حول الإرهاب |
حول الإرهاب
يشكل الإرهاب ممارسات تتسم بالترهيب و التخويف و التفزيع و أحيانا بالعنف و التخريب، وفي هذه الحالة يمكن للإرهاب أن يكون أعمى أو محدد الأهداف، و يجب التمييز بين إرهاب الدولة و إرهاب الإفراد أو الجماعات المعارضة.
من خلال قراءة موضوعية للتاريخ نجد أن إرهاب الدولة يبقى أفظع ممارسة لأنه هو الشائع من جهة، و لأنه يمس شعوب بكاملها من جهة ثانية.
إن سياسة التخويف و الترهيب و التعنيف، أي سياسة الإرهاب، تبقى هي العنصر الأساسي الذي يطبع علاقات الدولة المخزنية المغربية بالجماهير الشعبية في عهد جميع السلاطين و الملوك الذين تعاقبوا على الحكم، و قد بلغ إرهاب الدولة ذروته في عهدي السلطان مولاي إسماعيل و الملك الحسن الثاني. فلنتذكر ما فعلت الدولة (المدعمة بقاعدتها الاجتماعية المكونة أساسا من البرجوازية و ملاكي الأراضي الكبار) بالمواطنين و المواطنات، في البوادي و الحواضر: الريف 58/59، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في 1963، الدار البيضاء مارس 1965 ، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية و الحركة الماركسية اللينينية في السبعينات، الدار البيضاء 1981، مراكش و الشمال 1984، فاس 1990.... إن المقابر الجماعية تبقى شاهدة على فظاعة الإرهاب الذي مارسته الدولة في عهد الحسن الثاني، أضف على ذلك الاغتيالات ( المهدي بن بركة، عبد اللطيف زروال، عمر بن جلون، التهاني أمين، محمد كرينة....)، و الإعدامات ( عمر دهكون، الملياني ....)، و مئات المختطفين مجهولي المصير ( المانوزي، الواسولي...)، و فظاعة معتقلات تزممارت، و أكدز، و قلعة مكونة و درب مولاي الشريف، دون الوقوف عند الجرائم البشعة المرتكبة في الصحراء الغربية. إن الممارسة اليومية و المبنية على الترهيب و التخويف و التفزيع و الاهانة التي مورست و تمارس ضد المواطنة و المواطن يوميا فهي تبقى ممنهجة، عامة و يومية و حاضرة في جميع العهود.
يشكل ما تقوم به "قوات التحالف" في العراق، وتقوم به إسرائيل في فلسطين المحتلة مظهرا من مظاهر الإرهاب المنظم و الممنهج الفظيع. لقد أصبحت الولايات المتحدة الأميركية، و بتعاون أنظمة تبعية، تمارس الإرهاب الدولي ضد الشعوب و ضد أنظمة وطنية.
إن تعريف الإرهاب لا يقتصر على العنف، فللإرهاب عدة تمظهرات: هناك الإرهاب السياسي و الإرهاب الفكري، و الإرهاب العقائدي... لقد تربى المواطن المغربي و ترعرع في ظل ثقافة الخوف من المخزن و وثقافة تقديس الملك و ثقافة عدم الخوض نظريا في الدين و الوطن. لقد نشأ و تربى المغربي في ثقافة الإرهاب المفروضة عليه.
إن سياسات الطبقات الاجتماعية المسيطرة و التي تسهر الدولة كجهاز أساسي لهذه الطبقات على فرضها " مرة بالسلاح و مرارا باسم السماء"، هي التي تدفع الطبقات الشعبية المضطهدة إلى ردود أفعال، منظمة أو عفوية، عنيفة أو سلمية... و تدخل جل هذه الردود في إطار المقاومة، و الدفاع عن النفس.
فما هي الأجوبة السياسية و النظرية على ممارسة الدولة المرتكزة أساسا على الترهيب؟
1- موقف القوى الإصلاحية: تعبر القوى السياسية الإصلاحية موضوعيا على مطامح الشرائح و الفئات الاجتماعية التي تتضرر مصالحها من سياسات الدولة لكن بشكل ثانوي لا يتطلب تغيير جذري، فهي تفضل الصراع السلمي- الأخوي في قبة البرلمانات... إنها معادية لكل النضالات التي يمكن أن تطيح بالطبقات السائدة، و هي تشكل بذلك نوعا من "رجال المطافئ" يستعين بها الحاكمون عند الضرورة.
2- موقف الشيوعيين: يعتبر الشيوعيون أن الصراع الطبقي هو محرك تاريخ المجتمعات الطبقية، و أن الطبقات المحرومة و المضطهدة و المستغلة ( بنصب الغين) تناضل من اجل تشييد مجتمع جديد و ذلك على أنقاض المجتمع السائد، و أن حسم الصراع يمر عبر الثورة التي يمكن أن تكون سياسية فقط (لا تغير جوهر العلاقات السائدة)، أو سياسية ـ اقتصادية ـ اجتماعية ـ ثقافية. و يمكن تعريف الثورة بعملية إطاحة طبقة اجتماعية من طرف طبقة اجتماعية أخري؛ " « la révolution est l’acte par lequel une classe renverse une autre classe
إن مسألة الثورة أو عملية التغيير تبقى عملية طبقية قبل كل شيء، لهذا طرح الماركسيون اللينينيون المغاربة منذ بداية السبعينات ضرورة انجاز الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية على طريق الثورة الاشتراكية بتبني العنف الثوري الجماهيري الواعي و المنظم، و قد انتقدت منظمة "إلى الأمام" المنظور النخبوي و الانقلابي للعنف و للتغيير. فالتغيير المنشود لا يمكن أن يكون خارج الجماهير الواعية و المنظمة. إن إستراتيجية الثورة مرتبطة بواقع الصراع الطبقي ( مستوى الوعي، جماهيرية وصلابة أدوات التغيير، حدة الصراع، موازين القوة، طبيعة التحالفات الطبقية...) في الزمان والمكان. ليس هناك نموذج واحد، أو وصفة جاهزة لحسم الصراع.
3- الإرهابية بمختلف تلاوينها: يعتمد الإرهابيون بشكل عام، أفرادا و جماعات، العنف الغير الجماهيري من أجل ترهيب المجتمع بهدف خلخلة ركائز الدولة لتسهيل عملية التغير ذي أفق "تقدمية" أو لمحاولة الرجوع بالمجتمعات إلى عهود الظلمات.
ماذا يجري حاليا في المغرب؟
يعتبر الإرهاب عبر عمليات انتحارية ظاهرة جديدة نسبيا، و غالبا ما تكون عمياء و بدون أهداف عسكرية أو سياسية. و التفجيرات الانتحارية الأخيرة "احتجاجية- اجتماعية" أكثر ما هي إرهابية-سياسية. إن محاولة تفسير ما يقع في المغرب حاليا بالعنصر الخارجي ( القاعدة، بلادن...) هو بمثابة تجاهل الحقيقة و ممارسة سياسة " النعامة". إن الممارسات الإرهابية التي يعيشها المغرب تجد تفسيرها الرئيسي في الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية الداخلية المتميزة بالفقر و الإقصاء و التهميش و الاضطهاد و غياب الديمقراطية... لا يمكن فهم ما يقع خارج الصراع الطبقي: الممارسات الانتحارية هي ردود فعل الفئات الاجتماعية الأكثر تهميشا. إن الإرهاب مرتبط أساسا بالبرجوازية الصغيرة و ب" البروليتاريا الرثة lumpenprolétariat ".
إن الإرهاب والتعصب-التطرف/ التصوف الديني و التعاطي للمخدرات... مظاهر مرتبطة بالفقر و الجهل و الأمية و انسداد الأفق و الإحباط...
تشكل الأوضاع المزرية التي تتخبط فيها الجماهير الشعبية الأرضية الخصبة للإسلام السياسي و للتطرف الديني، و للإرهاب-الانتحار، و تعود المسؤولية الأساسية في ما يجري إلى سياسات الدولة المخزنية، و إلى الممارسات الوصولية و الانتهازية للأحزاب البرجوازية التي كانت إلى وقت قريب تتكلم و "تناضل" باسم الاشتراكية. فأغلبية المواطنين يعتبرون أن الاشتراكين هم الموجودون في الحكم و هم المسئولون إذن على التدهور العام الذي تتخبط فيها الجماهير الشعبية: لا شغل، لا تطبيب، لا تعليم، لا سكن... أضف عن ذلك ممارسات العديد من أجهزة الدولة و ذوي النفوذ التي تدوس يوميا كرامة المواطنين. إن سياسة التذبذب و الانحرافات اليمينية المتفشية داخل بعد مكونات اليسار "الجذري" و ربط " التغيير"
ب" استحقاقات" مخزنية من طرف بعض" أصدقاء الشعب"، يساهم كل هذا في تعبيد الطريق أمام الإسلام السياسي الرجعي و الفكر الظلامي المدمر نحو الأحياء الشعبية و نحو مدن القصدير.
تقول والدة الرايضي عبد الفتاح الذي فجر نفسه يوم 11 مارس 2007، و الرايضي أيوب من انتحاري ابريل 2007، و أم الأخوين المعتقلين فيما بعد " إن أيوب كان آخر إخوته يدخل المنزل ليأخذ مكانه للنوم بالقرب من باب البراكة التي تبلغ مساحتها مترين على ثلاثة أمتار، و تقطنها أسرة مكونة من سبعة أفراد..." ( أسبوعية " الصحيفة" العدد 134،ص6، 12 أبريل2007 ). إن الوضعية الاجتماعية للأخوين عمر مها، و محمد مها، اللذين فجرا أنفسهما وسط شارع مولاي يوسف لا تختلف في شيء عن وضعية عائلة الرايضي.
لماذا نحن ضد الإرهاب بجميع أشكاله و ضد " العمل الثوري" النخبوي؟
- يقول لينين " إن الإرهاب الفردي لا يؤدي إلى شيء"، كما قال " كل القنابل تبقى عاجزة بغياب الشعب العامل"، كما ربط العنف بالهجوم النهائي، و الذي يجب إخضاعه إلى ضرورة التنظيم الثوري.
و تبقى الشروط الموضوعية و الذاتية هي المحدد الأساسي لطريقة الإطاحة بطبقة أو بتكتل طبقي سائد من طرف طبقة أو جبهة طبقية مضطهدة (بنصب الهاء).
- إن الإرهاب الفردي و النخبوي يخدم بالأساس مصالح النظام ( يستغل الوضع من أجل ممارسة إرهاب الدولة بشكل أوسع و سن قوانين تراجعية و أكثر رجعية، و تمرير سياسات اقتصادية و اجتماعية أكثر تخلفا)، كما تقوي نفوذ القوى البرجوازية الإصلاحية المروجة لأوهام الاستحقاقات المزعومة و ذلك باسم " المصالح العليا للوطن" و باسم " الحداثة" ...
- يشكل الإرهاب فرصة ثمينة لمختلف أجهزة القمع لتتقوى و تمارس البطش و التنكيل و يخلق أجواء مواتي للمختلف العتاد و الوصوليين و الانتهازيين من أجل السطو و النهب الاغتناء.
- إن مهمة الاشتراكيين الحقيقيين تكمن في بناء أدوات التغيير الجذري و في مقدمتها حزب الطبقة العاملة و عموم الكادحين، و لا يمكن تحقيق هذه المهمة خارج الصراع المرير و طويل النفس ضد التكتل الطبقي السائد و مختلف أجهزته و في مقدمتها الدولة، و الصراع الفكري و السياسي ضد الإسلام السياسي الرجعي و الظلامي، و ضد أوهام ممارسة البرجوازية الإصلاحية، و ضد الانحرافات اليمينية داخل اليسار و ضد " الغوغاية اليسارية".
- إن رفض الإرهاب و العنف النخبوي لا يعني المساس بحق الكادحين في الكفاح و التنظيم و التسلح بالفكري الشيوعي و الاستعداد للثورة على الواقع القائم. إن ثورة الجماهير الواعية و المنظمة تبقى الاختيار الوارد في ظل تركيبة اجتماعية تتميز بسيادة الرأسمالية التبعية المخزنية التي تتناقض كليا مع حتى الديمقراطية البرجوازية التي "تسود فيها صناديق الاقتراع الحر".
علي فقير ( 20/04/2007) |
|
|