصة بكل منطقة إضافة إلى المطالب العامة. ولكي تتمكن التنسيقات من تحقيق مطالب ومكتسبات تعيد للجماهير الشعبية ثقتها في النضال المنظم بجانب قوى اليسار لابد من تنسيق وطني يبقى، بدوره، تنسيقا مرنا صلاحياته تنفيذ خطط نضالية معينة مبلورة بشكل ديمقراطي وبمشاركة الجميع ببناء إطارات مرتبطة بالأحياء السكنية وبالطاقات المناضلة من المواطنات والمواطنين التي يجب أن يفرزها نضال التنسيقات.
- القدرة على خوض تعبئة جماهيرية شعبية، التنسيقات حظيت بتعاطف شعبي واسع، إذن قدرتها على إعطاء بعد وطني لهذه الحركة الاجتماعية؛
إمكانية التطوير: من إطار واسع وحدوي إلى أدوات ذاتية لتنظيم الجماهير الشعبية.
إن التوجه نحو المركزة في الظرف الحالي أو التأكيد على المسائل الهامشية (انتخاب أجهزة التنسيقات) سيؤدي إلى الفشل نظرا لكون القوى اليسارية في التنسيقات لم تراكم بعد ما يكفي من العمل المشترك الميداني في القضايا الاجتماعية، كما أن نظرتنا السياسية لهذا العمل يختلف من تنظيم إلى آخر...
إذن فمن صالح حركة التنسيقات أن نستمر في إعطاء البعد المحلي جهدا أساسيا ويبقى التنسيق الوطني (الذي يجب أن يبقى إطارا لتنفيذ قرارات ملتقى التنسيقات) مرنا ومفتوحا في وجه جميع القوى المناضلة الديمقراطية.
- تحويل الملتقى الوطني للتنسيقات إلى منتدى وطني للحركات الاجتماعية.
- ربط الجسور التي يمكن إقامتها بين النضال ضد غلاء المعيشة والنضال من أجل فتح ثغرات في السياسة الاجتماعية للحكومة مع رسم طريق النضال ضد السياسة الاجتماعية الليبرالية. والمبادرات التي علينا القيام بها لتجاوز حدود الإدانة للسياسات الليبرالية اللاشعبية المتبعة للانتقال إلى تعبئة عموم الكادحين بإمكانية سياسة اجتماعية بديلة تلبي حاجياتهم، بالعمل على أن تتحول التنسيقات تدريجيا إلى "حركة اجتماعية' مناهضة لليبرالية المتوحشة، قادرة على الفعل في مجريات الأحداث فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية على المستوى المحلي والجهوي والوطني وربط النضال الاجتماعي بالنضال من أجل الديمقراطية والرقي بالتنسيقيات لجعلها إطارات يساهم المواطنون والمواطنات في تسييرها ويبلورون ملفاتهم المطلبية وخططها النضالية ويحرجون المنتخبين، وخلق رأي عام واسع وسط الجماهير متأثر بمنظور القوى اليسارية والنقابات والجمعيات الديمقراطية ومعادي للأصولية...

تعرف على الشهداء

قضايا وآراء
نظرية
سياسة
اقتصاد
ثقافة
متابعات
نضالات جماهيرية
قضايا المرأة
حقوق الإنسان
شباب
النهج في الصحافة
تصريحات مقابلات أخبار
منتديات المناقشة
دفتر الزوار
سجل انطباعاتك
روابط مفيدة
مواقع يسارية مكتبات
إصدارات
عدد الزوار
un compteur pour votre site
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
النهج الديمقراطي.عمارة 70. زنقة ماكس كدج.رقم 12. المدينة.ص ب 15927. البريد المركزي. الدار البيضاء20001
E-mail: Site_Annahj_vd@yahoo.fr tel/fax: 212 22 20 70 80
tel: 212 63 68 67 97
صفحة الاستقبال تعرف على النهج الديمقراطي وثائق هامة بيانات وطنية ومحلية مفكرة من أنشطتنا  sitenahj@yahoo.fr: اتصل بنا ابحث في هذا الموقع تعرف على الشهداء الإبحار بالفرنسية