أنهاية حرب باردة ام بداية حرب حارة؟
حسقيل قوجمان
وأخيرا حلت المعجزة. فبعد ان تحول الاتحاد السوفييتي من دولة
برجوازية مبرقعة بعبارات اشتراكية مزيفة الى عدة دول راسمالية صريحة
من غير قناع تتصارع فيما بينها وتسود في عدد منها حروب قومية وعنصرية
تحصى ضحاياها بالالاف وعشرات الالاف أعلن قادة الامبريالية على لسان
رئيس الولايات المتحدة الاميركية انتهاء الحرب الباردة.
وتنفس العالم الصعداء واستبشرت البشرية بحلول عهد جديد من الرخاء
والسعادة والسلام. فقد زال كابوس هذه الحرب الباردة اللعينة التي
مازالت جاثمة على كواهل الشعوب اكثر من اربعين عاما كان خلالها خطر
الهجوم الشيوعي المفاجئ المزعوم يفرض على الدول الإمبريالية واجبات
صعبة. فلم تعد ثمة حاجة الى الاحاطة بالدول الاشتراكية من جميع
الجوانب بواسطة الاساطيل الذرية والقواعد العسكرية والصواريخ الموجهة
والطائرات المحملة بالقنابل الذرية تحلق بالجو اربعا وعشرين ساعة في
اليوم. ولم تعد ثمة حاجة الى سباق التسلح الذي كلف شعوب العالم مئات
البلايين وسبب لها افظع التضحيات. ولم تعد ثمة حاجة الى احتلال
اوروبا بحجة حمايتها من اي هجوم شيوعي مفاجئ. وخلاصة القول لقد حل
الزمان الذي توجه فيه موازنات التسلح الضخمة لخدمة البشرية وانقاذها
من الجوع والفقر والمرض والجهل. وقد آن الاوان لاتخاذ سياسات جديدة
تتناسب وعالم ما بعد الحرب الباردة في عالم تكون فيه جميع الدول
كبيرها وصغيرها بما فيها الدول الراسمالية الجديدة الناشئة عن انهيار
الاتحاد السوفييتي ودول اوروبا الشرقية مسالمة ومتآخية بعد زوال
كابوس الشيوعية وتحول العالم كله الى عالم راسمالي ديمقراطي محب
للسلام. وليس في ذلك مثار للعجب. ألم تصبح جميع هذه الدول، كما ارادت
الدول الراسمالية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، دولا ذات نظام
واحد محررة من الاشتراكية والشيوعية؟
استبشر بنهاية الحرب الباردة جميع الناس بمختلف اتجاهاتهم ودياناتهم
وطبقاتهم بما في ذلك اولئك الذين ما زالوا حتى بعد انتهاء الحرب
الباردة يطلقون على احزابهم اسم الشيوعية والاشتراكية ويدعون تمثيل
الطبقة العاملة والحرص على مصالحها.
ولكن سرعان ما اصابت هؤلاء المستبشرين بانتهاء الحرب الباردة خيبة
امل مروعة. فقد شاهدوا ان انتهاء الحرب الباردة قد تمخض عن زيادة
سباق التسلح وتوسيع الاحلاف العسكرية وزيادة ميزانيات التسلح. بل
شاهدوا نشوب عدة حروب حارة مثل حرب الخليج وشاهدوا احتلال بلدان
جديدة مثل بلدان الخليج والصومال وغيرها. وشاهدوا تفاقم البطالة
واشتداد الازمات وزيادة الاجرام وانتشار المجاعات والامراض في
البلدان المتأخرة. وأخذوا يتساءلون، ترى هل انتهت الحرب الباردة حقا؟
وهل يعني هذا حلول حياة جديدة يسودها السلام والامان وتسود فيها
الطمأنينة في قلوب الناس؟
لكي نستطيع ان نفهم مغزى انتهاء الحرب الباردة علينا ان نفهم اولا
معنى الحرب الباردة وان نراجع طريقها الذي سلكته طوال هذه العقود من
تاريخها.
ما هي الحرب الباردة؟
من الناحية اللغوية تعني الحرب الباردة حربا لا تستخدم فيها الاسلحة
لتقتيل جنود وشعوب الطرفين المتنازعين لغرض تسوية الخلافات بينهما بل
تجري فيها محاولات لتسوية تلك الخلافات من دون استخدام الاسلحة.
ويشاهد العالم كل يوم مثل هذه الحروب الباردة ليس بين الاعداء وحدهم
بل بين "الاصدقاء" ايضا. وبامكان المرء ان يعدد عشرات مثل هذه الحروب
الباردة بين دول المجموعة الاوروبية التي تتفاوض من اجل الوحدة بينها
وبين الولايات المتحدة "الصديقة الحميمة". نذكر منها على سبيل المثال
حرب الخمور التي سادت بين فرنسا وايطاليا وحرب اللحوم وحرب صيد
الاسماك وحرب الحبوب وغيرها. هذه كلها حروب باردة حقيقية ليس في
التطبيق العملي وحسب بل حتى بالتسمية لدى وسائل اعلام هذه البلدان
ذاتها. فقد اطلق اسم الحروب عليها صراحة في الصحف والاذاعات. وليست
بعيدة عنا الحرب التجارية التي نشأت بين اميركا ودول المجموعة
الاوروبية حين هددت الولايات المتحدة بفرض ضريبة وقائية على صادرات
هذه الدول الى الولايات المتحدة. وبعد مفاوضات تخللتها التهديدات من
الجانبين توصل "الاصدقاء" بعد الرفض الى الخنوع لشروط اميركا لحل
النزاع وانهاء الحرب الباردة بالشكل الذي يلائم المصالح الاميركية.
ونشاهد مثل هذا النزاع بين الولايات المتحدة واليابان بصدد كمية
التجارة المتبادلة بينهما ومحاولة اميركا تقليص صادرات اليابان التي
غزت اسواق الولايات المتحدة وزيادة صادرات الولايات المتحدة الى
اليابان عن طريق المفاوضات وليس عن طريق قواعد العرض والطلب
التجارية.
وحرب المقاولات التي تطلب فيها الولايات المتحدة بحرية الدخول في
مناقصات العقود في اوروبا وتهدد باتخاذ اجراءات تجاه صديقاتها
ومحمياتها الاوروبية ان لم تخضع هده الدول لمطالبها ورد هذه الدول
بالتهديد باتخاذ اجراءات مقابلة للاجراءات الاميركية والحرب التي
بدأها الرئيس كلينتن مؤخرا حول الاعانات التي تقدمها الدول الاوروبية
لصناعة الطائرات في بلدانها بحجة ان ذلك يؤدي الى خسائر لدى صناعة
الطائرات في بلاده التي لا تنال الاعانات من الحكومة. ومن الطريف ان
الادارة الاميركية اثارت مؤخرا حربا باردة جديدة تتهم فيها الولايات
المتحدة فرنسا بالتجسس للحصول على اسرارها العسكرية بعد التعاون الذي
ساد بين مؤسسات التجسس الاميركية والاوروبية والاسرائيلية في بث
شباكها في الاتحاد السوفييتي. ولا نعلم اية حروب باردة ستنشأ في
المستقبل وكيف سيجري التوصل الى حلها وتسويتها من دون اللجوء الى
القوة. ان كل هذه الحروب كما نرى حروب تنطبق عليها الترجمة الحرفية
للحرب الباردة المذكورة اعلاه.
كل الحروب المذكورة هي حروب باردة حقيقية. ولكن حديث الصحافة ووسائل
الاعلام لا يقصد هذه الحروب لدى التحدث عن الحرب الباردة وعن انتهاء
الحرب الباردة. ان الحرب الباردة في عرف وسائل الاعلام هي حرب باردة
واحدة، الحرب بين الراسمالية والاشتراكية. هذا هو المعنى الوحيد
لعبارة الحرب الباردة ولعبارة انتهاء الحرب الباردة.
علينا اذا اردنا ان نفهم الحرب الباردة وانتهاءها ان نرجع الى اصولها
ومسيرتها التأريخية ودور كل من الطرفين المتحاربين فيها.
نشأ الصراع بين الراسمالية الامبريالية وبين الاشتراكية منذ اللحظة
التي نجحت فيها ثورة اكتوبر في الاطاحة بالنظام الراسمالي وانشاء اول
دولة عمال اشتراكية في التأريخ سميت فيما بعد الاتحاد السوفييتي.
وبظهور هذه الدولة بدأت الحرب ضدها بنداء وينستن تشرتشل المعروف حول
خنق الدولة الاشتراكية وهي في المهد. وبعد انتهاء مجزرة الامبريالية
العالمية الاولى، الحرب العالمية الاولى، وجهت ١٤ دولة امبريالية
بقيادة بريطانيا واميركا جيوشها في حرب ساخنة لتحقيق شعار تشرتشل
الانف الذكر. ولكن هذه الجيوش والجيوش الموالية لها في داخل الدولة
الاشتراكية منيت بالفشل الذريع امام مقاومة العمال البطولية للدفاع
عن دولتهم وانتهت هذه الحرب الساخنة سنة ١٩٢١.
منذ ١٩٢١ مارست الدول الامبريالية تساندها احزاب الاممية الثانية
الاشتراكية الديمقراطية حربا باردة ضد الدولة الاشتراكية تمثلت
بالمقاطعة الاقتصادية التي توخت تحطيم هذه الدولة التي عجزت عن
تحطيمها بقوة السلاح، بالتجويع والحرمان والمقاطعة الاقتصادية. وقد
رافقت هذه الحرب الاقتصادية حرب دعاية مورست فيها كل انواع
الافتراءات الملفقة ضد الاتحاد السوفييتي وحرب تجسس عن طريق تمويل
وتشجيع العملاء داخل الاتحاد السوفييتي من اجل تحطيم الحزب والدولة
من الداخل. وكان من مظاهر هذه الحرب ان الدول الامبريالية العظمى
شجعت هتلر وساندته في اعداد الحرب العالمية الى درجة ان قائدا
بريطانيا وفرنسا قدما لهتلر تشيكوسلوفاكيا هدية في اجتماع ميونيخ
املا في ان يندفع الى الشرق ويهاجم الاتحاد السوفييتي. وقد كان اهداء
تشيكوسلوفاكيا الى هتلر مقدمة لهدية اكبر منها في وقت لاحق حين قدم
ديلادييه نفسه باريس هدية الى هتلر بدون ان يطلق طلقة واحدة للدفاع
عنها بحجة ان جمال باريس يمكن ان تشوهه القنابل الالمانية. لقد
اعتبرت هذه الدول هتلر الاداة الملائمة لتحقيق اهدافها ضد الدولة
الاشتراكية. ولكن حساباتها كما هو معروف باءت بالفشل وبدلا من ان
يتجه هتلر نحو الاتحاد السوفييتي اتجه ضد اصدقائه فاحتل اوروبا كلها
عدا بريطانيا قبل ان يهاجم الاتحاد السوفييتي.
لم تكن هذه الحرب الباردة موجهة ضد الاتحاد السوفييتي وحسب بل كانت
تستهدف خدع وتضليل وشطف ادمغة العمال في البلدن الامبريالية ذاتها،
العمال الذين كان الاتحاد السوفييتي في نظرهم منارا يهتدون به في
نضالاتهم من اجل الاطاحة بالانظمة الامبريالية وتحرير انفسهم من
عبوديتها. وكذلك خدع وتضليل شعوب المستعمرات التي رأت في الاتحاد
السوفييتي صورة واضحة ومثلا اعلى لمستقبلها في التحرر الوطني وبناء
مجتمعاتها الاشتراكية.
جاءت الحرب العالمية الثانية وكان هجوم جحافل النازية على الاتحاد
السوفييتي بداية تحرير العالم من العبودية النازية ونشأ حلف بين دول
الحلفاء والاتحاد السوفييتي في محاربة النازية الهتلرية رغم ان من
المعروف ان هذه الدول دخلت في مفاوضات مع هتلر بقصد التحالف معه
للقضاء على الاتحاد السوفييتي.
بداية الحرب الباردة بدأت الحرب الباردة التي نحن بصددها في الواقع
قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية. بدأت لدى القاء القنابل الذرية
على هيروشيما وناكازاكي في اليابان. اذ يعلم العالم اجمع ان القاء
هذه القنابل الذرية لم تكن له ضرورة عسكرية ولم يقدم اية فائدة
عسكرية من أجل انهاء الحرب ضد اليابان. فقد كانت الحرب في نهايتها
واصبحت اليابان بعد انهيار المانيا النازية ضعيفة تجاه دول الحلفاء
والاتحاد اسوفييتي والمقاومة الصينية. ثم ان القنابل الذرية لم توجه
نحو اهداف عسكرية ولم تؤثر على الجيش الياباني ومقدرة اليابان
العسكرية بل القيت على مدن امنة فمسحتها مع سكانها من على وجه الكرة
الارضية. كان هدف هذه القنابل ارهاب الاتحاد السوفييتي والشعوب ونشر
الرعب في قلوب الناس وتحذير الاتحاد السوفييتي من المصير الذي يجابهه
ان لم يخضع للتهديد الامبريالي.
ومع ذلك ليس من المألوف اعتبار القاء القنابل الذرية على اليابان
بداية الحرب الباردة. من المتفق عليه ان الحرب الباردة بدأت في سنة
١٩٤٦. وكما كان نداء تشرتشل بخنق الدولة الاشتراكية وهي في المهد
بداية الحرب الحارة ثم الباردة ضد الاتحاد السوفييتي فور نشوئه كان
خطاب تشرتشل في جامعة فلتون في الولايات المتحدة الذي دعا فيه الى شن
الحرب على الاتحاد السوفييتي قبل ان ينجح في الحصول على القنابل
الذرية البداية الرسمية للحرب الباردة.
ما هي الحرب الباردة اذن؟
ان الحرب الباردة لا تختلف من حيث اهدافها عن الحرب الحارة التي شنها
هتلر وقواه النازية على الاتحاد السوفييتي سنة ١٩٤١. فقد كان هدف
هتلر القضاء على الاتحاد السوفييتي الاشتراكي واخضاع الشعوب
السوفييتية لعبودية الامبريالية العالمية كمرحلة من مراحل سيطرة
عنصره الالماني على العالم. وهدف الحرب الباردة ايضا هو القضاء على
دول المعسكر الاشتراكي وفي مقدمتها دولة الاتحاد السوفييتي واعادة
الراسمالية الى جميع هذه البلدان كمرحلة من مراحل سيطرة الولايات
المتحدة على العالم وتوجيهه وفقا لمصالحها الامبريالية الجشعة.
كان ذلك واضحا في جواب ستالين لمراسل جريدة برافدا غداة القاء خطاب
تشرتشل في جامعة فولتن وهذا نصه:
سؤال: "هل يمكن اعتبار خطاب السيد تشرتشل مضرا بقضية السلام والامن؟"
جواب: "نعم، بلا شك. في الواقع ان وضع تشرتشل الان هو موقف مثير لحمى
الحرب. وليس السيد تشرتشل وحده في هذا الصدد، بل له اصدقاء ليس في
انكلترا وحسب بل في الولايات المتحدة الاميركية ايضا.
"مما تجدر ملاحظته ان السيد تشرتشل واصدقاءه يضاهون هتلر واصدقاءه في
هذا المضمار مضاهاة واضحة للعيان. فقد انطلق هتلر في شن الحرب من
منطلق النظرية العنصرية مدعيا ان المتحدثين باللغة الالمانية يؤلفون
امة متفوقة. وينطلق السيد تشرتشل في شن الحرب هو الاخر من النظرية
العنصرية بالتأكيد على ان الامم المتكلمة باللغة الانجليزية هي
قوميات متفوقة مدعوة الى تقرير مصير العالم كله. ان نظرية العنصر
الالماني ادت بهتلر واصدقائه الى الاستنتاج بان الالمان باعتبارهم
القومية المتفوقة الوحيدة يجب ان يسيطروا على القوميات الاخرى. ان
نظرية العنصر الانجليزي تؤدي بالسيد تشرتشل واصدقائه الى استنتاج ان
الامم المتكلمة بالانجليزية باعتبارها الامم المتفوقة الوحيدة يجب ان
تسيطر على امم العالم الاخرى". (ستالين، المؤلفات م ١٦ ص ١٠٢ ـــ
١٠٣)
فرضت الحرب الباردة على الاتحاد السوفييتي كما فرضت عليه كافة الحروب
السابقة لان الحروب لم يكن بالامكان منعها من جانب واحد. فلا يكفي ان
يمارس الاتحاد السوفييتي سياسة سلمية من جانبه لتفادي الحرب. ان
السياسة العدوانية التي مارستها ضده كافة الدول الراسمالية سواء في
اوقات السلام او في اوقات الحرب كانت مفروضة عليه فرضا. واذ اعلنت
الحرب ضد الاتحاد السوفييتي لم يكن له مناص من خوضها. وكما استخدمت
الدول الامبريالية كل الوسائل المتوفرة لديها لكسب هذه الحرب كذلك
استخدم الاتحاد السوفييتي كل الوسائل المتوفرة لديه لخوض هذه الحرب
والانتصار فيها الا ان وسائل الحرب الباردة تختلف اختلافا اساسيا عن
وسائل الحرب الحارة. فما هي الوسائل التي استخدمها كل من الطرفين
المتحاربين في خوض هذه الحرب؟
وسائل الامبرياليين في شن الحرب الباردة كان على الدول الامبريالية
ان تحشد كل القوى المتوفرة لديها لتوجيهها ضد الاتحاد السوفييتي الذي
خرج من الحرب منتصرا على النازية تحيط به دول اطاحت بحكوماتها
البرجوازية واقامت حكومات عمالية شرعت تسلك الطريق الذي سلكه الاتحاد
السوفييتي مستفيدة من خبرته الواسعة والمساعدات الاممية الاخوية الني
يقدمها الاتحاد السوفييتي في جميع المجالات.
كانت الولايات المتحدة قد تحولت خلال الحرب وبعدها الى مصنع يزود
الدول الراسمالية الاوروبية التي دمرتها الحرب بالمواد التي تساعدها
على اعادة بناء بلدانها وصناعاتها في نطاق مشروع مارشال. وبهذه
الطريقة حولت اوروبا الى دول خاضعة لها تتحكم فيها وتقرر سياساتها.
استغلت الولايات المتحدة هذا الوضع فاحتلت هذه الدول وأقامت فيها
القواعد العسكرية المجهزة باحدث الاسلحة بحجة حمايتها من خطر الهجوم
الشيوعي المزعوم وبذلك حاصرت المعسكر الاشتراكي من ناحية عسكرية
وفرضت على هذه الدول قواعد صارمة بخصوص مقاطعة دول اوروبا الشرقية
الاقتصادية. وفرضت على هذه الحكومات التي ترضى عنها واشترطت في سبيل
تقديم المساعدات لها طرد الشيوعيين الذين اشتركوا في حكومات فرنسا
وايطاليا بعد الحرب.
لم يكن بامكان الامبرياليين ان يستخدموا السلاح في حربهم الباردة ضد
الاتحاد السوفييتي ولكنهم تحت ستار الحرب الباردة واصلوا تطوير اسلحة
الدمار الجماعي وتكديسها بمقاييس لم يسبق لها مثيل. وكانت حجج
الامبرياليين في تطوير سباق التسلح الاستعداد لرد اي هجوم شيوعي
مفاجئ وانشأوا الاحلاف العسكرية في شتى مناطق العالم واحاطوا المعسكر
الاشتراكي بالقواعد العسكرية ونشروا اساطيلهم وغواصاتهم الذرية في
كافة البحار والمحيطات وجعلوا طائراتهم الحاملة للقنابل الذرية تحلق
في اجواء اوروبا بصورة دائمية. ونصبوا صواريخهم الموجهة ووجهوها نحو
مدن الاتحاد السوفييتي لتكون على استعداد للانطلاق في اية لحظة.
وجعلت اميركا من حليفاتها الاوروبية قواعد عسكرية لها تتحكم حتى
بسياساتها الداخلية والعسكرية.
ولكن تكديس الاسلحة وحده لا يكفي. كان على هذه الدول ان تكسب قواتها
المسلحة التي تستخدم الاسلحة عند الحاجة في حالات تحول الحروب
الباردة الى حروب حارة. كان عليها ان تشطف ادمغة هذه القوات العسكرية
وان تدربها وتثقفها وتربيها على الوحشية والقسوة وان تقنعها بان
الشعوب الاخرى تتالف من اوباش بشرية وان تقتيل وابادة هذه الوحوش
البشرية لا يشكل جرائم ضد الانسانية. وقد رأينا ذلك واضحا في الحرب
الفيتنامية ولكن هذا التثقيف وحده لا يكفي. من الضروري اخضاع الجنود
بممارسة اقسى اشكال الضبط العسكري وتوجيه اقسى العقوبات لمن تسول له
نفسه ابداء اية مقاومة لمثل هذه السياسات.
اضافة الى ضمان خضوع القوات المسلحة كان على الامبرياليين ان يضمنوا
مؤخرتهم، ان يخضعوا شعوبهم. فمارسوا اشد سياسات الضغط والارهاب ضدهم
كما شاهدناه في حركة المكارثية في الولايات المتحدة التي جعلت الشعب
الاميركي يعيش في ظروف تصبح امامها محاكم التفتيش نعيما وديمقراطية.
واستخدمت الامبريالية وسائل اعلامها الواسعة فسخرتها لشطف ادمغة
شعوبها وشعوب العالم اجمع واقناعها بان سياسة التسلح والحروب انما هي
للدفاع عن الشعوب من خطر الشيوعية التي تهدد العالم بالدمار والخراب.
وساهم الاشتراكيون الديمقراطيون بمختلف اشكالهم في تضليل الطبقة
العاملة وتخدير يقظتها تجاه السياسات العدوانية الحربية لحكوماتهم
الامبريالية. كذلك لعب الاشتراكيون الديمقراطيون دورا قذرا في اخفاء
طبيعة سباق التسلح عن اعين الطبقة العاملة والكادحين. فقد اشتركوا مع
الامبرياليين في تبرير سباق التسلح على انه لمجرد الدفاع ودرء خطر
الهجوم الشيوعي. كذلك اخفوا عن اعين الشعوب الهدف الاقتصادي البحت من
سباق التسلح اي هدف ضمان اقصى الارباح لمنتجي هذه الاسلحة. كذلك
اخفوا عن الشعوب ان التسلح هو الوسيلة الرئيسية المتبقية لدى
الامبريالية في فترات السلام لتخفيف حدة ازماتها الاقتصادية وازمتها
العامة.
سياسة الاتحاد السوفييتي في خوض الحرب الباردة قامت سياسة الاتحاد
السوفييتي في صد الهجوم الامبريالي في الحرب الباردة على اساس
التحليل الماركسي لظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد توصل
ستالين من تحليل هذه الاوضاع الى ان الحرب العالمية لم تعد حتمية.
كان لينين في تحليله للاوضاع العالمية قد توصل الى ان الحرب
العالمية، لغرض اعادة تقسيم العالم الذي تم تقسيمه وفقا للتوازن
الاقتصادي المتغير الناجم عن تفاوت التطور في الدول الراسمالية, يجعل
الحرب العالمية حتمية وان تجنب الحرب او ايقافها يتطلب تحويل الحرب
الامبريالية الى حرب اهلية لاسقاط الحكومات الراسمالية واقامة حكومات
عمالية تنهي الحرب وتبني الاشتراكية على انقاضها. هكذا كان شعار
الاحزاب الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية قبل الحرب العالمية الاولى
وهكذا كان شعار الاحزاب الشيوعية (الاممية الثالثة) بين الحربين
العالميتين.
ولكن الوضع تغير بعد الحرب العالمية الثانية. لقد اصبح الاتحاد
السوفييتي دولة عظمى استطاعت ان تنقذ العالم من العبودية الامبريالية
لهتلر وان تعين دول اوروبا الشرقية على الاطاحة بدولها الراسمالية
التي خضعت لهتلر وساهمت في حربه ضد الاتحاد السوفييتي وضد شعوبها
بالذات. نال الاتحاد السوفييتي لذلك عن جدارة تقدير شعوب العالم اجمع
وبهر العالم بتآخي قومياته ووقوفها صفا واحدا للدفاع عن وطن
الاشتراكية وصيانة نظامه الاشتراكي الذي لم يكن حتى ادهى قادة
الامبريالية يتوقع صموده امام الهجوم النازي اكثر من ثلاثة اسابيع.
والى جانب الاتحاد السوفييتي نشأ معسكر كامل من الدول التي اطاحت
بنظامها الراسمالي وشرعت في بناء مجتمعها الاشتراكي، مستمدة العون
والخبرة والمساعدة الاخوية من الاتحاد السوفييتي. وانتشرت في العالم
اجمع ثورات وطنية وحروب اهلية تهدف الى التخلص من نير الاستغلال
الامبريالي وتحرير البلاد من النفوذ الامبريالي. كل هذه الظروف جعلت
ستالين يتوصل الى انه رغم ان الحروب بين الدول الامبريالية ما زالت
حتمية وستبقى حتمية ما دامت في العالم دول راسمالية فان الحرب
العالمية لم تعد حتمية.
من المعلوم ان الدولة التي تريد شن حرب لاي سبب كان عليها ان تضمن
اولا السلاح الذي تستطيع به ان تحارب. والسلاح متوفر دائما لدى الدول
الراسمالية، بل ان انتاج السلاح اصبح في ايامنا هذه هدفا بحد ذاته،
لان انتاج السلاح في ايامنا اصبح اكثر انواع الانتاج ربحا واقوى اداة
في تخفيف ازمة الراسمالية الخانقة التي سادت جميع الدول الراسمالية.
والسلاح اداة ميتة لا تستطيع المقاومة ويستطيع من يملكه ان يستعمله
متى شاء وكيفما شاء. وليس للسلاح طابع طبقي اذ تستطيع الراسمالية
استخدامه بنفس الصورة التي تستطيع الطبقة العاملة استخدامه ويستطيع
الطرفان المتحاربان استعماله بنفس الدرجة.
والدولة التي تريد شن حرب عليها ان تضمن الجانب الثاني الذي هو
البشر. عليها ان تقنع جنهودها الذين يحاربون من اجلها بضرورة هذه
الحرب وبعدالتها لان القوة وحدها لا يمكنها ان تجعل الجيوش تحارب
بحماس في الحرب وتعتبر ان الحرب التي تخوضها هي حربها. كذلك عليها ان
تقنع شعوبها التي تشكل مؤخرة جيوشها بضرورة هذه الحرب وعدالتها.
بخلاف السلاح، فان الشعوب كائنات حية قادرة على المقاومة، وليس من
السهل دائما اقناعها بخوض الحرب على انها حرب ضرورية وعادلة. وان شن
حرب على نطاق عالمي يتطلب اقناع الراي العام العالمي كله بضرورة هذه
الحرب وعدالتها.
لذلك كان جواب الاتحاد السوفييتي على اعلان الحرب الباردة يستهدف هذا
الراي العام العالمي. وجاء هذا الجواب على لسان ستالين الذي اطلق
شعاره المعروف "ان السلم سيصان ويتعزز اذا ما اخذت الشعوب قضية
السلام بايديها ودافعت عنها حتى النهاية".
هذا الشعار هو اساس سياسة التعايش السلمي الستالينية. فهي تعتمد على
توعية الشعوب ورصها في النضال من اجل السلام وفضح مؤامرات الدول
الامبريالية ضد السلام ونشاطاتها الرامية الى اعداد حرب عالمية
جديدة.
نشأت على هذا الاساس حركة السلم العالمية التي تسير وراء شعار واحد
هو صيانة السلام ومنع وقوع حرب عالمية ثالثة. وكانت حركة السلام حركة
ديمقراطية واسعة وشاملة ينتمي اليها كل من يعادي الحرب ويريد السلام.
والشعوب بطبيعتها تحب السلام ولا تريد الحرب ولذلك اندفعت جماهير
الشعوب نحو هذه الحركة واخذت لجان السلام تنشأ في كل بلدان العالم.
وعقدت المؤتمرات والمهرجانات الداعية للسلام. رفعت هذه الحركة شعار
تحريم القنابل الذرية وجمعت التواقيع لهذا الشعار فبلغ عدد التواقيع
التي جمعتها لتأييد هذا الشعار ٦٠٠ مليون توقيع قدمتها الحركة الى
هيئة الامم المتحدة.
لم يكن يطلب من المنتمين الى حركة السلام ان يتبنوا مبدأ معينا او ان
ينتموا الى حزب معين او الى طبقة معينة بل كان يحق لكل انسان مهما
كانت عقائده السياسية او الدينية ومهما كان انتماؤه الطبقي ومركزه
الاجتماعي ان ينتمي الى هذه الحركة طالما كان يؤيد السلام ويعادي
الحرب. بل لم يكن يطلب من طالب الانتماء لهذه الحركة حتى ان يقرر من
هو الجانب الذي يدعو الى الحرب او يعد لها. وقد ادى هذا الى انتماء
الكثير من الراسماليين الذين يكرهون الحرب لاي سبب كان.
"ان هدف حركة السلام الحالية هو اثارة جماهير الشعوب للنضال من اجل
صيانة السلام ومنع وقوع حرب عالمية اخرى. ولذلك فان هدف هذه الحركة
ليس الاطاحة بالراسمالية واقامة الاشتراكية، انها تقتصر على الهدف
الديمقراطي لصيانة السلام. وفي هذا الاعتبار تختلف حركة السلام
الحالية عن الحركة ابان الحرب العالمية الاولى لتحويل الحرب
الامبريالية الى حرب اهلية، نظرا الى ا |