|
الانتخابات التشريعية
2002.
كل شيء جاهز لتنصيب
برلمان الأعيان
هناك على الأقل ثلاث
حلقات استراتيجية مترابطة تشكل الحد الأدنى الذي لا محيد عنه لقياس
مدى نزاهة الانتخابات من عدمها :
1- وجود دستور ديمقراطي
نابع من إرادة الشعب.
2- قوانين انتخابية
عصرية وديمقراطية.
3- محيط حزبي وسوسيو-سياسي
يستجيب لشروط التنافس الديمقراطي والاختيار الحر في إطار دوائر
انتخابية تراعي فيها مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلق الفرقاء السياسيين.
هذه المقدمات تعتبر
الشرط النظري القبلي الذي يهيئ فعليا نزاهة الانتخابات والاقتراع،
فإذا كانت فاسدة ( أي المقدمات السابقة) فالنتيجة بالضرورة فاسدة حتى
ولو التزمت الإدارة الترابية حيادا تاما، ولم تقدم على فبركة ذلك
النوع من التزوير الذي اعتدنا عليه في إطار وزارة الداخلية التي كانت
تحرف النتائج من داخل صناديق الاقتراع، وقد لا تكون ذات الإدارة
مجبرة إلى إحداث هذا النوع من التزوير بعد أن هيأت كل شيء، ووفق حل
سياسي قبلي لتنصيب برلمان الاستمرارية على المقاس من خلال انتهاجها
لأسلوب اقتراع متخلف ومتجاوز ديمقراطيا ولا تلجأ إليه سوى الأنظمة
التي تخاف وتتوجس من مفاجآت صناديق الاقتراع من أن تؤدي إلى بروز قوة
سياسية جديدة لم تكن في حسبان خبراء النظام وليس مصادفة أن تقاسمهما
الأحزاب السياسية نفس الشعور وأن تضع، بالتالي، كل الثقة في الإدارة
الترابية وإعطائها كل الصلاحيات في إدارة العملية الانتخابية من
ألفها إلى يائها، بالتشطيب على وجودها من أبسط مشاركة التي كانت
تتيحها لها اللجان الوطنية والإقليمية لتتبع الانتخابات، هذه الأخيرة
حذفت برغبة من ذات الأحزاب المشاركة ربما لكي تنأى بنفسها عن
المسؤولية، لكن الواقع لا يرحم، لأن ما نشاهده اليوم من غزو كاسح
للمال على مجال السوق الانتخابية وبكيفية أخطر من المحطات السابقة
يفند جميع المزاعم القائلة بأن المواطن هذه المرة سيصوت لصالح
الأحزاب والبرامج بدل الأشخاص والحال أن استراتيجية التواصل مع
المواطن لم تتغير بل ازدادت احتذاء بالأنساق الزبونية : الولاء،
العار، الكرامة، والقرابة والدم…
غير أن هذه المظاهر ليست سببا حتى نضع الأمور في سياقها الفعلي بل هي
نتيجة طبيعية لفساد أجهزة الدولة والمؤسسات المخزنية التي تقوم على
الكرم والمكافآت لاجتذاب القوى الانتهازية ورموزها ودفعها للرهان على
التسلق صعودا في الهرم الطبقي، بالمقابل يطرح كعربون على ذلك، العمل
على تزكية مسلسل مغشوش وصوري، فلا غرابة بالتالي أن تنفجر الميولات
الانتهازية داخل الهيئات الحزبية بشكل فضيع، استوى فيها الجميع ولم
نشاهد ما يميز اليسار عن اليمين على هذا المستوى، الكل مجند للبحث عن
المصالح الانتهازية وحدها المصلحة العامة حلقة مفقودة في هذه
الهرولة. كيف أن هؤلاء الذين يستبشرون ببزوغ فجر الديمقراطية وهم
عاجزون عن بلورة معايير ديمقراطية لاختيار مرشحيها دون أن تنشب ثورات
داخلها وأن تؤدي إلى ترحال من هذا الحزب إلى آخر ؟ هذه الظواهر
وغيرها عرضت الظاهرة الحزبية بالجملة، لمزيد من التشويه
والكاريكاتورية من المرجح أن تعكس سخطا أعظم عليها من قبل عموم
الكادحين الذين سئموا خطابات الوعود المعسولة ولم يعودوا يقتنعون
بجدوى التصويت على هذا الحزب أو ذاك، فيما سيزدادون إصرارا على تعميق
الصراع الاجتماعي اليومي لانتزاع المطالب المشروعة للشعب المغربي في
الحرية والكرامة والديمقراطية. إن هذا التدهور والضحالة الحزبية التي
أصابت الأحزاب والآلات الانتخابية أريد لها أن تتعمق من قبل السلطة
السياسية لكي تستأسد هذه الأخيرة بكل شيء وأن تظهر أمام الشعب بمظهر
القوة الوحيدة القادرة على تسييره ولو بدون أحزاب !
إن المحيط السياسي الذي
تدور فيه السوق الانتخابية يزداد فسادا بحكم استئساد فئة الأعيان
بسلطات تتجاوز المؤسسة الحزبية التي أضحت متماهية مع إرادتها الغازية
للسوق بالمال والزبونية والولاء لدرجة أن الخطابات والبرامج السياسية
لم تعد لها أدنى قيمة في التعبئة السياسية. فكل حزب يسارع إلى إبراز
أعيانه للفوز بأكبر عدد من المقاعد ما دام أن الغاية تبرر الوسيلة،
فليس هناك أدنى حرج سياسي من أن ينتقل هذا المرشح من الاتحاد الدستوي
إلى الاتحاد الاشتراكي أو العكس، لأن ظاهرة الذهاب والإياب بين أعضاء
الأحزاب تعكس درجة القطيعة بين القناعة الحزبية والمصلحة الشخصية،
هذه الأخيرة هي الحاسمة في آخر المطاف ولا يهم رمزها الحزبي سواء كان
الفرس أو القردة. ما دام أن الهدف هو الوصول إلى برلمان يسود ولا
يحكم ولا مكان فيه لتجديد النخب بل هو فرصة فقط لدوران الأعيان في
حلقات فارغة وفاقدة لأي مضمون ديمقراطي، وتؤشر كل الإجراءات المنتهجة
لفبركة حل سياسي قبلي لتنصيب فسيفساء حزبي سيقود لا محالة مؤسسة
البرلمان إلى لحظة أزمتها الفعلية ولتسييد السلطة المطلقة للنظام،
وليس مصادفة أن يثار المشكل الأمني بشكل متزامن مع سياق الانتخابات :
الخلية النائمة، جزيرة ليلى، السلفية الجهادية والبقية تأتي…
لأن النظام يحاول عبثا تقليد استراتيجية اليمين الفرنسي الذي استغل
نفس المشكل الأمني لسحق اليسار الاشتراكي، وبين السياقين هناك قطيعة
ينتفي فيها وجه الشبه، ففي السياق الفرنسي تجدرت فيه قواعد اللعبة
الديمقراطية بشكل يستحيل معه العودة إلى الوراء، أما في السياق
المغربي فالأمر يتعلق بتعطيل أي إمكانية للتغيير وخلق الانطباع كما
لو أن الانتقال الديمقراطي عملية مستحيلة. وللأسف هناك تنظيرات لبعض
الأساتذة تروج لهذه الأطروحة الرجعية.
عود على بدء الحديث عن
شروط نزاهة الانتخابات التي تنحصر في حياد الإدارة الترابية أو حتى
تدخلها لزجر بعض المخالفات، كما لا تتجسد في صناديق الاقتراع
الزجاجية فقط إذا كانت موضوع للديكور ليس غير، إذ لا بد من توفر شروط
سابقة عن هذه الحلقة تتمثل بالأساس في المداخل التالية :
1- المدخل الدستوري
: التنصيص على مشروعية التداول على السلطة السياسية من الأسس
الدستورية الضامنة لنزاهة الانتخابات هو التأكيد على أن الفائز فيها
هو فائز بسلطة لا بتمثيلية مغشوشة في مؤسسة صورية كما هو الحال في ظل
الدستور الممنوح الحالي الذي يفتقد إلى الديمقراطية شكلا ومضمونا فهو
لا يعترف بحق الأحزاب السياسية للوصول إلى السلطة من خلال صناديق
الاقتراع، فدورها ينحصر في تمثيلية المواطنين شأنها في ذلك شأن
المنظمات النقابية والغرف المهنية والجماعات المحلية (الفصل الثالث
من الدستور)، فمنطوق الدستور الحالي لا يعطي لها سوى مهمة مساعدة
الملك، صاحب السلطة التأسيسية، في تنفيذ الاختيارات الكبرى التي
يرسمها للبلاد، والغريب في الأمر هو أن كل الأحزاب السياسية
البرلمانية تبدو راضية عن الوضع المرسوم لها دستوريا، رغم محاولة
البعض منها التشبت شعاراتيا بضرورة الإصلاحات الدستورية، إلا أن هذه
الدعوة غير صادقة بدليل أنها لم تتقدم بأي مقترح على مستوى البرلمان
رغم أن الدستور، على علاته، يخول لها هذه الصلاحية ولو بشروط تعجيزية
تتطلب مصادقة الثلثين في كلا المجلسين وعرض المقترح بعد ذلك على
الاستفتاء بمقتضى ظهير ( الفصل الرابع والخامس بعد المائة من الدستور
) فلم يشهد في تاريخ هذه المؤسسة أن تقدم مقترح إصلاح الدستور من قبل
فريق برلماني، فهذه المهمة ظلت محصورة في يد الملك وحده حتى لو
افترضنا أن البرلمان تجرأ في إخراج هذا المقترح إلى حيز الوجود فإن
التعديل لا يمكن أن يطال جوهر الدستور ( الفصل 19) الذي قيل عنه أنه
دستور فوق الدستور الشيء الذي يعني صراحة بأن الإطار الدستوري
المغربي تنتفي فيه قابلية التداول على السلطة السياسية كما يؤكد ذلك
النهج الديمقراطي في دعوته إلى وضع دستور نقيض شكلا ومضمونا بدل
الاكتفاء بمراجعته بشروط لا ديمقراطية تؤدي في أحسن الأحوال إلى
الاحتفاظ بطبيعة الحكم الفردي الاستبدادي.
2- المدخل القانوني :
من أجل مدونة ديمقراطية للانتخابات وهيئة دستورية مستقلة ومحايدة
لإدارتها. لقد سنت إجراءات قانونية جديدة أهمها هو القانون التنظيمي
لمجلس النواب الذي نص على الاقتراع اللائحي النسبي على أساس قاعدة
أكبر بقية كأهم إجراء جاء به هذا القانون، فإذا نفضنا جانبا تلك
الدعاية الديماغوجية التي رافقته بدعوى أن المواطنين هذه المرة
سيصوتون على البرامج وليس على الأشخاص، فإن حقيقة الخلفية المستنبطة
في هذا القانون هو تطويق شبح الخوف من التصويت أو المقاطعة العقابية
للرأي العام على أداء حكومة التناوب المخزني التي ساهمت في خداع عموم
الشعب الكادح الذي تدهورت أوضاعه بشكل مأساوي وعلى كافة الأصعدة لقد
جاء القانون حمالا بعدة مغالطات وارتباكات سياسية لمفبركيه، فمن
مظاهر هذا الارتباك التنصيص في المسودة الأولى على " التصويت
الاجباري " بعد أن اختلط عليهم الأمر بين الانتخابات كوظيفة ومهمة
سياسية ثم استبدلت الصيغة بكونه واجب وطني في محاولة يائسة " لتخويف
" من يخرج عن سدة الإجماع الذي شكل دائما سلاحا لتعطيل الديمقراطية
وقمع حرية التعبير والرأي المخالف، بل نصت بعض
البنود على إجراءات ترهيبية، تمس في الجوهر حرية الاختيار وموجهة
بالأساس لمناضلي التيارات اليسارية الجذرية المقاطعة لمسرحية
الانتخابات الصورية ولا سيما مناضلي تيار النهج الديمقراطي وحزب
الطليعة وبعض الحركات الأمازيغية، وهذا ما تنص
عليه صراحة المادة 56 من القانون بعد أن تخلط بشكل متعمد ومقصود بين
من يسعى إلى شراء الأصوات وبين من يدعو المواطنين إلى مقاطعة المهزلة
من أساسها، وهو نفس الإجراء الذي كانت تنص عليه مدونة 97 وأضيفت
إليها تشديدات في العقوبة تصل في النص الجديد إلى خمس سنوات وغرامة ب
100.000 درهم. إن هذا الإجراء المتطرف يعكس درجة التوجس والخوف
المخزني من المقاطعة العقابية الواسعة النطاق التي يرجح أن تشهدها
الانتخابات الحالية، ولم يغفل المشرع هذا المعطى بحيث احتاط منه بعد
أن اشترط 3 % فقط من الأصوات المعبر عنها لتوزيع المقاعد على اللوائح
وإذا حصلت لائحة واحدة على نفس العدد فيمكن لجميع المقاعد أن تكون من
نصيبها وهذا رقم هزيل ينم عن الرغبة في اجتياز الانتخابات بغض النظر
عن عدد المصوتين فيها.
إن القانون التنظيمي
لمجلس النواب جاء بإجراءات خطيرة في مجال حفظ النظام تصادر حرية
الرأي والتعبير بشكل يتنافى مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي
تنص على تخفيض هذه الإجراءات إلى أقصى حد ممكن وحصرها في حدود محتشمة
لتبديد الإحساس بالإرهاب والفزع الذي يؤثر في حرية اختيار المواطنين
والموطنات. كما ساهم ذات القانون في سرد حالات لا حصر لها ممن تشملهم
فقدان الأهلية الانتخابية بشكل مناقض للمرجعية
الحقوقية الدولية التي تؤكد على ضرورة ورود هذه الحالات ضمن لائحة
حصرية مرفوقة بتفسير ضيق درءا لما من شأنه مصادرة حقوق الإنسان ولا
سيما حقه في المساهمة في إدارة شؤون وطنه، وهناك حالات مثيرة تنطوي
على خلفية التلاعب بحق المواطنة لمن يحق لهم التسجيل في اللوائح
الانتخابية بحيث وردت استثنائين على قاعدة التسجيل تتمثل الأولى في
إقصاء عدد لا يستهان به من المهاجرين الذين صودر حقهم في المشاركة في
إدارة شؤون وطنهم بعد أن كانوا يتمتعون به في التجارب السابقة، ونفس
الإقصاء شمل عددا كبيرا من الشباب البالغ سن 18 كحد أدنى متعارف عليه
في المواثيق الدولية. إن هذا الاستبعاد فرضته على أصحابه تأثيرات
نمطية متسلطة لعقلية تفترض دائما أن الديمقراطية الفعلية تنطوي على
المؤامرة إضافة إلى أن القانون التنظيمي لمجلس النواب لم يحترم في
مجمل بنوده ما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية، وكان همه الأساسي
هو فرض إجراءات زجرية وقمعية لإشاعة أجواء الفزع والتخويف مما سيساهم
لا محالة في إفساد مناخ الانتخاب بشكل مسبق ويتنافى بالتالي مع
المواثيق الدولية التي تنص على أن الانتخابات يجب أن تجري في أجواء
تسودها الحرية والطمأنينة والأمان..
ومن الإجراءات الأساسية
الأخرى التي جاء بها القانون التنظيمي لمجلس النواب هو تنصيصه على أن
الاقتراع سيجري وفق اللائحة النسبية على أساس قاعدة أكبر بقية، ولقد
قيل أن المواطن هذه المرة سيكون مجبرا على التصويت على البرامج بدل
الأشخاص، لكن حقيقة الواقع تفند هذه المزاعم من الأساس حيث إن هذا
الشكل من الاقتراع أصبح متجاوزا من الزاوية الديمقراطية لكونه يهيء
سلفا لتسويات سياسية
Compromis
تتضح خطوطها العريضة قبل إجراء الانتخاب وإغلاق صناديق الاقتراع كما
يساهم ذات الشكل في خلق الانقسامات داخل المشهد الحزبي وظهور أحزاب
انتهازية محضة تفرزها المواسم الانتخابية وتنتهي بانتهائها فعلى خلاف
الرأي السائد الذي يميل إلى القول بأن العيب لا يوجد أصلا في شكل
الاقتراع بل في طريقة تطبيقه، والحال لأن شكل الاقتراع نفسه ينطوي
على عيوب في بنيته التنظيمية والحسابية لكونه غير منصف من الناحية
الديمقراطية ولا يجسد حقيقة تمثيلية الأحزاب بل يؤدي إلى فوز غير
مستحق لبعض الأحزاب، ويمكن أن نبرهن على ذلك من خلال المثال التالي :
إذ افترضنا وجود أربع
مقاعد تتنافس حولها 16 لائحة انتخابية وكان عدد الأصوات المعبر عنها
هي 50.000 صوت إذن سيكون القاسم الانتخابي هو 12.500 = 4 / 50.000
وإذا افترضنا دائما أن
:
-
اللائحة أ حصلت على
17.000 صوت
-
اللائحة ب حصلت على
9.000 صوت
-
اللائحة ج حصلت على
7.000 صوت
-
اللائحة د حصلت على
5.000 صوت
-
إلخ…
( باقي الأصوات موزعة على اللوائح الأخرى ) فيما يخص مرحلة توزيع
المقاعد ستفوز اللائحة الأولى بمقعد واحد وستبقى
لها باقي 4.500 صوت.
-
أما في مرحلة توزيع
البقايا فستنال اللوائح الثانية والثالثة والرابعة مقعدا لكل واحد
منها.
-
ويتضح من المثال أن
المفارقة تكمن في أن النائب البرلماني للائحة الأولى سيلج هذه
المؤسسة ب 17.000 صوت فيما سيلجها عضو اللائحة الرابعة ب 5.000 صوت
فقط، وهذا مجرد مثال بسيط، وقد توجد حالات يكون فيها الفرق شاسعا بين
اللوائح.
-
وإذا أخذنا نفس المثال
وغيرنا طريقة توزيع البقايا بأخذ شكل أقوى معدل فإن النتيجة ستتغير
بحيث ستحصل اللائحة الأولى على مقعدين واللائحة
الثانية والثالثة على مقعد لكل واحدة منهما في حين لن تنال اللائحة
الرابعة أي مقعد، وهكذا يتضح أن هذا الشكل من الاقتراع يكون أكثر
إنصافا للتمثيلية الحزبية ويساهم في خلق تكتلات وأقطاب بدل
الانقسامات والشتات.
-
إن شكل الاقتراع
اللائحي النسبي على أساس قاعدة أكبر بقية تم انتهاجه من قبل حزب
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بتواطؤ مع المخزن لإنقاذ ماء وجه
الحكومة الحالية من احتمال التصويت العقابي للمواطنين على مرشحي
الأحزاب المشكل منها والهدف منه كذلك هو النجاة بالأطر الحزبية
النافذة ولفرضها على القواعد بالقوة من قبل البيروقراطية السياسية
لدرجة أنه لم يعد ممكنا للأطر الجديدة أن تتسلل إلى قبة البرلمان في
ظل هذا الشكل الجديد من الاقتراع، فإذا حدث ذلك فإنما سيتم على وجه
الاستثناء لا غير.
-
ولقد اختير لهذا الشكل
من الاقتراع دوائر انتخابية واسعة نسبيا مقارنة مع دوائر الاقتراع
الفردي الاسمي، فالأمر لا يتعلق بتجميع السكان في دائرة واحدة كما
يعتقد البعض، بل يتعداه إلى فرض تصورات إيديولوجية وسوسيولوجية
ونفسية تتوخى توظيف النسق القبلي ضد نفسه كمرجعية تعود إلى العهد
الاستعماري، كما تم ضمن نفس التقطيع الحالي استدماج المجال الحضري
ضمن المجال القروي في دائرة انتخابية واحدة كتوجه عام يحكم
استراتيجية التقطيع، وواضح أن الرهان بين المجالين يختلف حيث تبين
السوسيولوجيا القروية أن المعطيات السائدة في الوسط القروي لا تتكيف
بسرعة كوحدات سوسيولوجية مؤطرة لذلك الشعور، على خلاف المدينة أو
المجال الحضري الذي يبدو أكثر استجابة لطرق الاشتغال الحديثة ويكون
فيه المواطنون أكثر إدراكا لخبايا الشأن السياسي، الشيء الذي يقوي من
احتمالات أن يكون المجال المديني أكثر صرامة في تقييم العملية
السياسية للانتخابات في حين يبدو المجال القروي أكثر امتثالا للفعل
الخارجي الذي تلخصه الاختيارات الرسمية للدولة التي سعت دائما إلى
احتكار هذا المجال ضمن المناطق المحروسة. لذلك يتضح أن الخلفية
الأساسية من وراء استدماج المجال الحضري في البنى القبلية والقروية
هي محاولة من المخزن لإعادة الاعتبار لأعيان وعبيد المؤسسات المخزنية،
لأن هؤلاء لهم قابلية طبقية طبيعية على تصريف الأفكار المخزنية
بكيفية مرضية نظرا لأصلهم الطبقي ونفوذهم الرمزي في المحيط من خلال
شبكة الولاءات المتعددة المصالح مما يعني أن تكافؤ الفرص كإحدى
مرتكزات التقطيع الديمقراطي عملية معينة في التقطيع المخزني وتبين
أكثر من علامة أنه يهدف إلى إفراز برلمان لا غالب ولا مغلوب يسود فيه
الجميع وهذا يتنافى بداهة مع المفهوم الحقوقي للاقتراع المتساوي.
فضلا عن هذا كله
فالعملية الانتخابية تجري تحت إشراف وزارة الداخلية كمؤسسة غير
محايدة ومدانة مرارا بسبب تورطها في التزوير ولا يمكن أن تخفي هذه
الحقيقة من خلال زجر بعض المخالفات التي تحدث هنا وهناك فهي أشبه
بالشجرة التي تخفي الغابة. لقد انفردت وزارة الداخلية بسلطة الإدارة
من ألفها إلى يائها فهي المسؤولة عن تعيين مكاتب التصويت ورؤسائها
بعد أن خلقت عددا لا يستهان بها، وإن كان الهدف المعلن هو تشجيع
المواطنين على المشاركة، فالحقيقة أعمق من ذلك هو إبراز وإظهار عجز
الأحزاب على تغطية كل المكاتب بملاحظيها، مما يحتمل أن تكون العملية
من جديد موضوع تزوير بشكل أكثر تطورا وأقل مراقبة لا سيما إذا تسربت
الورقة الفردية قبل إجراء التصويت لأنه سيساعد بعض اللوبيات على
توجيه المواطنين وجعلهم أمام اختيارين إما أن ينضبطوا لهؤلاء
المفسدين وإما أن يضطروا إلى جعل تصويتهم ملغى بعد أن يجبروا على
الإتيان بالورقة الأخرى فارغة.
إن الانتخابات، ليست
غاية في حد ذاتها بل وسيلة لتقرير حق الشعوب في حرية تحديد مركزها
السياسي وإفراز ممثليها بشكل ديمقراطي في مؤسسات تشريعية لها كل
الصلاحيات الدستورية لتسيير الشؤون الوطنية ذلك ما لا يتوفر في
العملية السياسية الجارية في ظل إطار دستوري وقانوني وسياسي يساهم في
تكريس سلطة الحكم الفردي مما يجعل النضال من أجل فرض انتخابات شفافة
ونزيهة مهمة أساسية يتجند من أجلها قطب اليسار الاشتراكي الفعلي
لفرضها واقعا وملموسا وذلك بالالتحام مع الجماهير الكادحة في معاركها
الطبقية والاجتماعية، هذه تطلعات مشروعة وكبرى لا يمكن أن تتحقق إلا
بالاستعداد لتقديم تضحيات كبرى.
علي بلمزيان
الحسيمة في :
13/09/2002.
|