|
قراءة نقدية في الميثاق الوطني للتربية والتكوين
إعداد :
لجنة الدراسات لفرع الرباط سلا تمارة
التابع
للجامعة الوطنية للتعليم (ا.م.ش)
-I
مقدمة
إن
الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي نحن بصدد دراسته عبارة عن
برنامج مفصل يندرج ضمن رؤية منسجمة ومتكاملة للأمور، سيمتد العمل به
إلى سنة 2015 ومن شأنه بالتالي أن يرهن مستقبل بلادنا وإحداث تغييرات
عميقة على مستوى المجتمع برمته. وقد تم إعداد هذا الميثاق بشكل فوقي
من طرف "اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين"
(COSEF)
التي تم تشكيلها رسميا في شهر مارس من سنة 1999.
والملاحظ أن عملية الإعداد هاته واكبتها حملة واسعة، انطلقت مع
التقرير الشهير للبنك العالمي لسنة 1995 وبإيعاز منه حيث جاء في
التقرير أن "مسلسل الإصلاح سيكون بحاجة إلى حملة واسعة من الترويج
الاجتماعي لشرح أفضلية الإصلاح والامتيازات التي سيمنحها على المدى
الطويل للمجتمع... على نحو يجلب العموم ويحصل على مساندته".
ولقد
ركزت تلك الحملة بشكل مثير على أزمة النظام التعليمي ليس بهدف
تجاوزها بل قصد التمهيد لإجراءات تراجعية أخرى، شرعت الوزارات
المعنية في تطبيق بعض منها (مشروع النظام الأساسي لموظفي وزارة
التربية الوطنية، الشراكة...) حتى قبل الشروع في إعداد الميثاق.
إن هذا
الميثاق لم ينجز في حدود علمنا على أساس تقييم جدي، جماعي وموضوعي
للسياسة التعليمية المتبعة منذ أزيد من أربعة عقود، يقف عند حصيلتها
ويحدد المسؤوليات ثم يطرح البدائل. إن ضرورة مثل هذا التقييم تزداد
أهمية خصوصا عندما يتعلق الأمر بقطاع اعتبر دائما قطاع أزمة وتعرض
لمحاولات إصلاح متكررة لم تمكنه أبدا من الخروج من أزمته العميقة
والمركبة. لقد كان من اللازم تقديم أجوبة واضحة عن الأسئلة التي
يطرحها الشعب المغربي ومن ضمنها :
1
لماذا تفشت الأمية بشكل مهول وسط ملايين الكادحين والعمال رغم
استثمار ربع ميزانية الدولة و11%
من الناتج الداخلي الخام (كما يقال) في مجال التعليم؟ ولماذا يبقى
ملايين الأطفال في سن التمدرس خارج المنظومة التعليمية؟
2 ما
الذي دفع النظام التعليمي إلى هذا المستوى المفجع من الإهدار والفشل
المدرسي بحيث على سبيل المثال
13%
فقط من الأطفال المتمدرسين يحصلون على شهادة البكالوريا؟ ما علاقة
هذا وذلك بسياسة التقويم الهيكلي؟
3 ما
هي حصيلة سياسة التعريب المتبعة لحد الآن ولماذا يتراجع عنها
الميثاق؟
4
لماذا قررت الدولة إعادة النظر في إشكالية التقويم في أواسط
الثمانينات فاعتمدت نظام الأكاديميات غير مكترثة بسيل الانتقادات
الموجهة لهذا النظام ثم تعود من خلال هذا الميثاق لإقرار نظام
للتقويم شبيه بالذي كان معمولا به في الستينات؟
5
لماذا تشتغل مؤسسات تكوين الأطر منذ عشر سنوات بأفواج ضئيلة من
الطلبة بحيث لا تلبي أدنى متطلبات التنمية التي يطبل لها صباح مساء؟
6 ما
هي حصيلة التكوين المهني؟
7 ما
هي الأسباب الحقيقية وراء تفشي البطالة في صفوف حاملي الشهادات
الجامعية والمهنية : هل المدرسة المغربية أم طبيعة النسيج الاقتصادي
المسيطر وانعكاساته على قطاع التعليم؟
8 ما
الذي جعل الدولة تمانع في سن سياسة حقيقية للبحث العلمي ولماذا بقيت
السياسة التعليمية بوجه عام تستجيب لمتطلبات الدوائر الرأسمالية
(الفرنسية على الخصوص)؟
كل هذه
الأسئلة وغيرها لن يجد لها القارئ جوابا ضمن هذا الميثاق الذي يراد
به أن يكون "مجددا" و"تحديثيا" مع أنه في الواقع ليس سوى ترجمة
لتقرير البنك العالمي.
إن
مناقشتنا لهذا الميثاق مجرد وجهة نظر لا تدعي إطلاقا القيام بتقييم
من ذلك النوع ولن تتطرق إلى مختلف محاولات الإصلاح الترقيعية
والفاشلة التي عرفها قطاع التعليم على مدى العقود السابقة لكن تسعى
إلى تسليط الأضواء على الميثاق والكشف عن الخلفيات التي ينطلق منها
والأهداف الحقيقية التي يروم تحقيقها وتبيان تناقضاته الداخلية
والحكم على مدى صلاحيته ولو في إطار المنظور "الليبرالي الجديد" كما
يراد تطبيقه في بلادنا.
فما هو
الإطار العام الذي تم فيه إنجاز الميثاق؟ وما هو مضمون التربية
والتكوين الذي يطمح إلى تكريسه؟
II
الإطار العام
1
إشاعة العلاقات الليبرالية المتطرفة ونهج ديمقراطية الواجهة :
إن
الإطار العام المحيط بإعداد الميثاق الوطني للتربية والتكوين يتسم :
1 على
المستوى العالمي بتنامي وتيرة العولمة الجديدة للنظام الرأسمالي بسبب
فشل تجارب الاشتراكية المطبقة في الشرق وبفضل التقدم التكنولوجي
الهائل في الغرب. هذه العولمة تعني بالنسبة للشعوب المزيد من تعميق
السيطرة الأمبريالية (الأمريكية على الخصوص) كما تعني المزيد من
إشاعة العلاقات الليبرالية المتطرفة المجردة من أي بعد اجتماعي.
2 على
المستوى المحلي بمحاولات الحكم للتكيف مع متطلبات هذه العولمة عبر
اتخاذه منذ التسعينات لجملة من الإجراءات أهمها :
- سن
دستور لا ديمقراطي نص لأول مرة على حرية المبادرة التي تعني حرية
الاستغلال.
- تشكيل
حكومة سميت بحكومة التناوب ضمت الأطراف الأساسية في "الكتلة
الديمقراطية" في شروط جعلتها (أي الحكومة) تفتقد للقرار السياسي
والاقتصادي.
- تصفية
القطاع العام وضرب الخدمات الاجتماعية الهزيلة أصلا.
-
مواصلة استنزاف أموال الشعب في تسديد الخدمات الضخمة للمديونية
الخارجية.
والجدير
بالملاحظة أن مختلف محاولات التأقلم مع متطلبات العولمة، كما -جسدتها
اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوربي ودعا لها- على الخصوص- تقرير
البنك العالمي لسنة 1995، يطبعها الإذعان المطلق للدوائر الامبريالية
على المستوى الاقتصادي والاجتماعي واستمرار ديمقراطية الواجهة رغم
الخطاب حول حقوق الإنسان والترقيعات التي طالت هذا المجال.
إن
الوضعية تتميز إذن باختلال موازين القوى لصالح الرأسمالية العالمية
والطبقات السائدة على حساب عموم الجماهير الشعبية.
2
تقرير البنك العالمي كلمة حق ناقصة يراد بها باطل :
1
ولقد جاء تقرير البنك العالمي ليدق ناقوس الخطر ويضع حدا للخطاب
الرسمي حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ففي السابق كان الحكم
يرجع أسباب الأزمات الحادة إلى عوامل خارجية ناتجة عن الأزمة
الاقتصادية في المراكز الرأسمالية أو طبيعية مثل الجفاف...
وإذا
كان التقرير لم يأت بجديد عند تشخيصه لمؤشرات التدهور الاقتصادي
والاجتماعي وتجاهل الحديث عن مسؤولية الطبقات السائدة وعن مسؤوليته
كمنفذ لسياسات الدول الرأسمالية الكبرى وشركاتها المتعددة الاستيطان،
فإنه هذه المرة وعلى غير عادته يحمل المسؤولية بشكل واضح لجهاز
الدولة المخزني :
- حكومة
ضعيفة لا تتوفر على استراتيجية تنموية متماسكة وشاملة.
- جهاز
تشريعي مشلول.
- جهاز
قضائي متخلف وغير مستقل.
إدارة
تتميز بالمركزية المفرطة وبسيطرة وزارة الداخلية على مختلف الوزارات
وبضعف الفعالية وطغيان البيروقراطية مما يؤدي إلى عرقلة الاصلاحات
بسبب تواجد مصالح قوية تعيق الاستثمار.
2 إن
البنك العالمي يرى أن التنمية تتمثل في توفير الشروط أمام الرأسمال
للاستثمار وأن دور الدولة ينحصر في توفير هذه الشروط. لذلك يعتبر أن
جهاز الدولة المرتشي والمتعفن أصبح يشكل ثقلا وعرقلة أمام التطور
الرأسمالي التبعي وبالتالي يرغب في إصلاحه لجعله أكثر فعالية وأقل
تكلفة. كما يعتبر أن مصدر الأزمة يكمن في عدم الدفع بمنطق السوق إلى
مداه، لذلك يوصي برفع كل العراقيل أمام توسع اقتصاد السوق سواء كانت
هذه العراقيل ذات طابع سياسي أو تشريعي أو إداري أو قضائي أو حتى
اجتماعي.
وهكذا
يوصي البنك العالمي (وفي الواقع يأمر، كيف لا وديون المغرب تجاه هذه
المؤسسة تقدر بحوالي 7.5 مليار دولار؟)، ضمن رؤية شاملة ومنسجمة
للأمور، القيام بما يلي :
- إصلاح
قضائي وإداري عميق يجعل من الدولة جهازا لتسهيل التراكم الرأسمالي.
-
التفكيك النهائي للقطاع العام ورفع الحواجز الجمركية وتقليص أو حذف
الضرائب على الرأسمال وتخفيض العملة المحلية وتقنين القطاع غير
المهيكل وتقليص عدد الموظفين في القطاعات الاجتماعية(التعليم، الصحة،
السكن، النقل...) وتجميد أجورهم وتفكيك التشريعات الاجتماعية.
- إصلاح
التعليم في اتجاه التخلي عن مجانية التعليم الثانوي والعالي وخوصصته
والتركيز على محو الأمية وعلى تعميم التعليم الأساسي باعتباره "مفتاح
العصرنة والتنمية العادلة وبهدف اكتساب المهارات الأساسية في القراءة
والكتابة والحساب" وتقوية اللغات والتكوين المهني مع السعي إلى
"تطوير القدرات التحليلية والتكيفية بدل التلقي السلبي نظرا للتطور
السريع للتكنولوجيا والمعارف" وإعادة النظر في مشكل التقويم وعدم
السماح بولوج التعليم العالي بشكل تلقائي وحذف المنح وحصرها في منح
الاستحقاق... كل ذلك بهدف "الاستثمار في الرأسمال البشري كأهم مسألة
بعد التقويم الهيكلي الشيء الذي سيمكن المغرب- كما ادعى التقرير من
أن "يصبح منافسا فعالا بفضل موارده البشرية".
III
ملاحظات عامة
1 حول
تشكيل اللجنة وإعداد الميثاق :
ولقد
كان تقرير البنك العالمي وراء إقبار وثيقة المبادئ التعليمية التي
أعدتها "اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم" سنة 1995 والتي نصت بشكل
واضح على مبدأ مجانية التعليم وعلى مسؤولية الدولة في ضمانه تحقيقا
لمبدأ تكافؤ الفرص ولمبدأ الإلزامية والتعميم".
ولأن
التقرير نبه بشكل واضح إلى أن إصلاح التعليم وفق المنظور الذي جاء به
"يتطلب اختيارات صعبة وتجندا واضحا مساندا من طرف مركز القرار وعلى
جميع مستويات الحكومة والمجتمع" وأن "إصلاحات في قطاع التعليم
والتكوين كيفما كانت استحقاقاتها لا يمكن أن تنجح إلا إذا قبلت من
طرف كل طبقات المجتمع والجماعات المعنية"، عمل الحكم على اختيار
الظرف المناسب لإعطاء إشارة الانطلاق من جديد في إعادة النظر في
النظام التعليمي. أما الظرف المناسب فهو شهر مارس 99، أي بعد مرور
حوالي سنة على تشكيل حكومة "التناوب" والتي تعد ثمرة لسياسة "التوافق
والتراضي".
وفي هذا السياق تم تشكيل "اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين" بعد
تعيين رئيسها وضمت 33 عضوا
: عضوين (2) عن المجالس العلمية و14 عضوا عن الأحزاب السياسية
الممثلة في البرلمان و8 أعضاء عن المركزيات النقابية إضافة إلى 9
أعضاء آخرين.
وقبل
الدخول في مناقشة مضمون الميثاق نود تسجيل الملاحظات التالية :
1 إن
اللجنة لا تضم ضمن عضويتها أي ممثل للوزارات المعنية بقطاع التربية
والتكوين وهي التي سيوكل إليها تطبيق الميثاق ولا أي صوت للقوى
السياسية غير الممثلة في البرلمان أو ممثل رسمي مسؤول لمنظمات
المجتمع المدني (من جمعيات نسائية وحقوقية تربوية وطلابية...) الذي
يعد أحد الشركاء حسب ما جاء في الميثاق.
2 إن
أشغال اللجنة أحيطت بكامل السرية (اللهم ما تسرب من أخبار، بشكل
متأخر، نشرتها بعض الجرائد) كما أن المشروع الذي أنجزته لم يقدم
للنقاش العلني قبل الحسم فيه.
3 إن
الميثاق لم ينجز من طرف الحكومة ولم يقدم للمناقشة والمصادقة داخل
البرلمان (بغض النظر عن كونه مزورا) الذي سيقتصر دوره فقط على مناقشة
مشاريع القوانين التنظيمية التي أشرفت اللجنة على إعدادها. ولاشك أن
استمرار اللجنة في متابعة هذا الملف يهدف إلى ضمان استمرار التوافق
حول الميثاق داخل غرفتي البرلمان.
فأين
نحن من حكومة قوية ومنسجمة تمارس صلاحياتها تحت إشراف الوزير الأول؟
وأين نحن من برلمان يمارس صلاحيته التشريعية ودوره في المراقبة؟ وما
هو دور المجلس الأعلى للتعليم المنصوص عليه دستوريا؟
لهذه
الأسباب نعتقد أن الميثاق لا يستوفي الشروط الدستورية اللازمة، بل
وبالنظر لخطورة الإجراءات التي يتضمنها كان يجب أن يخضع لاستفتاء
شعبي حقيقي.
2 حول
بنية الميثاق : هذا الميثاق صمم على قسمين : يتضمن القسم الأول
المبادئ الأساسية التي تشمل ما سمي بالمرتكزات الثابتة والغايات
الكبرى وحقوق وواجبات الأطراف والتعبئة الوطنية أما القسم الثاني
فيحتوي على ما سمي بمجالات التجديد (178 مادة موزعة على 19 دعامة
للتغيير) وهي :
- نشر
التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي
-
التنظيم البيداغوجي
- الرفع
من جودة التعليم
-
الموارد البشرية
-
التسيير والتدبير
-
الشراكة والتمويل
إن
الميثاق يتميز بطوله نظرا لإغراقه في كثير من التفاصيل وهي إما تافهة
أو غير ضرورية أو معمول بها أصلا. كما يتميز بالكثير من عدم الواقعية
والهروب إلى الأمام بحيث عمد إلى الإعلان عن أهداف مجدولة ومرقمة
يستحيل تطبيقها خلال عشرية التربية والتكوين كما سيتضح لاحقا ويدخل
ذلك في نظرنا ضمن منطق المقايضة الذي يهدف إلى جذب الرأي العام
مقابل تمرير الإجراءات التصفوية والأهداف الحقيقية غير المعلنة. فقد
صرح رئيس اللجنة لجريدة الاتحاد الاشتراكي ليوم 15-11-99 بأن اللجنة
ليست مسؤولة عن التطبيق أما وزير التربية الوطنية فقد أكد لجريدة
La vie
ιconomique
ليوم
12-11-99 أن الميثاق مرهون بتجسيده الفعلي.
وفي هذا
الإطار يمكن التساؤل عن مدى مصداقية إعلان العشرية 2000-2009 "كعشرية
وطنية للتربية والتكوين يعتبر خلالها هذا القطاع كأول أسبقية وطنية
بعد الوحدة الترابية" خصوصا وأن المسؤولين سبق أن أعلنوا نفس الشيء
بالنسبة لإشكالية التشغيل.
IV
المرتكزات الثابتة والغايات الكبرى
1 إن
ما سمي بالمرتكزات الثابتة هو في الواقع خليط من مفاهيم فضفاضة،
متناقضة بل ومتنازع حولها. هذه المرتكزات تنبني على منظور معين
للهوية السياسية والدينية واللغوية للشعب المغربي يطبعه الوهم
المتعلق بمحاولة التوفيق بين الايديولوجية المخزنية من جهة
والايديولوجية الرأسمالية الليبرالية من جهة أخرى. لذا نرى أنه لا
ينبغي تأسيس نظام تربوي على مرجعية جامدة ومقدسة وتحتمل وجهات نظر
مختلفة. وفي المقابل إذا كان القصد هو التأصيل لنظام تربوي عصري فإن
حقوق الإنسان بمنظورها الشمولي تبدو لنا المرجعية الأنسب والأكثر
ديمقراطية التي ينبغي الارتكاز عليها لكن يبدو أن حقوق الإنسان احتلت
ضمن هذا المحور مرتبة ثانوية وقد طرحت من باب الانفتاح على الآخر ليس
إلا.
وفي
غياب مقترحات ملموسة للبرامج فمن المرجح أن يتم الاستمرار في نشر
الفكر الغيبي إلى جانب تدريس المواد العلمية وفي استعمال بعض المواد
للهجوم على الفكر النقدي والتحرري ومواصلة تطويق مادتي الفلسفة
والتاريخ وتكريس دونية المرأة...
2
وإذا كانت تلك المرتكزات قد صيغت على النحو السابق وفي الغالب بهدف
إرضاء شكلي لجميع الفرقاء، فإن الفقرات اللاحقة المتعلقة بالغايات
الكبرى جاءت مطبوعة على العموم بمنظور مغاير هو منظور إيديولوجية
السوق أو منظور الاقتصاد الصرف الذي يقفز على العلاقات الاجتماعية
فهيمنت بالتالي رؤية البنك العالمي.
والآن
لنتفحص " مجالات التجديد" الستة ونرى ما إذا كان بإمكان المغرب تجسيد
تلك الغايات المعلن عنها وإعادة إنتاج النظام التعليمي الجاري به
العمل في بلدان المراكز الرأسمالية؟
V
المجال الأول : نشر التعليم وربطه بالمحيط
الاقتصادي
يدعي
الميثاق ضمن هذا المجال تقديم حلول لثلاث إشكاليات أساسية هي تعميم
التعليم، محاربة الأمية والتربية غير النظامية وملائمة النظام
التربوي والمحيط الاقتصادي.
1
تعميم التعليم :
أكد
الميثاق على أن التعليم الأولي (من سن الرابعة إلى السادسة) والتعليم
الإلزامي (الابتدائي والإعدادي من سن السادسة إلى الخامسة عشرة)
سيحظيان بالأولوية القصوى وأعلن عن مجموعة من الأهداف أهمها :
-
القضاء التدريجي على الانقطاع والفشل المدرسي الذي يمثل حوالي 52%
عند نهاية الإعدادي.
- تعميم
التعليم الأولي والإجباري على أساس أن يجد كل طفل في سن السادسة
مقعدا في السنة الأولى من الابتدائي ابتداء من شتنبر 2002.
- تعميم
الالتحاق بالمدرسة الإعدادية عند نهاية 2009.
ومن أجل
إنجاز هذه الأهداف يدعو الميثاق إلى اتخاذ مجموعة من التدابير نجملها
فيما يلي :
- تحسين
ظروف المتعلمين وذلك بشكل خاص عبر إعادة هيكلة المطاعم المدرسية
وتوفير داخلية في كل إعدادية بالوسط القروي.
- توفير
البنايات المدرسية وتقريبها من التلاميذ.
غير أن
الميثاق يراهن في ذلك على حلول ترقيعية وتافهة كاللجوء عند الحاجة
إلى استئجار محلات جاهزة أو قابلة للإصلاح في قلب المداشر
والدواوير أو حتى إلى وحدات متنقلة للتربية والتكوين !!!
كما يراهن على حلول وهمية أهمها إنجاز شراكة تتكلف بموجبها الجماعات
المحلية بتوفير البنايات المدرسية وصيانتها وحفز المنعشين العقاريين
دائما في إطار الشراكة على الإدراج التلقائي للبنايات المدرسية
ضمن مشاريعهم خاصة في المجال الشبه حضري. ذلك أن الجماعات المحلية
المنبثقة عن انتخابات مزورة ليست في الغالب سوى أوكار للرشوة واختلاس
المال العام تسيطر عليها الأمية والجهل وسوء التدبير وتضارب المصالح
الشخصية هذا فضلا عن هزالة إمكانياتها على العموم خاصة في
المناطق المهمشة. أما القطاع الخاص الذي سيبادر من تلقاء نفسه إلى
إنجاز البنايات المدرسية ويعرف الحاجيات والمواصفات بالضبط فلا وجود
له إلا في مخيلة واضعي الميثاق اللهم إذا كان القصد هو البنايات
المنتسبة لقطاع التعليم الخاص.
2
محاربة الأمية والتربية غير النظامية :
لقد ركز
الميثاق على الفئات التالية حسب الأهمية :
- فئة
العمال قصد تمكينهم من مواكبة تطور الوحدات الإنتاجية والرفع بالتالي
من مستوى النسيج الاقتصادي عبر الرفع من المردودية والانتاجية. ونشير
أن نسبة المعنيين بالأمر تقدر بحوالي 50%
من مجموع المأجورين يهدف الميثاق تخفيضها إلى
20%
في أفق
2010.
- فئة العاطلين وخاصة النساء بهدف تطوير التربية الإنجابية والصحية
والأسرية والتحكم بالتالي في النمو الديموغرافي.
- فئة
الشباب في سن التمدرس والذين لم يلجوا المدرسة أبدا واضطروا إلى
مغادرتها وذلك بهدف من جهة أولى تأهيلها باعتبارها جيشا احتياطيا ومن
جهة ثانية إدماجها وإلا شكلت خطرا على النظام ككل.
وإذا
كان الميثاق قد اعتبر محاربة الأمية إلزاما اجتماعيا للدولة فقد شدد
على إشراك المشغلين عبر الغرف والجمعيات المهنية علما أن 30
%
من المشرفين على المقاولات الصغرى والمتوسطة هم أنفسهم أميون وأن
الباطورنا المتخلفة تحتقر العمال وتضرب استقرار العمل عبر الإغلاقات
والتسريحات الجماعية... كما يلقي بهذه المهمة المصيرية مرة أخرى
على عاتق الجماعات المحلية التي تعرفنا على طبيعتها الفاسدة وعلى
المنظمات غير الحكومية التي غالبا ما تتعرض مكوناتها الجادة إلى شتى
أنواع التهميش والتضييق هذا إن توفرت لديها الإمكانيات اللازمة، مع
الإشارة إلى أن عدد المنظمات المعنية لا يتناسب إطلاقا مع حجم ظاهرة
الأمية التي تقدر نسبتها على الأقل بحوالي 50%.
إن التجربة السابقة في هذا المجال تعتبر فاشلة باعتراف رسمي. فقد
أعلنت الدولة سابقا استفادة 300 ألف سنويا من دروس محاربة الأمية،
غير أن نسبة المستفيدين لم تتجاوز 10%
وذلك راجع إلى عدة أسباب متداخلة ومعقدة منها ضعف تعويضات المعلمين
(15 درهم للساعة)، عدم ملاءمة البرامج والمناهج لمختلف الفئات
المستهدفة. أما التربية النظامية فبدورها تعرف مشاكلا لا تقل تعقيدا
ومنها ظروف العاملين (المؤطرين) في هذا المجال وكذا نفسية وقابلية
المتعلمين لضمان استمرارية تعلمهم..
في جميع الأحوال فإن الميثاق لا يهدف من وراء كل ما سبق إلى تحقيق
تفتح وصقل الشخصية الإنسانية وضمان كرامتها كما قد يتبادر إلى الذهن
بل وبالأساس إلى تأهيل الموارد البشرية لتطابق المواصفات التي
يتطلبها الرأسمال.
3 السعي إلى تلاؤم أكبر بين النظام التربوي والمحيط الاقتصادي :
وفي محالة لدعم التوجه المشار إليه (أي تأهيل الموارد البشرية) فإن
النظام التعليمي حسب الميثاق يجب أن يركز على تعزيز الجانب
العملي وذلك بشكل خاص، عبر :
- إقامة تعاون يرتكز على اقتسام المسؤولية بين التعليم العام (بما في
ذلك الجامعي) والتعليم التقني والتكوين المهني بغية الاستغلال الأمثل
للتجهيزات والمختبرات وذلك في إطار ما سمي بشبكات التربية والتكوين
على الصعيدين المحلي والجهوي.
- تشجيع التعاون في إطار الشراكة وعلى أوسع نطاق بين المؤسسات
التربوية والتكوينية والمقاولات والتعاونيات والحرفيين بالمدن والقرى
في إطار عقود للتمرس والتكوين بالتناوب.
1 هكذا، فيما يخص الجانب الأول، سترتبط كل إعدادية بمركز مجاور
للتكوين المهني أو مراكز الاستئناس الشباب أو التربية النسوية وكل
ثانوية بمركز للتأهيل المهني أو معهد للتكنولوجيا التطبيقية. كما
سترتبط المؤسسات الجامعية بمدارس المهندسين وبمختلف معاهد التكوين.
مما سبق يتأكد أن الميثاق يهدف بالأساس وخاصة على مستوى التعليم
الإعدادي إلى توفير يد عاملة شبه مؤهلة تمتلك بعض المهارات التقنية
والمهنية البسيطة.
في نفس الوقت يهدف على مستوى التعليم العام (الثانوي والعالي) إلى
التخلص من النفقات المرتبطة بتوفير وإصلاح وتجهيز المختبرات وذلك عبر
إحالة الأشغال التطبيقية والدروس التكنولوجية إلى مؤسسات التعليم
التقني والمهني، غير مكترث بما سيخلفه هذا " |