chercher sur se site Nous contacter Dates importantes Nos activités Nos positions Documents qui sommes-nous? page d'acceuil
 

العـــــراق : حرب من أجل الهيمنة و النفط


ابراهيم الصحاري

 مقدمة

اليوم، تعد الولايات المتحدة العدة لحربها الرابعة ـ والأكبر ـ في غضون ما يزيد قليلاً على عقد من الزمان.

فالأساطيل تُحشد في مياه الخليج، والقواعد تُجهز في تركيا وقطر، والرأي العام يُعبأ بواسطة الآلة الإعلامية الأمريكية التي لا تهدأ. هذه الحرب ليست من أجل السلم والديمقراطية.

هي حرب من أجل النفط والهيمنة.

وككل الحروب الإمبريالية التي تقدم من قِبل الطبقات الحاكمة بوصفها رسالة أخلاقية، فإن هذه الحرب ستحصد أرواح مئات الآلاف من الأبرياء.
الدماء التي ربما ستراق على أرض العراق، والتي أُريقت على أرض أفغانستان وأرض فلسطين، لابد أن تتوقف. لابد من إيقاف آلة الحرب الجهنمية. لابد من وضع العصا في عجلة الهيمنة الإمبريالية والاستغلال الرأسمالي، ومن تحطيم الدائرة الشريرة للغزو والإفقار والمذابح.
حركة الجماهير الهادرة المناهضة للحرب في البلدان الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأمريكية تقدم بداية الطريق للمخرج.
هذه الحركة تستطيع إيقاف الحرب وفرض السلم.

فمن لندن، إلى فلورنسا، إلى واشنطن، خرج مئات الآلاف من العمال والطلاب والموظفين والعاطلين عن العمل منددين بمخططات الإمبريالية ورافضين لخيار الحرب على الشعبين العراقي والفلسطيني.

هذه الحركة لم تولد في مصر بعد. لازالت الجماهير ـ تحت الديكتاتورية الغاشمة ـ ساكنة. ولكنه السكون الذي يسبق العاصفة. فقد أعطتنا حركة التضامن مع الانتفاضة في أكتوبر 2000 وأبريل 2002 مثلاً على ما يمكن أن تفعله الجماهير المصرية.

وهي قادرة على أن تكرره ـ بل ستكرره ـ في حال تصاعد نذر الحرب ضد العراق.

النضال الجماهيري المصري، والعربي، ضد الصهيونية والإمبريالية والحرب ليس إلا مقدمة. فالنار ترقد تحت الرماد، وبرميل البارود أوشك على الانفجار.
ومن قلب السخط على الإمبريالية، يمكن أن تولد الحركة ضد الظلم والاستبداد في الداخل.

لازالت القوة الرئيسية للتغيير ـ الطبقة العاملة منتجة وخالقة الثروة ـ خارج المعركة. والتحامها بالنضال الجماهيري ضد الاضطهاد الإمبريالي والاستغلال الرأسمالي، سوف يغير من شروط المعادلة. سوف يمنح الحركة قوة غير مسبوقة، ويضعها على محك التغيير الجذري الشامل.
وبالحكم من قراءة التاريخ، يمكننا أن نتأكد أن الطبقة العاملة المصرية كانت جزءاً رئيسياً ـ وقيادياً ـ في الحركة ضد الاستعمار والإمبريالية والاستغلال.
هذه الطبقة وقفت في مقدمة نضال الجماهير المصرية في كل المنعطفات الأساسية للتاريخ الحديث، ولا يوجد أبداً ما يمنعها من تكرار نضالاتها المجيدة.
المساهمة في بناء حركة واسعة ضد الحرب الإمبريالية هو واجب كل المناضلين، وفي القلب منهم المناضلين الاشتراكيين، في مصر اليوم. هذه الحركة يمكنها ـ إذا ما التحمت بالحركة العالمية وانصهرت في نضال الجماهير العفوي ـ أن توقف الحرب، وأن تدشن مرحلة جديدة في الصراع الطبقي.
وهذا الكراس، عدا عن أنه يطرح الموقف الاشتراكي الثوري من الحرب القادمة على العراق، يعد دعوة للبدء ـ الآن وفوراً ـ في بناء حركة تضم كل القوى السياسية والفعاليات المستعدة، بكل انفتاح، للعمل مع الآخرين ضد همجية إمبريالية القطب الواحد في القرن الحادي والعشرون.

ـ 1 ـ
العراق من الحليف إلى العدو

لعقود، عملت الولايات المتّحدة علي دعم بعض الأنظمة الإقليمية كطريق لتعزيز مصالحها في منطقة الخليج منبع ثُلثي نفط العالم. واعتمدت في هذا على إسرائيل بشكل رئيسي، بالإضافة إلى اعتمادها على تشكيل التحالفات بين تركيا والمملكة العربية السعودية وإيران (الشاه). ولكن إسقاط الشاه في 1979 أدخل السياسة الأمريكية في أزمة. وقد عالجت الولايات المتّحدة هذه الأزمة بالبحث عن النظام إقليمي آخر لتدعمه، وتثني عليه، وتزيد من قدرته العسكرية علي التدخل. ووجدت في نظام "صدام حسين" ما تبحث عنه.


صدام حليف الإمبريالية

بعد ثورة 1979 الإيرانية، شنّ العراق حرباً ضدّ إيران في 1980. الولايات المتّحدة وحلفاؤها، والاتحاد السوفيتي، باعوا الأسلحة لكلا الجانبين في هذه الحرب التي استمرت ثماني سنوات، والتي قدرت خسائرها في الأرواح بنحو مليون قتيل. وعندما بدأت الكفة تميل نحو إيران بعد سيطرتها على شبه جزيرة الفاو الاستراتيجية بداية عام 1987، انتقلت الولايات المتّحدة بشكل حاسم نحو دعم العراق.
في ذلك الوقت، قال مساعد وزير الدفاع الأمريكي "ريتشارد آرميتاج" في الكونجرس: "بينما نحن لا نريد أي منتصر في هذه الحرب، نحن لا نستطيع رؤية العراق يُهزم لأن هذا سيؤدّي إلى عدم الاستقرار من المغرب إلى بنجلادش".
وعلى ذلك وصل الدعم الأمريكي للعراق إلي ذروته. فبالإضافة إلى ملايين الدولارات المدفوعة في الطائرات والمروحيات الحديثة، مدّت الولايات المتّحدة القيادة العليا العراقية، من طائراتها للمراقبة "آواكس"، ببيانات استخباراتية عن مواقع الجيش الإيراني.
وأكثر من ذلك، حشدت الولايات المتّحدة أسطولها البحري في الخليج، وكانت هذه العملية هي الأكبر من نوعها منذ حرب فيتنام، وذلك تحت زعم "حماية حرية الملاحة في الخليج".

ولكن تلك كانت مجرد ذريعة لمهاجمة البحرية الإيرانية.

وساعدت الولايات المتحدة العراق على تصنيع الأسلحة الكيميائية واستخدامها، بينما منعت وصول هذه الأسلحة إلي إيران.
كان كل هذا مفهوماً تماماً. حيث كانت الثورة الإيرانية، في جانب منها على الأقل، إعلاناً لموجة عارمة من معاداة الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
وقد ارتجفت الولايات المتحدة من إمكانية انتشار هذه الموجة، مهددة بذلك مصالحها في المنطقة ككل.
والحقيقة أن الولايات المتحدة لم ترتجف وحدها، بل ارتجفت معها أيضاً كل الأنظمة العربية الموالية لها والمتحالفة معها. ارتعدت تلك الأنظمة من تأثيرات الثورة التي كان من المكن أن تهدد عروشها، فرحبت بتصدي "صدام حسين" لمواجهتها بمساعدة الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين.
وعندما انتهت الحرب العراقية-الإيرانية في أواخر الثمانينات، استقبلت الأنظمة العربية "صدام حسين" استقبال الفاتحين. وتحدثت أبواق دعايتها عن "صدام" البطل حامي الديار وقاهر الأعداء الذي استطاع وقف الزحف الإيراني علي الأمة العربية.
لم يكن أحد يتحدث آنذاك عن الديكتاتور "صدام حسين" الذي يحكم شعبه بالإرهاب ليكمم الأفواه المعارضة لحكمه البغيض. بل كانت الولايات المتحدة تسانده بالمال والتهليل. وخلال العامين التاليين لنهاية الحرب عملت أمريكا علي تعزيز مكانة "صدام حسين" كالرجل القوي الأمريكي الجديد في الخليج.ومدّت نظامه بشكل سخي بالأسلحة والمعونة التقنية والاقتصادية.

وحتى عندما قام نظام "صدام حسين" بهجوم وحشي بالأسلحة الكيماوية على الأكراد في "حلبجة" في شمال العراق في مارس 1988، مما أدى إلى مصرع 5 آلاف كردي وإصابة 10 آلاف آخرين، صمتت الولايات المتحدة علي هذه المذبحة.

بعد المذبحة بأيام التقى وزير الخارجية "جورج شولتز" مع "سعدون حمّادي"، وزير الدولة العراقي للشؤون الخارجية، في واشنطن، وقال للأخير "نريد أن تكون لنا علاقة جيدة معكم، لكن هذه الواقعة [مذبحة حلبجة] تجعل هذا صعباً جداً". وبعد ذلك عارضت إدارة ريجان وحلفائها الغربيين إدانة النظام العراقي وفرض العقوبات عليه بحجة أن ما حدث "شأن داخلي".

وبعد شهرين من وقوع المذبحة وقّع العراق عقداً مع شركة "بيكتيل" الأمريكية لبناء مصنع بهدف إنتاج أسلحة كيميائية! كما قام حلفاء الولايات المتحدة الآخرين، مثل بريطانيا وفرنسا، بتسليح نظام صدام بكافة أنواع الأسلحة.

اتهامات الأمريكيين اليوم ضدّ "صدام" ـ بأنه دكتاتور وحشي يهاجم شعبه، وبأنه استعمل أسلحة كيميائية ضدّ الأكراد والإيرانيين، وبأنه يستحوذ على أسلحة دمار شامل ـ كانت معروفة في الثمانينات.

ولكن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين ساعدوا "صدام" على بناء ترسانته تلك، وتغاضوا عن كل سياساته الدموية ضد الشعب الإيراني وضد الأكراد في الشمال بسبب تحالفه الوثيق معهم وانصياعه لمطالبهم.


العدّ التنازلي للحرب

تحول "صدام حسين" من حليف إلي عدو عندما حاول استغلال قوته العسكرية المتضخمة ليتخلص من أزمته الاقتصادية والسياسية الطاحنة، بعد أن تركته حربه العبثية ضد إيران على شفا الإفلاس. فقد قام باحتلال الكويت في 2 أغسطس عام 1990 كي يلعب دوراً أكبر في المنطقة، وكي يتحكم في أسعار البترول بما يتناسب مع قوته العسكرية الجديدة. ولكن حسابات صدام حسين كانت خاطئة. فالولايات المتحدة، التي كانت تعيش بدايات نصرها على المعسكر الشرقي، ما كانت لتسمح له بأن يتحكم في أهم منطقة لإنتاج النفط في العالم، ولا بأن يهدد استقرار حلفائها من أمراء النفط.
في غضون أيام قليلة، استطاعت الولايات المتحدة بمعاونة حلفائها، ومن بينهم السعودية ومصر وسوريا والكويت، أن تحشد جيشاً جراراً لتدمير العراق، شاركت فيه قوات من الجيش المصري إلي جانب بريطانيا وفرنسا. وأثناء الاستعداد للحرب، كان أكثر شيء يخيف الولايات المتحدة هو الوصول إلي حلّ تفاوضي قد يسمح للعراق بالانسحاب من الكويت ويحفظ لصدام ماء وجهه. وذلك ببساطة لأن الإمبريالية الأمريكية كانت قد أعدت آلتها العسكرية الهمجية لتدمير العراق، ومن ثم فرض مزيد من الهيمنة علي منطقة الشرق الأوسط.

عاصفة الصحراء: حرب تدمير العراق

القصف الجوي الأمريكي والبريطاني لبغداد الذي بدأ في 16 يناير1991، واستمر لمدة 42 يوماً، كان قصفاً شاملاً وبربرياً لم يسبق له مثيل في التاريخ الإنساني ـ أو بالأحرى التاريخ اللاإنساني! يشير "جيف سايمونز" الكاتب البريطاني في كتابه "التنكيل بالعراق" إلى أن العراق "تلقى خلال حرب الخليج الثانية940 ألف قذيفة يورانيوم، وهو ما يساوي 350 طناً من اليورانيوم المنضب هي فقط مخلفات القصف، و14 ألف قذيفة دبابات، وقُصفت المنطقة بحوالي 50 ألف صاروخ و88 ألف طن من القنابل، وهو ما يعادل سبعة أضعاف القوة التدميرية التي تعرضت لها مدينتا هيروشيما وناجازاكي اليابانيتان بعد قصفهما بالقنابل النووية الأميركية في نهاية الحرب العالمية الثانية".
أسفر هذا الهجوم الجوي البربري عن قتل ما بين 100 ألف و200 ألف عراقي وجرح ما بين 300 ألف و700 ألف آخرين.
واستهدف بتعمد تدمير البنية الأساسية المدنية للعراق، من محطات اتصالات، وكهرباء، ومصانع، ومعامل، ومنشآت نفطية، ومخازن للحبوب، ومواد تموينية، وأسواق مركزية، ومحطات ضخ للمياه، ومنازل ـ حتى الملاجئ التي احتمت فيها الجماهير العراقية لم تكن ملاذاً آمناً لهم أمام القصف الصاروخي البري والجوي والبحري المركّز على مدى ستة أسابيع.

فقد قصفت الولايات المتّحدة في إحدى غاراتها الجوية (في 12 فبراير 1991) ملجأ العامرية، وقتلت أكثر من 400 مدني، وأصابت أكثر من 1.500 آخرين، العديد منهم من النساء والأطفال، بحجة أن هذا الموقع كان غطاء لقاعدة عسكرية متقدمة للجيش العراقي!
ورغم كل هذا الدمار من جراء القصف الجوي، واصلت الولايات المتحدة حربها البرية ضد الجيش العراقي.
ذلك علي الرغم من اعتراف صدام بالهزيمة قبل أن تبدأ هذه الحرب، وإعلانه قبوله لقرارات الأمم المتحدة التي تدعو إلى انسحاب الجيش العراقي من الكويت.

رفض بوش الأب عرض صدام، وأعلن أن الحرب لن تتوقف إلا بسقوط النظام العراقي والإطاحة بصدام "الذي مازال يشكل خطراً علي جيرانه ويضطهد شعبه". ومن ثم استمرت الولايات المتحدة في همجيتها ضد جماهير الشعب العراقي، وصعّدت هجماتها الوحشية على الجنود العراقيين المنسحبين بحجة أن القيادة العسكرية العراقية تنظم "قتال التراجع".

وفي الساعات الـ40 الأخيرة للحرب، وقبل أن يعلن بوش وقف إطلاق النار في 28 فبراير، صعّدت القوات الأمريكية والبريطانية هجومها المستمر ضدّ الجنود العراقيين المتراجعين.

وقصفت الطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية الآلاف منهم بالقنابل وأحرقتهم أحياء عندما حاولوا الهروب من جحيم القصف. كما استخدمت القوات الأمريكية جرافات مقطورة بالدبابات لقتل ودفن آلاف من الجنود العراقيين أحياء عندما حاولوا الاستسلام.
هذه الحرب الأمريكية البشعة أعادت العراق "إلي ما قبل العصر الصناعي"، وفقاً لتعبير رئيس البعثة التي انتدبتها الأمم المتحدة بعد حرب الخليج مباشرة للاطلاع علي آثار الحرب في العراق. حقاً، ألم يقل وزير الخارجية الأميركي الأسبق "جيمس بيكر" قبل بداية الحرب: "إننا سنعيد العراق إلى العصور الوسطى"؟


بعد العاصفة

همجية الحرب الأمريكية على جماهير شعب العراق أزالت بعض اللمعان عن نصر "بوش الأب". لذلك وقف هذا الأخير علي جثث مئات الآلاف من الضحايا ليعلن أن "عاصفة الصحراء ستكون فاتحة للنظام العالمي الجديد".

ووعد العالم بـ"السلام والرخاء والديمقراطية وحق تقرير المصير للشعوب".

لكن ما حدث بعد ذلك كان شاهداً علي بربرية النظام الذي يسمونه بالـ"عالمي" والـ"جديد".

الشيء الجديد الوحيد في هذا النظام كان، ومازال، هو ازدياد معدلات القهر والاستغلال واستعباد الشعوب في كل أنحاء العالم، وبشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط.

ورغم إعلان الولايات المتحدة أنها ستسحب جيوشها من منطقة الخليج بمجرد طرد "صدام حسين" من الكويت، إلا أن ذلك لم يحدث. بل أن الإمبريالية الأمريكية بدأت بعد الحرب في تعزيز هيمنتها في المنطقة، وفرضت حظراً جوياً واقتصادياً ضد العراق، ثم اتبعته بلجنة للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل لتدمير القدرات العسكرية المتبقية للعراق. ومنذ ذلك اليوم تعتبر الولايات المتحدة أرض العراق مجالاً خصبا لتجريب أسلحتها الفتاكة لإبادة شعب العراق، ولاستعراض القوة إرهاباً لكل من تسوّل له نفسه الخروج علي السيطرة الأمريكية.
أما في الكويت، فقد عادت عائلة "الصباح" الفاسدة والمستبدة إلي الحكم علي أسنة الحراب الأمريكية.

وبالطبع فقد افتتحت، مع عودتها، عهداً جديداً من الإرهاب ضدّ العمال الفلسطينيين، وذلك بعد اتهامهم بأنهم كانوا موالين للعراق. اعتقلت أجهزة الأمن الكويتية الآلاف منهم، وقامت بإعدام المئات بسرعة، كما طردت أكثر من 400 ألف عامل فلسطيني آخرين.
من ناحية أخرى، لم تكن نهاية الحرب هي نهاية المعاناة بالنسبة للشعب العراقي.

ففي أواخر مارس 1991 تدخلت الولايات المتحدة لحماية نظام "صدام" من السقوط علي يد انتفاضة شعبية بعد أسابيع من انتهاء الحرب. إذ بدأ الجنود العراقيون العاديون الذين عادوا من الجبهة إلي مدنهم الأصلية (بالدرجة الأولي من شيعة الجنوب) في صب جام غضبهم على كلّ رموز نظام "صدام حسين" في انتفاضة جماهيرية حاشدة في جنوب العراق.

وفي نفس الوقت قام الأكراد في الشمال بتنظيم انتفاضة مسلحة في "كردستان" العراق.

واستولى عراقيون عاديون علي العديد من مديريات الشرطة وثكنات الجيش والسجون. واقتحمت الحشود الجماهيرية الهائلة الزنزانات وغرف التعذيب تحت الأرض، لإطلاق سراح السجناء السياسيين الذين لم يشهدوا ضوء الشمس منذ عقود. ولأكثر من أسبوعين سيطرت الانتفاضة الشعبية على مناطق بأكملها في الجنوب والشمال.

وأعدمت جموع الجماهير العراقية مسئولي حكومة "صدام" علناً. وأصبح النظام على حافة السقوط، لولا حصوله على يدّ المساعدة من مصدر غير متوقع ـ الإدارة الأمريكية!

رفض المسؤولون العسكريون الأمريكيون مقابلة ممثلي الانتفاضة الشعبية. ووقفت القوات أمريكية عملياً إلى جانب حكومة "صدام". فتركته ينتهك رسمياً شروط اتفاقية وقف إطلاق النار لتسهّل من مهمته في القمع الدموي للانتفاضة الشعبية.
فعندما هاجمت قوات "صدام" بالقنابل الحارقة مئات الآلاف من العراقيين الفارين من القمع في المناطق الشمالية والجنوبية للعراق، بعد أن أعاد النظام السيطرة عليها، قامت الطائرات أمريكية بدوريات محدودة في مستوى طيران عال لتتفرج علي مذابح العراقيين.
وللتأكد من حجم التواطؤ الأمريكي في مذابح "صدام" ضد هذه الانتفاضة، يكفى أن نعرف أنه عندما دمرت القوات الأمريكية والبريطانية العراق، وصل عدد طلعات قواتها الجوية إلى ما يزيد على 70 ألف طلعة، بمعدل طلعة كل دقيقة. ولكن في الأسبوع الأول من عذاب الأكراد في الجبال، وتحت القصف المكثف والدموي من قبل قوات "صدام"، قامت القوات الأمريكية والبريطانية بـ 10 طلعات فقط من مستوى طيران عال، لتعطي الفرصة للنظام العراقي لإتمام مذابحه ضد جماهير الشعب. وأسفر سحق "صدام" للانتفاضة الشعبية عن موت آلاف العراقيين وفرار مئات الآلاف الآخرين منهم إلي إيران. والسؤال الآن: لماذا تواطأت الولايات المتحدة مع "صدام" في قمع انتفاضة مارس 1991؟ أليست إدارة "بوش الأب" هي نفسها التي تحدثت عن ضرورة إسقاط الديكتاتور "صدام حسين" الذي يقمع شعبه ويمثل خطراً علي جيرانه؟ الإجابة هي أن الولايات المتحدة لم ترغب، بعد الحرب، في إسقاط نظام "صدام حسين" لعدد من الأسباب. أولاً لأن رجال الإدارة الأمريكية توصلوا حينها إلى استنتاج مفاده أن استمرار "صدام حسين" على رأس السلطة في العراق، ومن ثم استمرار وهم الخطر العراقي، هو المبرر القوى الذي سيمنح الولايات المتحدة رخصة التواجد المكثف في المنطقة لتعيد ترتيب الأوضاع بما يتوافق مع مصالحها ومصالح حلفائها. ثانياً رأت الولايات المتحدة أن قمع "صدام" للانتفاضة في الجنوب والشمال هو بمثابة فرصة لتعزيز احتلالها لهذه المناطق (ليس من باب المصادفة أن معظم احتياطيات العراق النفطية واقعة في هذه المناطق). ثالثاً لم يكن بديل إسقاط نظام "صدام" عن طريق الانتفاضة الشعبية هو الطريق الأنسب من وجهة النظر الأمريكية لتحقيق الاستقرار في العراق وفي منطقة الخليج.

وذلك لأن نجاح انتفاضة شعبية من أسفل في بالإطاحة بنظام "صدام حسين" سيكون نموذجاً يمكن تكراره من جانب الجماهير المضطهدة في المنطقة، خاصة في منطقة "كردستان" التركية، وفي المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، وهم أهم حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين. رابعاً وأخيراً خشيت الولايات المتحدة من أن انتصار الانتفاضة في العراق يمكنه أن يؤدي إلى تقسيم البلد، ومن ثم إلى تقوية إيران، وهي مصدر خطر على المصالح الأمريكية في هذه المنطقة الحساسة من العالم.


الحقيقة الساطعة إذن هي أن الولايات المتّحدة لم يكن لديها أي نية لدعم تحول ديمقراطي في العراق.
الصحفي الأمريكي "توماس فريدمان" المقرب من البيت الأبيض والبنتاجون ذكر في "النيويورك تايمز" في يوليو 1991 تعليقاً علي انتفاضة مارس في العراق أن "أن إدارة بوش (الأب) كانت ستفضّل انقلاب من قبل الجنرالات العراقيين للإطاحة بصدام حسين، أي زمرة عراقية ذات قبضة حديدية، ولكن بدون صدام حسين".


قصف لا ينتهي

منذ انتهاء حرب الخليج والطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية تحلق في دوريات منتظمة فوق منطقتي حظر الطيران في شمال وجنوب العراق. تشن هذه الطائرات حرب استنزاف لا تنتهي ضد جماهير الشعب العراقي. فالطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية قامت، على مدى اثني عشر عاماً، بعشرات الآلاف من الهجمات بصورة دورية علي منشآت مدنية وأحياء سكنية وساحات شعبية، قتلت خلالها مئات من المدنيين العراقيين. وكان أشهر هذه الهجمات، وأوسعها نطاقاً، هو ما حدث في 16 ديسمبر 1998 بعدما اعترض "صدام حسين" علي لجنة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل التابعة للأمم المتحدة "أونسكوم"، وأتهم العاملين بها بالتجسس علي العراق لصالح الولايات المتحدة ـ وهو ما ثبتت صحته بعد ذلك باعتراف بعض مفتشي الأمم المتحدة أنفسهم ـ ثم قام بطرد فرق التفتيش في أغسطس 1998. فعلى الرغم من قبول "صدام" لعودة فريق التفتيش في منتصف نوفمبر، إلا أن الولايات المتحدة هاجمت العراق في 16 ديسمبر بصورة وحشية علي مدار أربعة أيام أثناء شهر رمضان فيما عرف بعملية "ثعلب الصحراء".
لابد أن نشير هنا إلى أن حملة القصف الجوي الأمريكي المتواصلة تعد الأطول منذ الحرب العالمية الثانية. ولتبرير ذلك تستخدم كل من الولايات المتحدة وبريطانية حجة واحدة متكررة:

قيام قوات الدفاع الجوي العراقية بإطلاق نيرانها على الدوريات الأمريكية والبريطانية وملاحقتها بأجهزة الرادار باعتبار أن هذا يعد انتهاكاً مباشراً لقرارات الأمم المتحدة.

وذلك علي الرغم من أن مناطق الحظر الجوي لم يصدر بشأنها أي قرار من قبل الأمم المتحدة.


حماية الأكراد!

الحقيقة هي أن الهدف من وراء فرض منطقتي الحظر الجوي في جنوب وشمال العراق ليس، كما تدعي الولايات المتحدة، حماية الشيعة والأكراد. فكما تشير الموظفة المسئولة عن تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة في شمال العراق "ليس للولايات المتحدة وبريطانيا أي رغبة في أن تسيطر الأغلبية الشيعية علي السلطة في بغداد أو أن يحصل الأكراد على الاستقلال.

السياسة التي تتبعها هاتان الدولتان هي أن تبقيا الشيعة والأكراد أقوياء بما فيه الكفاية ليتسببا في قلاقل لنظام لصدام حسين، ولكن مع ضمانهما في نفس الوقت أن صدام حسين قوي بما فيه الكفاية ليستمر في قمعهم.

هذه سياسة متبعة من أيام الإمبراطورية البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى وحتى الآن .. هي سياسة فرّق تسد".
أكذوبة دعم الأمريكيين للشعب الكردي لا يمكنها أن تصمد أمام الوقائع الدامغة. إذ يلاقي الأكراد العراقيين (والأتراك بالطبع) الأمرين من جانب تركيا، الحليف المخلص للولايات المتحدة. فقد ارتكبت تركيا مذابح عديدة ضد الأكراد بالتواطؤ مع الولايات المتحدة في ظل ما يسمى بمنطقة الحظر الجوي في شمال العراق. أشهر هذه المذابح وقع عندما غزت قوات مؤلفة من 10 آلاف جندي تركي شمال العراق في ديسمبر عام 2000، وقامت بقتل أعداد لم يسمع بها من قبل من الأكراد العراقيين المدنيين، ومن مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي الذي يناضل من أجل الاستقلال في جنوب شرق تركيا.

الطائرات الأمريكية والبريطانية لم تمنع الاحتلال التركي لشمال العراق.

بل على العكس. فقد تم تعليق أكثر الدوريات والطلعات للسماح للجيش التركي بمواصلة إبادة الأكراد. ويؤكد "جون بيلجر" الصحفي البريطاني في كتابه "اللعبة الكبرى" أن "بعض الطيارين الأمريكيين والبريطانيين الذين يقومون بدوريّات في شمال العراق تحدثوا بغضب حول أوامر أعطيت لهم بالعودة إلى قاعدتهم في تركيا لكي يسمحوا للقوة الجوية التركية بقصف الأكراد في العراق ـ وهم من تدعي الولايات المتّحدة وبريطانيا أنهما متواجدتان من أجل حمايتهم".


الحصار: إبادة جماهير الشعب العراقي

ولكن يبقى أن الضحية الأكبر للحرب كانت هي جماهير الشعب العراقي. حرب الخليج الثانية خلّفت وراءها كارثة إنسانية هي الأكبر في التاريخ المعاصر. فقد أصدر مجلس الأمن القرار رقم 661 في السادس من أغسطس 1990 بفرض عقوبات اقتصادية شاملة على العراق.
وكان الهدف المعلن لهذا الحظر التضييق عليه لإرغامه على سحب قواته من الكويت. ولكن رغم انسحاب القوات العراقية ظلت العقوبات نافذة بذريعة التأكد من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل وإرغامه على تطبيق قرارات مجلس الأمن. ولكن الحقيقة هي أن هذه العقوبات التي فُرضت علي جماهير شعب العراق، من قبل الإمبريالية الأمريكية وحلفائها منذ اثني عشر عاماً، تعد عملية إبادة جماعية منظمة غير مسبوقة.
العراق كشعب يباد يوماً وراء يوم. 1.6 مليون شخص عراقي ماتوا بسبب العقوبات منذ بداية الحرب، وهو ما يعني معدل للموت يساوي 250 عراقي يومياً. طفل من بين كل ثمانية أطفال عراقيين يموت قبل أن يصل إلى سن 5 سنوات. معدلات الإصابة بالسرطان بين الأطفال تضاعفت خمس مرات. 70% من النساء الحوامل يعانون من الأنيميا.50% من سكان المدن فقط يمكنهم الحصول على مياه صالحة للشرب.
نسبة أقل بكثير (33%) من سكان المناطق الريفية تحصل على مياه صالحة للشرب. خُمس السكان (4 ملايين شخص) يتعرضون للمجاعة الحقيقية. معظم السكان يعيشون تحت خط الفقر. طفل من كل أربعة أطفال عراقيين يترك المدرسة بسبب الجوع وعدم القدرة على مواصلة الدراسة.
الشيء المضحك المبكي في كل هذا، أن مصدر هذه الإحصاءات هو الأمم المتحدة ـ نفس الهيئة التي تقوم بتنفيذ جريمة العقوبات وتقود عملية إبادة الشعب العراقي.

ولذا فلم يكن من المستغرب أن يستقيل "دينيس هاليداي"، وهو مشرف سابق علي برنامج النفط مقابل الغذاء في بغداد، عندما رأى آلاف الأطفال العراقيين يموتون كل شهر بسبب العقوبات. وفي تبريره لاستقالته قال هاليداي "إننا بسبيل تدمير مجتمع بأكمله، وهذا عمل لا أخلاقي وغير مشروع". أما "هانس فون سبونيك"، المنسق الدولي لبرنامج الشؤون الإنسانية في العراق، فقد أعلن قبيل استقالته هو الآخر "أنا لا أرغب في أن أكون جزءاً من المعاناة المستمرة للشعب العراقي".

ومنذ عام 1991 استقال أكثر من 50 من كبار مسئولي الأمم المتحدة في العراق لنفس السبب، وهو أن "العقوبات هي إبادة للشعب العراقي".
حسب إحصاءات الأمم المتّحدة، تحوّل العراق خلال اثني عشر عاما من بلد غني نسبياً إلى بلد يعد من أشد البلدان فقراً.
فالحرب والعقوبات الاقتصادية المستمرة حولاه من بلد كان يماثل اليونان في مستوى التنمية الاقتصادية، إلى بلد لا يزيد مستواه في التنمية عن مالي في أفريقيا جنوب الصحراء.

إذ يُحوّل أكثر من 35% من إيرادات برنامج النفط مقابل الغذاء، الذي طُبق في عام 1996، والذي يحق للعراق بموجبه بيع ما يعادل 10 مليار دولار سنوياً من النفط، إلي صندوق التعويضات وإلى تلبية مصروفات مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة.
هذا بينما تعرقل الولايات المتحدة وبريطانيا تنفيذ العديد من العقود المبرمة بين العراق والأمم المتحدة لوصول الغذاء والدواء إلى شعبه، بحجة أن لهذه السلع الضرورية استخدامات مزدوجة عسكرية ومدنية.

فهناك عقود معطلة بأكثر من 4مليارات دولار، بعضها يعود إلى عام 1998. سيارات الإسعاف وعربات المدارس والمبيدات الحشرية والأدوية (مثل مسكّنات الألم والمضادات الحيوية) ومواد التنظيف (مثل الكلور) ممنوع استيرادها بدعوى إمكانية استخدمها في صناعة أسلحة كيماوية. حتى أقلام الرصاص ممنوع استيرادها بذريعة أن الرصاص فيه جرافيت، والجرافيت قد يستخدم لتغطية الصواريخ!!
علق "أحمد عبد الله"، وهو أحد مسئولي "منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة"، علي برنامج النفط مقابل الغذاء قائلاً "إذا تغذّي السكان، فالماء ملوث، وإذا أكلوا فإنهم سيصابون بالإسهال وبالأمراض الأخرى، وفي نفس الوقت فالأدوية ليست متوفرة لديهم، لذا فالنتيجة هي الموت، وذلك بالرغم من أنه يتم توزيع الغذاء.

[الخلاصة هي أنه] إذا لم يكن لديك كهرباء، ولا ماء ولا صرف صحي، ولا أدوية، فأنت ليس لديك صحة، والمحصلة النهائية هي الموت".
من ناحية أخرى تشير تقارير اليونيسيف (منظمة الأمم المتحدة للطفولة) إلي أن أكثر من 500 ألف طفل عراقي تحت عمر خمس سنوات ماتوا بسبب العقوبات خلال العقد الأخير.

إذ أن معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة زاد عن الضعف. حيث قفز من 56 حالة وفاة لكل ألف مولود خلال الفترة من 1984-1989، إلى 131 حالة وفاة في الفترة من 1994-1999. كذلك تزايد معدل وفيات المواليد من 47 لكل ألف مولود إلى 108 لكل ألف مولود خلال نفس الفترة السابقة. وتضاعفت نسبة سوء التغذية بين الأطفال دون سن الخامسة من 12% إلى 23% خلال الفترة بين عامي 1991 و1996.
وقد ظلت المستشفيات والمراكز الصحية منذ عام 1991 دون إصلاح وصيانة. كما انخفضت القدرة الوظيفية لنظام الرعاية الصحية بسبب نقص مخزون المياه والطاقة وقلة وسائل النقل وانهيار نظام الاتصالات اللاسلكية بعد أن دمرت آلة الحرب البربرية الأمريكية معظم البنية الأساسية للعراق.
ويمكن ملاحظة آثار الحصار الفظيعة في الأنين المكتوم والوجوه البائسة في ردهات المستشفيات المزدحمة. فقد عادت الأمراض المعدية التي تنتقل عبر الماء.

أما الملاريا، والتي كانت تحت السيطرة، فقد تفشت كوباء عام 1993، وأصبحت الآن جزءاً من النمط المزمن للوضع الصحي المأساوي. ونتيجة للقصف الأمريكي باستخدام قذائف اليورانيوم المنضب، زادت معدلات فقدان الجنين قبل الولادة، بين الآباء الذين شاركوا في الحرب، بمقدار ثلاثة أضعاف، مقارنة بالآباء الذين لم يشاركوا في الحرب. وازدادت حالات الإصابة بالسرطان من 6555 عام 1989 إلى 10931 حالة عام 1991.
وتعليقاً على هذه الكارثة الإنسانية المروّعة، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "مادلين أولبرايت" رداً على سؤال في مقابلة تليفزيونية في 12 مايو عام 1996: "أعتقد ذلك كان اختياراً صعباً جداً، لكننا نعتقد أن الثمن يستحق ذلك". وفي محاضرة بجامعة (جورج تاون) في مارس 97 قالت "أولبرايت" "إن الحصار لن يُرفع عندما يلتزم العراق بالقرارات الدولية.

لو جاء نظام جديد غير نظام صدام حسين يمكننا أن نتحاور معه، ولكن حتى في هذه الحالة لا توجد نهاية يمكن التنبؤ بها للحظر الاقتصادي".
الإمبريالية لا تخجل من الخروج من أزمتها بأي شكل كان، حتى لو كان الثمن هو أشلاء مئات الألوف من القتلى والجرحى من الأطفال. إن جثث الآلاف الضحايا من العراقيين، وأجساد ملايين الأطفال المحرومين من الألبان والدواء، تشهد علي بربرية الإمبريالية.
ومن جراء ذلك بدأ المجتمع العراقي يصل إلى مرحلة الانهيار. إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلي أن "هناك نوعاً من اليأس يستشري في صفوف المجتمع العراقي، فالنسيج الاجتماعي للشعب يتحلّل بعد أن استنزُفت قدراته علي التحمّل". الصورة قاتمة. فالمصانع والمشاريع التجارية تُغلق أبوابها تاركة العراقيين بدون عمل. وعلى الرغم من بقاء موظفي الحكومة في وظائفهم، إلا أن التضخم قوّض رواتبهم.
وقد هجر المهندسون والعلماء وأساتذة الجامعات وظائفهم لبيع السجائر في الشوارع أو قيادة سيارات الأجرة أو الصيد من أجل "لقمة العيش" ومجرد البقاء. والغالبية العظمى من العائلات العراقية تعتمد على التموين الحكومي في الحصول على المواد الغذائية من أجل البقاء، ويضطر عدد منهم لبيع حصصهم لتوفير الدواء لأطفالهم من السوق السوداء.

العقوبات قوّت النظام إزاء جماهير الشعب العراقي ذاته. فهي قد عمقت التفاوت الطبقي الشديد أصلاً بين نخبة حاكمة ضيقة مرتبطة بمصالح طبقة الرأسماليين من جانب، وجماهير بائسة خلخلتها ظروف الحصار الرهيب عن مواقعها الطبقية من جانب آخر، في حين راحت الطبقة الوسطى العراقية تذوب في بحر الإفقار الذي لا يرحم. وبالطبع، فإن النظام العراقي أعطى الأولوية في سياسته الداخلية للإبقاء علي امتيازات النخبة الحاكمة والأجهزة الأمنية. لقد أصبح علي الجماهير أن تواجه الموت وتتحمل المرض والجوع علي يد الإمبريالية الأمريكية، بالإضافة إلي وحشية نظام "صدام حسين" واستبداده.

2 ـ

أكاذيب عن الحرب الإمبريالية

بعد اثني عشر عاماً من الحرب والقصف والحظر والحصار، تستعد الإمبريالية الأمريكية مرة أخرى للعدوان علي العراق. بعد سنوات من الدمار والموت لشعب العراق علي يد همجية الإمبريالية الأمريكية ـ وبعد القصف الدوري المتواصل على مدى أكثر من عقد ـ يخطط مشعلو الحرب الأمريكيون بشكل علني لاستعمار العراق. ويطرحون في هذا السياق عدداً من المبررات لتسويغ حربهم سياسياً وأخلاقياً. والحقيقة هي أن كل المبررات التي يروجها أمراء الحرب الأمريكيون لشن حرب جديدة علي العراق هي مجرد أكاذيب وخداع ونفاق.

فهل تشن الولايات المتّحدة الحرب لجلب الديمقراطية إلى العراق؟

نعلم جميعاً أن الولايات المتحدة هي الراعي الرسمي للاستبداد، ليس فقط في الشرق الأوسط والعراق، بل في كافة أنحاء العالم. إن مصلحة الولايات المتحدة تستدعي، كما يقول مستشار الأمن القومي السابق "زيجنيو برجينسكي"، "أن تكون استراتيجيتها عملية. إذ أن مصالحنا في الديمقراطية .. ليست هي وحدها التي ينبغي أن توضع في الاعتبار. فثمة مصالح أخرى تستوجب منا نكون أصدقاء، بل ومدافعين عن دول غير ديمقراطية لأسباب نافعة للطرفين .. وثمة حالات مثل السعودية ليس من مصلحة الولايات المتحدة بشأنها الدفع باتجاه إصلاحات ديمقراطية ربما تتسبب في انهيار حليف".
ساندت الولايات المتحدة لعقود طويلة الدكتاتوريات الفاسدة في المملكة العربية السعودية، وإيران تحت حكم الشاه، ودول الخليج الرجعية ـ وفي العراق نفسه! ولم يجانب صحيفة "الإندبندنت" البريطانية الصواب حين قالت أنه "لا يوجد نظام عربي واحد ـ خاصة أصدقاء الولايات المتحدة في السعودية ـ يمنح هذه الرفاهية [أي الديمقراطية] لشعبه".

علاوة على ذلك، نحن لا نسمع "بوش" يتحدث عن جلب الديمقراطية إلي باكستان، الدولة الحليفة للولايات المتحدة في الحرب علي أفغانستان. فباكستان يحكمها ديكتاتور، هو "برفيز مشرّف" صديق بوش الذي عدّل الدستور ليمنحه درجة أكبر من القوّة والسيطرة منذ تولّي الرئاسة في انقلاب عسكري. نحن أيضاً لا نسمع أيّ انتقادات من قبل الولايات المتحدة لأيّ من الأنظمة الدكتاتورية الأخرى في آسيا الوسطى. علي العكس، تخصص المخابرات المركزية الأمريكية لحكام تلك الدول رواتب شهرية كحلفاء في الحرب المستمرة على أفغانستان.
وقد دعمت واشنطن نظام "صدام حسين" لسنوات.

وحتى عندما انقلبت إدارة "بوش الأب" عليه، فضّلت إبقائه في الحكم في نهاية حرب الخليج.
فواشنطن التي كانت في وضع يسمح لها بإسقاط صدام إن أرادت، سهلت له مهمته في البطش الدموي بالانتفاضة الشعبية في جنوب وشمال العراق في مارس 1991، وهي الانتفاضة التي أسفر سحقها عن موت آلاف العراقيين. وقد ذكرت "النيويورك تايمز" في هذا السياق "أن واشنطن خافت من نجاح التمرّد ضد نظام صدام حسين لأنه سيثير العديد من الانتفاضات في الدول الحليفة لها في المنطقة، خاصة في تركيا".
ومن ناحية أخرى فإن ما يسمّى بالمعارضة العراقية، التي تُموّل وتتدرّب من قبل الولايات المتّحدة، ليست في حقيقتها إلا مجموعة من الانتهازيين الفاسدين الذين لا توجد لهم قاعدة أو شرعية اجتماعية داخل العراق. لا يمكن لهؤلاء أن يجلبوا الديمقراطية إلي العراق.
فبعيداً عن تنسيقهم الدائم مع أجهزة المخابرات الغربية، نجد أن عدداً من قادتهم اجتمعوا في الشهور الأخيرة في لندن مع عم الملك عبد الله ملك الأردن، وهو الشخص الذي يتطلّع لإعادة الملكية الهاشمية إلى العراق! عن هذه المعارضة قالت "جوديث يافي"، التي كانت تعمل محللة استخبارات، والأستاذة في أكاديمية الدفاع القومي الأمريكي حاليا،ً "العراقيون في المنفى يتنافسون لكسب الحظوة، ويسعون للحصول على دعم مخططاتهم الخاصة، وبعضهم حمقى حقا".


وهل تشن الولايات المتحدة الحرب لنزع أسلحة الدمار الشامل للعراق؟

المبرر الثاني الذي أعلنته الولايات المتحدة لشن الحرب علي العراق هو أنها تريد تدمير أسلحة الدمار الشامل لنظام "صدام حسين" حتى لا يهددها أو يهدد جيرانه. ولكن هل بقي للعراق أية قوة عسكرية تمكنه من تهديد الولايات المتحدة وحلفائها بعد حرب الخليج في 1991، وبعد سبعة أعوام من التفتيش و12 عام من الحصار القاتل؟!

وإذا كانت لديه هذه القدرة، فلماذا انصبت الهجمات والصواريخ الأمريكية طوال هذه السنوات علي أهداف مدنية مثل مصفاة النفط والمستشفيات والبنية الأساسية والأحياء السكنية؟!

إن تهمة حيازة وتصنيع العراق لأسلحة الدمار الشامل تفتقر إلى أي دليل حقيقي أو قوي بحسب ما يقول "سكوت ريتر" الرئيس السابق للجنة التفتيش التابعة للأمم المتحدة في العراق (أونسكوم):

"بحلول عام 1998 كان العراق كان قد نزع سلاحه .. وحتى لو كان العرق يمتلك أسلحة دمار شامل عام 1990، فإن البلاد مرت بأكثر من اثني عشر عاماً من القصف المدمّر، وعقوبات، وتفتيش عن الأسلحة، وتحطّمت معظم البنية الأساسية للبلاد .. العراق لم يكن يشكل تهديداً عسكرياً للولايات المتّحدة في 1991 عندما حطّمت قواتها العسكرية الجيش العراقي في ظرف أيام، والفكرة التي تقول أن العراق يشكل تهديداً علي الولايات المتحدة اليوم تعد نكتة سخيفة".

الحقيقة هي أن أسلحة الدمار الشامل تتوفر بكثرة لدى إسرائيل الحليف الاستراتيجي والعسكري الأول للولايات المتحدة في المنطقة.
فإسرائيل هي التي تمثل التهديد الرئيسي لكل شعوب المنطقة. هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تطوّر برنامج لصناعة الأسلحة النووية سراً. وتملك أكثر من 200 رأس نووي. وإسرائيل هي التي ترفض باستمرار إدخال أيّ مفتشين دوليين للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل لديها.
ورغم ذلك تمنح الولايات المتّحدة إسرائيل مساعدات عسكرية واقتصادية بقيمة 3 مليارات دولار سنوياً.
فبين عامي 1980 و1995 اشترت أو "استلمت" إسرائيل من الولايات المتحدة 260 طائرة
مقاتلة من نوع (إف-16) بإمكانها أن تسقط قنابل نووية. وقد ذكرت "الواشنطن بوست" في يونيو الماضي أن "الولايات المتحدة سلّحت إسرائيل بثلاث غوّاصات مزودة بالصواريخ القادرة على حمل الرؤوس الحربية النووية".

الحقيقة أن المساعدة المالية والعسكرية الأمريكية الهائلة مكّنت إسرائيل من أن تصبح القوة العسكرية الثالثة أو الرابعة في العالم، وذلك من أجل القيام بدور"كلب الحراسة" لحماية المصالح الإمبريالية ولضمان أمان وإمدادات النفط في منطقة الشرق لأوسط. إسرائيل هي التي استخدمت قنابل الفوسفور الحارقة، وهي من أسلحة الدمار الشامل، أثناء احتلالها للبنان في عام 1982، وهي القنابل التي أسفرت عن قتل أكثر من 12 ألف لبناني. وتستخدم إسرائيل اليوم ـ أمام أعين العالم كله ـ طائرات (إف-16) أمريكية الصنع لإبادة الشعب الفلسطيني في حربها للقضاء علي الانتفاضة.

إذن فهل تشن الولايات المتحدة الحرب لمكافحة الإرهاب؟

العالم كله يعرف أنه لم يثبت تورط نظام صدام حســين في هجمات 11سبـــتمبر التي اتخـــذتها الإمبريالية الأمريكية مطية لشن حملتها المزعومة ضد الإرهاب بغرض إعادة رسم خريطة منطقتي آسيا والشرق الأوسط. الحرب علي العراق لا يمكنها أن تندرج في تلك الحملة المزعومة إلا من باب الافتعال والفجاجة. وأحداث 11 سبتمبر ليست سوي ذريعة لهدف آخر هو السعي لـ"تحرير" النفط العراقي! في أول شهر مايو الماضي، نقلت صحيفة "الواشنطن بوست" عن مسئول رفيع المستوى في الإدارة الأمريكية تصريحه أنه "لا توجد أي أدلة تدعم القصة القائلة أن محمد عطا [وهو أحد منفذي هجمات 11 سبتمبر] قد التقى مع مسئول مخابرات عراقي".

أتى هذا التصريح بعد أسابيع قليلة من تأكيد الرئيس "جورج بوش" أن "العراق لديها اتصالات على مستوى عال مع شبكة القاعدة .. العراق دربت كوادر القاعدة"!

من ناحية أخرى، فعندما يتحدث "توني بلير" ـ التابع المخلص لبوش الابن ـ عن معلومات بشأن صلات بين تنظيم القاعدة ومجموعة صغيرة تنشط داخل العراق اسمها "أنصار الإسلام"، فإنه "ينسى دائماً" أن يذكر أن هذه المجموعة تنشط في شرق كردستان العراقية، وهي منطقة ليست تحت سيطرة النظام العراقي! فمنذ 1991 ظلت هذه المنطقة تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني الموالي للولايات المتحدة.
ولذا، فإذا كان ثمة من اتهام، فلابد أن يوجه للمخابرات الأمريكية التي تنشط بشكل مكثف في هذه المنطقة من العراق!
الحقيقة هي أن الإسلاميين المرتبطين بالقاعدة ليسوا أصدقاء لصدام حسين. ذلك أنهم يسعون لتحويل العراق إلى دولة إسلامية.
و"صدام حسين"، بالنظر إلى خلفية تاريخه السياسي، لا يمثل بالنسبة لهم حليفاً حالياً أو منتظراً. ومن ثم لم يسمع أحد أبداً ـ قبل 11 سبتمبر ـ عن شبهة علاقة بين نظام صدام حسين والقوى الإسلامية الراديكالية.

 

 

ـ 3 ـ

الأسباب الحقيقية للحرب الإمبريالية

الحرب علي العراق ليست لها علاقة بجلب الديمقراطية إلي العراق، ولا بامتلاكه أسلحة الدمار الشامل، ولا بمكافحة الإرهاب.
الحقيقة هي أن الإمبريالية الأمريكية استغلتّ المناخ الذي هيأته هجمات 11 سبتمبر لتعزيز استراتيجيتها في الهيمنة علي منطقة الشرق الأوسط والعالم.
فهذه الحرب، كما الحرب علي أفغانستان، مرتبطة بحاجة الولايات المتحدة لضمان السيطرة علي إمدادات النفط في المنطقة الممتدة من وسط آسيا وحتى البحر المتوسط، ولضمان أمن إسرائيل على مدى السنوات الـ50 القادمة.

إنه من المؤكد أننا بازاء دليل صارخ على وحشية الإمبريالية وعلى الإفلاس الأخلاقي البشع للنظام الاجتماعي الذي تستند عليه. فكما تعتصر الرأسمالية فائض عمل الملايين وتقضي علي إنسانيتهم من أجل الربح، فإن الإمبريالية تسحق شعوباً بأسرها سحقاً من أجل ترسيخ وبقاء هذه الرأسمالية العفنة.
الإمبريالية لا تخجل من الخروج من أزمتها بأي شكل كان، حتى لو كان ثمن ذلك هو أشلاء مئات الألوف من القتلى والجرحى.
كل حرب إمبريالية هي جريمة بشعة من أعمال البرابرة والوحوش.

ولكن دائماً ما تُقدم تلك الحروب على أنها حروب اضطرارية.

ولكن الحروب ليست عقاباً سماوياً، بل هي نتيجة للصراعات الطبقية.

الحرب جزء لا يتجزأ من النظام الرأسمالي المؤسس على الطموح غير المحدود للأرباح.

فعندما يتعذر على القوى الرأسمالية الكبرى تأمين أرباحها بطرق سلمية، عندها تختار طريق الحرب.
كتب "توماس فريدمان"، الصحفي المقرب من وزارة الخارجية الأمريكية، أثناء التحضير لحرب الخليج الثانية في 1991 "اليدّ الخفية للسوق لا تستطيع العمل بدون القبضة الخفية .. فماكدونالدز ـ علي سبيل المثال ـ لا يستطيع الازدهار بدون مكدونيل دوجلاس [شركة أسلحة أمريكية عملاقة].
القبضة الحديدية التي تؤمن العالم للشركات الأمريكية الكبرى هي الجيش الأمريكي.
" إن القوى الرأسمالية العالمية تستخدم كلّ الوسائل، بما في ذلك شن الحرب، في سعيها لتحقيق مصالحها وتعظيم أرباحها.
تستخدم هذه الدول "اليد الخفية" للاقتصاد و"القبضة الخفية" للجيوش لضمان الأجواء الملائمة لتعزيز مصالح الشركات الرأسمالية العملاقة.

الإمبريالية والحرب

اتسم القرن العشرون بأنه قرن الحروب. فقد ارتبطت الهيمنة الرأسمالية منذ البداية بنمو القوّة العسكرية. الجذور التاريخية لهذه العملية ترجع إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما بدأت الشركات الاحتكارية الكبيرة تتكون على أساس حطام الشركات الصغيرة التي أفلست في أوقات الأزمة الاقتصادية.
ابتلعت الشركات الكبيرة معظم الشركات الصغيرة لتقلص بذلك مساحة "التنافس الاقتصادي الحر" داخل كل دولة. ومن ثم بدأت المنافسة بين الرأسماليين تأخذ شكلاً جديداً ـ التنافس بين رؤوس الأموال القومية على مستوى عالمي.

فعندما نمت الشركات أكثر من حدودها الوطنية وبحثت عن أسواق جديدة واستثمارات ومواد أولية عبر الكرة الأرضية، استعانت بخدمات الأجهزة القمعية للدولة ـ الجيوش والأساطيل البحرية ـ لتدمير مقاومة الشعوب الأخرى، ولقطع الطريق علي المنافسة من جانب الدول الرأسمالية الأخرى التي تحاول الحصول علي نصيب من غنائم المستعمرات.

التوسع العالمي للرأسمالية لم يتم بصورة متناغمة مبنية علي اختيار عقلاني لمآثر النظام.


على العكس من ذلك، كانت كل دولة كبرى تمارس كل الضغوط الممكنة لمساعدة طبقة الرأسماليين بها علي الحصول على "مميزات" يتفوقوا بها علي منافسيهم الأجانب.

صراع الرأسماليين من دول مختلفة أصبح، في هذا السياق، صراع حياة أو موت بين جيوش ومؤسسات حكم، كل بترسانتها الضخمة من الأسلحة المدمرة والوسائل الديبلوماسية الماكرة المفتقرة لأدنى قدر من الشرف.

ذلك الصراع عديم الرحمة أنتج رعب الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقد حصد نظام المنافسة الإمبريالية عشرين مليون شخص في الحرب العالمية الأولي، ثم خمسين مليون آخرين في الحرب العالمية الثانية.

ولم تكتف منصة قرابين الطبقات الحاكمة بكل هذه الدماء.

بل حطمت كل الأرقام القياسية بإضافة 23 مليون قتيل جديد في 149 حرباً أخرى جرت في ظل المنافسة بين الولايات المتّحدة والاتحاد السوفيتي، القوتان العظميان في ظل الحرب الباردة.


إمبريالية ما بعد الحرب الباردة

ومع ميلاد ما سُمي بالـ "نظام العالمي الجديد" لم تختف الحروب، بل ازدادت نارها اشتعالاً. فقد شهد عقد التسعينات عشرات الحروب أهمها الحربين الإمبرياليتين الرئيسيين، في الخليج في عام 1991، وفي البلقان في 1999.

هذا بالطبع بالإضافة إلى الحرب ضد أفغانستان في 2001.

السبب وراء تصاعد النزوع المدمر للحرب هو تناقضات إمبريالية ما بعد الحرب الباردة.

فقد تركت الهزيمة المدوية للـ"الإمبراطورية السوفيتية"، الولايات المتحدة منفردة في قيادة العالم.
وكما هي العادة عندما تنهار إمبراطورية كبرى، طرح السؤال حول ملء الفراغ الذي خلفته الإمبراطورية الغاربة نفسه:
من يرث الاتحاد السوفيتي؟ وكيف يمكنه أن يرثه؟
عاملان أساسيان لعبا دوراً جوهرياً في تحديد مسار الصراع الدولي على وراثة التركة السوفيتية.
العامل الأول هو أزمة الرأسمالية العالمية.
فعلى خلاف الحال عند انتصار الحلفاء على المحور في الحرب العالمية الثانية، تزامن انتصار المعسكر الغربي في الحرب الباردة مع مرحلة أزمة رأسمالية ممتدة بدأت في مطلع سبعينات القرن الماضي.
الولايات المتحدة التي ضخّت مليارات الدولارات في الأربعينات تحت غطاء مشروع مارشال لإعمار أوروبا بعد أن دمرتها الحرب، لم تكن قادرة في مطلع التسعينات على فعل الشيء نفسه بعد أن قلّصت ميزانيتها للمساعدات الخارجية من 5% من الدخل القومي في الستينات إلى أقل من 2,5% في العقد الأخير من القرن الماضي.
العامل الثاني هو تناقضات المعسكر الغربي ذاته.
إذ أن نفس عملية التنافس العسكري-الاقتصادي التي أجهدت الاتحاد السوفيتي على مدى السنوات ثم قضت عليه في النهاية، كانت هي التي ساهمت في خلق الوحش العسكري الأمريكي مقارنة بالأقزام الأوروبية.
ميزانية الإنفاق العسكري لدى الولايات المتحدة اليوم تصل إلى 37% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي، في حين أن مجموع ميزانيات الإنفاق العسكري لدول الاتحاد الأوروبي ـ المنقسمة سياسياً ـ تقل عن نصف هذا المقدار.
وهكذا برز التناقض المكتوم بين أوروبا القوية اقتصادياً والضعيفة عسكرياً (وغير القادرة بالتالي على الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والجيو-ستراتيجية)، والولايات المتحدة القوية عسكرياً واقتصادياً (والقادرة بالتالي على فرض هيمنتها على قوى كبرى أخرى لا تتماثل مصالحها بالضرورة مع المصالح الأمريكية).
امتزاج هذان العاملان على مدى معظم سنوات التسعينات هو الذي حدد تطورات الأحداث.
الولايات المتحدة كانت لديها القدرة العسكرية على وراثة الإمبراطورية السوفيتية، ولكن لم تكن لديها القدرة الاقتصادية الكافية لاحتواء ما ورثته والحفاظ عليه.
وأوروبا، واليابان أيضاً، كانت لهما مصالحهما الاقتصادية الأساسية في وسط آسيا والشرق الأوسط، ولكنهما افتقرا إلى الذراع العسكرية التي يمكنها أن تحقق تلك المصالح.
في مطلع التسعينات كانت الولايات المتحدة تضع هدف الحفاظ على علاقة ودية مع روسيا الاتحادية تحت رئاسة يلتسين في موقع الأولوية من أهدافها الاستراتيجية.
ولهذا السبب لم تسع مباشرة إلى خلق منطقة نفوذ في الساحة الآسيوية الخلفية للدولة الروسية.
وفي نفس التوقيت استطاعت ألمانيا الغربية أن تبتلع ألمانيا الشرقية سابقاً، ومن ثم أن تخلق لنفسها مساحة واسعة من الهيمنة على أواسط أوروبا في كل من بولندا، والمجر، وتشيكوسلوفاكيا السابقة.
كل هذا عكس نفسه في درجة واضحة من التحفظ في أداء إمبريالية القطب الواحد (الولايات المتحدة) فيما يتعلق بأوروبا ووسط آسيا.
ولكن الصراع في البلقان ـ الذي امتد معظم سنوات التسعينات ـ لعب دوراً هاماً في تغيير هذا الوضع. فقد أدى الفشل المهين لأوروبا في البوسنة في أواسط التسعينات، وفي كوسوفو في أواخرها، إلى تأكيد حقيقة الهيمنة العسكرية الأمريكية شبه المطلقة، ومن ثم إلى فتح الشهية الأمريكية للقيام بعمليات عسكرية من دون الحاجة إلى غطاء
الأمم المتحدة كما كان الحال في مطلع العقد (حرب الخليج الثانية).
وكان هذا إيذاناً بالتدخل الأمريكي السافر في القارة الأوروبية في إطار سياسة بدأت تأخذ طابعاً هجومياً واضحاً.
من ناحية أخرى، فقد لعب الانهيار الاقتصادي في روسيا وأغلب دول شرق أوروبا دوراً في الإجهاز على ما تبقى من القوة الروسية.
وهذا ـ بالطبع إلى جانب إلى بروز أهمية نفط بحر قزوين ـ ما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في سياستها في أواسط آسيا.
بدأت الولايات المتحدة قبل حرب أفغانستان بسنوات تطرح استراتيجية أطلق عليها "طريق الحرير الجديد" هدفها تأمين خط أنابيب ينقل نفط قزوين إلى تركيا بدون المرور بروسيا. وكان في جوهر هذه الاستراتيجية القيام بأعمال عسكرية هجومية من أجل تأمين الدول التي تقع على مسار خط الأنابيب.

كلمة السر النفط


حتى نفهم الدوافع الحقيقة وراء خطط الحرب الأمريكية ضد العراق، ليس هناك مفر من أن نتحدث عن "سياسة النفط".
فتاريخ علاقة الإمبريالية العالمية بالشرق الأوسط لا ينفصل عن تاريخ المحاولات المتكررة للسيطرة بشكل كامل ونهائي على إمدادات النفط في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
شكّل استخراج النفط في مطلع القرن العشرين نقلة نوعية جديدة في التاريخ الإنساني، بعد أن أصبح مصدراً رئيسياً للطاقة اللازمة لتدوير آلة الصناعة في الدول المتقدمة.
وبعد تقسيم شرق المنطقة العربية بين القوى الإمبريالية العالمية (الفرنسية والبريطانية) بموجب اتفاق "سايكس-بيكو"، وجدت الولايات المتحدة نفسها خارج القسمة.
حسب وجهة النظر الأمريكية لم يكن هؤلاء الحلفاء قادرين على الانتصار في الحرب العالمية الأولى لولا النفط الأمريكي.
في تلك الفترة كانت الولايات المتحدة أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم. ومع ذلك لم تتوقف عن تهديداتها لبريطانيا وفرنسا باستخدام القوة ضدهما إن بقيت شركات النفط في منطقة الخليج حكراً على الأوروبيين.
واضطر الأوروبيون في النهاية إلى التنازل عن جزء من أسهم هذه الشركات في المنطقة للشركات النفطية الأمريكية.
تزايد الارتباط بين الإمبريالية والنفط عندما قرر رئيس وزراء بريطانيا "ونستون تشرشل"، قبل الحرب العالمية الثانية، تزويد البحرية الملكية الإنجليزية بالنفط بدلاً من الفحم.
وتجلي هذا الارتباط بشدة في الحرب العالمية الثانية التي لعب نفط منطقة الخليج دوراً حاسماً في تحديد مسارها.
والسؤال الآن هو هل تستمر الدول في خوض غمار الحروب في القرن الحادي والعشرين من أجل السيطرة علي منابع الطاقة؟
وهل سنشهد عودة الاستعمار القديم من أجل السيطرة علي منابع المواد الخام؟
وهل حرب الولايات المتحدة الأميركية علي أفغانستان والعراق هي الإجابة العملية عن هذه الأسئلة؟
بحسب بيانات "مركز الدراسات السياسية والدولية" في واشنطن، كانت
الولايات المتحدة تستورد في عام 1973 حوالي 36 % فقط من احتياجاتها من الطاقة، وفي عام 2000 استوردت حوالي 57 % من حاجاتها من الطاقة، واعتمدت علي احتياطاتها في تغطية 43 % فقط من استهلاكها. ويلاحظ أن واشنطن اعتمدت علي منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في تغطية 46 % من وارداتها، وهو ما يؤشر إلي الوضعية المهمة للدول المصدرة للنفط في استراتيجية الإمبريالية الأمريكية في القرن الجاري.
فإذا علمنا أن الولايات المتحدة اعتمدت علي دول منطقة الخليج في تغطية ما يقارب 22 % من وارداتها النفطية، وأن الاحتياطيات النفطية للولايات المتحدة البالغة 22 مليار برميل (أي 2% فقط من الاحتياطيات العالمية المؤكدة) تتناقص باطراد، لاستنبطنا الأهمية المتعاظمة لهذه المنطقة، مضافة إلي بحر قزوين الغني بالنفط، ليكون مجموع نفطهما معادلاً للطلب المتزايد.
قدر المتخصصون في الولايات المتحدة حجم الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط منذ اكتشافه بحوالي 10 تريليون برميل، استهلك العالم منها ما يقارب 9 تريليون برميل، فيتبقى الآن حوالي تريليون برميل، بخلاف كمية قدَّرها المصدر الأميركي بحوالي 500 مليار برميل احتياطيات غير مؤكدة يرقد معظمها في مياه بحر قزوين.
ويذهب الخبراء النفطيون في الولايات المتحدة إلي أن حجم الاستهلاك العالمي في حال النمو الاقتصادي سيكون في الفترة من العام 2000 وحتى العام 2025 أعلي من كل المراحل السابقة في التاريخ، وهو ما يدفع النفط إلي أن يكون السلعة الأهم في العالم.
وفي هذا السياق توقع "لورد براون" كبير المديرين التنفيذيين في شركة "بريتيش بتروليوم" (بي. بي) أن يستمر النفط والغاز كمصدر أول للطاقة في السنوات الـ35 المقبلة علي الأقل .
تأسيساً علي هذه المعطيات، فإن منطقة "الشرق الأوسط الكبير" الممتدة من آسيا الوسطي وبحر قزوين حتى بحر العرب جنوباً، والأناضول والبحر المتوسط غرباً، والصين شرقاً، والاتحاد الروسي شمالاً، سترتدي طابعاً دولياً في شكل مباشر.
والقوى التي ستسيطر عليها سيكون لها القدرة مستقبلاً على تسيير دفة الاقتصاد العالمي طبقاً لمصالحها الخاصة. ومن هنا يمكننا أن نفهم سعي الإمبريالية الأمريكية إلى الهيمنة العسكرية المباشرة علي هذه المنطقة من العالم.

الإمبريالية الأمريكية والحرب في أفغانستان


محطة الانطلاق في "الحرب من أجل النفط والهيمنة" كانت أفغانستان. فالنفط كان سبباً رئيسياً في الحرب البشعة التي خيضت ضد أفغانستان في نهاية عام 2001.
الخطب الرنانة للرئيس بوش حول تحقيق "العدالة المطلقة" بعد هجمات 11 سبتمبر لتبرير حربه في أفغانستان، اخفت سعي إمبريالي للسيطرة على منطقة بحر قزوين من أجل الأرباح المتوقعة التي تقدر بأكثر من 5 تريليون دولار من مصادر الغاز والنفط في هذه المنطقة.
فحسب كتاب "طالبان" لأحمد راشد أحد الصحفيين الأكثر معرفة بشئون أفغانستان "إن منطقة بحر قزوين من المحتمل أن تكون من المناطق الأخيرة في العالم المليئة بالنفط غير المستغل وغير المستكشف حتى الآن.
فدول آسيا الوسطى لديها كميات هائلة من مصادر الطاقة المختلفة، يتضمن ذلك 6.6 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي تنتظر الاستغلال".
ولذلك، فقد "كانت شركات الطاقة الأمريكية تعمل بكثافة خلال عقد التسعينيات لبناء خطوط الأنابيب عبر أفغانستان.

وكانت تحظى بالدعم الكامل من الحكومة الأمريكية التي وقفت بكل قوة خلف هذه الخطط من أجل الأرباح الهائلة".
ومن أهم الأسباب التي جعلت الولايات المتّحدة متلهّفة جداً لشن الحرب علي أفغانستان، أن الخطط لبناء خطوط الأنابيب كانت معلقة منذ 1998.
ولكنها عادت بسرعة إلى جدول الأعمال بعد الحرب.
فالنصر العسكري الأمريكي السريع على طالبان سمح للولايات المتّحدة بجلب حكومة عميلة لضمان السيطرة الإستراتيجية علي ثروات منطقة آسيا الوسطى.
اليوم يتم تصدير نفط آسيا الوسطى عبر روسيا.
ولكن كل من المستثمرين والمخططين السياسيين في الرأسماليات الغربية لهم رأي آخر.
إذ يهتم المستثمرون في النفط والغاز في بحر قزوين ببناء بديل عبر مد خطوط أنابيب إلى تركيا وأوروبا.
أما الإمبريالية الأمريكية، فهي قد تبنت خطة لنقل النفط والغاز إلى الجنوب وجنوب شرق أسيا عبر الهند وباكستان. لكن عدم الاستقرار في أفغانستان كان يشكّل تهديداً كبيراً لهذه الخطة.
ولذلك مثّلت السيطرة علي أفغانستان جزء مهم من لعبة الإمبريالية في وسط آسيا.
موقع أفغانستان الجغرافي كطريق محتمل لخطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعي جعلها دولة مهمة جداً بالنسبة للقوى التي تريد السيطرة علي هذه المصادر الهائلة.
ووفقاً لـ"أحمد راشد"، فإن الولايات المتحدة الأمريكية رأت الأهمية القصوى للتدخل السريع من أجل السيطرة على أفغانستان لثلاثة أسباب أساسية.

أولاً ضرورة وجود الشركات الأمريكية للنفط منذ اللحظة الأولى، حيث أن هذا سيمنحها الفرصة للسيطرة الكاملة على عمليتي الإنتاج والتوزيع.

ثانياً التدخل الأمريكي سيتيح للولايات المتحدة السيطرة على مصدر نفطي ستعتمد عليه دول ـ كالهند والصين ـ مرشحة لأن تصبح من المنافسين الأقوياء في مستقبل قريب.

ثالثاً على الولايات المتحدة التدخل السريع خشية سقوط هذه الثروة في يد منافسي أمريكا الكبار في المنطقة ـ إيران، وبشكل خاص روسيا.
لقد كانت الهزيمة، ثم الانسحاب، الروسيين من أفغانستان في نهاية الثمانينات هما نقطة البداية لتفعيل الخطط الأمريكية.
فمع انفصال دول آسيا الوسطى ـ من تركمنستان إلى أذربيجان ـ عن الإمبريالية الروسية، توفرت للولايات المتّحدة الفرصة التاريخية للسيطرة علي مصادر النفط في هذه الدول حديثة الاستقلال.
أكدت "شيلا هيسلن"، خبيرة الطاقة في مجلس الأمن القومي الأمريكي أن، "سياستنا كانت أن نسيطر علي النمو السريع لطاقة قزوين .. قمنا بذلك بشكل محدّد عبر المساعدة في استقلال هذه البلدان الغنية بالنفط، لكسر سيطرة واحتكار روسيا على نقل النفط من تلك المنطقة، وذلك بصراحة لتعزيز أمن الطاقة الغربي من خلال تنويع المصادر".
في هذا السياق، خططت شركات الطاقة الأمريكية والبريطانية، مثل "إنرون"، "أموكو"، "إكسون"، "موبيل" و"أنوكال"، للسيطرة علي احتياطات أذربيجان وكازاخستان وتركمنستان، وهي الجمهوريات السوفيتية الثلاث حديثة الاستقلال التي تقع أجزاء من حدودها علي بحر قزوين. ولم يكن من قبيل المصادفة أن شخصيات بارزة سابقة في الإدارة الأمريكية لعبت دوراً مركزياً في محاولة فتح المنطقة لشركات النفط الأمريكية.
في البداية كان هناك دور "الكسندر هيج"، العضو الكبير السابق في إدارة كل من نيكسون وريجان.
عمل "هيج" كمستشار لرئيس تركمنستان للحصول على موافقة هذا الأخير على الخطط الأمريكية لبناء خط الأنابيب البديل الذي يمر عبر إيران.
مثلت إيران في هذا الوقت اختياراً أفضل من وجهة النظر الأمريكية، مقارنة بمنافسهم القديم روسيا.
لكنه بالقطع لم يكن بديلاً مثاليا.

أولاً بسبب العلاقات السيئة بين إيران والولايات المتّحدة، وثانياً لأن هذا الطريق الجديد لخطوط أنابيب النفط والغاز كان بمثابة دعم للأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي تسيطر أصلاً على معظم احتياطات النفط في العالم، مما دعا الولايات المتحدة للبحث عن بدائل.
بحلول منتصف التسعينات، تحول الانتباه إلى إمكانية بناء خط أنابيب عبر أفغانستان.
ولم يضيع عدد من الشخصيات النافذة في دوائر الحكم الوقت.
فقد قام بعض رجال الإدارة الأمريكية على عهد الرئيس "جورج بوش الأب" بالتحرك نيابة عن شركات النفط الأمريكية للترويج لمخطط السيطرة علي احتياطات الطاقة في المنطقة، وشاركوا ـ نيابة عن شركات النفط ـ في مفاوضات مع الجمهوريات الإسلامية السوفيتية السابقة.
وكان من بين اللاعبين الرئيسين في هذه العملية "ديك تشيني" الذي يحتل اليوم منصب نائب الرئيس الأمريكي.
في البداية أحرزت هذه الجهود نجاحاً هائلاً.
ولكن كانت العقبة هي انعدام الاستقرار في أفغانستان كنتيجة لاستمرار الحرب الأهلية. من هنا، فبالرغم من أن الولايات المتحدة لم تدعم حكم طالبان التي استولت على السلطة في أواخر 1996 بشكل رسمي، إلا أنها اعتبرت انتصارها فرصة لتحقيق الاستقرار المطلوب للبدء في تنفيذ خط الأنابيب.
وقد حث مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون آسيا الولايات المتحدة على "مساعدة طالبان وعدم المشاركة في عزلهم".
ولكن الأمور تعقدت بعد ذلك، خاصة بعد تفجير السفارتين الأمريكيتين في دار السلام ونيروبي واتهام الولايات المتحدة لتنظيم القاعدة في أفغانستان بقيادة "أسامة بن لادن" بالمسئولية عن العملية.
طالبت الولايات المتحدة طالبان بتسليم "بن لادن"، ولكنها رفضت. فقامت بالهجوم بالطائرات علي مواقع تنظيم "القاعدة" في أفغانستان لمحاولة اغتياله.
ولكن محاولتها باءت بالفشل.
ومنذ ذلك الوقت توترت علاقة الولايات المتحدة مع طالبان، وتم وضع مشروع بناء خط الأنابيب على الرفّ، وحل محله الحديث عن الحرب كطريق بديل لتأمين خطط مد خطوط الأنابيب عبر الأراضي الأفغانية.
قبل هجمات 11 سبتمبر بشهور كانت هناك خطة للإطاحة بحركة طالبان.
تم تقديم الخطة، بحسب روايات الصحف، من قِبل الهند أثناء مؤتمر قمّة مجموعة الدول الثماني الكبرى في يوليو 2001 في جنوه في إيطاليا.
من ناحية أخرى نشرت صحيفة "النيويورك تايمز" في صفحتها الأولي، وقبل أحداث سبتمبر بثمانية شهور، أن الولايات المتحدة تزمع الانتشار عسكرياً في منطقة آسيا الوسطي لسنوات مقبلة، وذلك لاعتبارات إستراتيجية.
من هنا جاءت الحرب ضد أفغانستان التي كانت نتيجتها الجوهرية تأمين حكومة موالية للإمبريالية الأمريكية في كابول برئاسة "حامد كرزاي" مهمتها الرئيسية هي خدمة مصالح رأس المال الأمريكي وشركات النفط العملاقة.
وليس من قبيل الصدفة أن مناطق تمركز القوات الأمريكية في أفغانستان بعد إزاحة طالبان، هي نفسها المناطق التي يُفترض أن تمر فيها خطوط الأنابيب التي ستمدها شركة "أنوكال" الأمريكية.

العراق حرب أخرى من أجل النفط والأرباح


في الوقت الذي بدأت الإمبريالية الأمريكية تحقق أهدافها في أفغانستان، راح صقورها في البنتاجون يرددون:
"لقد كان هذا عملاً سهلاً؛ دعونا الآن نكرر الحرب في العراق أيضاً".
فنائب وزير الدفاع "بول وولفويتز"، أبرز صقور الإمبريالية الأمريكية، تحدث مؤخراً إلى القوات الأمريكية في أفغانستان قائلاً إنه "من الخطورة الشديدة أن ننتظر عشر سنوات حتى يقوموا بضربنا. ولن تعد هجمات11 سبتمبر آنذاك أي شيء قياساً على الهجوم الذي سيُشن ضدنا إذا استعملوا الأسلحة الكيمائية والبيولوجية ـ نحن لن ننتظر إلى الأبد لإنهاء هذا الخطر".
إن الحرب علي العراق لا يمكنها إن تندرج في الحملة المزعومة ضد الإرهاب إلا من باب الافتعال.
الحقيقة هي أن الطبقة الحاكمة داخل الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى إحلال أنظمة تابعة ومطلقة الولاء محل أي نظم لديها أدنى هامش من الاختلاف، وذلك ضماناً لمصالحها الاستراتيجية، وعلى رأسها تأمين منابع النفط.
في هذا السياق، فإن السعي لإقامة نظام من هذا القبيل في بلد منتج للطاقة بحجم العراق يعتبر التجسيد الأول لهذا التوجه.
حيث تبلغ احتياطيات العراق النفطية المؤكدة 115 مليار برميل أي نحو 11% من الاحتياطيات العالمية.
وبالإضافة إلي تلك الميزات المطلقة للنفط العراقي، هناك الربحية الهائلة في الاستثمار في هذا القطاع، خاصة وأن حقول النفط العراقية تعتبر من أغزر الحقول في العالم وأكثرها قرباً من سطح الأرض، مما يوفر نفقات ضخمة في عمليات التنقيب والاستخراج. وتفيد الدراسات الدولية أن معدل إنتاج البئر في العراق يتراوح ما بين 10 إلي 11 ألف برميل/يومياً، بينما متوسط إنتاج آبار النفط في دول أوبك الأخرى لا يزيد عن 4-8 ألف برميل/يومياً.
أيضاً، فإن تكلفة إنتاج البرميل الواحد للنفط العراقي حوالي50 سنتاً فقط، مقارنة بنحو 3-5 دولار للبرميل في كل من السعودية والكويت وإيران، وحوالي 5-8 دولار للبرميل في الإمارات، وما بين 8-10 دولار للبرميل في المكسيك وفنزويلا.
وقد أشارت مجلة "فورين ريبورت" في عدد أخير لها أن "الولايات المتحدة في إستراتيجيتها الجديدة تريد أن تسيطر بصورة كاملة غير منقوصة علي النفط وأنظمته بطريقة تسمح لها باستخدامه سلاحاً في صراعها السياسي-الاقتصادي مع القوى الرأسمالية المنافسة الأخرى".
وجاء في مقال لـ"جوناثان فريلاند" في صحيفة "الجارديان" البريطانية في منتصف شهر أكتوبر الماضي أن "الذين يتسمون بالصراحة من صقور الحزب الجمهوري قد أقروا بالأسباب الحقيقية لرغبتهم في اجتياح العراق.

فهذا البلد توجد فيه أكبر محطات الغاز في العالم، وتحوي أراضيه محيطات من النفط.
وذلك سيكون في خدمة الاستهلاك الكبير للولايات المتحدة من النفط".
ولذلك قررت الإمبريالية الأمريكية الانتقال من سياسة الاحتواء إلي طور الإجهاز علي النظام القائم في بغداد واحتلال العراق عسكرياً لسنوات طويلة.
فقد أُعلن مؤخراً عن وثيقة سرية للجناح اليميني من الحزب الجمهوري الأمريكي عُرفت في الصحافة العالمية بـ"وثيقة البنتاجون" محتواها هو خطط الهيمنة علي نفط الشرق الأوسط.
فبوش ومستشاريه الرئيسيين كانوا يخطّطون للحرب ضد العراق لضمان "تغيير النظام"، حتى قبل تولّى "بوش" منصبه في يناير 2001.
وبالتالي فإنه لا علاقة بين أحداث 11 سبتمبر وهذا التوجه الإستراتيجي الأمريكي الذي اكتمل إنضاجه قبل هذه الأحداث بسنوات، ومنحته هذه الأحداث فرصة التطبيق العملي.

سياسة هجومية للإمبريالية

لم تأت خطط الحرب ضد العراق من فراغ.
فهي ارتبطت بسياسة هجومية شاملة للإمبريالية الأمريكية.
فقد قدم "بول وولفويتز" (نائب وزير الدفاع الأمريكي الآن) عام 1993 إلي البنتاجون وثيقة تحت عنوان "الإستراتيجية الأمريكية الشاملة".
وقد تم تنقيح هذه الوثيقة وتعميقها، قبل نشرها تحت عنوان "وثيقة البنتاجون"، وهي الوثيقة التي تحدثنا عنها قبل قليل، والتي صدرت عام 1997.
أعادت "وثيقة البنتاجون" تعريف التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة وسبل مواجهتها لكي تبقى قوة عظمى منفردة لمدة قرن كامل من الزمن.
وقد تضمنت الوثيقة ضوابط شديدة لمنع أي قوة إقليمية من أن تتحول إلى قوة كبرى، حتى على مستوى إقليمها. من ناحية أخرى فقد طرحت الوثيقة ضرورة بناء خرائط جديدة للشرق الأوسط بمفهومه الواسع.
وانطلاقاً من هذه الوثيقة أعد الجناح اليميني في الحزب الجمهوري خطّة لشن الحرب علي العراق في سبتمبر 2000.
صاغ هذه الخطة "ديك تشيني" (نائب الرئيس الأمريكي الآن)، و"دونالد رامسفيلد" (وزير دفاع الآن)، و"بول وولفويتز" (نائب "رامسفيلد" الآن)، و"جيب بوش" (أخو "جورج بوش" الأصغر)، و"لويس ليبي" (رئيس هيئة الأركان على عهد "تشيني").
وتكشف الخطة هدف أمريكا الحقيقي وراء احتلال العراق.
حيث تشير إلي أن "الولايات المتحدة سعت على مدى عقود للعب دور دائم في حفظ الأمن الإقليمي في الخليج.
ورغم أن النزاع غير المحلول في الخليج يوفر المبرر المباشر [لضرب العراق]، فالحاجة إلى وجود عسكري أمريكي مكثف في المنطقة تتجاوز قضية نظام صدام حسين". وبمعنى آخر، إذا لم يكن "صدام" هناك، فإن على الولايات المتحدة خلق مبرر آخر لاحتلال العراق لإحكام سيطرتها على ثرواته النفطية!

هجمات سبتمبر كانت فرصة عظيمة لتحقيق خطط الإمبريالية الأمريكية في استعمار العراق.
بمحاولتها المفتعلة لربط "صدام حسين" بالحرب المزعومة علي الإرهاب، تحاول الولايات المتحدة أن تشن الحرب علي العراق، لتحتله هذه المرة.
ولذلك، فمعظم أحاديث "بوش" في الفترة الأخيرة تركز علي علاقة نظام "صدام حسين" بتنظيم القاعدة.
ففي خطابه لإقناع الكونجرس بالتصويت علي قرار شن الحرب علي العراق قال "نحن نعلم أن العراق والقاعدة يقيمان اتصالاً على مستوى رفيع يعود عهده إلى عقد من الزمن.
وبعض قادة القاعدة من الذين فروا من أفغانستان توجهوا إلى العراق.
وقد علمنا أن العراق درب أعضاء في القاعدة على صناعة القنابل وتحضير السموم والغازات الفتاكة.
وبإمكان العراق أن يقرر، في أي يوم يريده، أن يقدم أسلحة كيميائية وبيولوجية إلى جماعة إرهابية أو إرهابيين فرادى".
ومؤخراً نشرت صحيفة "النيويورك تايمز" بعض تفاصيل الخطة الأمريكية التي تهدف إلى استعمار العراق عبر إعطاء السلطة لحاكم عسكري أمريكي بعد الإطاحة بنظام "صدام حسين"، وذلك لمدة عام أو أكثر في إطار فترة انتقالية تسبق تحقيق "الديمقراطية" حسب زعم الخطة.
وأوضحت "النيويورك تايمز" أن هذه الخطة "تستند إلى خبرة الاحتلال الأمريكي لليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتتضمن تنصيب حاكم عسكري أمريكي لكي يحتل المنصب الذي احتله الجنرال "دوجلاس ماك آرثر" في اليابان بعد استسلام طوكيو دون قيد أو شرط في عام 1945".
وتكهنت "النيويورك تايمز" بأن الجنرال "تومي فرانكس"، قائد القوات الأمريكية في الخليج، أو أحد مرءوسيه، سيتولى منصب الحاكم العسكري في العراق.
ورأت الصحيفة أن خطة إدارة "بوش" تنطوي على تحجيم دور المعارضة العراقية في حكومة ما بعد "صدام".
هذه هي الديمقراطية التي تعد الولايات المتحدة بها جماهير الشعب العراقي!!

ما الذي تغير حتى تقرر الإمبريالية الأمريكية الانتقال من احتواء النظام العراقي إلي المواجهة والإجهاز علي نظام "صدام حسين" واحتلال العراق؟
هذا علماً بأن سياسة الاحتواء حققت الهدف منها بتحجيم نظام "صدام"
وإضعافه وشلّ قدرته العسكرية (علي عكس ما تدعي الولايات المتحدة الأمريكية)
، مع تجنب سقوطه علي يد الجماهير العراقية علي نحو يؤدي إلي تهديد مصالح الإمبريالية وحلفاءها في المنطقة.

هل الدافع وراء ذلك هو مظاهر الضعف والتراخي التي تلوح على الحظر المفروض علي النظام العراقي؟

ذلك أن عدد الدول التي تنتهكه ولا تتقيد به يتزايد بشكل مطّرد، بما في ذلك بعض الحلفاء الغربيين ممن باتوا لا يتورعون عن الدخول في علاقات تبادل متعددة الأوجه، وفي وضح النهار، مع النظام العراقي دعماً لمصالحهم الاقتصادية والسياسية في هذا البلد الغني والواعد.

كل الأسباب الآنفة الذكر ربما فسرت، إلي هذه الدرجة أو تلك، التحول الأمريكي في اتجاه حسم موضوع العراق.
غير أن هناك عاملاً آخر هو الأكثر حسماً: إستراتيجية الإمبريالية الأمريكية الجديدة المتمثلة في إعادة إرساء نفوذها في منطقة الشرق الأوسط الكبير، لاعتبارات سياسية وعسكرية على رأسها السيطرة على منابع النفط.
إن هدف الإمبريالية الأمريكية المنشود من استعمار العراق، كما يشير "صالح بشير" في كتابه "واشنطن وبغداد:
أزمة بلا انفراج"، "هو فتح مجالَي الشرق الأوسط (العربي) وآسيا الوسطي علي بعضهما، كمنطقة نفوذ للإمبريالية الأمريكية مسترسلة، خصوصاً أن بين المنطقتين أواصر الامتداد الجغرافي ومصادر الطاقة.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن إحكام السيطرة علي العراق، وتحويله مرتكزاً للنفوذ الإمبريالي الأمريكي وقلباً له ومحوراً، يصبح شأناً بالغ الأهمية، لأن العراق هو ملتقى المجالين المذكورين، إذ أنه في آن أقصي شرق المنطقة العربية، وشرفة الإطلال علي آسيا الوسطي".
ولو نجحت الإمبريالية الأمريكية في مخططاتها تجاه العراق، فإن الحرب الأمريكية القادمة ستكون بلا شك ضد إيران لأنها الدولة التي تفصل بين المنطقة العربية ومنطقة أسيا الوسطى.
الإمبريالية الأمريكية تعلم أن السيطرة علي نفط بحر قزوين غير كافية للسيطرة والتحكم في سوق النفط العالمي.
فقد أعلن المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية "ستيف مان" خلال مؤتمر في نيويورك شهر نوفمبر الماضي أن "احتياطيات النفط في بحر قزوين ليست بالقدر الكافي لتشكل منافساً لنفط دول الخليج". لذا، فعندما نري الآلة العسكرية الإمبريالية من حاملات طائرات وسفن محملة بكل الأسلحة الفتاكة تبحر في قناة السويس متجهة نحو العراق استعداداً لإطلاق المزيد من صواريخ كروز وقنابل النابالم واليورانيوم المنضّب لتحرق وتسمّم الأرض وتقتل مئات الآلاف من جماهير شعب العراق مرة أخرى ـ عندما نرى هذا نفهم أنه ليس له علاقة بالحرب علي الإرهاب أو بتدمير أسلحة الدمار الشامل؛ إنما هي حرب إمبريالية دموية أخرى من أجل النفط والأرباح.

مذهب بوش وبربرية الإمبريالية

بعد أن أطلق المجرم "بوش" جملته المشهورة "أنت معنا أم مع الإرهاب"، بدأت إدارته تبنى مذهباً جديداً حول "الحروب الوقائية" يعد دليلاً صارخاً آخر علي جنون وبربرية الإمبريالية والإفلاس الأخلاقي للنظام الذي ترتكز عليه. فقد قدم "بوش" مؤخراً إلى الكونجرس وثيقة حول "استراتيجية الولايات المتحدة للأمن القومي" تحتوي على الخطوط العامة للسياسة الأمنية الجديدة للولايات المتحدة. وقد أثارت هذه الوثيقة استياء شعوب العالم ككل.

فما هو جوهر هذا المذهب الجديدة للإمبريالية الأمريكية؟
حسب مؤسسة "المشروع من أجل قرن أمريكي جديد"، التي تعتبر الأكثر قرباً من إدارة "بوش"، فإن جوهر المذهب الجديد يتلخص في الآتي "الولايات المتحدة هي القوة العظمى العالمية الوحيدة، اعتماداً على تفوقها العسكري ودورها التكنولوجي الريادي، وكونها أكبر قوة اقتصادية في العالم ".
ومن ثم فالهدف هو "الحفاظ على هذه المكانة المتفوقة لأطول أمد ممكن خلال الـ50 سنة القادمة علي الأقل".
ومن ناحية أخرى فإن "هناك دول ذات قدرات عالية، ولكنها غير راضية عن الوضع الراهن وتسعى لتغييره بشكل يهدد حالة السلام والازدهار والحرية التي يتمتع بها العالم اليوم".
وإذا أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على دورها العالمي، فعليها أن تعتمد على "تفوقها العسكري".
وهنا يصبح "لها الحق في شن حرب لمنع خطر محتمل في المستقبل"، أي "تبني العمل العسكري الوقائي ضد الأنظمة التي تشكل تهديداً لها".
ويؤكد تعليق مؤسسة "المشروع من أجل قرن أمريكي جديد" أن "نجاح مذهب "بوش" الجديد يحتاج إلى عنصرين جوهريين هما أولاً وجود قيادة أمريكية نشطة على المستوى العالمي، وهذه القيادة متمثلة بإدارة "بوش".
فالرئيس أكد أن أعداءنا ينظرون للعالم كساحة حرب، وأوضح انه يريد التحرك بشكل وقائي وسريع ضد التهديدات النووية والبيولوجية والكيميائية؛ أما العنصر الثاني فهو تغيير الأنظمة في دول مثل العراق وإيران وكوريا الشمالية".
"بوش" نفسه يتحدث بلا خجل في وثيقته المقدمة للكونجرس عن مذهب إدارته الجديد المتعلق بالضربات الوقائية:
"القانون الدولي اعترف منذ قرون بحق الأمم في التحرك دفاعاً عن نفسها ضد القوات التي ثبت أنها تستعد لمهاجمتها حتى لو لم تهاجمها فعلا.
وقد اشترط خبراء القانون الدولي شرعية العمل الوقائي بوجود خطر داهم، كتحرك قوات عسكرية أو أساطيل أو قوات جوية مثلاً.
اليوم، علينا أن نلائم مفهوم الخطر الداهم لقدرات وأهداف خصومنا الحاضرين .. إن الخطر الكبير التي تواجهه أمتنا يكمن في التطرف عندما يلتقي بالتكنولوجيا. لقد أعلن أعداؤنا على الملأ انهم يبحثون عن أسلحة الدمار الشامل، وتشير الدلائل إلى أنهم يسعون لتحقيق هدفهم هذا بحزم.
إن الولايات المتحدة لن تسمح بنجاح هذه الجهود، بل سنبني دفاعات ضد الصواريخ وضد أية وسائل أخرى.
ومن المفروغ منه أن أمريكا ستبادر، دفاعاً عن النفس، للعمل ضد هذه التهديدات الناشئة قبل أن تتبلور نهائيا".
لا شك في أن هذا استعلاء صارخ من قِبل الإمبريالية الأمريكية. فالولايات المتحدة هي التي لديها المجموعة الأكبر من أسلحة الدمار الشامل في العالم، وهي أيضاً من أكثر الدول الكبرى التي استخدمت هذه الأسلحة ـ استخدمتها مثلاً ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية، وفي الحرب ضد فيتنام، بل وحتى علي شعبها.
فهي تختبر، سرّاً، مواد كيماوية وأسلحة نووية على السكان الأصليين من الهنود الحمر.
إن العدو الذي يحذّر منه "بوش" في خطاباته، هو غير مرئي وغير محدد الملامح أو الحدود، حتى أنه يمكننا القول أن كل شعب وكل دولة مرشحين لتلقي الضربات الأمريكية.
الهدف واضح:
رسالة إلي كل الدول التي تقف في طريق الهيمنة الأمريكية (العراق، إيران، سوريا، كوريا الشمالية، ليبيا، السودان، وغيرهم)، ورسالة أيضا إلي المنافسين للولايات المتحدة (الصين واليابان)، لإخضاعهم للهيمنة الأمريكية.
الولايات المتحدة علي استعداد اليوم لسحق شعوباً بأسرها سحقاً لتحقيق مطامعها والخروج من أزماتها.

 


الحرب مخرج من الأزمة الاقتصادية

في هذا السياق يمكننا أن نتحدث عن بوادر الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة كدافع إضافي، وحالي، لنزوع الطبقة الحاكمة الأمريكية نحو الحرب.
فما يساهم في ضعضعة مكانة الولايات المتحدة ليس أسلحة الدمار الشامل المتوهمة لدى الأعداء، أو العدو المتوحش غير الواضح الملامح المسمى بـ"الإرهاب الدولي"، بل التدهور الاقتصادي.
إن هذا التدهور نابع من طبيعة النظام الرأسمالي نفسه، من فساده واستبداده، ومن الهبوط في أرباح الشركات نتيجة ظاهرة الإنتاج الفائض الذي لا تنجح السوق الرأسمالية في استيعابه.
والمخرج من هذه الأزمة هو إقرار سياسة جديدة بربرية تبيح قلب الأنظمة واحتلال الدول.
في كاريكاتير نشرته جريدة "فيلادلفيا إنكوايرر" الأمريكية يبدو "صدام حسين" ممسكاً بصحيفة عنوانها الرئيسي "انهيار بورصة الأوراق المالية في وول ستريت"، وتحت الرسم يقول صدام "لا أعرف لماذا يداخلني إحساس بأنهم سيشنون الحرب علينا قريباً".
المعنى واضح: الإمبريالية الأمريكية تدق طبول الحرب في الوقت الذي تشهد فيه رأسماليتها أزمة علي الصعيد الداخلي وعلي صعيد المنافسة العالمية.
"أسوأ تباطؤ عالمي خلال ربع قرن" .. "تباطؤ حاد لم نشهده منذ الثمانينات" .. "الكساد الكبير السابع في السنوات الـ120 الأخيرة" .. هذه كانت عناوين بعض التعليقات علي أزمة الاقتصاد العالمي التي ظهرت في جريدة "الفاينانشيال تايمز" البريطانية خلال الفترة الماضية. تعليقات "الفاينانشيال تايمز" ليست متفردة.
فالواقع أنه لم يكن لافتتاحيات الصحف والمجلات الاقتصادية الكبرى في العالم خلال الشهور الماضية من موضوع إلا التحدث عن أزمة الاقتصاد العالمي، وفي القلب منه الاقتصاد الأمريكي.
وبالطبع، فهذا الإلحاح يدل علي الفزع الذي تعيشه الرأسمالية العالمية إزاء الأزمة الحالية التي تجري مقارنتها بالركود الكبير في الثلاثينيات.
صحيفة "النيويورك تايمز" الأمريكية افتتحت مقالاً لها حول الموضوع مؤخراً بالكلمات التالية:
"الاقتصاد العالمي الذي نما بخطى سريعة في العام الأخير، تباطأ هذا العام حتى صار يزحف علي بطنه. إذ تتعرض الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وعدد من الدول النامية لركود غريب ومتزامن.
وتدل الإحصاءات الاقتصادية العالمية علي أن الكثير من الدول ذات النفوذ الاقتصادي الإقليمي، مثل إيطاليا وألمانيا والمكسيك والبرازيل واليابان وسنغافورة، تعيش جموداً اقتصادياً، ويبطل هذا الوضع التوقعات بأن النمو في دول العالم سيعوّض عن الركود الأمريكي".
ظل الازدهار الأمريكي مستمراً حتى أواخر التسعينيات استناداً على تنبؤات مبالغة بشكل هائل في أرباح الشركات الكبرى.
ولكن الفقاعة انفجرت في العامين الأخيرين، خاصة بعد اكتشاف تلاعب الشركات الكبرى بدفاتر حساباتها لتحقيق أرباح وهمية تسهم في دفع اقتصادياتها للأمام.
والنتيجة أن الطبقة الحاكمة الأمريكية تواجه اليوم أزمة اقتصادية واجتماعية لم يسبق لها مثيل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
تشهد علي هذه الأزمة عدة دلائل، منها التردي المستمر في مؤشرات البورصة الأمريكية؛ الركود المتواصل بسبب عدم وجود رأسمال استثماري؛ ارتفاع نسبة البطالة؛ والأهم، انهيار عدد من الشركات الأمريكية التي قادت الازدهار في العقد الماضي.
انهارت الشركات التي دعّمت حملة "بوش" الانتخابية، بعد أن انكشفت أكاذيبها واختلاساتها.
وبلغت الخسائر المقدرة لخمس شركات كبرى فقط من الشركات التي أعلنت إفلاسها 460 مليار دولار.
وعلي صعيد المنافسة العالمية تزايد الدين الخارجي الأمريكي بصورة هائلة، وارتفع عجز الميزان التجاري، أما العجز المالي فقد تجاوز 106 مليار دولار.
وليس هناك شك في أن الأزمة الاقتصادية الأخيرة تضيف إلى الأوجاع طويلة المدى للولايات المتحدة.
فعلى الرغم من استمرار احتفاظها بمكانة الدولة ذات الاقتصاد الأكبر في العالم، إلا أن الولايات المتحدة تعاني من تراجع متواصل وتاريخي في حصتها من إجمالي الناتج العالمي.
إذ تراجعت الحصة الأمريكية من إجمالي الناتج العالمي من 50% عند انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى 22.5% في الوقت الحاضر.
وبطبيعة الحال، انعكست الأزمة الاقتصادية الأمريكية على توجهات الرأي العام داخلياً، خاصة بين أوساط الطبقة العاملة.
فقد فسرت صحيفة "النيويورك تايمز" في عددها الصادر في 2 سبتمبر الماضي حالة القلق والغضب التي تعيشها الطبقة العاملة الأمريكية بأنها نابعة من "تجميد المعاشات وارتفاع نسبة البطالة إلى 6%".
وقال رئيس اتحاد النقابات الأمريكية، "جورج سويني"، في نفس التقرير أنه:
"منذ سنين وأنا اسمع الناس يتحدثون عن عدم ثقتهم بأرباب العمل، ولكن شيئاً جديداً يحدث الآن. فقد أصاب الناس السأم وبدأوا يبدون غضبهم على نظام الشركات الأمريكية".
وأضاف "سويني":
"إن إدارة "بوش" هي أسوأ إدارة عرفتها العائلات الكادحة منذ عقود.
لقد رفضت إدارة "بوش" والكونجرس التأمين الصحي العام وزيادة المخصصات لشراء الأدوية، في حين منحت إعفاءات ضريبية بقيمة تريليون دولار (ألف مليار) لأثرى الأثرياء في أمريكا".
ولذا، فمن خلال الحملة على المزعومة علي الإرهاب يحاول بوش إنقاذ الرأسمالية الأمريكية عبر إقناع الشعب الأمريكي بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في الداخل ـ في الطبقة الحاكمة التي يمثل هو مصالحها ـ بل في أسامة بن لادن وصدام حسين.
وصدام حسين كما نعلم مبرر ممتاز، ومجرّب سابقاً، لتحقيق هذا الهدف.

ـ 4 ـ
الحرب على العراق والتوازن الإقليمي والدولي

في اليوم التالي لأحداث 11 سبتمبر كتب الصحفي البريطاني المتخصص في شئون الشرق الأوسط "روبرت فيسك"، "هذه ليست حرب الديمقراطية ضد الإرهاب كما سيُطلب من العالم أن يُصدق في الأيام القادمة. إنها أيضاً تعني فيما تعنيه الصواريخ الأمريكية التي تُدمر بيوت الفلسطينيين، وطائرات الهيلوكوبتر التي أطلقت الصواريخ علي سيارة إسعاف لبنانية سنة 1996، والقذائف الأمريكية التي دمرت قرية تدعى قانا، وهي تعني كذلك الميليشيات اللبنانية التي رعتها ومولتها إسرائيل الدولة الحليفة لأمريكا والتي مارست أعمال القتل والاغتصاب والتدمير في مخيمات اللاجئين في بيروت".
الإمبريالية الأمريكية التي أسكرتها نشوة النصر المؤقت في حربها علي أفغانستان، رأت في الحرب ضد الشعب الفلسطيني، التي يشنها كلب حراسة مصالحها في الشرق الأوسط، جزءاً لا يتجزأ من حربها المزعومة علي الإرهاب.
وبعد أحداث 11 سبتمبر، ومع استمرار الانتفاضة الفلسطينية الباسلة، تبلورت في الأوساط اليمينية في البيت الأبيض والبنتاجون سياسة جديدة تجاه الحرب في فلسطين مضمونها أن الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد. بمعنى أن الإطاحة بنظام صدام حسين ستقود إلى هزيمة شاملة للمقاومة الفلسطينية، كما حدث في حرب الخليج عام 1991.
ومن شأن هذه الهزيمة وضع حد للانتفاضة، وكسر الجمود، وإرغام الفلسطينيين على قبول مشاريع التسوية الأمريكية-الصهيونية، أي قبول الهيمنة الإمبريالية والاحتلال.
في رأي هذه الأوساط اليمينية، سيتيح تغيير النظام في بغداد المجال لتغيير النظام الفلسطيني، والإطاحة بعرفات، ومن ثم فرض حكومة على غرار حكومة "كرزاي" في أفغانستان.
وقد علّقت الأوساط العسكرية والسياسية في الكيان الصهيوني آمالاً عراض على هذا التوجه الذي تحول إلى مخطط استراتيجي أساسه الاعتقاد بأنه فقط بالحرب على العراق ستستعيد للولايات المتحدة وإسرائيل المبادرة لضمان الهيمنة علي منطقة الشرق الأوسط.
ومن هنا ولد الوفاق السياسي الشامل بين "بوش" و"شارون".
فكلاهما له مصلحة في ميلاد شرق أوسط جديد يوفر لهما الأمن ويؤمن منابع النفط.
وكلاهما أصبح يرى أن العودة إلي صيغة مدريد- أوسلو مستحيلة، وأن أي تسوية للصراع العربي الإسرائيلي تضمن مصالح الإمبريالية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، لابد أن تبدأ من هندسة اجتماعية تعيد هيكلة النظام السياسي الفلسطيني، والنظم السياسية العربية ـ حتى الحليفة منها، كمصر والسعودية.

من فلسطين إلى العراق


كل من الولايات المتحدة وإسرائيل واثقتان من أن "عرفات" هو كلب الإمبريالية الذليل، وأنه مستعد لأداء أي دور يطلب منه من أجل الحفاظ علي منصبه وعلى مصالح الطبقة التي يمثلها.
ولكن المعضلة من وجهة نظر الإمبريالية أصبحت ذات طبيعة مختلفة.
فعلى الرغم من أن "عرفات" ليس عدواً للولايات المتحدة، إلا أن التوازنات السياسية التي يمثلها لا تسمح له بإجراء عملية جراحية قاسية في المجتمع الفلسطيني تقضي علي المقاومة من جذورها.
فحسب تقدير الجيش الإسرائيلي، فإن الحملة العسكرية لقمع المقاومة الفلسطينية ووقف العمليات الاستشهادية والقضاء علي الانتفاضة لم تنجح، وليس بمقدور إسرائيل، في ظل خريطة التوازنات السياسية الفلسطينية الحالية، جرّ الجانب الفلسطيني لطاولة المفاوضات مهزوماً راكعاً.
ولذلك، أصبح النموذج الأفغاني مغرياً إلي حد لا يمكن مقاومته بالنسبة للإدارة الأمريكية.
فبدلاً من العمل الدبلوماسي طويل الأجل وغير مضمون العاقبة، يمكن لسياسة الاجتثاث من الجذور إتمام المهمة علي أكمل وجه وفي أقصر وقت ممكن.
وقد اجتهدت الإدارة الأمريكية في تنفيذ هذه السياسة الجديدة.
فقاطعت "عرفات"، وسعت لقلب نظام السلطة الفلسطينية.
لقد تحول "عرفات"، بالضبط كصدام حسين، من حليف إلى عدو، وأصبح عليه أن يدفع ثمن الانتفاضة.
ولكن قبل التمكن من "عرفات"، لابد أولاً من اجتثاث "صدام حسين".
يتضح هذا التوجه الجديد من مقال كتبته "فرنسيس فيتزجيرالد" حول إدارة "بوش الابن" في مجلة "نيويورك ريفيو أوف بوكس" في 26 سبتمبر الماضي.
تروي الكاتبة أن "ريتشارد بيرل" رئيس مجلس سياسة الدفاع الأمريكي و"داجلس فيث" المقرب من وزارة الدفاع برئاسة "دونالد رامسفيلد"، كتبا في عام 1996 وثيقة قدما فيها بعض النصائح لبنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الجديد لإسرائيل.
اقترح الاثنان أن يقوم "نتانياهو" بنقض اتفاق أوسلو وإعادة السيطرة الإسرائيلية على المناطق الفلسطينية.
ولما رفض "نتانياهو" الاقتراح، نشر "فيث" مقالاً ينادي فيه إسرائيل بإعادة احتلال المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية:
"ثمن الدم كان غالياً"، يكتب "فيث"، "ولكن التطهير ضروري للتخلص من خيوط عنكبوت أوسلو".

وحتى تلغى إدارة "بوش" أي التباس، ربطت كل الدول والمنظمات المعادية لإسرائيل بحربها علي الإرهاب. فقد أصدرت الإدارة الأميركية مؤخراً تقريراً موسعاً حول مكافحة الإرهاب الدولي شمل العراق وإيران وسوريا وحزب الله وحماس والجهاد والجبهة الشعبية والشعبية (القيادة العامة)، كقوى إرهابية ينبغي مكافحتها. من جانب آخر، فجوهر خطابات "بوش" في الفترة الأخيرة ينصب على الدفاع عن إسرائيل وعن "حقها في الدفاع عن نفسها"، وعلى التأكيد على أن "الآلة الإرهابية لعرفات لها ارتباط مباشر بالعراق وسورية وإيران".
وفي هذا السياق تشير أحد مقالات الرأي في صحيفة "الجارديان" أن "بوش يدرك أنه إذا لم يتم القيام بتحرك ضد العراق وإيران، فإن السلام مع إسرائيل لن تقوم له قائمة. فالعراق وإيران هما المحركان الماليان والأيديولوجيان والعسكريان للانتفاضة الحالية".
"شارون" سبق البنتاجون في تنفيذ هذه الاستراتيجية العنصرية الجديدة.
فالمجازر البربرية لإبادة الشعب الفلسطيني تُرتكب كل يوم. الدبابات والمروحيات وطائرات إف-16 أمريكية الصنع مازالت مستمرة في قصف مدن الضفة والقطاع.
والبلدوزرات مازالت تهدم منازل الفقراء الفلسطينيين.
والصواريخ تُطلق علي العمارات السكنية، وعلي منازل وسيارات رجال المقاومة لاغتيالهم.
وتواصل آلة الحرب الصهيونية مجازرها بهمة، من نابلس إلي طولكرم إلي البيرة إلي جنين الصامدة الأسطورية.
إن هدف "شارون" النهائي هو طرد الفلسطينيين إلي الأردن، والقيام بأكبر عملية تطهير عرقي ضدهم منذ اغتصاب فلسطين عام 1948.
وقد مهدت حكومته اليمينية لهذه العملية ببث المزيد من الروح العنصرية داخل الكيان الصهيوني.
فقد ظهرت شعارات مرعبة ورسومات ضخمة في كل مكان مضمونها "محرقة للعرب"، "السلام كارثة .. نريد الحرب"، "طرد الفلسطينيين .. الأردن هي الدولة الفلسطينية".
ويجتهد "شارون" في هذا السياق لربط حرب أمريكا ضد الإرهاب، وحربها ضد العراق، بحربه هو ضد الشعب الفلسطيني. فقد أعلن غير مرة أنه "إذا أطلق العراق صواريخ على تل أبيب، سنرد بأسلحة نووية، حتى إذا لم يكن هناك ضحايا".
فمن ناحيته، يعلم السفاح الإسرائيلي أن هذه الرابطة لن تكون فقط مفيدة إعلامياً، بل هي أساس سياسته في حل المسألة الفلسطينية من خلال ربطها بمسألة الشرق الأوسط الجديد الذي تحلم به الولايات المتحدة وتسعى لخلقه.

وماذا عن الأنظمة العربية؟

إن الوفاق السياسي التام بين السفاح "شارون" والمجرم "بوش"، جنباً إلى جنب مع استمرار الانتفاضة، جعلا حياة الأنظمة العربية المتواطئة مع الإمبريالية الأمريكية والعدو الصهيوني صعبة للغاية. فالحكام العرب المتمسكون "بالسلام كخيار استراتيجي"، بعد أن تركوا "عرفات" يغرق وحيداً، وبعد أن شاركوا في العمل المخابراتي الأمني لقمع الانتفاضة، يواجهون اليوم مطالب واضحة بالمساهمة في العدوان الأمريكي علي العراق.
وهم لا يجدون أمامهم من بديل إلا ممارسة لعبة التوازنات والتنازلات في محاولة لشراء الوقت.
قوضت الانتفاضة الاستقرار السياسي للدول العربية الحليفة للولايات المتحدة، وتزايد دورها كمفجر للتناقضات الطبقية في تلك الدول، خاصة بعد أن تحولت حركة دعم الانتفاضة إلي تيار إقليمي (وأيضا عالمي) ناهض يتميز بالحيوية والامتداد والتوسع.
فقد اندلعت المظاهرات الجماهيرية في مصر وجميع العواصم العربية، هذا فضلاً عن اندلاع مظاهرات هائلة في معظم أنحاء العالم.
الأنظمة العربية التي أفزعتها المظاهرات الجماهيرية الهادرة الداعمة للانتفاضة، أصبحت بين شقي رحى.
فمن ناحية هناك القلق من حركة الجماهير في حالة حدوث حرب علي العراق.
ومن ناحية أخرى هناك الإمبريالية الأمريكية المتعطشة للدماء والهيمنة، والتي لن يمنعها أحد من المضي قدماً في طريقها.
لذلك فالأنظمة العربية تنتفض خوفاً من الحرب، ليس من منطلق حرصها علي الشعب العراقي، بل من منطلق خوفها على عروشها.
فشد ما تخشاه هذه الأنظمة هو أن يتحول العراق إلى أفغانستان (أو فلسطين أو لبنان) جديدة، تبث الفوضى في المنطقة ككل.
ويأتي هذا الخوف من عدم الثقة بقدرة الولايات المتحدة على حسم المعركة ضد النظام العراقي بنجاح. فقد سبق وأن فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل عام 1982 في قلب النظام في دولة أقل أهمية من العراق، وهي لبنان، حين حاول "شارون" و"مناحيم بيجين" القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية داخل الأراضي اللبنانية.
وكان هذا الهدف مترافقاً مع فكرة تغيير النظام في لبنان، وفرض نظام "بشير الجميل" على الدولة بواسطة الحِراب الإسرائيلية. هذا المسلسل انتهى باغتيال "الجميل" وبمجزرة صبرا وشاتيلا، وكان هذا وقوداً جديداً لاستمرار أجواء الحرب وعدم الاستقرار في المنطقة برمتها.
من هنا فإن الرفض اللفظي الذي تمارسه الأنظمة العربية للعدوان على العراق يمثل ـ في جانب منه على الأقل ـ محاولة لردم الهوة بينها وبين الجماهير.
فبعد تزايد الغضب الجماهيري ضد إسرائيل وضد الإمبريالية الأمريكية، تلعب الأنظمة لعبة التعاطف مع العراق وإبراز العداء لإسرائيل، بينما هي تسعى في الخفاء لترتيب أوضاعها في حال إذا ما قررت الولايات المتحدة المضي قدماً في خطط الحرب.
ففي عددها الصادر في 25 أكتوبر الماضي، تحدثت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن استعدادات الأنظمة العربية في مواجهة الانتفاضة المقبلة للشارع العربي في حال ضرب العراق.
قالت الصحيفة: "الحكام العرب قد استفادوا من دروس الشارع.
فمظاهرات مناصرة الانتفاضة الفلسطينية ومقاطعة البضائع الأمريكية والتصادم مع الطلاب كانت، حسب رأي المحللين، مجرد وجبة أولي لما هو متوقع مستقبلاً إذا هاجمت الولايات المتحدة العراق.
اجتماع وزراء الداخلية العرب في المغرب ضم ممثلين عن 17 دولة عربية، وعلي جدول أعماله سجل بندين اثنين فقط:
الحفاظ علي الأمن العام في ظل تبعات الحرب علي العراق، والطرق الأفضل للحفاظ علي النظام العام في الأشهر الستة القادمة.
وإلي جانب هذا الاجتماع ينوي وزير الداخلية السعودي، الأمير نايف، الدعوة إلى مؤتمر عاجل لوزراء الداخلية العرب (المسؤولين عن الأمن الداخلي في العادة) للبحث في إمكانية انتفاض الشارع العربي.
القيادات العربية تستعد للمرحلة القادمة بشراء العتاد الملائم والحديث للتعامل مع المظاهرات.
فمصر وحدها اشترت أكثر من 50 ألف هراوة حديثة لا تجرح ولا تهشم وإنما تتسبب للمضروب صدمة تفقده توازنه.
وعلي نفس المنوال ستسير الدول العربية الأخرى التي تبحث عن عتاد وأسلحة لقمع المظاهرات".
وعلي الرغم من إدراك الولايات المتحدة أن الحرب ضد العراق قد تشعل المنطقة العربية مما قد يهدد الأنظمة الحليفة، إلا أنها لازالت تصر على الضغط علي حلفائها بكل الوسائل حتى يقدموا الدعم المطلوب في العدوان البربري المقبل على العراق.
في هذا السياق يمكننا أن نفهم الحملة التي تشنها أبواق الإدارة الأمريكية ضد السعودية باعتبارها "من أهم الدول الراعية للإرهاب"! ولم تكن السعودية وحدها هي التي تلقت الانتقادات الأمريكية القاسية. فقد ووجهت مصر هي الأخرى بسيل من الانتقادات بسبب "انتهاكات النظام لحقوق الإنسان وتقييده للديمقراطية".
هكذا! فجأة اكتشفت الولايات المتحدة أن أهم حلفاءها في المنطقة يرعون الإرهاب ويعادون الديمقراطية.
بالطبع لا يمكن لأي عاقل أن يصدق هذا الهراء.
فالولايات المتحدة هي الأم الرؤوم للأنظمة الديكتاتورية في كل أنحاء العالم.
وغضبها على كل من مصر والسعودية لا ينبع أبداً من سجلهما البغيض في حقوق الإنسان أو الديمقراطية، وإنما من ترددهما ـ خوفاً على مصالحهما وعروشهما ـ في المشاركة المعلنة في الحرب ضد العراق.
ويوضح "توماس فريدمان"، في أحد مقالاته الشهيرة، أن الأنظمة العربية لها حساباتها الخاصة التي تحركها:
"السعوديون والمصريون والسوريون لم يكونا عضوين مساويين لنا في الائتلاف
[يقصد ائتلاف الحرب ضد الإرهاب] ، لأن هذه الأنظمة في أعماق قلبها لا تشاركنا القيم التي نحاول الدفاع عنها. هذه الأنظمة تؤيد ائتلافنا همساً وليس بوسعها التعبير عن تأييدها جهاراً. فهي لا تقول لشعوبها بشكل صريح أنها معنا. ذلك أن هدفنا هو الدفاع عن الحرية بينما هدف هذه الأنظمة هو الدفاع عن نفسها".
وبغض النظر عن أكاذيب "فريدمان" فيما يتعلق بدفاع الولايات المتحدة عن الحرية، إلا أنه محق في إشارته أن الأنظمة العربية ـ بسبب مخاوفها ـ تؤيد السياسات الأمريكية همساً وفي الغرف المغلقة فقط.
لقد اشتمت الأنظمة العربية الاتجاه الجديد للريح، خاصة بعد أن تعالت أصوات الصقور في الإدارة الأمريكية للضغط علي النظام السعودي وعلي دول أخرى حليفة، حتى لو أدى ذلك إلي تعريض هذه الحكومات لخطر السقوط.
والمستقبل سيحمل لنا تكراراً لتجارب سابقة عديدة:
الأنظمة العربية ستدفع كل ثمن سياسي من أجل إرضاء الحليف الأمريكي وستسارع للاصطفاف ورائه في حربه البربرية ضد الشعب العراقي.
فحسب كل المؤشرات، ثمة شيء ما يُنسج من وراء الكواليس بين السعودية مصر والأردن من جانب، والولايات المتحدة من جانب آخر.
ذلك أن التصريحات السياسية العلنية المعارِِضة للحرب شيء، بينما التسويات السرية شيء آخر.
فمن المؤكد أن للنظام المصري شروطاً للانضمام الهادئ إلى الائتلاف الأمريكي.
في الشهور الأخيرة كان هناك جسر جوي بين القيادة المصرية وبين واشنطن.
فإلي جانب وزير الخارجية المصـري ورجـال الاقتصاد مثل وزير المالية ومحافظ البنك المركزي، سافر إلى الولايات المتحدة وزير الدفاع المصري المشير محمد طنطاوي، وهو لم يكتف بزيارة بواشنطن بل ذهب أيضاً إلى فلوريدا لزيارة القيادة الوسطي للولايات المتحدة، وهي القيادة التي ستدير الحرب ضد العراق إذا ما نشبت.
لن يختلف موقف النظام المصري تجاه حرب العراق عن موقفه من ذبح الشعب الأفغاني.
ففي حوار لمبارك مع مجلة "النيوزويك" الأمريكية بعد أحداث سبتمبر، وفي إطار الاستعدادات الأمريكية للعدوان علي أفغانستان، صرح بأنه كان هناك "تعاون استخباراتى مع مكتب التحقيق الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية قبل 11 سبتمبر.
ونحن الآن نتبادل المعلومات بشكل يومي تقريباً وندع سفنكم الحربية تعبر القناة ونسمح لحركة الطيران [الحربي] بعبور أجواء مصر.
وقد أبلغنا بوش بموعد القصف. كما أبلغنا أنه لن يحاول أن يمس المدنيين الأبرياء.
لكن بالطبع في الحرب لا يمكنك أن تتجنب ضرب بعض الناس الأبرياء".
وبالنسبة للأردن، فالملك عبد الله سمح بمشاركة عمه ولي العهد السابق في مؤتمر مشبوه للمعارضة العراقية الممولة من المخابرات المركزية الأمريكية. على جانب آخر، تحدثت تقارير صحفية عديدة عن دور محوري للأردن في أي هجوم أمريكي بري قادم علي العراق.
أما المثال الصارخ على نفاق الأنظمة العربية فهو دولة قطر. فقد وافقت قطر على أن تكون أراضيها قاعدة عسكرية أمامية للقوات الأمريكية في حربها ضد العراق. وشيدت قاعدة عسكرية جوية للقوات الأمريكية علي نفقتها الخاصة يطلق عليها اسم "العُديد" بلغت تكلفتها مليار و400 مليون دولار.
وستمنح قطر لأمريكا الحق المطلق في استخدام هذه القاعدة العسكرية لضرب العراق، لتتحول بذلك إلى اكبر حليف عربي للولايات المتحدة بعد الكويت.

ورغم ذلك يتحدث النظام القطري عن معارضته للحرب.
حقا، أيها الخجل أين حمرتك؟
أما سوريا، العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن، فقد صوتت، علي عكس كل التوقعات، لصالح القرار الأخير القاضي بعودة المفتشين الدوليين إلى العراق، وذلك علي الرغم من التزييف الدعائي للنظام السوري بأنه يعارض العدوان الأمريكي.
وقد برر مندوب سوريا لدى مجلس الأمن قرار بلاده بأنها صوتت بالموافقة لصالح القرار رقم 1441 بغرض الحفاظ علي وحدة مجلس الأمن ولإبعاد شبح الحرب عن العراق!
والحقيقة أن الأنظمة العربية جميعها وجدت في هذا القرار ضالتها المنشودة للانضمام الهادئ إلي التحالف الأمريكي. وربما لا نبالغ إذا قلنا أنها شعرت بسعادة غامرة لصدوره حتى يوفر الغطاء لمشاركتها في العدوان المقبل. فاجتماع وزراء خارجية الدول العربية في القاهرة في اليوم التالي على صدور القرار جاء تأييداً للموقف السوري في مجلس الأمن. كان موقف الدول المجتمعة هو الضغط علي العراق للقبول بالقرار، حتى إذا لم قررت الولايات المتحدة أنه لم يتعاون، يتحم