chercher sur se site Nous contacter Dates importantes Nos activités Nos positions Documents qui sommes-nous? page d'acceuil
 

 

قراءة نقدية في الميثاق الوطني للتربية والتكوين

إعداد : لجنة الدراسات لفرع الرباط – سلا – تمارة

التابع للجامعة الوطنية للتعليم (ا.م.ش)

-I مقدمة

 إن الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي نحن بصدد دراسته عبارة عن برنامج مفصل يندرج ضمن رؤية منسجمة ومتكاملة للأمور، سيمتد العمل به إلى سنة 2015 ومن شأنه بالتالي أن يرهن مستقبل بلادنا وإحداث تغييرات عميقة على مستوى المجتمع برمته. وقد تم إعداد هذا الميثاق بشكل فوقي من طرف "اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين" (COSEF) التي تم تشكيلها رسميا في شهر مارس من سنة 1999.

والملاحظ أن عملية الإعداد هاته واكبتها حملة واسعة، انطلقت مع التقرير الشهير للبنك العالمي لسنة 1995 وبإيعاز منه حيث جاء في التقرير أن "مسلسل الإصلاح سيكون بحاجة إلى حملة واسعة من الترويج الاجتماعي لشرح أفضلية الإصلاح والامتيازات التي سيمنحها على المدى الطويل للمجتمع... على نحو يجلب العموم ويحصل على مساندته".

ولقد ركزت تلك الحملة بشكل مثير على أزمة النظام التعليمي ليس بهدف تجاوزها بل قصد التمهيد لإجراءات تراجعية أخرى، شرعت الوزارات المعنية في تطبيق بعض منها (مشروع النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية، الشراكة...) حتى قبل الشروع في إعداد الميثاق.

إن هذا الميثاق لم ينجز في حدود علمنا على أساس تقييم جدي، جماعي وموضوعي للسياسة التعليمية المتبعة منذ أزيد من أربعة عقود، يقف عند حصيلتها ويحدد المسؤوليات ثم يطرح البدائل. إن ضرورة مثل هذا التقييم تزداد أهمية خصوصا عندما يتعلق الأمر بقطاع اعتبر دائما قطاع أزمة وتعرض لمحاولات إصلاح متكررة لم تمكنه أبدا من الخروج من أزمته العميقة والمركبة. لقد كان من اللازم تقديم أجوبة واضحة عن الأسئلة التي يطرحها الشعب المغربي ومن ضمنها :

1 – لماذا تفشت الأمية بشكل مهول وسط ملايين الكادحين والعمال رغم استثمار ربع ميزانية الدولة و11% من الناتج الداخلي الخام (كما يقال) في مجال التعليم؟ ولماذا يبقى ملايين الأطفال في سن التمدرس خارج المنظومة التعليمية؟

2 – ما الذي دفع النظام التعليمي إلى هذا المستوى المفجع من الإهدار والفشل المدرسي بحيث على سبيل المثال 13% فقط من الأطفال المتمدرسين يحصلون على شهادة البكالوريا؟ ما علاقة هذا وذلك بسياسة التقويم الهيكلي؟

3 – ما هي حصيلة سياسة التعريب المتبعة لحد الآن ولماذا يتراجع عنها الميثاق؟

4 – لماذا قررت الدولة إعادة النظر في إشكالية التقويم في أواسط الثمانينات فاعتمدت نظام الأكاديميات غير مكترثة بسيل الانتقادات الموجهة لهذا النظام ثم تعود من خلال هذا الميثاق لإقرار نظام للتقويم شبيه بالذي كان معمولا به في الستينات؟

5 – لماذا تشتغل مؤسسات تكوين الأطر منذ عشر سنوات بأفواج ضئيلة من الطلبة بحيث لا تلبي أدنى متطلبات التنمية التي يطبل لها صباح مساء؟

6 – ما هي حصيلة التكوين المهني؟

7 – ما هي الأسباب الحقيقية وراء تفشي البطالة في صفوف حاملي الشهادات الجامعية والمهنية : هل المدرسة المغربية أم طبيعة النسيج الاقتصادي المسيطر وانعكاساته على قطاع التعليم؟

8 – ما الذي جعل الدولة تمانع في سن سياسة حقيقية للبحث العلمي ولماذا بقيت السياسة التعليمية بوجه عام تستجيب لمتطلبات الدوائر الرأسمالية (الفرنسية على الخصوص)؟

كل هذه الأسئلة وغيرها لن يجد لها القارئ جوابا ضمن هذا الميثاق الذي يراد به أن يكون "مجددا" و"تحديثيا" مع أنه في الواقع ليس سوى ترجمة لتقرير البنك العالمي.

إن مناقشتنا لهذا الميثاق مجرد وجهة نظر لا تدعي إطلاقا القيام بتقييم من ذلك النوع ولن تتطرق إلى مختلف محاولات الإصلاح الترقيعية والفاشلة التي عرفها قطاع التعليم على مدى العقود السابقة لكن تسعى إلى تسليط الأضواء على الميثاق والكشف عن الخلفيات التي ينطلق منها والأهداف الحقيقية التي يروم تحقيقها وتبيان تناقضاته الداخلية والحكم على مدى صلاحيته ولو في إطار المنظور "الليبرالي الجديد" كما يراد تطبيقه في بلادنا.

فما هو الإطار العام الذي تم فيه إنجاز الميثاق؟ وما هو مضمون التربية والتكوين الذي يطمح إلى تكريسه؟

II الإطار العام

1 – إشاعة العلاقات الليبرالية المتطرفة ونهج ديمقراطية الواجهة :

إن الإطار العام المحيط بإعداد الميثاق الوطني للتربية والتكوين يتسم :

1 – على المستوى العالمي بتنامي وتيرة العولمة الجديدة للنظام الرأسمالي بسبب فشل تجارب الاشتراكية المطبقة في الشرق وبفضل التقدم التكنولوجي الهائل في الغرب. هذه العولمة تعني بالنسبة للشعوب المزيد من تعميق السيطرة الأمبريالية (الأمريكية على الخصوص) كما تعني المزيد من إشاعة العلاقات الليبرالية المتطرفة المجردة من أي بعد اجتماعي.

2 – على المستوى المحلي بمحاولات الحكم للتكيف مع متطلبات هذه العولمة عبر اتخاذه منذ التسعينات لجملة من الإجراءات أهمها :

- سن دستور لا ديمقراطي نص لأول مرة على حرية المبادرة التي تعني حرية الاستغلال.

- تشكيل حكومة سميت بحكومة التناوب ضمت الأطراف الأساسية في "الكتلة الديمقراطية" في شروط جعلتها (أي الحكومة) تفتقد للقرار السياسي والاقتصادي.

- تصفية القطاع العام وضرب الخدمات الاجتماعية الهزيلة أصلا.

- مواصلة استنزاف أموال الشعب في تسديد الخدمات الضخمة للمديونية الخارجية.

والجدير بالملاحظة أن مختلف محاولات التأقلم مع متطلبات العولمة، كما -جسدتها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوربي ودعا لها- على الخصوص- تقرير البنك العالمي لسنة 1995، يطبعها الإذعان المطلق للدوائر الامبريالية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي واستمرار ديمقراطية الواجهة رغم الخطاب حول حقوق الإنسان والترقيعات التي طالت هذا المجال.

إن الوضعية تتميز إذن باختلال موازين القوى لصالح الرأسمالية العالمية والطبقات السائدة على حساب عموم الجماهير الشعبية.

2 – تقرير البنك العالمي كلمة حق ناقصة يراد بها باطل :

1 – ولقد جاء تقرير البنك العالمي ليدق ناقوس الخطر ويضع حدا للخطاب الرسمي حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ففي السابق كان الحكم يرجع أسباب الأزمات الحادة إلى عوامل خارجية ناتجة عن الأزمة الاقتصادية في المراكز الرأسمالية أو طبيعية مثل الجفاف...

وإذا كان التقرير لم يأت بجديد عند تشخيصه لمؤشرات التدهور الاقتصادي والاجتماعي وتجاهل الحديث عن مسؤولية الطبقات السائدة وعن مسؤوليته كمنفذ لسياسات الدول الرأسمالية الكبرى وشركاتها المتعددة الاستيطان، فإنه هذه المرة وعلى غير عادته يحمل المسؤولية بشكل واضح لجهاز الدولة المخزني :

- حكومة ضعيفة لا تتوفر على استراتيجية تنموية متماسكة وشاملة.

- جهاز تشريعي مشلول.

- جهاز قضائي متخلف وغير مستقل.

إدارة تتميز بالمركزية المفرطة وبسيطرة وزارة الداخلية على مختلف الوزارات وبضعف الفعالية وطغيان البيروقراطية مما يؤدي إلى عرقلة الاصلاحات بسبب تواجد مصالح قوية تعيق الاستثمار.

2 – إن البنك العالمي يرى أن التنمية تتمثل في توفير الشروط أمام الرأسمال للاستثمار وأن دور الدولة ينحصر في توفير هذه الشروط. لذلك يعتبر أن جهاز الدولة المرتشي والمتعفن أصبح يشكل ثقلا وعرقلة أمام التطور الرأسمالي التبعي وبالتالي يرغب في إصلاحه لجعله أكثر فعالية وأقل تكلفة. كما يعتبر أن مصدر الأزمة يكمن في عدم الدفع بمنطق السوق إلى مداه، لذلك يوصي برفع كل العراقيل أمام توسع اقتصاد السوق سواء كانت هذه العراقيل ذات طابع سياسي أو تشريعي أو إداري أو قضائي أو حتى اجتماعي.

وهكذا يوصي البنك العالمي (وفي الواقع يأمر، كيف لا وديون المغرب تجاه هذه المؤسسة تقدر بحوالي 7.5 مليار دولار؟)، ضمن رؤية شاملة ومنسجمة للأمور، القيام بما يلي :

- إصلاح قضائي وإداري عميق يجعل من الدولة جهازا لتسهيل التراكم الرأسمالي.

- التفكيك النهائي للقطاع العام ورفع الحواجز الجمركية وتقليص أو حذف الضرائب على الرأسمال وتخفيض العملة المحلية وتقنين القطاع غير المهيكل وتقليص عدد الموظفين في القطاعات الاجتماعية(التعليم، الصحة، السكن، النقل...) وتجميد أجورهم وتفكيك التشريعات الاجتماعية.

- إصلاح التعليم في اتجاه التخلي عن مجانية التعليم الثانوي والعالي وخوصصته والتركيز على محو الأمية وعلى تعميم التعليم الأساسي باعتباره "مفتاح العصرنة والتنمية العادلة وبهدف اكتساب المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب" وتقوية اللغات والتكوين المهني مع السعي إلى "تطوير القدرات التحليلية والتكيفية بدل التلقي السلبي نظرا للتطور السريع للتكنولوجيا والمعارف" وإعادة النظر في مشكل التقويم وعدم السماح بولوج التعليم العالي بشكل تلقائي وحذف المنح وحصرها في منح الاستحقاق... كل ذلك بهدف "الاستثمار في الرأسمال البشري كأهم مسألة بعد التقويم الهيكلي الشيء الذي سيمكن المغرب- كما ادعى التقرير – من أن "يصبح منافسا فعالا بفضل موارده البشرية".

III – ملاحظات عامة

1 – حول تشكيل اللجنة وإعداد الميثاق :

ولقد كان تقرير البنك العالمي وراء إقبار وثيقة المبادئ التعليمية التي أعدتها "اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم" سنة 1995 والتي نصت بشكل واضح على مبدأ مجانية التعليم وعلى مسؤولية الدولة في ضمانه تحقيقا لمبدأ تكافؤ الفرص ولمبدأ الإلزامية والتعميم".

ولأن التقرير نبه بشكل واضح إلى أن إصلاح التعليم وفق المنظور الذي جاء به "يتطلب اختيارات صعبة وتجندا واضحا مساندا من طرف مركز القرار وعلى جميع مستويات الحكومة والمجتمع" وأن "إصلاحات في قطاع التعليم والتكوين كيفما كانت استحقاقاتها لا يمكن أن تنجح إلا إذا قبلت من طرف كل طبقات المجتمع والجماعات المعنية"، عمل الحكم على اختيار الظرف المناسب لإعطاء إشارة الانطلاق من جديد في إعادة النظر في النظام التعليمي. أما الظرف المناسب فهو شهر مارس 99، أي بعد مرور حوالي سنة على تشكيل حكومة "التناوب" والتي تعد ثمرة لسياسة "التوافق والتراضي".

وفي هذا السياق تم تشكيل "اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين" بعد تعيين رئيسها وضمت 33 عضوا : عضوين (2) عن المجالس العلمية و14 عضوا عن الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان و8 أعضاء عن المركزيات النقابية إضافة إلى 9 أعضاء آخرين.

وقبل الدخول في مناقشة مضمون الميثاق نود تسجيل الملاحظات التالية :

1 – إن اللجنة لا تضم ضمن عضويتها أي ممثل للوزارات المعنية بقطاع التربية والتكوين وهي التي سيوكل إليها تطبيق الميثاق ولا أي صوت للقوى السياسية غير الممثلة في البرلمان أو ممثل رسمي مسؤول لمنظمات المجتمع المدني (من جمعيات نسائية وحقوقية تربوية وطلابية...) الذي يعد أحد الشركاء حسب ما جاء في الميثاق.

2 – إن أشغال اللجنة أحيطت بكامل السرية (اللهم ما تسرب من أخبار، بشكل متأخر، نشرتها بعض الجرائد) كما أن المشروع الذي أنجزته لم يقدم للنقاش العلني قبل الحسم فيه.

3 – إن الميثاق لم ينجز من طرف الحكومة ولم يقدم للمناقشة والمصادقة داخل البرلمان (بغض النظر عن كونه مزورا) الذي سيقتصر دوره فقط على مناقشة مشاريع القوانين التنظيمية التي أشرفت اللجنة على إعدادها. ولاشك أن استمرار اللجنة في متابعة هذا الملف يهدف إلى ضمان استمرار التوافق حول الميثاق داخل غرفتي البرلمان.

فأين نحن من حكومة قوية ومنسجمة تمارس صلاحياتها تحت إشراف الوزير الأول؟ وأين نحن من برلمان يمارس صلاحيته التشريعية ودوره في المراقبة؟ وما هو دور المجلس الأعلى للتعليم المنصوص عليه دستوريا؟

لهذه الأسباب نعتقد أن الميثاق لا يستوفي الشروط الدستورية اللازمة، بل وبالنظر لخطورة الإجراءات التي يتضمنها كان يجب أن يخضع لاستفتاء شعبي حقيقي.

2 – حول بنية الميثاق : هذا الميثاق صمم على قسمين : يتضمن القسم الأول المبادئ الأساسية التي تشمل ما سمي بالمرتكزات الثابتة والغايات الكبرى وحقوق وواجبات الأطراف والتعبئة الوطنية أما القسم الثاني فيحتوي على ما سمي بمجالات التجديد (178 مادة موزعة على 19 دعامة للتغيير) وهي :

- نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي

- التنظيم البيداغوجي

- الرفع من جودة التعليم

- الموارد البشرية

- التسيير والتدبير

- الشراكة والتمويل

إن الميثاق يتميز بطوله نظرا لإغراقه في كثير من التفاصيل وهي إما تافهة أو غير ضرورية أو معمول بها أصلا. كما يتميز بالكثير من عدم الواقعية والهروب إلى الأمام بحيث عمد إلى الإعلان عن أهداف مجدولة ومرقمة يستحيل تطبيقها خلال عشرية التربية والتكوين كما سيتضح لاحقا ويدخل ذلك – في نظرنا – ضمن منطق المقايضة الذي يهدف إلى جذب الرأي العام مقابل تمرير الإجراءات التصفوية والأهداف الحقيقية غير المعلنة. فقد صرح رئيس اللجنة لجريدة الاتحاد الاشتراكي ليوم 15-11-99  بأن اللجنة ليست مسؤولة عن التطبيق أما وزير التربية الوطنية فقد أكد لجريدة La vie économique ليوم 12-11-99  أن الميثاق مرهون بتجسيده الفعلي.

وفي هذا الإطار يمكن التساؤل عن مدى مصداقية إعلان العشرية 2000-2009 "كعشرية وطنية للتربية والتكوين يعتبر خلالها هذا القطاع كأول أسبقية وطنية بعد الوحدة الترابية" خصوصا وأن المسؤولين سبق أن أعلنوا نفس الشيء بالنسبة لإشكالية التشغيل.

 

IV – المرتكزات الثابتة والغايات الكبرى

1 – إن ما سمي بالمرتكزات الثابتة هو في الواقع خليط من مفاهيم فضفاضة، متناقضة بل ومتنازع حولها. هذه المرتكزات تنبني على منظور معين للهوية السياسية والدينية واللغوية للشعب المغربي يطبعه الوهم المتعلق بمحاولة التوفيق بين الايديولوجية المخزنية من جهة والايديولوجية الرأسمالية الليبرالية من جهة أخرى. لذا نرى أنه لا ينبغي تأسيس نظام تربوي على مرجعية جامدة ومقدسة وتحتمل وجهات نظر مختلفة. وفي المقابل إذا كان القصد هو التأصيل لنظام تربوي عصري فإن حقوق الإنسان بمنظورها الشمولي تبدو لنا المرجعية الأنسب والأكثر ديمقراطية التي ينبغي الارتكاز عليها لكن يبدو أن حقوق الإنسان احتلت ضمن هذا المحور مرتبة ثانوية وقد طرحت من باب الانفتاح على الآخر ليس إلا.

وفي غياب مقترحات ملموسة للبرامج فمن المرجح أن يتم الاستمرار في نشر الفكر الغيبي إلى جانب تدريس المواد العلمية وفي استعمال بعض المواد للهجوم على الفكر النقدي والتحرري ومواصلة تطويق مادتي الفلسفة والتاريخ وتكريس دونية المرأة...

2 – وإذا كانت تلك المرتكزات قد صيغت على النحو السابق وفي الغالب بهدف إرضاء شكلي لجميع الفرقاء، فإن الفقرات اللاحقة المتعلقة بالغايات الكبرى جاءت مطبوعة على العموم بمنظور مغاير هو منظور إيديولوجية السوق أو منظور الاقتصاد الصرف الذي يقفز على العلاقات الاجتماعية فهيمنت بالتالي رؤية البنك العالمي.

والآن لنتفحص " مجالات التجديد" الستة ونرى ما إذا كان بإمكان المغرب تجسيد تلك الغايات المعلن عنها وإعادة إنتاج النظام التعليمي الجاري به العمل في بلدان المراكز الرأسمالية؟

V – المجال الأول : نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي

يدعي الميثاق ضمن هذا المجال تقديم حلول لثلاث إشكاليات أساسية هي تعميم التعليم، محاربة الأمية والتربية غير النظامية وملائمة النظام التربوي والمحيط الاقتصادي.

1 – تعميم التعليم :

أكد الميثاق على أن التعليم الأولي (من سن الرابعة إلى السادسة) والتعليم الإلزامي (الابتدائي والإعدادي من سن السادسة إلى الخامسة عشرة) سيحظيان بالأولوية القصوى وأعلن عن مجموعة من الأهداف أهمها :

- القضاء التدريجي على الانقطاع والفشل المدرسي الذي يمثل حوالي 52% عند نهاية الإعدادي.

- تعميم التعليم الأولي والإجباري على أساس أن يجد كل طفل في سن السادسة مقعدا في السنة الأولى من الابتدائي ابتداء من شتنبر 2002.

- تعميم الالتحاق بالمدرسة الإعدادية عند نهاية 2009.

ومن أجل إنجاز هذه الأهداف يدعو الميثاق إلى اتخاذ مجموعة من التدابير نجملها فيما يلي :

- تحسين ظروف المتعلمين وذلك – بشكل خاص – عبر إعادة هيكلة المطاعم المدرسية وتوفير داخلية في كل إعدادية بالوسط القروي.

- توفير البنايات المدرسية وتقريبها من التلاميذ.

غير أن الميثاق يراهن في ذلك على حلول ترقيعية وتافهة كاللجوء – عند الحاجة – إلى استئجار محلات جاهزة أو قابلة للإصلاح في قلب المداشر والدواوير أو حتى إلى وحدات متنقلة للتربية والتكوين !!! كما يراهن على حلول وهمية أهمها إنجاز شراكة تتكلف بموجبها الجماعات المحلية بتوفير البنايات المدرسية وصيانتها وحفز المنعشين العقاريين – دائما في إطار الشراكة – على الإدراج التلقائي للبنايات المدرسية ضمن مشاريعهم خاصة في المجال الشبه حضري. ذلك أن الجماعات المحلية المنبثقة عن انتخابات مزورة ليست في الغالب سوى أوكار للرشوة واختلاس المال العام تسيطر عليها الأمية والجهل وسوء التدبير وتضارب المصالح الشخصية هذا فضلا عن هزالة إمكانياتها – على العموم – خاصة في المناطق المهمشة. أما القطاع الخاص الذي سيبادر من تلقاء نفسه إلى إنجاز البنايات المدرسية ويعرف الحاجيات والمواصفات بالضبط فلا وجود له إلا في مخيلة واضعي الميثاق اللهم إذا كان القصد هو البنايات المنتسبة لقطاع التعليم الخاص.

2 – محاربة الأمية والتربية غير النظامية :

لقد ركز الميثاق على الفئات التالية حسب الأهمية :

- فئة العمال قصد تمكينهم من مواكبة تطور الوحدات الإنتاجية والرفع بالتالي من مستوى النسيج الاقتصادي عبر الرفع من المردودية والانتاجية. ونشير أن نسبة المعنيين بالأمر تقدر بحوالي 50% من مجموع المأجورين يهدف الميثاق تخفيضها إلى 20% في أفق 2010.

- فئة العاطلين وخاصة النساء بهدف تطوير التربية الإنجابية والصحية والأسرية والتحكم بالتالي في النمو الديموغرافي.

- فئة الشباب في سن التمدرس والذين لم يلجوا المدرسة أبدا واضطروا إلى مغادرتها وذلك بهدف من جهة أولى تأهيلها باعتبارها جيشا احتياطيا ومن جهة ثانية إدماجها وإلا شكلت خطرا على النظام ككل.

وإذا كان الميثاق قد اعتبر محاربة الأمية إلزاما اجتماعيا للدولة فقد شدد على إشراك المشغلين عبر الغرف والجمعيات المهنية علما أن 30 % من المشرفين على المقاولات الصغرى والمتوسطة هم أنفسهم أميون وأن الباطورنا المتخلفة تحتقر العمال وتضرب استقرار العمل عبر الإغلاقات والتسريحات الجماعية... كما يلقي بهذه المهمة المصيرية – مرة أخرى – على عاتق الجماعات المحلية التي تعرفنا على طبيعتها الفاسدة وعلى المنظمات غير الحكومية التي غالبا ما تتعرض مكوناتها الجادة إلى شتى أنواع التهميش والتضييق هذا إن توفرت لديها الإمكانيات اللازمة، مع الإشارة إلى أن عدد المنظمات المعنية لا يتناسب إطلاقا مع حجم ظاهرة الأمية التي تقدر نسبتها على الأقل بحوالي 50%.

إن التجربة السابقة في هذا المجال تعتبر فاشلة باعتراف رسمي. فقد أعلنت الدولة سابقا استفادة 300 ألف سنويا من دروس محاربة الأمية، غير أن نسبة المستفيدين لم تتجاوز 10% وذلك راجع إلى عدة أسباب متداخلة ومعقدة منها ضعف تعويضات المعلمين (15 درهم للساعة)، عدم ملاءمة البرامج والمناهج لمختلف الفئات المستهدفة. أما التربية النظامية فبدورها تعرف مشاكلا لا تقل تعقيدا ومنها ظروف العاملين (المؤطرين) في هذا المجال وكذا نفسية وقابلية المتعلمين لضمان استمرارية تعلمهم..

في جميع الأحوال فإن الميثاق لا يهدف من وراء كل ما سبق إلى تحقيق تفتح وصقل الشخصية الإنسانية وضمان كرامتها كما قد يتبادر إلى الذهن بل وبالأساس إلى تأهيل الموارد البشرية لتطابق المواصفات التي يتطلبها الرأسمال.

3 – السعي إلى تلاؤم أكبر بين النظام التربوي والمحيط الاقتصادي :

وفي محالة لدعم التوجه المشار إليه (أي تأهيل الموارد البشرية) فإن النظام التعليمي – حسب الميثاق – يجب أن يركز على تعزيز الجانب العملي وذلك بشكل خاص، عبر :

- إقامة تعاون يرتكز على اقتسام المسؤولية بين التعليم العام (بما في ذلك الجامعي) والتعليم التقني والتكوين المهني بغية الاستغلال الأمثل للتجهيزات والمختبرات وذلك في إطار ما سمي بشبكات التربية والتكوين على الصعيدين المحلي والجهوي.

- تشجيع التعاون في إطار الشراكة وعلى أوسع نطاق بين المؤسسات التربوية والتكوينية والمقاولات والتعاونيات والحرفيين بالمدن والقرى في إطار عقود للتمرس والتكوين بالتناوب.

1 – هكذا، فيما يخص الجانب الأول، سترتبط كل إعدادية بمركز مجاور للتكوين المهني أو مراكز الاستئناس الشباب أو التربية النسوية وكل ثانوية بمركز للتأهيل المهني أو معهد للتكنولوجيا التطبيقية. كما سترتبط المؤسسات الجامعية بمدارس المهندسين وبمختلف معاهد التكوين.

مما سبق يتأكد أن الميثاق يهدف بالأساس وخاصة على مستوى التعليم الإعدادي إلى توفير يد عاملة شبه مؤهلة تمتلك بعض المهارات التقنية والمهنية البسيطة.

في نفس الوقت يهدف على مستوى التعليم العام (الثانوي والعالي) إلى التخلص من النفقات المرتبطة بتوفير وإصلاح وتجهيز المختبرات وذلك عبر إحالة الأشغال التطبيقية والدروس التكنولوجية إلى مؤسسات التعليم التقني والمهني، غير مكترث بما سيخلفه هذا "الابداع" من شرخ غير مقبول بين الجانبين النظري والتطبيقي ومشاكل تربوية وبيداغوجية أخرى الشيء الذي يتناقض مع شعار الجودة.

أما على مستوى الواقع الملموس، فإن حظوظ نجاح هذا الإجراء ضئيلة جدا إن لم تكن منعدمة في أغلبية المناطق لأسباب واضحة مرتبطة بالفوارق الجهوية وضعف البنى التحتية من طرق ومواصلات والقدرة الاستيعابية للمؤسسات المهنية والتقنية المستقبلة – إن وجدت – وأطر وموارد بشرية مكونة فضلا عن إكراهات استعمالات الزمن المثقلة (كما سنرى لاحقا)...

2 – وفيما يتعلق بالجانب الثاني، فإن المقصود بالتمرس – كما عرفه الميثاق – ذلك التكوين الذي يتم أساسا داخل المقاولة ويرتكز على التعاقد بين المشغل والمتعلم بسلك الإعدادي أو التأهيل المهني لمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات.

أما التكوين بالتناوب فسيتم بشكل متوازن – على العموم – بين المؤسسة الأصلية والمقاولة.

لقد أوضحنا أعلاه صعوبة تطبيق هذا الطموح ونضيف أن المقاولة المغربية غير مؤهلة لتقديم تكوين تطبيقي جيد ما دام المكونون (إن وجدوا) تعلموا عن طريق التقليد وليس على أساس تكوين نظري وتطبيقي متين (نشير في هذا الصدد إلى أن 74% من المشرفين على المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تشكل  94% من النسيج الاقتصادي المغربي ليس لهم تكوين أولي أو مستمر وأن 92% منهم يجهلون تقنيات التسيير...).

وهكذا يتبين أن الأمر يتعلق بنوع من التضليل والتحايل يتماشى مع ما جاء به مشروع مدونة الشغل بخصوص التدرج المهني، الغرض منه توفير يد عاملة بدون أجر ولمدة غير قليلة وفي نفس الوقت مكافأة المقاولة على هذا الاستغلال تحت يافطة مجهودات وهمية في مجال التأطير ويشكل خرقا للمواثيق الدولية المتعلقة بمنع تشغيل الأطفال.

3 – بقي أن نشير أن المؤسسات التعليمية ستفتح في وجه المقاولات من أجل التكوين المستمر الذي تم إقراره كحق وواجب وكشرط للمحافظة على مناصب الشغل وتحسين الأوضاع الاجتماعية للمأجورين وتحت غطاء ضمان تنافسية النسيج الاقتصادي. ودون رصد الإمكانيات الهزيلة أصلا، تم تحديد نسبة 20% من مجموع العمال والمستخدمين والموظفين كنسبة للمستفيدين سنويا من عملية التكوين المستمر.

وإذ نعتقد أن ضمان تنافسية الاقتصاد المغربي تتطلب إحداث تغييرات عميقة وجذرية على كافة المستويات فإن ما سبق ليس في الواقع سوى نوعا من الاطناب والهروب إلى الأمام يراد منه إقناع المأجورين بضرورة المساهمة في تمويل التكوين المستمر بينما المستفيد الأكبر هو المقاولة.


 

VI – المجال الثاني : التنظيم البيداعوجي

تتضمن الهيكلة الجديدة المقترحة من طرف الميثاق كلا من التعليم الأولي (لمدة سنتين ابتداء من سن الرابعة) والتعليم الابتدائي بسلكيه والتعليم الإعدادي والثانوي والعالي والتكوين المهني إلى جانب التعليم الأصيل الذي لم تحدد الأهداف المتوخاة منه خلافا للأنواع الأخرى من التعليم التي تتميز بما يلي :

- التعليم الأولي : يسعى إلى تيسير الشروع في القراءة والكتابة باللغة العربية.

- التعليم الابتدائي : يهدف على مستوى السلك الأول إلى إتقان التعبير الكتابي باللغة العربية والتمرن على استعمال لغة أجنبية أولى وعلى مستوى السلك الثاني إلى التمرن على لغة أجنبية ثانية وعلى استعمال الوسائل الحديثة للمعلوميات !

أما الانتقال من السلك الأول إلى السلك الثاني فسيتم على أساس امتحان موحد على صعيد المؤسسة. وأخيرا سيتوج هذا السلك بشهادة الدراسات الابتدائية (CEP) التي تمنح على أساس امتحان موحد على الصعيد الإقليمي.

- التعليم الإعدادي : أحدث – كما رأينا ذلك سابقا – ما سمي بالتمرس المهني والتكوين بالتناوب. وفي مجال التقويم سينظم امتحان موحد على الصعيد الجهوي من أجل نيل دبلوم التعليم الإعدادي (DEC).

- التعليم الثانوي : يحتوي إضافة إلى التعليم الثانوي العام على سلك التأهيل المهني لمدة 3 سنوات من أجل تكوين يد عاملة مؤهلة كما يضم التعليم الثانوي التقني والمهني الذي يهدف إلى تكوين أطر تقنية متوسطة.

ويتوج التعليم بشهادة الباكالوريا التي تحتسب على أساس المراقبة المستمرة خلال الثلاث سنوات الدراسية والامتحان الجهوي المنظم عند نهاية السنة الأولى من مسلك البكالوريا والامتحان الوطني الموحد الذي ينظم عند نهاية المسلك في المواد الثلاث الأساسية المتصلة بشعبة التخصص إضافة إلى اللغة العربية ولغة أجنبية من اختيار التلميذ.

وباختصار فإن الميثاق أقدم على مراجعة هامة شملت كافة الجوانب المرتبطة بالهيكلة والأهداف والتقويم والتوجيه وفي هذا الصدد نسجل الملاحظات المركزة التالية :

1 – إن التمرن على لغة أجنبية ثانية وعلى الوسائل الحديثة للمعلوميات في التعليم الابتدائي يتطلب تعبئة سريعة لموارد بشرية مكونة ووسائل مادية ضخمة لا ندري كيف ستوفرها الوزارة المعنية اللهم إذا كان ذلك يدخل في إطار المزايدة خاصة وأن نسبة كبيرة من المؤسسات الابتدائية تفتقد للتجهيزات الأساسية من ماء وكهرباء...

2 – إن مختلف المهام المرتبطة بالتقويم والتوجيه ستتم تحت إشراف الوكالة الوطنية للتقويم والتوجيه وهي هيأة تتمتع بالاستقلال التقني والمالي والإداري وبالشخصية المعنوية. إن هذا الإجراء يجسد تملص الدولة من البعدين السياسي والمالي المتعلقين أساسا بإشكالية التقويم كما يكرس ازدواجية الوظائف إذ كان من الممكن تدعيم مكانة بعض المؤسسات الموجودة مثل مركز التوجيه والتخطيط وكلية علوم التربية وأهم مراكز تكوين الأطر مع تنسيق مجهوداتها بدل توطيد وتوسيع صلاحيات الأكاديميات التي يعلم الجميع هزالة أدائها التربوي.

3 – لقد أعلن الميثاق صراحة عن نبذ نظام الكوطا السيء الذكر غير أن ضرورة البرمجة والتوفر على خريطة مدرسية... تفترض التدخل عن طريق الامتحانات وشروط التوجيه قصد تجسيد مجمل الأهداف المتوخاة بل إن نظام التقويم المقترح قد يكون أكثر نخبوية من نظام الكوطا.

4 – وهكذا فإن الالتحاق بالجامعة لن يكون متاحا للجميع بل شريطة الاستجابة لمواصفات لم يحددها الميثاق. كما أن نفس منطق التقنين هو الذي سيتحكم في الانتقال من السلك الأول من التعليم الجامعي إلى السلك الثاني (سلك المتريز). وبما أن الميثاق أفصح بنفس الصراحة عن خصوصية قطاع التعليم – كما سنرى – فإن المتضرر الأول والأخير من هذا الإجراء هم أبناء الطبقات الشعبية.

5 – وحيث أن الميثاق ركز بشكل واضح على التعليم الإجباري فإننا نعتقد أن الأغلبية الساحقة من التلاميذ ستتمكن من الانتقال إلى المستوى الأعلى وذلك إلى نهاية الإعدادي حيث السد أو المصفاة. ونرى أن هذا التوجه ينسجم مع فلسفة الميثاق الذي يهدف إلى خلق يد عاملة مختصة أو مؤهلة من خلال المسالك المختلفة للتكوين المهني بينما سيخلق التعليم العام نخبة من المنفذين على مستوى أعلى من مهندسين وباحثين...

VII – المجال الثالث : الرفع من جودة التربية والتكوين

1 – يرى الميثاق أن الرفع من الجودة على مستوى المحتوى والمناهج يجب أن يستجيب لأهداف التخفيف والتبسيط والمرونة والتكيف. مما يقتضي مراجعة شاملة تهم البرامج والمناهج والكتب والمراجع المدرسية والجداول الزمنية والايقاعات الدراسية وتقويم أنواع التعلم وتوجيه المتعلمين.

ولهذه الغاية قرر إحداث لجنة دائمة تتمتع بالاستقلال المعنوي وتخضع نتائج أشغالها لمصادقة سلطات التربية والتكوين. هنا أيضا نسجل أنه كان من الممكن الاكتفاء بما هو موجود من مؤسسات البحث والتكوين فهذا في نظرنا تكريس آخر لازدواجية الوظائف يدخل بالأحرى في منطق التبذير.

وقد تطرق الميثاق ضمن هذا المجال – على الخصوص – للجانب البيداغوجي ومسألة اللغات وقضايا البحث العلمي والأنشطة الموازية واستعمال التكنولوجيات الحديثة للإعلام والتواصل. وإذا كان الجانب الأخير مجرد حشو وكلام فارغ فإن الجوانب الأخرى تستحق النقاش.

2 – على المستوى البيداغوجي

- تتكون السنة الدراسية في التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي من 34 أسبوعا من العمل الفعلي على الأقل أي ما بين 1000 ساعة إلى 1200 ساعة يمكن تكييفها مع بعض المعطيات الجهوية أو المحلية الخاصة وهو ما يمثل معدل أسبوعي يتراوح بين 29,4 و 35,3 ساعة الشيء الذي يتناقض مع مبدأ التخفيف ولربما انتبه الميثاق إلى ذلك واقترح حلا جزئيا يتعلق بالنظر في إمكانية تخفيض ساعات العمل في الابتدائي.

إن مثل هذه الحصة لا تترك للمتعلمين الوقت الكافي من أجل إنجاز الفروض والأشغال الشخصية التي ورد ذكرها في الميثاق ومن أجل القيام بالأنشطة الموازية إن وجدت.

ولقد حدد الميثاق مجموعة من المعايير التي على أساسها يتم توزيع استعمالات الزمن غير أن هذه المعايير إذا ما تم التقيد بها قد تدخل في تناقض فيما بينها والتأثير بالتالي على جودة التعليم وأوضاع العاملين به : فالاستعمال الأمثل والمتعدد الوظائف المشار إليه في مجال التسيير والتدبير معيار لا يمكن اعتماده بشكل أساسي وإلا تم ضرب مصلحة المتعلم الذي ادعى الميثاق وضعه في مركز الاهتمام.

3 – على مستوى اللغات :

إن ما تضمنه الميثاق بخصوص تعزيز اللغة العربية وتحسينه لا أساس له من الصحة ذلك أن الميثاق بدل إقرار تقويم وتعزيز سياسة التعريب الحالية يتراجع من خلال الفقرة الأخيرة من المادة 114 عن هذه السياسة إذ أن "تدريس الوحدات والمجزوءات العلمية والتقنية الأكثر تخصصا من سلك البكالوريا سيتم بنفس اللغة المستعملة في الشعب والتخصصات التي سيوجه إليها التلاميذ في التعليم العالي" أي بكل بساطة اللغة الفرنسية.

وتماشيا مع منطق المقايضة اللامسؤول الذي طبع سائر مقتضيات الميثاق، أعلن هذا الأخير عن إحداث أكاديمية لتطوير اللغة العربية. ونعتقد أنه إجراء غير ضروري بالنظر بوجود كليات مختصة في مختلف أرجاء الوطن. كما ان المجهود المرتبط بتطوير هذه اللغة يجب أن يندرج ضمن مشروع مجتمعي متماسك وشامل يهم كافة مجالات الحياة وعلى مستوى العالم العربي ككل. وقد قدم رئيس اللجنة في استجواب مع جريدة المنظمة ليوم 26 نونبر 1999 تفسيرا ديماغوجيا لهذا التراجع مفاده أن مصلحة المتعلم الذي وضعه الميثاق في صلب الاهتمام تقتضي ذلك !

وبالنسبة للغة الأمازيغية فإن الميثاق رغم إعلانه عن إحداث مراكز تعنى بالبحث والتطوير اللغوي والثقافي الأمازيغي وتكوين المكونين وإعداد البرامج والمناهج المرتبطة بها فقد ظل سجين منظور مبتور للهوية اللغوية للشعب المغربي وهو المنظور الذي يكرسه الدستور.

وهكذا فإن إدراجها طرح فقط كإمكانية ومن باب الاستئناس لا غير مثلها مثل أية لهجة أخرى قصد تيسير تعلم اللغة العربية في التعليم الابتدائي.

وكخلاصة فإن الميثاق عمل على تهميش اللغة العربية وكرس التغييب الشبه التام للغة الأمازيغية مقابل تقوية اللغات الأجنبية كما رأينا ذلك في المجال السابق.

4 – على مستوى التربية البدنية والرياضية والأنشطة الموزاية : فقد اعتبرها الميثاق مجالا حيويا وإلزاميا في التعليمين الأساسي والثانوي وتشتمل على دراسات وأنشطة تسهم في النمو الجسمي والنفسي والتفتح الثقافي والفكري للمتعلم.

غير أن الميثاق ركز بشكل ملفت للنظر على الأنشطة الرياضية ليس بهدف التكامل الجسماني والعقلي والنفسي ولكن بهدف اكتشاف المواهب والمؤهلات المتميزة هذا علما أن هذه الأنشطة تتطلب إمكانيات ووسائل مادية وبنى تحتية غير متوفرة ولا ينتظر توفيرها على المدى المنظور في كافة المؤسسات. ولعل الميثاق انتبه إلى ذلك حينما أشار بوضوح إلى "الاعتماد على الألعاب العتيقة وأنشطة التعبير الجسماني والألعاب الجماعية وأنشطة بالهواء الطلق".

أما الأنشطة الموازية فلا وجود لتعريف لها فبالأحرى لدعم ملموس لها. لقد كنا ننتظر من نظام تعليمي عصري يهدف فعلا إلى التفتح الثقافي والفكري للمتعلم أن يعمل على تشجيع كافة الأنشطة الموازية من رقص وموسيقى ومسرح وسينما ورسم وتشكيل ونحت وفنون الطبخ... ومواصلة تدريسها على مستوى التعليم العالي بهدف تكوين أطر متمكنة في مجال الابداع الذي اعتبره الميثاق أحد مقومات الجامعة.

5 – على مستوى البحث العلمي : أكد الميثاق على توجيه البحث العلمي والتكنولوجي أساسا نحو البحث التطبيقي وبهدف إفادة المقاولة التي يلح الميثاق على تشجيعها للاندماج في شبكات البحث. وقد التزم الميثاق بالرفع التدريجي من الإمكانيات المرصودة للبحث العلمي لتصل عند نهاية العشرية إلى 1% على الأقل من الناتج الداخلي الخام مع إمكانية خلق صندوق وطني لدعم البحث والابداع يعتمد على معونات الدولة وإسهامات المقاولة وأساسا – في نظرنا – على المنح الواردة من التعاون الدولي، علما أن الصندوق المذكور سيمول بالدرجة الأولى المشاريع الداعمة للمقاولة.

وهكذا فإن البحث العلمي الذي سيحظى بدعم حقيقي هو البحث العلمي التطبيقي المرتبط مباشرة بتنمية المقاولة بينما يظل البحث العلمي الأساسي ذو البعد التنموي الاستراتيجي مفقودا وتحت رحمة البلدان الرأسمالية المركزية وشركاتها العملاقة علما أن الإمكانيات المزمع رصدها – رغم أهميتها – لن تمكن إطلاقا من التخلص من هذه السيطرة والمساهمة الجدية في بناء تنمية متمركزة حول الذات تلبي الحاجيات الأساسية للإنسان المغربي وتحافظ على البيئة والثروات الطبيعية للأجيال المقبلة...

وفي جميع الأحوال فإن هيمنة العلاقات المخزنية على مختلف مناحي الحياة وتفشي البيروقراطية والرشوة والمحسوبية وانعدام الشفافية والطبيعة المتخلفة والهشة والطفيلية للاقتصاد المغربي لا تمكن من بحث علمي حقيقي ولو بمنظور الميثاق.

VII – المجال الرابع : تخفيز الموارد البشرية 

1 – إن الميثاق يحمل ضمنيا مسؤولية ما آلت إليه أوضاع قطاع التعليم – بصفة خاصة – إلى المدرسين فهو ينطلق من أن "تجديد المدرسة رهين بجودة عمل المدرسين وإخلاصهم وإلتزامهم مما يقتضي احتضانهم للمهمة التربوية كاختيار واع وليس كمهنة عادية" متناسيا أنه في مغرب التهميش والفقر والبطالة لا يتوفر الباحثون عن شغل من الجماهير الشعبية على إمكانية الاختيار الحر والواعي لمهنة ما. كما يقفز على الظروف الاجتماعية والمهنية المتردية لكافة العاملين بقطاع التعليم والتي تساهم بدورها ضمن عوامل مجتمعة متداخلة أخرى في بعض المظاهر السلبية التي يعرفها الوسط التعليمي.

ومن أجل ضمان  هذه الجودة يعلن الميثاق عن جملة من التدابير أهمها إعادة هيكلة هيأة المشرفين التربويين (المفتشين) في اتجاه تشديد المراقبة التربوية على المدرسين وأخطرها على الإطلاق اللجوء إلى العمل بالعقدة لمدة زمنية قابلة للتجديد على صعيد المؤسسات والأقاليم والجهات بالنسبة للمدرسين الجدد الشيء الذي يعني تكريس وتعميم التوجه "الليبرالي الجديد" المتعلق بضرب استقرار العمل تحت غطاء مرونة الشغل.

2 – وفيما يتعلق بالتحفيز، فإن منظور واضعي الميثاق هو في الواقع اللاتخفيز لكونه :

1 – يتأسس على تقوية التكوين المستمر الذي يقدم كتحفيز بينما المستفيد الأساسي منه هو الدولة والمقاولة والقطاع التعليمي الخاص. هذا إضافة إلى كونه (أي التكوين المستمر) مجرد وهم : ذلك أن الميثاق يحدد استفادة أطر التربية والتكوين من حصص سنوية لمدة 30 ساعة قصد تحسين الكفايات ومن حصص لإعادة التأهيل بصفة معمقة تنظم على الأقل مرة كل ثلاث سنوات. فهل تتوفر سلطات التربية والتكوين حقيقية على الإمكانيات اللازمة لإنجاح مثل هذا التكوين؟

2 – يلغي بكل بساطة الترقي المباشر عن طريق الشهادات أو الاختيار ويعتمد بدل ذلك على معيار المردودية. ويتأسس هذا المعيار في نظر الميثاق على نتائج المعنيين في التكوين المستمر المزعوم وعلى إبداعاتهم المرتبطة مباشرة بالتدريس أو الأنشطة المدرسية الموازية التي لا وجود لها في الواقع وعلى التقويم التربوي من لدن المشرفين التربويين وباستشارة مجلس تدبير المؤسسة (انظر المجال المتعلق بالتسيير والتدبير).

ولا حاجة لنا للتوضيح أن أغلبية هذه المعايير هي إما فضفاضة وقد يؤدي تطبيقها إلى الكثير من عدم الموضوعية أو عسيرة التحقيق على المدى المنظور وكل هذا يعني في الواقع الملموس القضاء على إمكانية الترقي كحق من حقوق الموظف في ظل سياسة أجرية تتسم بالتجاهل المطلق للسلم المتحرك للأثمان والأجور.

3 – لا يتحدث عن أية زيادة في الأجور أو تغيير إيجابي في نظام التعويضات باستثناء إحداث تعويض عن العمل في العالم القروي هذا رغم التدهور المريع للقدرة الشرائية لكافة العاملين بقطاع التعليم الذين تتراوح أحور 60% منهم ما بين 2400 درهم و 3000 درهم في الشهر. كما يحتلون حاليا الرتبة 31 من حيث معدل الأجر ضمن سائر المأجورين بدل الرتبة الثالثة في نهاية السبعينات ويتصدرون الآن قائمة الموظفين الذين لا تبقى الديون المتراكمة عليهم من طرف وكالات السلف سوى مبلغ زهيد يتراوح ما بين 500 درهم و1000 درهم من أجورهم الشهرية.

4 – لا يتحدث عن أية إمكانية لتقليص مدة العمل الأسبوعية والتراجع عما يسمى بالساعات التضامنية علما أن الإقدام على مثل هذا الإجراء من شأنه تشغيل عشرات الآلاف من المعطلين حاملي الشهادات وفي نفس الوقت الرفع الحقيقي من جودة التعليم.

5 – يراهن على وعود وإجراءات غامضة أو تافهة مبنية على مفاهيم أخلاقية أحيانا مهينة مثل الحصول على القروض بشروط تفضيلية من أجل السكن بالاعتماد على روح التآزر والتعاون على نطاق الأسرة التعليمية وبتنظيم المؤازرة والعزاء المؤسسي والتطوعي من لدن أباء وأولياء التلاميذ والزملاء والشركاء ومنح المساعدات المادية والمعنوية لجمعيات المدرسين والإداريين وإقامة الأنشطة الترفيهية والاصطياف والتخييم بما في ذلك استعمال الداخليات والأحياء الجامعية التي يعلم الجميع الحالة الكارثية التي توجد عليها وإحداث أوسمة الاستحقاق ومنح مكافئات وهدايا للمدرسين إلى غير ذلك من أشكال الإحسان والصدقة.

IX – المجال الخامس : التسيير والتدبير

1 – فيما يتعلق بمجال التسيير أعلن الميثاق عن إحداث هيآت في التخطيط والتدبير والمراقبة على مستوى الجهات والأقاليم وشبكات التربية والتكوين كما على صعيد المؤسسة وذلك ارتكازا على نهج سياسة اللامركزية واللاتمركز واعتبارا لضرورة ملائمة التربية والتكوين للمتطلبات الجهوية والمحلية لتسيير الشراكة وإطلاق المبادرات وهكذا :

- جهويا : إعادة هيكلة الأكاديميات في اتجاه أن تصبح سلطة جهوية ذات الاستقلال الإداري والمالي تسير من طرف مجلس يضم كل الشركاء. وستسند لها مسؤوليات ومهام البناء والتجهيز والصيانة والتخطيط والتسيير والمراقبة وبلورة اتفاقيات الشراكة والتنسيق بين النيابات الإقليمية وتدبير الموارد البشرية بما في ذلك التوظيف والتعيين والتقويم والإشراف على الامتحانات والتكوين المستمر...

- إقليميا : إحداث هيأة إقليمية للتربية والتكوين تضطلع بمهام مشابهة للأكاديميات على المستوى الإقليمي إضافة إلى التنسيق بين النيابات.

- محليا : إحداث مكتب للتسيير على مستوى كل شبكة للتربية والتكوين يضم مديري المؤسسات المعنية وممثلين عن المدرسين والآباء وباقي الهيآت المعنية.

- على مستوى المؤسسة : إحداث مجلس للتدبير يعمل تحت إشراف المدير يشترط فيه تكوينا مسبقا في مجال الإدارة التربوية ويضم إضافة إلى ممثلين عن المدرسين الآباء، شركاء المدرسة.

ومن بين مهام هذا المجلس التقويم الدوري للأداء التربوي ولوضعية المؤسسة عموما ومراقبة صرف ميزانيتها. ومن أهم الإجراءات أيضا إعطاء الثانويات صفة "مصلحة الدولة المسيرة بطريقة مستقلة" (SEGMA).

- وبالنسبة للتعليم العالي : فإن مؤسسات هذا القطاع ستتمتع باستقلال مالي فعلي وستسير الجامعة من طرف مجلس الجامعة وسيعين رؤساء الجامعات وعمداء الكليات حسب مسطرة تعتمد الترشيح العلني مع التحكم المطلق للوزارة الوصية في تعيين من تراه "مناسبا" من بين المترشحين عن طريق الانتقاء. هذا وستحدث هيأة وطنية للتنسيق بين مختلف مكونات التعليم العالي.

وفي مجال التدبير والتقويم فقد أكد الميثاق على حذف المؤسسات والمعاهد الزائدة والتقليص من نفقات التسيير وإعادة انتشار الموارد البشرية واستغلال المؤسسات وفق مبدأ تعدد الوظائف (التكوين المستمر، التربية غير النظامية…) كما أكد على إنجاز وتقديم تقرير سنوي عن القطاع ككل يناقش على مستوى البرلمان ونفس الشيء على المستوى الجهوي.

2 – وإذا كان الحكم النهائي على الإجراءات السالفة الذكر خاصة تلك المتعلقة بالتسيير مرتبط بصدور القوانين التطبيقية فإن هذا لا يمنع من تسجيل الملاحظات التالية :

1 – ذلك، وبغض النظر عن المنظور المخزني لمسألة الجهوية المبني على تضخيم سلطات العمال كما جاء بذلك دستور 96 وكرسه القانون المنظم للجهة المكبل للمبادرة فإن تطبيق مستلزمات اللامركزية واللاتمركز سيصطدم لا محالة بالفوارق الجهوية إن على مستوى الموارد البشرية وإعادة انتشارها أو على مستوى الشراكة والموارد المالية.

2 – إن إغلاق المؤسسات والمعاهد التي سميت بالزائدة (وهي في الواقع حيوية) على غرار ما تتعرض له حاليا المدارس العليا للأساتذة والتقليص من نفقات التسيير الذي يعني ببساطة تجميد التوظيف والأجور تحت غطاء الترشيد والعقلنة، إجراءات رجعية تتعارض مع ما أعلنه الميثاق في القسم الأول ضمن المرتكزات الثابتة بخصوص "الرقي بالبلاد إلى مستوى امتلاك ناصية العلوم والتكنولوجيا المتقدمة والاسهام في تطويرها بما يعزز قدرة المغرب التنافسية ونموه الاقتصادي والاجتماعي والانساني في عهد يطبعه الانفتاح على العالم" كما يؤكد تحليلنا المتضمن في المجال الرابع حول التحفيز المزعوم للموارد البشرية.

3 – إن إقرار الاستقلال المالي والإداري الفعلي من شأنه حقا الحد من سلبيات التسيير البيروقراطي الحالي لكن إذا ما دفع إلى منطقه الأقصى فقد تترتب عنه سلبيات جديدة. وهكذا فإذا كان هذا المنطق يفترض انتساب المناصب المالية لحساب المؤسسات التي يعمل بها الموظفون فإن ذلك من شأنه ضرب وحدة القطاع التعليمي ككل ويسهل التخلص منهم خاصة وأن عملية تقويم المدرسين أصبح يساهم فيها من هب ودب من خلال مجالس التدبير.

X – المجال السادس : الشراكة والتمويل

1 – لقد طرحت إشكالية التمويل مرارا وكانت إحدى النقط الساخنة في الصراع المرتبط بالسياسة التعليمية بين موقف رسمي يرتكز على كون ميزانية التعليم تلتهم حوالي 26% من ميزانية الدولة وأنه لا يمكن الاستمرار في هذا المنحى المضر بالتوازنات المالية خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاع "غير منتج" وبين موقف شعبي يرتبط بشكل قوي بمجانية التعليم استنادا إلى الدور الاستراتيجي لهذا القطاع باعتباره مرفقا عموميا في مجتمع يعاني من تفشي مظاهر الفقر والأمية... إلا أن الميثاق مستفيدا من موازين القوى الحالية، حسم هذا الصراع بشكل لا يقبل الجدل لصالح الموقف الرسمي الذي يترجم مصالح الرأسمال تماما كما أوصى بذلك البنك العالمي.

2 – وهكذا فبعد أن سجل الميثاق بقوة أن "قطاع التعليم الخاص يعد شريكا وطرفا رئيسيا إلى جانب الدولة في النهوض بنظام التعليم وتعميمه والرفع من جودته"، أكد على ضرورة تشجيعه وذلك من خلال :

- اعتراف الدولة بالشهادات التي تمنحها المؤسسات التابعة لقطاع التعليم الخاص بل منح شهادات الدولة مباشرة للمتخرجين من تلك المؤسسات.

- منح هذا القطاع امتيازات جبائية لمدة قد تصل إلى 20 سنة أو الإعفاء الكلي من الضرائب (على غرار القطاع الفلاحي).

- أكثر من ذلك، ستقدم الدولة مكافآت مالية لدعم المؤسسات الخاصة المسماة ذات الاستحقاق على مستوى التعليم الأولي

- وأخيرا وضع أجود أطر التربية والتكوين والتسيير رهن إشارة هذه المؤسسات مع ضمان استفادتها من التكوين المستمر.

من الواضح إذن أن هذه الإجراءات تنسجم مع نهج الخوصصة المدمر الذي تواصل الحكومة الحالية تنفيذه علما أن استثمارات الرأسمال العالمي في مجال التكوين بدأ تنمو بشكل مثير وهو ما يؤكده الانتشار الواسع لمؤسسات التعليم العالي الخاص.

أما ما ورد في الميثاق بخصوص مراقبة الدولة لمؤسسات التعليم الخاص ليس سوى مجرد كلام فارغ لأن الوضع العام غير ديمقراطي ولا تتوفر فيه الضمانات الدنيا التي تتطلبها الشفافية هذا فضلا عن عدم توفر الإمكانيات البشرية اللازمة لضمان مراقبة مستمرة وشاملة بما فيها المراقبة القبلية ولنا في اشتغال العديد من المؤسسات بدون رخصة أو في ظروف غير تربوية وفي عجز الدولة في مجال التملص الضريبي الذي يعد بحوالي 20 مليار سنتيم خير دليل.

3 – لكن ملهمي الميثاق لم يتوقفوا عند هذا الحد من إجراءات الكرم لفائدة القطاع الخاص فبعد التذكير بالرهانات الكمية والنوعية المعلنة التي تعرفنا على طبيعتها الحقيقية وعن الأطراف المستفيدة منها بالأساس، وبعد الكثير من عبارات الطمأنة المبنية على مفاهيم استعملت بشكل ديماغوجي ومخادع مثل التضامن الوطني وإشراك الأسر في التسيير والتقويم وأن الدولة ستستمر في تحمل القسط الأوفر في عملية التمويل، شرعنوا حلولا لا شعبية لا شكالية التمويل من خلال :

1 – تقليص نفقات التسيير المختلفة وإغلاق المؤسسات "الزائدة" تحت شعار ستار العقلنة والترشيد.

2 – إحداث ضريبة وطنية لتمويل التعليم لم تحدد قيمتها.

3 – الإلقاء بالتعليم الأولي وبمهام التجهيز والصيانة في التعليم الابتدائي على عاتق الجماعات المحلية.

4 – حذف نهائي للمنح وحصرها فقط فيما سمي بمنح الاستحقاق أو في بعض الحالات القليلة التي يقدم فيها الطلبة عملا موازيا لفائدة المؤسسات التي يدرسون بها.

5 – فرض رسوم التسجيل في التعليمين الثانوي والعالي على الأسر "الميسورة" أي – حسب تعريف الميثاق – تلك التي يتجاوز دخلها ثلاث مرات الحد الأدنى للأجور (4980 درهم في الشهر).

6 – أما التزام الدولة بزيادة 5% سنويا في ميزانية القطاع فإن الهدف منه هو فقط امتصاص انخفاض العملة علما أن نسبة التضخم تقدر حاليا بحوالي 3 % وهو ما يعني في الواقع تجميد ميزانية القطاع.

هذا مع العلم أن الأسر المغربية تتحمل أصلا تكاليف مهمة من نفقات التعليم تصل في المعدل السنوي إلى أكثر من 7000 درهم لكل طالب جامعي بالنسبة للعالم القروي وأكثر من 5000 درهم بالنسبة للوسط الحضري وأن الأسر التي لها مثل هذا الدخل لا يمكن إطلاقا اعتبارها أسرا ميسورة بالنظر لواقع غلاء المعيشة. لذلك رغم ضعف نسبة الأسر المعنية فإن المهم بالنسبة للميثاق هو إقرار مبدأ التعليم المؤدى عنه إذ أن المعيار نفسه قابل للمراجعة بدليل ما يحدث في قطاع الصحة أو ما يتعلق حاليا بالمنح إذ تقتصر الاستفادة منها فقط على الذين يقل دخل أسرهم الشهري عن 3000 درهم.

إن الأسر هي التي ستتحمل العبء الأكبر في تمويل التعليم عبر الضريبة الوطنية ورسوم التسجيل والحرمان من المنح وفي درجة ثانية الجماعات التي تمول عن طريق 30% من الضريبة على القيمة المضافة (هذا بغض النظر عن عجزها عن تحقيق جودة التعليم) وفي نهاية المطاف فإن كل شيء سيتم على حساب المواطنين عن طريق الضرائب المباشرة وغير المباشرة مقابل إعفاء المقاولة بل ومكافأتها أيضا.

XI – خلاصة

يستنتج مما سبق أن الميثاق يخدم بالأساس مصلحة الرأسمال الدولي وفئة من الرأسمال المحلي الذي يطمح إلى الدخول معه في نوع من الشراكة. لذلك فإن جميع التدابير المتضمنة في ميثاقهم تتحلق حول شعار واحد : كل شيء في خذمة الرأسمال الذي يهدف – في مجال الاستثمار بلا حدود – إلى توفير يد عاملة مؤهلة نسبيا تمتلك بعض المهارات العملية واللغوية والتكيفية اللازمة والمنسجمة مع متطلبات التطور التكنولوجي أي بتركيز إلى نوع من العقلنة.

غير أنها عقلنة مؤطرة بمنطق السوق تطمس البعد الإنساني وتعمل على تسليع التعليم كما هو الشأن بالنسبة للعمل من خلال مشروع مدونة الشغل ... أما الحديث عن الهوية والوطنية ضمن مقدمة الميثاق فلم يكن سوى نوعا من النفاق والتدويخ الايديولوجي.

وإذا كان المستفيد الأكبر هو الرأسمال العالمي –خاصة المرتبط بالشركات المتعددة الاستيطان- فلأن الرأسمال المحلي غير قادر البتة على استيعاب اليد العاملة كما يتصورها الميثاق، ولنا في جيش المعطلين حاملي الشهادات العليا بمن فيهم المهندسون والتقنيون والأطباء الذين كونوا أحسن تكوين خير دليل. ذلك أن الرأسمال المحلي يفتقد إلى وسائل الإنتاج المتطورة وطرق التسيير والتدبير العقلانية : إنه رأسمال متخلف، هجين وطفيلي تهيمن عليه عقلية القرون الوسطى (هذا مع بعض الاستئناءات طبعا).

إن بعض الإجراءات المتعلقة على الخصوص بتعميم التعليم ومحو الأمية – إذا كتب لها النجاح – هي بكل تأكيد مكتسبات جزئية ولا يمكن إلا أن تساهم إيجابيا في التنمية. غير أن هذه التنمية تظل مرهونة بمصالح الرأسمال الدولي أي في إطار نظام الرأسمالية التبعية الذي أوصل البلاد إلى حافة الانهيار ويعد أساس أزمة النظام التعليمي.

ولأن رهانات الميثاق لا تندرج ضمن مشروع مجتمعي يهدف إلى إحداث قطيعة مع التبعية بل إلى تعميقها فإن المغرب لا يمكن قطعا أن يصبح "منافسا فعالا بفضل موارده البشرية" كما ادعى تقرير البنك العالمي.

إن الأمر يتعلق إذن بميثاق لا شعبي لتوطيد دعائم الرأسمالية التبعية يكرس ويعمق الطابع النخبوي للسياسة التعليمية المتبعة وعليه فإن الشعار الدائع الصيت "هذا تعليم طبقي – أولاد الشعب في الزناقي" أصبح أكثر راهنية من ذي قبل وسيزداد توقدا.

إن إصلاح التعليم من وجهة نظرنا يجب أن يتم على أساس نقاش ديمقراطي واسع وفي إطار مشروع مجتمعي بديل يهدف إلى تحقيق تنمية متمركزة حول الذات ويضمن كافة حقوق الإنسان.

إن القوى الديمقراطية الحية مطالبة بالعمل على بلورة ميثاق مضاد يأخذ بعين الاعتبار تطلعات الإنسان المغربي الذي يعاني من سياسة الطبقات الطفيلية المعادية لمصالح الجماهير الشعبية. كما أن فضح ومناهضة هذا الميثاق تعد لبنة على طريق بلورة المشروع المجتمعي البديل الذي يعد في رأينا أولى الأولويات.

 

 

 

إعداد : لجنة الدراسات لفرع الرباط – سلا – تمارة

التابع للجامعة الوطنية للتعليم (ا.م.ش)

الرباط، في يناير 2000

النهج الديمقراطي عمارة 70 زنقة ماكس كدج رقم 12 ص ب 15927 البريد المركزي الدار البيضاء 20001الهاتف 21263686797 الفاكس 21222225511