chercher sur se site Nous contacter Dates importantes Nos activités Nos positions Documents qui sommes-nous? page d'acceuil
 

العـــــراق : حرب من أجل الهيمنة و النفط


ابراهيم الصحاري

 مقدمة

اليوم، تعد الولايات المتحدة العدة لحربها الرابعة ـ والأكبر ـ في غضون ما يزيد قليلاً على عقد من الزمان.

فالأساطيل تُحشد في مياه الخليج، والقواعد تُجهز في تركيا وقطر، والرأي العام يُعبأ بواسطة الآلة الإعلامية الأمريكية التي لا تهدأ. هذه الحرب ليست من أجل السلم والديمقراطية.

هي حرب من أجل النفط والهيمنة.

وككل الحروب الإمبريالية التي تقدم من قِبل الطبقات الحاكمة بوصفها رسالة أخلاقية، فإن هذه الحرب ستحصد أرواح مئات الآلاف من الأبرياء.
الدماء التي ربما ستراق على أرض العراق، والتي أُريقت على أرض أفغانستان وأرض فلسطين، لابد أن تتوقف. لابد من إيقاف آلة الحرب الجهنمية. لابد من وضع العصا في عجلة الهيمنة الإمبريالية والاستغلال الرأسمالي، ومن تحطيم الدائرة الشريرة للغزو والإفقار والمذابح.
حركة الجماهير الهادرة المناهضة للحرب في البلدان الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأمريكية تقدم بداية الطريق للمخرج.
هذه الحركة تستطيع إيقاف الحرب وفرض السلم.

فمن لندن، إلى فلورنسا، إلى واشنطن، خرج مئات الآلاف من العمال والطلاب والموظفين والعاطلين عن العمل منددين بمخططات الإمبريالية ورافضين لخيار الحرب على الشعبين العراقي والفلسطيني.

هذه الحركة لم تولد في مصر بعد. لازالت الجماهير ـ تحت الديكتاتورية الغاشمة ـ ساكنة. ولكنه السكون الذي يسبق العاصفة. فقد أعطتنا حركة التضامن مع الانتفاضة في أكتوبر 2000 وأبريل 2002 مثلاً على ما يمكن أن تفعله الجماهير المصرية.

وهي قادرة على أن تكرره ـ بل ستكرره ـ في حال تصاعد نذر الحرب ضد العراق.

النضال الجماهيري المصري، والعربي، ضد الصهيونية والإمبريالية والحرب ليس إلا مقدمة. فالنار ترقد تحت الرماد، وبرميل البارود أوشك على الانفجار.
ومن قلب السخط على الإمبريالية، يمكن أن تولد الحركة ضد الظلم والاستبداد في الداخل.

لازالت القوة الرئيسية للتغيير ـ الطبقة العاملة منتجة وخالقة الثروة ـ خارج المعركة. والتحامها بالنضال الجماهيري ضد الاضطهاد الإمبريالي والاستغلال الرأسمالي، سوف يغير من شروط المعادلة. سوف يمنح الحركة قوة غير مسبوقة، ويضعها على محك التغيير الجذري الشامل.
وبالحكم من قراءة التاريخ، يمكننا أن نتأكد أن الطبقة العاملة المصرية كانت جزءاً رئيسياً ـ وقيادياً ـ في الحركة ضد الاستعمار والإمبريالية والاستغلال.
هذه الطبقة وقفت في مقدمة نضال الجماهير المصرية في كل المنعطفات الأساسية للتاريخ الحديث، ولا يوجد أبداً ما يمنعها من تكرار نضالاتها المجيدة.
المساهمة في بناء حركة واسعة ضد الحرب الإمبريالية هو واجب كل المناضلين، وفي القلب منهم المناضلين الاشتراكيين، في مصر اليوم. هذه الحركة يمكنها ـ إذا ما التحمت بالحركة العالمية وانصهرت في نضال الجماهير العفوي ـ أن توقف الحرب، وأن تدشن مرحلة جديدة في الصراع الطبقي.
وهذا الكراس، عدا عن أنه يطرح الموقف الاشتراكي الثوري من الحرب القادمة على العراق، يعد دعوة للبدء ـ الآن وفوراً ـ في بناء حركة تضم كل القوى السياسية والفعاليات المستعدة، بكل انفتاح، للعمل مع الآخرين ضد همجية إمبريالية القطب الواحد في القرن الحادي والعشرون.

ـ 1 ـ
العراق من الحليف إلى العدو

لعقود، عملت الولايات المتّحدة علي دعم بعض الأنظمة الإقليمية كطريق لتعزيز مصالحها في منطقة الخليج منبع ثُلثي نفط العالم. واعتمدت في هذا على إسرائيل بشكل رئيسي، بالإضافة إلى اعتمادها على تشكيل التحالفات بين تركيا والمملكة العربية السعودية وإيران (الشاه). ولكن إسقاط الشاه في 1979 أدخل السياسة الأمريكية في أزمة. وقد عالجت الولايات المتّحدة هذه الأزمة بالبحث عن النظام إقليمي آخر لتدعمه، وتثني عليه، وتزيد من قدرته العسكرية علي التدخل. ووجدت في نظام "صدام حسين" ما تبحث عنه.


صدام حليف الإمبريالية

بعد ثورة 1979 الإيرانية، شنّ العراق حرباً ضدّ إيران في 1980. الولايات المتّحدة وحلفاؤها، والاتحاد السوفيتي، باعوا الأسلحة لكلا الجانبين في هذه الحرب التي استمرت ثماني سنوات، والتي قدرت خسائرها في الأرواح بنحو مليون قتيل. وعندما بدأت الكفة تميل نحو إيران بعد سيطرتها على شبه جزيرة الفاو الاستراتيجية بداية عام 1987، انتقلت الولايات المتّحدة بشكل حاسم نحو دعم العراق.
في ذلك الوقت، قال مساعد وزير الدفاع الأمريكي "ريتشارد آرميتاج" في الكونجرس: "بينما نحن لا نريد أي منتصر في هذه الحرب، نحن لا نستطيع رؤية العراق يُهزم لأن هذا سيؤدّي إلى عدم الاستقرار من المغرب إلى بنجلادش".
وعلى ذلك وصل الدعم الأمريكي للعراق إلي ذروته. فبالإضافة إلى ملايين الدولارات المدفوعة في الطائرات والمروحيات الحديثة، مدّت الولايات المتّحدة القيادة العليا العراقية، من طائراتها للمراقبة "آواكس"، ببيانات استخباراتية عن مواقع الجيش الإيراني.
وأكثر من ذلك، حشدت الولايات المتّحدة أسطولها البحري في الخليج، وكانت هذه العملية هي الأكبر من نوعها منذ حرب فيتنام، وذلك تحت زعم "حماية حرية الملاحة في الخليج".

ولكن تلك كانت مجرد ذريعة لمهاجمة البحرية الإيرانية.

وساعدت الولايات المتحدة العراق على تصنيع الأسلحة الكيميائية واستخدامها، بينما منعت وصول هذه الأسلحة إلي إيران.
كان كل هذا مفهوماً تماماً. حيث كانت الثورة الإيرانية، في جانب منها على الأقل، إعلاناً لموجة عارمة من معاداة الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
وقد ارتجفت الولايات المتحدة من إمكانية انتشار هذه الموجة، مهددة بذلك مصالحها في المنطقة ككل.
والحقيقة أن الولايات المتحدة لم ترتجف وحدها، بل ارتجفت معها أيضاً كل الأنظمة العربية الموالية لها والمتحالفة معها. ارتعدت تلك الأنظمة من تأثيرات الثورة التي كان من المكن أن تهدد عروشها، فرحبت بتصدي "صدام حسين" لمواجهتها بمساعدة الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين.
وعندما انتهت الحرب العراقية-الإيرانية في أواخر الثمانينات، استقبلت الأنظمة العربية "صدام حسين" استقبال الفاتحين. وتحدثت أبواق دعايتها عن "صدام" البطل حامي الديار وقاهر الأعداء الذي استطاع وقف الزحف الإيراني علي الأمة العربية.
لم يكن أحد يتحدث آنذاك عن الديكتاتور "صدام حسين" الذي يحكم شعبه بالإرهاب ليكمم الأفواه المعارضة لحكمه البغيض. بل كانت الولايات المتحدة تسانده بالمال والتهليل. وخلال العامين التاليين لنهاية الحرب عملت أمريكا علي تعزيز مكانة "صدام حسين" كالرجل القوي الأمريكي الجديد في الخليج.ومدّت نظامه بشكل سخي بالأسلحة والمعونة التقنية والاقتصادية.

وحتى عندما قام نظام "صدام حسين" بهجوم وحشي بالأسلحة الكيماوية على الأكراد في "حلبجة" في شمال العراق في مارس 1988، مما أدى إلى مصرع 5 آلاف كردي وإصابة 10 آلاف آخرين، صمتت الولايات المتحدة علي هذه المذبحة.

بعد المذبحة بأيام التقى وزير الخارجية "جورج شولتز" مع "سعدون حمّادي"، وزير الدولة العراقي للشؤون الخارجية، في واشنطن، وقال للأخير "نريد أن تكون لنا علاقة جيدة معكم، لكن هذه الواقعة [مذبحة حلبجة] تجعل هذا صعباً جداً". وبعد ذلك عارضت إدارة ريجان وحلفائها الغربيين إدانة النظام العراقي وفرض العقوبات عليه بحجة أن ما حدث "شأن داخلي".

وبعد شهرين من وقوع المذبحة وقّع العراق عقداً مع شركة "بيكتيل" الأمريكية لبناء مصنع بهدف إنتاج أسلحة كيميائية! كما قام حلفاء الولايات المتحدة الآخرين، مثل بريطانيا وفرنسا، بتسليح نظام صدام بكافة أنواع الأسلحة.

اتهامات الأمريكيين اليوم ضدّ "صدام" ـ بأنه دكتاتور وحشي يهاجم شعبه، وبأنه استعمل أسلحة كيميائية ضدّ الأكراد والإيرانيين، وبأنه يستحوذ على أسلحة دمار شامل ـ كانت معروفة في الثمانينات.

ولكن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين ساعدوا "صدام" على بناء ترسانته تلك، وتغاضوا عن كل سياساته الدموية ضد الشعب الإيراني وضد الأكراد في الشمال بسبب تحالفه الوثيق معهم وانصياعه لمطالبهم.


العدّ التنازلي للحرب

تحول "صدام حسين" من حليف إلي عدو عندما حاول استغلال قوته العسكرية المتضخمة ليتخلص من أزمته الاقتصادية والسياسية الطاحنة، بعد أن تركته حربه العبثية ضد إيران على شفا الإفلاس. فقد قام باحتلال الكويت في 2 أغسطس عام 1990 كي يلعب دوراً أكبر في المنطقة، وكي يتحكم في أسعار البترول بما يتناسب مع قوته العسكرية الجديدة. ولكن حسابات صدام حسين كانت خاطئة. فالولايات المتحدة، التي كانت تعيش بدايات نصرها على المعسكر الشرقي، ما كانت لتسمح له بأن يتحكم في أهم منطقة لإنتاج النفط في العالم، ولا بأن يهدد استقرار حلفائها من أمراء النفط.
في غضون أيام قليلة، استطاعت الولايات المتحدة بمعاونة حلفائها، ومن بينهم السعودية ومصر وسوريا والكويت، أن تحشد جيشاً جراراً لتدمير العراق، شاركت فيه قوات من الجيش المصري إلي جانب بريطانيا وفرنسا. وأثناء الاستعداد للحرب، كان أكثر شيء يخيف الولايات المتحدة هو الوصول إلي حلّ تفاوضي قد يسمح للعراق بالانسحاب من الكويت ويحفظ لصدام ماء وجهه. وذلك ببساطة لأن الإمبريالية الأمريكية كانت قد أعدت آلتها العسكرية الهمجية لتدمير العراق، ومن ثم فرض مزيد من الهيمنة علي منطقة الشرق الأوسط.

عاصفة الصحراء: حرب تدمير العراق

القصف الجوي الأمريكي والبريطاني لبغداد الذي بدأ في 16 يناير1991، واستمر لمدة 42 يوماً، كان قصفاً شاملاً وبربرياً لم يسبق له مثيل في التاريخ الإنساني ـ أو بالأحرى التاريخ اللاإنساني! يشير "جيف سايمونز" الكاتب البريطاني في كتابه "التنكيل بالعراق" إلى أن العراق "تلقى خلال حرب الخليج الثانية940 ألف قذيفة يورانيوم، وهو ما يساوي 350 طناً من اليورانيوم المنضب هي فقط مخلفات القصف، و14 ألف قذيفة دبابات، وقُصفت المنطقة بحوالي 50 ألف صاروخ و88 ألف طن من القنابل، وهو ما يعادل سبعة أضعاف القوة التدميرية التي تعرضت لها مدينتا هيروشيما وناجازاكي اليابانيتان بعد قصفهما بالقنابل النووية الأميركية في نهاية الحرب العالمية الثانية".
أسفر هذا الهجوم الجوي البربري عن قتل ما بين 100 ألف و200 ألف عراقي وجرح ما بين 300 ألف و700 ألف آخرين.
واستهدف بتعمد تدمير البنية الأساسية المدنية للعراق، من محطات اتصالات، وكهرباء، ومصانع، ومعامل، ومنشآت نفطية، ومخازن للحبوب، ومواد تموينية، وأسواق مركزية، ومحطات ضخ للمياه، ومنازل ـ حتى الملاجئ التي احتمت فيها الجماهير العراقية لم تكن ملاذاً آمناً لهم أمام القصف الصاروخي البري والجوي والبحري المركّز على مدى ستة أسابيع.

فقد قصفت الولايات المتّحدة في إحدى غاراتها الجوية (في 12 فبراير 1991) ملجأ العامرية، وقتلت أكثر من 400 مدني، وأصابت أكثر من 1.500 آخرين، العديد منهم من النساء والأطفال، بحجة أن هذا الموقع كان غطاء لقاعدة عسكرية متقدمة للجيش العراقي!
ورغم كل هذا الدمار من جراء القصف الجوي، واصلت الولايات المتحدة حربها البرية ضد الجيش العراقي.
ذلك علي الرغم من اعتراف صدام بالهزيمة قبل أن تبدأ هذه الحرب، وإعلانه قبوله لقرارات الأمم المتحدة التي تدعو إلى انسحاب الجيش العراقي من الكويت.

رفض بوش الأب عرض صدام، وأعلن أن الحرب لن تتوقف إلا بسقوط النظام العراقي والإطاحة بصدام "الذي مازال يشكل خطراً علي جيرانه ويضطهد شعبه". ومن ثم استمرت الولايات المتحدة في همجيتها ضد جماهير الشعب العراقي، وصعّدت هجماتها الوحشية على الجنود العراقيين المنسحبين بحجة أن القيادة العسكرية العراقية تنظم "قتال التراجع".

وفي الساعات الـ40 الأخيرة للحرب، وقبل أن يعلن بوش وقف إطلاق النار في 28 فبراير، صعّدت القوات الأمريكية والبريطانية هجومها المستمر ضدّ الجنود العراقيين المتراجعين.

وقصفت الطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية الآلاف منهم بالقنابل وأحرقتهم أحياء عندما حاولوا الهروب من جحيم القصف. كما استخدمت القوات الأمريكية جرافات مقطورة بالدبابات لقتل ودفن آلاف من الجنود العراقيين أحياء عندما حاولوا الاستسلام.
هذه الحرب الأمريكية البشعة أعادت العراق "إلي ما قبل العصر الصناعي"، وفقاً لتعبير رئيس البعثة التي انتدبتها الأمم المتحدة بعد حرب الخليج مباشرة للاطلاع علي آثار الحرب في العراق. حقاً، ألم يقل وزير الخارجية الأميركي الأسبق "جيمس بيكر" قبل بداية الحرب: "إننا سنعيد العراق إلى العصور الوسطى"؟


بعد العاصفة

همجية الحرب الأمريكية على جماهير شعب العراق أزالت بعض اللمعان عن نصر "بوش الأب". لذلك وقف هذا الأخير علي جثث مئات الآلاف من الضحايا ليعلن أن "عاصفة الصحراء ستكون فاتحة للنظام العالمي الجديد".

ووعد العالم بـ"السلام والرخاء والديمقراطية وحق تقرير المصير للشعوب".

لكن ما حدث بعد ذلك كان شاهداً علي بربرية النظام الذي يسمونه بالـ"عالمي" والـ"جديد".

الشيء الجديد الوحيد في هذا النظام كان، ومازال، هو ازدياد معدلات القهر والاستغلال واستعباد الشعوب في كل أنحاء العالم، وبشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط.

ورغم إعلان الولايات المتحدة أنها ستسحب جيوشها من منطقة الخليج بمجرد طرد "صدام حسين" من الكويت، إلا أن ذلك لم يحدث. بل أن الإمبريالية الأمريكية بدأت بعد الحرب في تعزيز هيمنتها في المنطقة، وفرضت حظراً جوياً واقتصادياً ضد العراق، ثم اتبعته بلجنة للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل لتدمير القدرات العسكرية المتبقية للعراق. ومنذ ذلك اليوم تعتبر الولايات المتحدة أرض العراق مجالاً خصبا لتجريب أسلحتها الفتاكة لإبادة شعب العراق، ولاستعراض القوة إرهاباً لكل من تسوّل له نفسه الخروج علي السيطرة الأمريكية.
أما في الكويت، فقد عادت عائلة "الصباح" الفاسدة والمستبدة إلي الحكم علي أسنة الحراب الأمريكية.

وبالطبع فقد افتتحت، مع عودتها، عهداً جديداً من الإرهاب ضدّ العمال الفلسطينيين، وذلك بعد اتهامهم بأنهم كانوا موالين للعراق. اعتقلت أجهزة الأمن الكويتية الآلاف منهم، وقامت بإعدام المئات بسرعة، كما طردت أكثر من 400 ألف عامل فلسطيني آخرين.
من ناحية أخرى، لم تكن نهاية الحرب هي نهاية المعاناة بالنسبة للشعب العراقي.

ففي أواخر مارس 1991 تدخلت الولايات المتحدة لحماية نظام "صدام" من السقوط علي يد انتفاضة شعبية بعد أسابيع من انتهاء الحرب. إذ بدأ الجنود العراقيون العاديون الذين عادوا من الجبهة إلي مدنهم الأصلية (بالدرجة الأولي من شيعة الجنوب) في صب جام غضبهم على كلّ رموز نظام "صدام حسين" في انتفاضة جماهيرية حاشدة في جنوب العراق.

وفي نفس الوقت قام الأكراد في الشمال بتنظيم انتفاضة مسلحة في "كردستان" العراق.

واستولى عراقيون عاديون علي العديد من مديريات الشرطة وثكنات الجيش والسجون. واقتحمت الحشود الجماهيرية الهائلة الزنزانات وغرف التعذيب تحت الأرض، لإطلاق سراح السجناء السياسيين الذين لم يشهدوا ضوء الشمس منذ عقود. ولأكثر من أسبوعين سيطرت الانتفاضة الشعبية على مناطق بأكملها في الجنوب والشمال.

وأعدمت جموع الجماهير العراقية مسئولي حكومة "صدام" علناً. وأصبح النظام على حافة السقوط، لولا حصوله على يدّ المساعدة من مصدر غير متوقع ـ الإدارة الأمريكية!

رفض المسؤولون العسكريون الأمريكيون مقابلة ممثلي الانتفاضة الشعبية. ووقفت القوات أمريكية عملياً إلى جانب حكومة "صدام". فتركته ينتهك رسمياً شروط اتفاقية وقف إطلاق النار لتسهّل من مهمته في القمع الدموي للانتفاضة الشعبية.
فعندما هاجمت قوات "صدام" بالقنابل الحارقة مئات الآلاف من العراقيين الفارين من القمع في المناطق الشمالية والجنوبية للعراق، بعد أن أعاد النظام السيطرة عليها، قامت الطائرات أمريكية بدوريات محدودة في مستوى طيران عال لتتفرج علي مذابح العراقيين.
وللتأكد من حجم التواطؤ الأمريكي في مذابح "صدام" ضد هذه الانتفاضة، يكفى أن نعرف أنه عندما دمرت القوات الأمريكية والبريطانية العراق، وصل عدد طلعات قواتها الجوية إلى ما يزيد على 70 ألف طلعة، بمعدل طلعة كل دقيقة. ولكن في الأسبوع الأول من عذاب الأكراد في الجبال، وتحت القصف المكثف والدموي من قبل قوات "صدام"، قامت القوات الأمريكية والبريطانية بـ 10 طلعات فقط من مستوى طيران عال، لتعطي الفرصة للنظام العراقي لإتمام مذابحه ضد جماهير الشعب. وأسفر سحق "صدام" للانتفاضة الشعبية عن موت آلاف العراقيين وفرار مئات الآلاف الآخرين منهم إلي إيران. والسؤال الآن: لماذا تواطأت الولايات المتحدة مع "صدام" في قمع انتفاضة مارس 1991؟ أليست إدارة "بوش الأب" هي نفسها التي تحدثت عن ضرورة إسقاط الديكتاتور "صدام حسين" الذي يقمع شعبه ويمثل خطراً علي جيرانه؟ الإجابة هي أن الولايات المتحدة لم ترغب، بعد الحرب، في إسقاط نظام "صدام حسين" لعدد من الأسباب. أولاً لأن رجال الإدارة الأمريكية توصلوا حينها إلى استنتاج مفاده أن استمرار "صدام حسين" على رأس السلطة في العراق، ومن ثم استمرار وهم الخطر العراقي، هو المبرر القوى الذي سيمنح الولايات المتحدة رخصة التواجد المكثف في المنطقة لتعيد ترتيب الأوضاع بما يتوافق مع مصالحها ومصالح حلفائها. ثانياً رأت الولايات المتحدة أن قمع "صدام" للانتفاضة في الجنوب والشمال هو بمثابة فرصة لتعزيز احتلالها لهذه المناطق (ليس من باب المصادفة أن معظم احتياطيات العراق النفطية واقعة في هذه المناطق). ثالثاً لم يكن بديل إسقاط نظام "صدام" عن طريق الانتفاضة الشعبية هو الطريق الأنسب من وجهة النظر الأمريكية لتحقيق الاستقرار في العراق وفي منطقة الخليج.

وذلك لأن نجاح انتفاضة شعبية من أسفل في بالإطاحة بنظام "صدام حسين" سيكون نموذجاً يمكن تكراره من جانب الجماهير المضطهدة في المنطقة، خاصة في منطقة "كردستان" التركية، وفي المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، وهم أهم حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين. رابعاً وأخيراً خشيت الولايات المتحدة من أن انتصار الانتفاضة في العراق يمكنه أن يؤدي إلى تقسيم البلد، ومن ثم إلى تقوية إيران، وهي مصدر خطر على المصالح الأمريكية في هذه المنطقة الحساسة من العالم.


الحقيقة الساطعة إذن هي أن الولايات المتّحدة لم يكن لديها أي نية لدعم تحول ديمقراطي في العراق.
الصحفي الأمريكي "توماس فريدمان" المقرب من البيت الأبيض والبنتاجون ذكر في "النيويورك تايمز" في يوليو 1991 تعليقاً علي انتفاضة مارس في العراق أن "أن إدارة بوش (الأب) كانت ستفضّل انقلاب من قبل الجنرالات العراقيين للإطاحة بصدام حسين، أي زمرة عراقية ذات قبضة حديدية، ولكن بدون صدام حسين".


قصف لا ينتهي

منذ انتهاء حرب الخليج والطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية تحلق في دوريات منتظمة فوق منطقتي حظر الطيران في شمال وجنوب العراق. تشن هذه الطائرات حرب استنزاف لا تنتهي ضد جماهير الشعب العراقي. فالطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية قامت، على مدى اثني عشر عاماً، بعشرات الآلاف من الهجمات بصورة دورية علي منشآت مدنية وأحياء سكنية وساحات شعبية، قتلت خلالها مئات من المدنيين العراقيين. وكان أشهر هذه الهجمات، وأوسعها نطاقاً، هو ما حدث في 16 ديسمبر 1998 بعدما اعترض "صدام حسين" علي لجنة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل التابعة للأمم المتحدة "أونسكوم"، وأتهم العاملين بها بالتجسس علي العراق لصالح الولايات المتحدة ـ وهو ما ثبتت صحته بعد ذلك باعتراف بعض مفتشي الأمم المتحدة أنفسهم ـ ثم قام بطرد فرق التفتيش في أغسطس 1998. فعلى الرغم من قبول "صدام" لعودة فريق التفتيش في منتصف نوفمبر، إلا أن الولايات المتحدة هاجمت العراق في 16 ديسمبر بصورة وحشية علي مدار أربعة أيام أثناء شهر رمضان فيما عرف بعملية "ثعلب الصحراء".
لابد أن نشير هنا إلى أن حملة القصف الجوي الأمريكي المتواصلة تعد الأطول منذ الحرب العالمية الثانية. ولتبرير ذلك تستخدم كل من الولايات المتحدة وبريطانية حجة واحدة متكررة:

قيام قوات الدفاع الجوي العراقية بإطلاق نيرانها على الدوريات الأمريكية والبريطانية وملاحقتها بأجهزة الرادار باعتبار أن هذا يعد انتهاكاً مباشراً لقرارات الأمم المتحدة.

وذلك علي الرغم من أن مناطق الحظر الجوي لم يصدر بشأنها أي قرار من قبل الأمم المتحدة.


حماية الأكراد!

الحقيقة هي أن الهدف من وراء فرض منطقتي الحظر الجوي في جنوب وشمال العراق ليس، كما تدعي الولايات المتحدة، حماية الشيعة والأكراد. فكما تشير الموظفة المسئولة عن تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة في شمال العراق "ليس للولايات المتحدة وبريطانيا أي رغبة في أن تسيطر الأغلبية الشيعية علي السلطة في بغداد أو أن يحصل الأكراد على الاستقلال.

السياسة التي تتبعها هاتان الدولتان هي أن تبقيا الشيعة والأكراد أقوياء بما فيه الكفاية ليتسببا في قلاقل لنظام لصدام حسين، ولكن مع ضمانهما في نفس الوقت أن صدام حسين قوي بما فيه الكفاية ليستمر في قمعهم.

هذه سياسة متبعة من أيام الإمبراطورية البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى وحتى الآن .. هي سياسة فرّق تسد".
أكذوبة دعم الأمريكيين للشعب الكردي لا يمكنها أن تصمد أمام الوقائع الدامغة. إذ يلاقي الأكراد العراقيين (والأتراك بالطبع) الأمرين من جانب تركيا، الحليف المخلص للولايات المتحدة. فقد ارتكبت تركيا مذابح عديدة ضد الأكراد بالتواطؤ مع الولايات المتحدة في ظل ما يسمى بمنطقة الحظر الجوي في شمال العراق. أشهر هذه المذابح وقع عندما غزت قوات مؤلفة من 10 آلاف جندي تركي شمال العراق في ديسمبر عام 2000، وقامت بقتل أعداد لم يسمع بها من قبل من الأكراد العراقيين المدنيين، ومن مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي الذي يناضل من أجل الاستقلال في جنوب شرق تركيا.

الطائرات الأمريكية والبريطانية لم تمنع الاحتلال التركي لشمال العراق.

بل على العكس. فقد تم تعليق أكثر الدوريات والطلعات للسماح للجيش التركي بمواصلة إبادة الأكراد. ويؤكد "جون بيلجر" الصحفي البريطاني في كتابه "اللعبة الكبرى" أن "بعض الطيارين الأمريكيين والبريطانيين الذين يقومون بدوريّات في شمال العراق تحدثوا بغضب حول أوامر أعطيت لهم بالعودة إلى قاعدتهم في تركيا لكي يسمحوا للقوة الجوية التركية بقصف الأكراد في العراق ـ وهم من تدعي الول