|
السياسة الصحية النيوليبرالية تواجه مقاومة شعبية في طاطا
مسيرة شعبية
مطالبة بمجانية خدمات الصحة وجودتها
أبريل 2005
المناضل-ة عدد: 6
كان يوم 27 مارس 2005 يوما مشهودا في تاريخ النضال الشعبي بطاطا.
لأول مرة تشهد المدينة مسيرة شعبية بذلك الحجم وبمطلب واضح وموحد لكل
القوى المكافحة الحقيقية بالمدينة وبالقرى المجاورة: نقابيون من
مختلف التوجهات ، مناضلو الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين،
مناضلون تلاميذ، نشطاء جمعيات القرى. انها الفئات الشعبية المسحوقة
والصامدة بالمناطق القاحلة حيث لا خدمات اجتماعية ولا فرص عمل.
بدأ تطبيق تعريفة الخدمات الصحية
العمومية في طاطا يوم 1 مارس 2005. فانعقدت الاجتماعات الأولى لنقاش
ما العمل ؟ بمقر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمشاركة هيئات
متنوعة، أفضت يوم 17 مارس الى تأسيس هيئة الدفاع عن مجانية وجودة
الخدمات الصحية.
ضمت اللجنة المنظمات والجمعيات التالية:
الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب
هيئات نقابية:
الاتحاد العام للشغالين
جامعة الماء الصالح للشرب- جامعة التعليم (الاتحاد المغربي للشغل )
نقابة ارباب وسائقي الطاكسي
نقابة التعليم – شغيلة الجماعات المحلية (الكنفدرالية الديمقراطية
للشغل)
الفيدرالية الديمقراطية للشغل - نقابة التعليم
الجمعيات: تامينوت – جمعية منشطي المخيمات الصيفية- جمعية الوحدة
للتعاون والتنمية القروية بتغيت - جمعية التنوير للتنمية والتعاون
باقا- جمعية نساء الواحة – جمعية باني للتنمية الرياضية. الجمعية
الوطنية والاجتماعية لابناء الشهداء والمفقودين بالصحراء المغربية –
جمعية النخلة- جمعية الواحة فم زكيد – جمعية الفتح للتنمية والتعاون
- جمهية الانبعاث للتنمية للتنمية- جمعية لارسام للفنون الشعبية -
جمعية التنمية اقايغان- جمعية درعة للتربية والثقافة والفن والرياضة
والاعمال الاجتماعية.
الاحزاب : اليسار الاشتراكي الموحد- الاتحاد الاشتراكي للقوات
الشعبية – الشبيبة الاستقلالية – الدائرة السياسية لجماعة العدل
والاحسان.
عبرت الهيئة في بلاغ التأسيس عن رفضها لقرار تسعيرة خدمات الصحة،
وطالبت بالتراجع الفوري عنه، ودعت الى مسيرة احتجاج يوم 27 مارس .
ووجهت نداء لتوحيد الخطوات النضالية صونا لحقوق السكان التي تعلو فوق
كل اعتبار. وابدت الاستعداد لكافة أشكال النضال التصعيدية المشروعة
لانتزاع حق الفئات الشعبية في العلاج الصحي المجاني.
وخلال الأيام العشرة بين تأسيس الهيئة وتنظيم المسيرة، جرت التعبئة
في مجموعة من القرى بالإقليم بالإضافة الى مدينة طاطا : توزيع
البيانات للعموم في الشارع والأسواق الأسبوعية، وتنظيم حلقات نقاش مع
السكان باستعمال مكبرات الصوت، ملصقات... ولقيت التعبئة تجاوبا واسعا
لدى السكان.
هذا ورفض كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال - المفتشية
الإقليمية - الانضمام الى الهيئة فقررا مسيرة موازية في نفس اليوم.
ولجأ حزب العدالة والتنمية الى محاولة نسف المسيرة بالقذف في حق
الهيئة والمنظمات المكونة لها بتعابير من قبيل "الاشتراكيون
وأذنابهم" ، "الشيوعيون الكفار" ، "جماعة الزنادقة".
لم ينل ذلك قيد أنملة من تجاوب السكان مع تعبئة الهيئة وإقبالهم على
المسيرة الشعبية.
تقدمت المسيرة لا فتة سوداء عليها عبارة "جنازة إقليم" وأمامها شباب
يحملون نعشا رمزيا. ربما يقصد بذلك ان قرار إلغاء مجانية العلاج
سيكون الضربة القاضية على إقليم منكوب، يعاني شتى ألوان الحرمان
والتهميش. لكنها تعني أيضا أن طاطا الخضوع لسياسة الإفقار والإقصاء
قد ماتت وولدت في ذلك اليوم طاطا الكفاح والسير نحو انتزاع الحق في
حياة لائقة.
على كل حال كانت المشاركة الواسعة والمتنوعة والحماسية صرخة من أعماق
جماهير إقليم طاطا الكادحة، وبصوت واحد لخصه الخطيب الشاب الذي تناول
الكلمة قائلا: نحن هنا من اجل ان يقوم المخزن وبرلمانه وحكومته
بالتراجع عن قرار التسعيرة الاستشفائية.
حمل المتظاهرون لافتات عديدة منددة بالقرار ومطالبة بالغائه منها:
يدا في يد من اجل رفع التهميش والحرمان عن اقليم طاطا .
صحة المواطنين فوق كل اعتبار
التطبيب المجاني حق وليس امتياز
مجانية التطبيب حق من حقوق الانسان
سكان اقيلم طاطا يطالبون بالتراجع الفوري عن التسعيرة الاستشفائية
للنناضل من اجل عولمة بديلة انسانية ومتضامنة
شارك في المسيرة زهاء 3000 مواطن من مختلف الأعمار وبنسبة نسائية
وشبابية تثلج الصدور ، ودام التظاهر قرابة ساعتين في كل شوارع
المدينة واختتم امام المستشفى الإقليمي.
وقد أعاد البيان الختامي للمسيرة تأكيد المطالبة بإلغاء التسعيرة
الاستشفائية وبتحسين جودة الخدمات الصحية. ودعا المنتخبين المحليين
والبرلمانيين لتحمل مسؤوليتهم بالتدخل لالغاء القرار. وعبر عن
الاستعداد لمواصلة النضال لانتزاع خدمات صحية مجانية وجيدة.
اما العمل التخريبي لحزب العدالة والتنمية فقد فشل ولم يستقطب سوى
زهاء 400 فرد.
ويوم 1 ابريل نظمت هيئة الدفاع عن جودة ومجانية الخدمات الصحية وقفة
احتجاجية امام مندوبية وزارة الصحة بقصد افهام السلطة ان الهيئة مصرة
على مواصلة نضالها.
اصل المصيبة:
مرسوم 30 مارس 1999
هذا المرسوم هو الذي أتم إلغاء مجانية
الخدمات الصحية العمومية . صدر بالجريدة الرسمية بتوقيع عبد الرحمن
اليوسفي وإدريس البصري وفتح الله ولعلو وعبد الواحد الفاسي.
ينص هذا القانون على دفع مقابل عن الاستشارات الخارجية، واعمال الطب
والجراحة، والتخصص والفحوص بالاشعة، والتصوير الطبي والفحوص الوظيفية
، وعلاج الاسنان، والتحاليل الطبية المنجزة في المختبر، وبيع اكياس
الدم ومشتقاته لمؤسسات تقديم العلاجات والمصحات، وتسليم الشهادات
الطبية والطبية الشرعية، وحصص تنقية الدم بالكلية الاصطناعية، و
اعمال التدريب الوظيفي، واجهزة التقويم والتعويض، والادوبة الغالية
المقدمة في اطار الاستشفاء بما فيه اليومي.
وكذلك اعمال التشخيص والاسعاف والعلاج، وتحاقن الدم، وعمليات
التوليد، واقامة المريض والشخص المرافق له ( ما عدا ام مرافقة لابن
يقل عمره عن 7 سنوات)، و الاقامة في قسم الانعاش، ونقل المرضى
المعالجين في المستشفى، والدم ومشتقاته واعمال التشريح.
اي عمليا كل شيء.
مر المرسوم دون اهتمام لا من نقابات العمال ولا من أحزاب اليسار غير
الحكومي. وحدها مسيرة زاكورة الشعبية عام 2000 طالبت بالغائه. وقد نص
في مادته 19 على وجوب صدور قرار مشترك بين وزيري الصحة والمالية يحدد
التعاريف والقيم والمبالغ المنصوص عليها في المرسوم .
بعد 5 سنوات يوم 25 مارس 2004 صدر بالجريدة الرسمية قرار مشترك
لوزيري الصحة ووزير المالية والخوصصة يحدد تسعيرة خدمات والاعمال
التي تقدمها المستشفيات والمصالح التابعة لوزارة الصحة. ( منشور
بموقع وزارة الصحة بانترنت).
بالنظر الى خطورة قرار الغاء ما تبقى من مجانية الصحة بالنسبة
لاغلبية الشعب الفقيرة والعاطلة والمعرضة لفرط الاستغلال، عمدت دولة
البورجوازيين الى تفادي التطبيق الفوري والشامل للقرار. فكان التدرج
والانتقاء في تطبيقه.
تدل كل مؤشرات الوضع الصحي على بلوغ مستوى ينذر بالكارثة. وقد دق
الطاقم الصحي ناقوس الخطر مرارا عبر نقاباته. وكان إضراب الاطباء
الجراحين بمستشفى ابن سينا بالعاصمة احتجاجا على انعدام ظروف عمل
لائقة في قاعات الجراحة. وكانت وقفة الاطباء بالمستشفى الجامعي
بمراكش احتجاجا على تردي الوضع لدرجة ان المستشفى اصبح يعج بالقطط .
وتكاثرث حالات تعرض المواليد لعض الجردان بمستشفى الغساني بفاس.
واستشرت الاوبئة ببعض المناطق : اللبتوسبيروز(40 مصابا في ناحية
زرهون منهم 8 ماتوا) – التهاب سحايا الدماغ . وباتت مؤسسات وزارة
الصحة العمومية مستنبتتات للامراض وليست مستشفيات.
يوجد المغرب في اسوإ وضع صحي مقارنة ببلدان شبيهة وبمقدمتها جيرانه
بشمال افريقيا والمنطقة العربية. فالنفقات الصحية بالمغرب لا تتعدى
56 دولار للفرد بينما هي في تونس 118أي الضعف تماما! و398 في لبنان
و134 في الاردن!
ثمة بالمغرب طبيب لـ 1845 مواطن وفي الجزائر طبيب لـ 900 مواطن .
وداخل المغرب ثمة تفاوت طبقي مهول يكتسي حتى بعدا اقليميا ، ففي
الدار البيضاء طبيب لـ 1094 مواطن وفي جهة سوس- ماسة- درعة طبيب
لـ3381 مواطن، وفي تازة –الحسيمة- تاونات طبيب لـ4372
مواطن. هذا ولا ادل على هول المصيبة من كون 5% من اطفال المغرب
يموتون قبل بلوغ خمس سنوات.
ان الكارثة الصحية بالمغرب نتيجة للسياسة الاجرامية للحكومات
المتعاقبة منذ عقود. حكومات غير منتخبة بكيفية ديمقراطية، تسهر على
نهب خيرات البلد وإفقار السواد الأعظم من الشعب لاجل اغتناء زمرة
قليلة. كما تتحمل مسؤولية هذه الكارثة مؤسسات الإمبريالية، من بنك
عالمي وصندوق نقد دولي، التي تفرض الاستمرار في أداء خدمة ديون جرى
تسديدها مرار وأضحت مضخة تستنزف البلد وتمنع أي تنمية اقتصادية او
اجتماعية.
وان كان أعداء الشعب يقومون بما تمليه مصالحهم الطبقية، فعلى
المنظمات الشعبية أن تضطلع بمسؤوليتها ، وعلى رأسها النقابات
العمالية التي يتعين عليها النهوض بواجبها في المطالبة والنضال من
اجل إلغاء مرسوم 30 مارس 1999.
العهد
الجديد
لقد سارت المسيرة الشعبية في طاطا في
اتجاه معاكس للذي اختارته المعارضة القديمة التي أضحى قسمها الأكبر
مناهضا لتطلعات الفقراء بل اداة لتنفيذ المخططات المعادية لهم،
والقسم المتبقي يقف عاجزا عن أي فعل حقيقي في الميدان. وقد كانت
المسيرة الشعبية في زاكورة،عام 2000، والتي كانت الخدمات الصحية
المجانية والجيدة احدى مطالبها الكبرى، صرخة بحجم جماهيري غير مسبوق
في تاريخ تلك المنطقة المنكوبة. وقبلها في ابريل 1999 كانت مسيرة
سكان ايت بلال التي تصدت لها حكومة اليوسفي بقمع همجي ومحاكمات
لفقراء طالبوا بالطريق والمستشفى. وفي السنة الماضية كان احتجاج سكان
املشيل... وغير ذلك مما يتعرض للتعتيم الإعلامي والطمس. انها بشائر
النهوض الشعبي الذي يستمد طاقته من سخط الكادحين المتراكم بفعل عقود
من السياسات البرجوازية التي لا ترى في الكادحين غير مورد للاستغلال
و خطر يتعين التحكم به بأدوات القمع.
انها تعبيرات تدل على التحول الجاري في المغرب منذ النصف الثاني من
سنوات 90: الجماهير الشعبية تخطو ببطء، لكن بثقة في النفس وبإصرار،
على درب النضال الجماهيري المفتوح من اجل الحق في العمل وفي الصحة
وفي التعليم وفي السكن، من اجل الحق في حياة لائقة.
لقد نالت الجماهير من قدرة النظام السياسية، وليس التقنية طبعا، على
القمع الدموي لاحتجاجاتها. وقد كان لجمعية المعطلين دور ريادي في
استنهاض الاحتجاج الشعبي في البلدات الصغيرة وحتى في القرى.
نعم ثمة عهد جديد في المغرب، لكن ليس في قمته كما تزعم الأبواق
الرسمية، القديمة منها والجديدة، بل في أعماقه، في قاعدته الشعبية
الكادحة. انه عهد التدخل الجماهيري المباشر.
لم يكن بد ، بعد أزيد من 20 سنة من تطبيق سياسات التقويم الهيكلي
الإجرامية، من أن يرد الضحايا بفعل نضالي واع، رغم ما يضيع من طاقات
في ملاذات زائفة. ولولا هيمنة أحزاب برجوازية المشروع على الحركة
العمالية لكان الرفض الشعبي اكثر قوة واندفاعا ووعيا وتصميما على
إنهاء الاضطهاد والاستغلال.
لقد انبثقت أشكال النضال الشعبي الجديدة من الهوامش، أي من الحلقة
الضعيفة لسيطرة القوى الإصلاحية التي تكبح بل تنسف، وحيث البعد من
التحكم المباشر للأجهزة البيروقراطية.
سيكون لهذه الاحتجاجات الشعبية اثر كبير في بروز طلائع نضالية جديدة،
متحررة من ثقل الهزائم، وسيكون لها تأثير على النقابات العمالية التي
ينخرها السرطان البيروقراطي، وسيدفعها الى تجديد ديناميتها. وهذا
الأثر بارز في الشكل الذي اختير لتنظيم المسيرة ، شكل وحدوي ضم كل
القوى الملتزمة فعلا بخدمة مصالح السكان: هيئة تنسيق.
كما أن دينامية المطالبة بتلبية الحاجات الشعبية الأساسية تبطل مساعي
الدولة البرجوازية التي تريد ان تجعل جمعيات التنمية بالقرى أدوات
لتمرير سياستها وامتصاص السخط الشعبي بأعمال الترقيع الاجتماعي
وافساد القوى النشيطة في طرح القضايا الاجتماعية الأساسية. ويتمثل
واجب الم |