chercher sur se site Nous contacter Dates importantes Nos activités Nos positions Documents qui sommes-nous? page d'acceuil
 

التداول السياسي والإنتخابات بالمغرب

عبد المومن البشاري

 

إن الموضوع المطروح في هذا المساء، يثير الكثير من الأسئلة المتعلقة بطبيعة النظام السياسي القائم بالمغرب، وبطبيعة التطورات السياسية التي تشهدها البلاد . وهي أسئلة تقتضي نوع من الحذر والحيطة في التعاطي مع العديد من المفاهيم المستعملة، والمتداولة في الخطاب السياسي كمفهوم التداول، والانتقال الديمقراطي، وغيرها من المفاهيم السياسية.

فآية علاقة بين التداول والانتخابات؟ وهل هناك من علاقة سببية بين جوهر نظام سياسي منبن على قاعدة السيادة للشعب أي التداول على السلطة-، وبين التباري الديمقراطي المؤسس على التصورات يجسد إرادة الأمة في اختيار ممثليها عبر صناديق الاقتراع ؟

وإذا كانت مثل هاته الأسئلة تستقيم على الأنظمة الديمقراطية الحقة، فإن السؤال الجوهري حول حالة المغرب، هو؛هل هناك تداول فعلي يجسد الديمقراطية الحقيقية؟

إن التطورات التي عرفها المشهد السياسي للمغرب في تطور صيرورته التاريخية ،  يجعلنا نضعه في خانة الدول الديمقراطية المؤمنة بالتداول على السلطة من خلال اختيار الشعب لممثليه عبر الاقتراع الحر والنزيه، بل يستقيم الحديث عن مفهوم "التناوب"والذي يختلف جذريا عن مفهوم التداول،سواء من حيث الشروط التاريخية التي تبلور فيها المفهوم بمضمونه المخزني أو النتائج السياسية المترتبة عنه خلال هذه المرحلة، حيث استطاع النظام السياسي عبر هذه الفترة السياسية الحرجة، من توفير شروط سلم اجتماعي وسياسي أمن انتقالا سلميا للسلطة على مستوى أعلى هرم في السلطة، أي انتقال من الحسن الثاني إلى محمد السادس ، بتوفير الحد الأدنى من الاجتماع السياسي حول هذه العملية.

الشيء الذي جعل من التناوب، محكوما بسقف سياسي تكتيكي، فوت على القوى السياسية موعدها مع تاريخ التغيير.

* سياق التناوب:

ففي أواخر عهد الحسن الثاني، وتحت قوة الموجة الديمقراطية العامة التي اجتاحت العالم بعد انهيار دول أوربا الشرقية, وتحت تأثير المتغيرات الدولية، عرف المغرب آنذاك مدا نضاليا عارما، انخرطت فيه العديد من القطاعات الجماهيرية، وتهيكلت في خضم صيرورية الكثير من حركات اجتماعية (حركة نسائية، حركة الثقافية الأمازيغية ، حركة حقوق الإنسان ، حركة المعطلين) وأنهارت تحت تصاعد النضال الجماهيري مسوغات الإجماع الوطني سنة 1975، الذي كان يؤطر المجال السياسي على قاعدة السلم الإجتماعي ولقد زادت من قوة هذه  الاندفاعية الجماهيرية ، والحركية النضالية التي اجتاحت البلد، مطالب الإصلاح السياسي والدستوري التي طرحتها القوى السياسية في تلك الفترة، وكذا رفضها للدستور الرابع المعدل لسنة 1992, والمقترح التناوب التوافقي.

ففي ظل ذلك الوضع العام, التجأ النظام بعد فشل محاولته في احتواء الوضع وإخفاقه في إعادة ضبط التوازنات السياسية داخل البلاد بعد أن رفضت المعارضة مبادراته السياسية, وكمحاولة منه لتجديد المشروعية حوله, ولاحتواء الوضع القابل للانفجار, التجأ المخزن إلى إطلاق مبادرات سياسية جديدة وقتذاك, وفتح المجال التفاوضي, أفضى إلى مجموعة من التعاقدات السياسية, وهي ما اصطلح عليها بالتوافق السياسي الذي سيؤدي ألى التناوب السياسي.

*مضمون التناوب السياسي:

وإذا كان خيار التناوب قد تبلور في السياق السابق الذكر, وشكل كصيغة سياسية, نقطة تقاطع والتقاء بين الحكم والمعارضة البرلمانية, لتجاوز واقع الأزمة السياسية التي كان يجتازها المغرب آنذاك, فإن مضمون التناوب قد تحكمت في إعطاء صيغته النهائية موازين القوى القائمة داخل المجتمع. ففي ضوء الصراع السياسي حول المسار الذي يجب أن تأخذه المرحلة ومضمون خيار التناوب, ونظرا لاستعجال القوى المتنفدة داخل الكثلة الوصول إلى سدة الحكم, فكت هذه الأخيرة الارتباط بين التفاوض والنضال الجماهيري من خلال التوقيع على التصريح المشترك لفاتح غشت 1996 (وهو اتفاق عقد بين النقابات والبطرونا ووزارة الداخلية), ولم تستثمر بالشكل المطلوب المد النضالي الجماهيري الذي عرفته البلاد في تلك الفترة, كما لم تستفد من الموجة الديمقراطية التي شهدها العالم الثالث آنذاك, كل هذا جعلها تدخل إلى المسلسل التفاوضي من موقع ضعيف, حيث اكتفت بتسجيل التحفظات وإعطاء الإشارات للحكم للتعبير عن الثقة(أي ما كان يسمى آنذاك بالإشارات القوية) كل هذا جعل الحكم يسترجع المبادرة, ويتحكم بشكل مطلق في سير المفاوضات, والتي انتهت بتقديم المعارضة لتنازلات جوهرية, من خلال القبول بالدستور, المعدل لسنة 1996, مقابل التزام الحكم بتنظيم انتخابات سابقة لأوانها, واشراك المعارضة في إعادة النظر فيما يخص الإجراءات القانونية والتنظيمية المتعلقة "بالاستحقاقات", كما تمكن الحكم من جر قوى المعارضة إلى إضفاء نوع من المشروعة على جوهر الاستبداد المخزني للسلطة السياسية القائمة, وذلك عبر عقد اجماع حول كل الاتفاقات والتعاقدات التي حددت مضمون التناوب السياسي, الذي يقوي من استراتيجية السلطة المخزنية القائمة على قاعدة الحكم الفردي المطلق,ولا تتيح من الامكانيات إلا ما يسبغ على هذه الاستراتيجية نوعا من المصداقية. حيث أن الأحزاب الوطنية, إضافة إلى تخليلها عن المنازعة والصراع على السلطة التأسيسية لوضع الدستور بشكل ديمقراطي, فإن قبولها بهذا الأخير, تكون قد كرست حكما سياسيا استبداديا يمركز السلط في يد المؤسسة الملكية, (الفصل 19), ورهنت مستقبل نتائج أي إقتراع بيد الملك(الفصل 24). وأصبح مع ذلك البرلمان مقيد الاختصاصات سواء في مجال التشريع أو مراقبة الحكومة.

إن نتائج مسلسل التناوب السياسي, جعلت الأحزاب السياسية تنتقل من موقع المعارضة وفك ارتباطاتها بالمنظمات الجماهيرية إلى موقع المشاركة السياسية من قلب مؤسسة الحكومة لإنجاز برنامجها الإصلاحي, الشيء الذي جعلها تندمج بشكل تدريجي في نسق النظام السياسي.

لقد أعطت كل التطورات السياسية التي عرفها المغرب منذ استقلاله إلى الآن, وعبر كل التجارب الانتخابية والاستشارية, ديمقراطية مشوهة وغير متوازنة لأن السلطة السياسية غير قابلة للتداول, ومقننة بالأعراف والقوانين , وبالتالي فكل الانتخابات التي عرفها المغرب والتي سيعرفها في المستقبل تجري بدون أية رهانات سياسية واضحة, تشكل مجالا وهدفا للتباري الديمقراطي حول البرامج, والمشاريع المجتمعية, وأصبحت هذه الآلية الديمقراطية (أي الاقتراع), مجرد وسيلة لتأثيث الديمقراطية المخزنية ووسيلة للاستهلاك الخارجي, ولا يمكن أن يسفر ذلك إلا عن جهاز تنفيذي ضعيف ومجردا من الصلاحيات التنفيذية الحقيقية. وفي أحسن الأحوال ليس لهذا الجهاز الحكومي من القدرة إلا على تطبيق القوانين, والإدارة تحت تصرفه. كما زاد من تهميش الحكومة في ظل العهد الجديد السلطات الواسعة على المستويين الاقتصادي, والسياسي التي منحت للولادة والعمال.

إن عدم الفصل الحقيقي للسلط, وتمركزها في يد المؤسسة الملكية, أعطى لحكم هذه المؤسسة سلطة مطلقة, أصبح معها الملك, وفقا لمنطوق الدستور له صلاحية تعيين الوزير الأول دون التقييد بما يسفر عنه الاقتراع في الانتخابات(حالة تعيين "جطو" على رأس الحكومة بعد انتخابات 27شتنبر 2002) كما يمنح الدستور الملك صلاحية وضع حد لمهامه, ومهام الوزراء, لأن الحكومة مسؤولة أمامه قبل أن تكون مسؤولة أما  البرلمان (الفصل 60), وبذلك تصبح الحكومة تحت الإمرة على تعبير الفقيه الدستوري رايمون كولون, والسلطة ذات رأسين من الناحية الشكلية, وذات رأس واحد من الناحية العملية, وبالتالي فالوزير الأول ليس سوى صنعية رئيس الدولة الذي يعينه ويقيله كما شاء.

غير إن مؤسسة الوزير الأول في ظل أحكام دستورية مغلقة, وممركزة في المؤسسة الملكية, تجعلها مؤسسة لا تتوفر على سلطة تحديد وتوجيه سياسة الأمة, ولا حتى على سلطة قيادة عمل الحكومة, ولا سلطة للوزير الأول على وزرائه الذين هم على غراره مسؤولون شخصيا, وجماعيا أمام الملك, وينجم عن ذلك, أن المهمة الرئيسية للوزير هي ترجمة ما يريده الملك إلى قرارات حكومية, وغالبا ما يتم ذلك على قاعدة الخطاب التوجيهي الذي يفتتح به الملك دورات البرلمان, وهو الخطاب الذي يتضمن الخطوط العريضة والتوجيه المركزي للسياسة العامة التي يجب على الحكومة والبرلمان تبنيهما واتباعهما وفق الأولويات والمهام المحددة سلفا في الخطاب.

إن النظام السياسي في المغرب, بمختلف بنيانه السياسي والمؤسساتي التشريعي والإداري, وحتى القضائي, تجعل من السلطة السياسية مسألة غير قابلة للتداول, لاحتكار السلطة من طرف المخزن, ويترتب عن ذلك أن كل الاستحقاقات السياسية التي عرفها المغرب, كانت تصب في إتجاه تقوية استراتيجية السلطة المخزنية.

وإذا كانت الانتخابات التي مرت في البلاد شكلت دوما مظهرا من مظاهر ديمقراطية الواجهة, وتمنح "الشرعية الديمقراطية" على نظام سياسي فردي ومطلق, فإن الاستحقاقات السياسية ل27 شتنبر 2002 , كان آخر حلقة من حلقات استكمال البناء المؤسساتي بعد البناء السياسي والتشريعي للعهد الجديد بحيث حضرت من دون أن تختلف من حيث الجوهر عن الكيفية التي هيأت به الانتخابات السابقة. سواء من حيث التقطيع الانتخابي الذي لم يراع التوازن الجغرافي والبشري, وحيث تم ذلك على مقاسات الأعيان, والقبائل, والحسابات السياسية المسبقة ولا من حيث اللوائح الانتخابية التي عدلت على أساس لوائح مطعون في سلامتها من قبل كل الأحزاب السياسية في الانتخابات السابقة, وكذا الإشراف الوحيد لوزارة الداخلية على العملية الانتخابية منذ بدايتها إلى نهايتها, إضافة إلى النتائج السياسية لهذه الانتخابات قد وضعت حدا لمرحلة التناوب المخزني وإعادات الوضع السياسي العام إلى وضعية الاحتكار الكلي لمختلف السلط إلى سلطة المخزن العملية. وذلك بتعين حكومة التقنقراط.   

  

الهوامش:

(1)        محمد أديب السلاوي, الانتخابات في المغرب إلى أين؟ البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع 2002, ص 13

(2)       كان التصويت لصالح الدستور بنسبة 84% واعتبر الباحثون أن هاته النسبة تترجم في الواقع انتصار الملكية على الحركة الوطنية نقلا عن محمد ظريف

(3)        الاحصائيات مأخوذة من كتاب رقية المصدق"المرأة والسياسية" دار توبقال 1990

(4)        رقية المصدق, المرجع السابق, ص 44

(5)        رقية المصدق, المرجع السابق, ص48

(6)        رقية المصدق, المرجع السابق, ص51

(7)        رقية المصدق, المرجع السابق, ص52 ضمانا لاثراء العمل البرلماني...فقد

 

النهج الديمقراطي عمارة 70 زنقة ماكس كدج رقم 12 ص ب 15927 البريد المركزي الدار البيضاء 20001الهاتف 21263686797 الفاكس 21222225511