chercher sur se site Nous contacter Dates importantes Nos activités Nos positions Documents qui sommes-nous? page d'acceuil
 

المخزن الجديد

بقلم أبو سهام

 

تؤكد الإنتخابات الأخيرة ل 27 شتنبر 2002 مرة أخرى على أن النظام المخزني قادر على إعادة إنتاج نفسه في حلل جديدة. ففي الوقت الذي يشيد فيه الخطاب الرسمي "بالديموقراطية" المغربية وبالانفتاح على "مفهوم جديد للسلطة" يتضح في الواقع مدى استبدادية هذه "الديموقراطية" ومدى انغلاق هذا "المفهوم الجديد للسلطة". فطبيعة المخزن كانت وما تزال استبدادية رغم المساحيق والأقنعة التي يعمل على الاحتماء ورائها. وما نتائج الانتخابات الأخيرة والتعيينات التي تلتها سوى دليل على الإستبداد القائم.

ففي أواخر عهد الحسن الثاني بدأ المخزن في التراجع تحت الضغط الشديد لحركات المواطنين الاحتجاجية بسبب تعمق سوء أحوالهم المعيشية ويأسهم من المشاركة السياسية الحقيقية في تدبير شؤونهم الشيء الذي كان يهدد بانفجار لا تحمد عقباه.  لم يجد النظام أمامه سوى  نصب فخ  التناوب التوافقي للإيقاع بالقوى الاجتماعية - الديموقراطية. فحدث الانقلاب الأول داخل هذه القوى التي صدق بعضها أطروحات النظام حينما انساقت بدون سند شعبي حقيقي ولا أغلبية برلمانية مريحة ولا حتى بمراجعة قواعدها، إلى الانخراط في ما يشبه الانتقال "الديموقراطي" والتطلع إلى وهم تأسيس "شبه نظام برلماني". لكن بنية الدستور المغربي جعلت مشاركة القوى الديموقراطية في الحكومة ذات طابع شكلي، تتلخص مهمته الأساسية في ضمان انتقال السلطة من عهد مخزني بائد إلى عهد مخزني جديد، لا زال متعطشا للسلطة وإلى الانغماس في مفاتنها.

فعند أول انتخابات "للعهد الجديد" حدث الانقلاب الثاني عبر التراجع عن المسلسل الذي شرع في العمل على أساسه أواخر عهد المخزن البائد أي التراجع عن ديموقراطية الواجهة عبر الهيمنة على الجهاز التنفيذي بشكل مباشر من خلال ما يسمى بوزراء السيادة. وقد لجأ المخزن في انقلابه هذا إلى دعم "حراس المخزن الجدد" وعلى رأسهم حزب العدالة والتنمية، علما بأن توجهات هذا الأخير يمينية متطرفة وتقوم مهمته على الحفاظ على البنيات المؤسسية اللاديموقراطية للمخزن وعلى تبني منظومة الاستغلال الرأسمالي المتوحش كأسلوب للإنتاج. ويستغل هذا الحزب الدين الإسلامي بشكل ديماغوجي للظفر بالسلطة وضمان انصياع العديد من الأتباع المتذبذبين الذين لا زالت تختلط في أذهانهم الأبعاد الدينية بالأبعاد السياسية والإقتصادية والأبعاد الميتافيزيقية بالأبعاد العقلية. فإسباغ طابع القداسة (عبر الاستغلال الديماغوجي للدين) على النظام الرأسمالي الاستغلالي يشكل بيت القصيد لدى اللوبيات المخزنية لضمان استمرارية هيمنتها الطبقية.

الخاسر الأكبر تبقى هي الجماهير الشعبية، فعن طريق ضرب القوى الاجتماعية - الديموقراطية خلال الانقلابين الأول والثاني، حيث تم تحطيم قوة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نتيجة انسياقه وراء وهم التناوب التوافقي كما تم تحطيم اليسار المغربي عبر خيانة اليسار المشارك في حكومة التناوب للمبادئ التي قام عليها ولوعوده للطبقات المتوسطة التي يمثلها، تحقق للمخزن ما كان يصبوا إليه وهو إضعاف القوى الديموقراطية والإستبداد بالسلطة .

لذلك فإن تعيين وزيرا للسيادة بوزارة الداخلية على رأس الوزارة الأولى يعتبر إشارة واضحة على أن المخزن لا يأبه للقوى المتزاحمة على السلطة داخل البرلمان والتي أصبحت جد ضعيفة نتيجة الانقلابين سالفي الذكر ونتيجة النسبة الهزيلة من الأصوات المحصل عليها من طرف جميع الأحزاب خلال انتخابات 27 شتنبر 2002. كما أن ذلك كان نتيجة للضعف الذي ينخر جسد القوى الديموقراطية بحيث ستجد هذه القوى نفسها تلعب الدور نفسه الذي كانت تلعبه في السابق الأحزاب الإدارية عبر الاستمرار في انتهازيتها والتماثل مع أدوار مرسومة لها سلفا، إما بالمشاركة في حكومة السيادة الحالية لإضفاء المصداقية على سلوك المخزن أو في أن تقوم بتمثيلية دور المعارضة لاحتواء غضب الملايين من المغاربة الذين قاطعوا انتخابات 27 شتنبر 2002.

لقد أدى الانقلابين الذين حدثا خلال مرحلة التناوب التوافقي وعقب انتخابات 27 شتنبر 2002 إلى إحداث فوضى في المشهد السياسي المغربي. فهناك قناعة لدى الأكثرية من المواطنين بشأن انتهازية الأحزاب السياسية حيث لم يشهد المواطن من قبل هذا الكم الهائل من الأحزاب الفارغة المقبلة على الانتخابات والساعية إلى عرض خدماتها على المخزن لعلها تحضى بقبوله فتربح صفقة الوصاية على ارادة الشعب والوساطة لخدمة مصالح البورجوازية الكومبرادورية والرأسمال المالي الدولي.

ففي ضل الفوضى التي يعيشها المشهد السياسي المغربي يتضخم المخزن ويتقوى بشكل أخطر من سابقه، فقد استطاع تسخير مختلف الأحزاب لأهدافه دون أن يتنازل عن شبر واحد من سلطاته. فقد استعمل مشاركة الأحزاب الاجتماعية - الديموقراطية في ضل حكومة التناوب التوافقي لإضفاء المصداقية على أحزابه الإدارية مع منعها من تحقيق أي وعد من وعودها لكي تتراجع مصداقيتها.

أن تعد شعبا بتحقيق الديموقراطية والتنمية وبتوسيع الحريات الأساسية وبالتعددية السياسية الحقيقية ثم أن يتم التراجع عن ذلك من خلال تزكية الإقصاء والتهميش لشرائح واسعة من الشعب المغربي ومن خلال خدمة مصالح البرجوازية الهجينة وفبركة نتائج الانتخابات على المقاس، لا يمكن وصفها سياسيا سوى بالخيانة، فهي خيانة لمطلب تقرير المصير للشعب المغربي يقودها المخزن وتنخرط في إطارها كل الأحزاب المزكية لتوجهاته وعلى رأسها الأحزاب المستغلة للدين.

وتقوم مبررات هذه الخيانة على استغلال وضع دولي مضطرب يسير تدريجيا نحو التنكر لكل مبادئ العدالة والديموقراطية وحقوق الإنسان. فالحرب التي تعلنها واشنطن على الإرهاب أصبحت تعني أن كل من لا يؤمن بالفكر الوحيد التي تمثله فهو إرهابي، وأنه يكفي أن تنخرط الدول في هذا المنطق لكي تطلق يدها في مجال خرق كل المبادئ والحريات والحقوق. وليس المغرب غريبا عن هذا المنطق، فبعد تعيين وزير للسيادة على رأس الحكومة وانخراط مختلف القوى السياسية الهجينة تحت عباءته لتأسيس ما يسمى "بحكومة وطنية قوية" يمكننا أن ننتظر صدور العديد من القرارات اللاشعبية، بل واحتمال عودة سنوات الرصاص والاختطافات والاغتيالات لأسباب سياسية، فمن سيمنع من عودة هذه الأشياء، ونحن نعيش في ضل حكم مخزنيث استبدادي. لقد أصبح المخزن إذن مطلق اليد للعودة إلى مختلف فضاعا ته السابقة.

في ضل هذه الانتكاسة للديموقراطية يمكن أن نتوقع أي شيء كأن يتعرض النضال السياسي للطبقات العاملة والجماهير الشعبية المقهورة من خلال قواه الحية لفرض حقوقها الأساسية، لعراقيل جمة، سواء عبر القمع المباشر أو عبر منع تنظيماته من التواجد القانوني أو عبر عودة مشاهد الاختطافات والاغتيالات، أو عبر العودة إلى الأساليب الديماغوجية والخطاب الأجوف لأحزاب السلطة واللوبيات المخزنية حول المقاولة المواطنة والسلم الاجتماعي والتصالح التاريخي بين أرباب العمل والعمال والخوصصة والاستثمارات الأجنبية الخاصة ومرونة مدونة الشغل وتسريح العمال وتجميد الأجور.

الخلاصة هي أن لاشيء تحقق في هذا البلد فالتناوب لم يحدث أبدا، بل كان محطة لعودة المخزن بيمينه المتطرف، وبدلا من استعمال وزير واحد للأوقاف لتحقيق الهيمنة الإيديولوجية الدينية، يتم اللجوء حاليا إلى استعمال حزب ديني (العدالة والتنمية) بكل ما يملكه من سلطات القمع الاديولوجي الديني للمواطنين من أجل تحويلهم إلى قطيع من الرعايا.

الرباط في 16 أكتوبر 2002

النهج الديمقراطي عمارة 70 زنقة ماكس كدج رقم 12 ص ب 15927 البريد المركزي الدار البيضاء 20001الهاتف 21263686797 الفاكس 21222225511