|
يظل التعريف الكوني للديمقراطية متمثلا في حكم الشعب بالشعب من أجل الشعب، لذلك فإن مقياس الانتخابات يبقى اختيار ممثلي الشعب طبقا لتعاقد اجتماعي أساسه دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا لبلورة اختياراتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتي قد تنعكس عليهم ايجابيا من حيث تحقيق التنمية بأبعادها الشاملة .
لكن ممارسة الانتخابات في المغرب منذ خروج الاستعمار لم تكن لها نتائج ملموسة على مستوى التنمية الشاملة، فلم تتراجع التبعية الاقتصادية، وظل الأداء الاقتصادي لصالح حفنة من البرجوازية وأصحاب النفوذ، بينما ظل الفقر والتهميش يتعمق في بلادنا إلى أن بلغ درجات غير مسبوقة عالميا .
ومع مرور الزمن أصبح المغاربة يعون جيدا أنهم سواء صوتوا على اليمين أو على اليسار أو على الإسلاميين فإن ذلك لن يغير شيئا في القفة اليومية ولن يشغل أبنائهم وأن وضعهم المعيشي سيتدهور بفعل الغلاء وتراجع الخدمات الأساسية، ومع ذلك لم يساهم المغاربة يوما في الانتخابات التشريعية أو الجماعية أو حتى في الاستفتاء حول الدساتير الممنوحة بحرية تامة، فقد ظل المغاربة دائما يجدون نفسهم تحت ضغوط متنوعة من أجل الإدلاء بأصواتهم، أولا لأن مشاركة عدد كبير من المغاربة في الانتخابات هو موجه للاستهلاك الخارجي، حتى ينتشر الاعتقاد بأن المغاربة راضون عن النظام السياسي القائم رغم طابعه الفردي المخزني الاستبدادي، ثم ثانيا موجه للاستهلاك الداخلي لإعطاء الانطباع بالرضا الجماعي بالاختيارات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة رغم أن هذه الاختيارات تؤدي إلى مراكمة الثروات لدى التحالف الطبقي القائم مقابل توسيع الفقر والبطالة في مختلف الأوساط الشعبية .
لقد ظلت إرادة الناخبين تزور في فترة سنوات الرصاص، كما مورست الضغوط على الأحزاب السياسية والنقابات من أجل تدجينها عند كل استحقاقات انتخابية حتى تعودت مع الزمن على الامتثال سواء في سلوكها أو في برامجها لإرادة الحكم الفردي المخزني المنبثقة عن الدستور الممنوح، فحتى وإن لم تزور اليوم الانتخابات فإن الأحزاب السياسية التي أصبحت مدجنة تتسابق على الأصوات وتقول ما يقوله عباس الفاسي وهي "أن برامجها هي برامج الملك"، فأي معنى يبقى للانتخابات وللديمقراطية في هذه الحالة بحيث تصبح مجرد ديمقراطية للاستهلاك أو ديمقراطية للواجهة .
لقد قاطع المغاربة الانتخابات التشريعية ل 7 شتنبر 2007 بشكل عارم بلغ نسبة 83 % وقد كانت المقاطعة واعية جاءت على الخصوص من الشباب المتعلم، ولم يشارك سوى المنخرطون في الأحزاب المشاركة وعدد من المواطنات والمواطنين الذين لم يستوعبوا بعد طبيعة النظام السياسي الجامد القائم بالمغرب .
هاهي الانتخابات الجماعية ليوم الجمعة 12 يونيو 2009 قد أصبحت على الأبواب فما هي الجدوى من المشاركة فيها؟ هل تعني المشاركة في هذه الانتخابات أن أحوال الجماهير الشعبية ستتغير؟ هل ستؤدي هذه الانتخابات إلى تشغيل واسع للعاطلين في وسط حملة الشواهد و حملة السواعد أم سيقتصر الأمر على التشغيل بالزبونية لفائدة الأحزاب المشاركة كما يحدث حاليا؟ هل ستؤدي المشاركة فعلا إلى التنمية المحلية اقتصاديا واجتماعيا في عدد من المدن والقرى المهمشة مثل آزيلال وسيدي افني وصفرو وبوعرفة خنيفرة؟ هل سننتظر من الانتخابات المقبلة أن تعيد الاعتبار للتعليم العمومي والصحة العمومية والإسكان الشعبي أم سيتواصل التدمير الحاصل حاليا للخدمات الأساسية والإمعان في تسليع جميع جوانب الحياة؟ هل ستحقق المشاركة إصلاحا زراعيا يثبت الفلاح في أرضه ويوفر له البنيات التحتية الأساسية؟
علينا أن نطرح هذه التساؤلات على أنفسنا لكي نختار عن وعي بين المشاركة أم المقاطعة. فقد يقول قائل أنه لا بأس من المشاركة ومحاولة إدخال التغيير عبر المشاركة، لكن الجواب على هذه المقولة ينطلق من التجربة الملموسة، فمشاركة القوى الديمقراطية في الانتخابات ابتدأ سنة 1963 و1977 و1983 و1992 و1997 و2003 و2007، لكن لاشيء تغير من الداخل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بل أن التغييرات حدثت في مستوى عيش النخب الانتهازية التي التحقت بخدام المخزن أما التغييرات الطفيفة التي حدثت فجاءت نتيجة الاصطدام السياسية العنيفة بين الجماهير الشعبية من جهة والتحالف الطبقي الحاكم من جهة أخرى، لكنها تظل تغيرات شكلية لا تمس الجوهر .
لكن إذا ما قادنا تحليلنا إلى اختيار المقاطعة فعلى أي أساس سيتم ذلك؟ ما الهدف من مقاطعتنا للانتخابات الجماعية؟ وكيف يمكننا تحقيق الهدف المنشود؟
سنحاول من خلال هذه الورقة تقديم بعض الإجابات عن هذه التساؤلات مساهمة منا في منهجية فكر المقاطعة .
أولا: الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم
كما أشرت إلى ذلك من قبل لم يطرأ على بنية النظام السياسي القائم أي تغيير منذ خروج الاستعمار سنة 1956، حيث استمر نفس الحكم الفردي المخزني القائم الذي يقوم على برلمان وحكومة تتحملان مسؤولية شكلية، بينما يظل الملك غير المسؤول حسب منطق الدستور هو صاحب الحكم الحقيقي، وسنلاحظ أن الحكم الفردي المخزني ظل يتحكم في اللعبة السياسية وطنيا ومحليا مما سيجعل أي مشاركة في الانتخابات مجرد عبث لا يؤدي إلى أي تغيير طبيعة النظام .
لقد ظلت السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية منذ خروج الاستعمار تمارس بنفس الأسلوب، الليبرالية في المظهر الخارجي والطابع المخزني في الجوهر، بل تمت مراجعة دور الدولة لكي ترفع يدها عن أي تدخل لتحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي بل أطلقت الدولة يدها بدون استشارة شعبية في بيع المرافق العمومية عبر تسليمها للشركات الأجنبية التي أصبحت تسيطر على مختلف المقدرات الاقتصادية للبلاد، بحيث أصبحنا لا نتميز عن الدول المحتلة في شيء. وقد أدت السياسات المالية الانكماشية والمراهنة على الاقتصاد الموجه للخارج إلى تردي الأوضاع الاجتماعية لعموم الجماهير الشعبية عبر تجميد الأجور والتسريحات الجماعية وتسليع الخدمات الاجتماعية كما أصبحت الدولة عاجزة عن التصدي للبطالة والفقر والفساد والرشوة واختلاس المال العام، وذلك نظرا لكونها، بالإضافة إلى مصالح الأطراف المهيمنة على أجهزتها، تفتقد حكوماتها المتعاقبة لصلاحيات دستورية تمكنها من وضع وتنفيذ السياسة العامة مما يؤكد أهمية وضع دستور ديمقراطي كمدخل لكل تغيير حقيقي .
فالمجالس التشريعية المزورة والحكومات المنبثقة عنها المتعاقبة ظلت تشرعن لتفويت المقاولات العمومية للشركات متعددة الاستيطان بدون أدنى استشارة مع الشعب الذي مول إنشاء هذه المقاولات بواسطة الضرائب المقتطعة منه، كما ظلت هذه المجالس تسطر قوانين تخنق الحريات بدلا من توسيعها كمدونة الشغل وقانون الصحافة ومشروع قانون الإضراب ...
أما بخصوص تدبير الشؤون المحلية فتسند أمورها لمجالس قروية وبلدية تنتخب في غالبيتها بالتزوير أو باستعمال المال والنفوذ وتدخل سلطات وزارة الداخلية، وتزاول هذه المجالس عملها على أساس الزبونية والحزبية الضيقة كأساس للتوظيف والترخيص وتعمل تحت وصاية جامدة السلطات المحلية التابعة لوزارة الداخلية والتي هي سلطات غير منتخبة فتعمل هذه الهيئات على تفويت المرافق الأساسية من ماء وكهرباء ونظافة ونقل حضري في ظروف غير شفافة لشركات أجنبية (ليديك ريضال أمانديس فيوليا سويز...) رغم أن أغلب هذه الشركات معروفة بفضائحها في بلدان أخرى من العالم فتستفرد بالمواطنين لاختلاسهم عبر رفع فواتير خدماتها عدة مرات .
كما تغمض الهيئات المنتخبة محليا ووطنيا العين اتجاه تصاعد التسريحات الجماعية للعمال والتي بدأت تتفاقم أكثر مع انفجار الأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة وتغمض العين أيضا اتجاه قمع كافة أشكال الاحتجاج (عمال، حاملي الشواهد المعطلين بما فيهم المكفوفين، شباب، مواطنين محتجين ضد الغلاء الفاحش، حالتي مدينتي صفرو وسيدي افني شاهدتين على ذلك ...).
ثانيا: الوضع السياسي المحلي وغياب الديمقراطية
إن قرار المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها ينطلق من مدى مساهمة المواطنات والمواطنين في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومدى مساهمة هذا الموقف أو ذاك في تطوير نضال الشعب المغربي من أجل التغيير الديمقراطي الجذري ذو الأفق الاشتراكي .
التجارب الانتخابية الجماعية السابقة تكرس تهميش مشاركة المواطنين في إتخاذ القرار
منذ الانتخابات الجماعية الثانية في سنة 1963 إلى الانتخابات الجماعية الثامنة التي نظمت في سنة 2003 ، دأبت الدولة المخزنية بواسطة وزارتها في الداخلية على استعمال وسائل شتى من بينها تفريخ الأحزاب الرجعية، المبنية على النعرات القبلية والدينية، أو تلك المسماة بذات الجذور القروية، أو المنبثقة من الإدارة ... هذا موازاة مع قمع ومحاصرة الأحزاب والتنظيمات السياسية والحركات الاجتماعية الديمقراطية والتقدمية الوطنية وتدجين كوادرها، إضافة إلى بلقنة الخريطة السياسية ... لتشويه الإرادة الشعبية بهدف الحفاظ على مصالح التكتل الطبقي الحاكم ( ملاكي الأراضي الكبار، والبورجوازية الوكيلة للرأسمال العالمي، والتقنوبيروقراطية المختلسة للمال العام).
فمنذ سنة 1963 تم توظيف المؤسسات "المنتخبة" في تشويه الهدف الأسمى للديمقراطية، وهو إشراك المواطنين والمواطنات في تسيير الشأن العام، الشيء الذي جعل الناخبين الذين تزور إرادتهم باستمرار، لا يعطون أية مصداقية لما ينتج عن هذه الانتخابات من مؤسسات .
إن ممارسات التزوير المتكررة ضربت في الصميم العمل السياسي الديمقراطي الجاد، المرتبط بهموم المواطنين، وبرزت على الساحة مافيا الانتخابات تعتمد مكوناتها على الاستغلال السياسي للتعدد الثقافي، والاستغلال السياسي للدين، كما يتم استثمار أموال المخدرات في العمليات الانتخابية لمنح الحصانة السياسية للمهربين .
هذا ما يؤدي إلى فرز مجالس "منتخبة" ، يسيطر عليها الأعيان وخدام المخزن الانتهازيين، توظف كأدوات شكلية للترويج لديمقراطية الواجهة على المستوى الخارجي وتستغل كمؤسسات إضافية لنهب الملك الجماعي والمال العام وتفقير العالم القروي وتشويه المجال الحضري .
إن التراكمات السلبية الناتجة عن الاستبداد بالحكم وطنيا ومحليا أصبح لها انعكاس خطير على المستقبل السياسي للمغرب، بحيث أن الديمقراطية شوهت وأضحت في أنظار الجماهير المهمشة مرادفا للتسلق الطبقي والوصولية ونهب الملك العمومي .
غياب الظروف الموضوعية التي تمكن من تنظيم انتخابات جماعية ذات مصداقية
في وضع اقتصادي أنهك فيه العمل السياسي الجاد، وأصبحت فيه البرامج الحزبية ، إن وجدت، متشابهة، ونظرا لغياب الضمانات الدستورية التي تمكن الأحزاب السياسية من تطبيق برامجها من جهة، ولكون البلاد رهينة في يد المؤسسات المالية الدولية نتيجة للديون المتراكمة على خزينة الدولة والتي لم تستفد منها الجماهير الشعبية من جهة أخرى، وفي وضع سياسي ما يزال فيه المتورطون في الجرائم السياسية والاقتصادية بدون محاسبة أو عقاب، وفي ظل دستور ممنوح يمزج بين السلطات ويضعها في يد واحدة ولا يضمن قيام سلطة قضائية كفئة مستقلة ونزيهة، وفي غياب هيئة مستقلة عن وزارة الداخلية تسهر على العملية الانتخابية ابتداء من وضع لوائح الناخبين إلى إعلان نتائج الاقتراع، ستبقى الانتخابات رغم الوعود والالتزامات المتكررة، محطات للتزوير المنظم، ومرتعا للمضاربين في أصوات الناخبين .
كما ستجري الانتخابات الحالية على أساس لوائح مطعون في سلامتها وعلى أساس تقطيع انتخابي مخدوم الذي يهدف إلى محاصرة المد الجماهيري المطالب بالمشاركة الديمقراطية. ف 40 % من الجماعات المحلية لا يتعدى عدد سكانها 7500 نسمة و90 % منها تعجز أحيانا حتى عن أداء أجور موظفيها نظرا لقلة المداخل بحيث أن الأغلبية الساحقة من ساكنتها تعيش في فقر مدقع بينما يعفى ملاكي الأراضي الكبار من الضريبة الفلاحية. لكن هذا التقسيم التحكمى سيتم الاحتفاظ به بهدف خلق نخب طيعة بيد الإدارة .
الميثاق الجماعي يؤكد هيمنة وزارة الداخلية على المجالس الجماعية :
بعد مرور 27 سنة على تطبيق قانون 1976 ، وبعد تنظيم 7 ندوات وطنية حول التجربة الجماعية بالمغرب، وبعد الهزات التي حصلت على المستوى الدولي خلال هذه الفترة التي تميزت بتنامي المطالب الملحة للشعب المغربي في الديمقراطية والمشاركة السياسية الحقيقية ، كان المرء ينتظر من الميثاق الجماعي لأكتوبر 2002 أن يوسع من اختصاصات المجالس المنتخبة ويقلص من دور الوصاية لوزارة الداخلية. كما كان من المنتظر أن يتضمن القانون الجديد المقتضيات القانونية التي تضمن مشاركة منظمات المجتمع المدني(الذي تتبجح به كل الخطابات) في تحديد السياسة الاجتماعية والثقافية للمجالس المحلية ، وتمكن المواطنين والمواطنات من نسبة معينة من ديمقراطية المشاركة في مراقبة أشغال المجالس والإطلاع على الحسابات الإدارية ...إعمالا بمقولات "سياسة القرب" و"المفهوم الجديد للسلطة". إن الميثاق الجماعي الذي تتم على أساسه الانتخابات الجماعية ليوم الجمع 12 يونيو 2009 يمركز بكيفية مباشرة أو غير مباشرة كل الصلاحيات بيد وزارة الداخلية .
فوزير الداخلية بالنسبة للجماعات الحضرية والوالي أو العامل بالنسبة للجماعات القروية هو الذي يتوصل بالاستقالة الاختيارية لأعضاء المجلس(المادة 19) كما يصدر قرار الاقالة أو التوقيف في حق كل عضو امتنع - في نظره- عن القيام بواجبه أو ارتكب أفعال مخالفة للقانون أو باخلاقيات المرفق العام (المادتين 20 و21). بل يمكن لوزير الداخلية حل المجلس تماما أو توقيفه في حالة الاستعجال إذا ارتأى الوزير أن مصالح الجماعة مهددة لأسباب تمس حسن التسيير، - دائما من منظور السلطة – وهي صيغ فضفاضة تجعل أي عضو أو مجلس جاد تحت رحمة وزارة الداخلية. وقد تتدخل السلطات المحلية من أجل تغيير وضع سياسي معين كما حدث في قضية اقالة ومحاكمة رئيس المجلس الجماعي لمدينة مكناس بلكورة، أو الحفاظ على وضع سياسي قائم كما حدث في قضية عمر البحراوي بجماعة اليوسفية الرباط رغم الفضائح الثابثة في حقه وقد يستعمل في هذا الاطار حتى القضاء لتحقيق هذه النتائج .
كما أن مقررات المجلس الجماعي لا تكون قابلة للتنفيذ إلا إذا حضيت بموافقة سلطة الوصاية. والمدهش أن الوصاية تشتد أكثر على مدينة الرباط حيث يفقد فيها المجلس والرئيس ما تبقى من أهم الصلاحيات. وهذا ما يجعل من والي ولاية الرباط سلا زمور زعير المسؤول الأول عن كافة الانحرافات التي تحدث بثراب الولاية .
بمقتضى المادة 70 تحتفظ وزارة الداخلية بسلطة التدخل السافر في قرارات المجلس بحيث تنص هذه المادة على ما يلي: يمكن للسلطة المكلفة بالمصادقة على المقررات (العامل أو الوالي أو وزير الداخلية) دعوة المجلس الجماعي لإجراء دراسة جديدة بشأن مسألة سبق أن تداول بشأنها إذا ظهر أنه من غير الممكن الموافقة على القرار المتخذ. وإذا تمسك المجلس الجماعي بمقرره ... يبث الوزير الأول في المسألة باقتراح من وزير الداخلية بمرسوم معلل. مما يعني أن القرارات المتخذة من طرف المجلس (ولو في إطار القوانين الجاري بها العمل) لن تنفذ إذا لم ترض بها وزارة الداخلية . هذه البدعة لا يعمل بها في الدول الديمقراطية بل هي خاصية تتصف بها بلادنا .
كما أن المادة 77 تخول للسلطة المحلية أن تقوم محل الرئيس في تنفيذ القضايا التي تعتبرها بمثابة "الإضرار بحقوق الأفراد"، بهذه الصيغة الفضفاضة يفتح المجال أمام كل التجاوزات ومختلف أشكال استغلال النفوذ للضغط على الهيئات المنتخبة .
وتعطي المادة 59 الأسبقية لممثل الإدارة الترابية عند صياغة جدول الأعمال، حيث تدرج فيه النقط المقترحة من طرف السلطة المحلية بكيفية تلقائية. أما عندما يتقدم عضو من أعضاء المجلس الجماعي بمقترح في جدول الأعمال يمكن رفضه من طرف الرئيس ويخبر بذلك المجلس إبان اجتماعه، لكن ليس للمجلس الحق في مناقشة دوافع الرفض. هذا ما يبين أن الأقلية داخل المجلس، إن كانت جادة، لا يسمح لها بالدفاع عن مقترحاتها فيما يتعلق بوضع جدول الأعمال .
وتجعل المادة 61 من ممثل السلطة المحلية عضوا كامل العضوية في اجتماعات المجلس حيث يمكنه وبمبادرة منه (وبدون أن يطلب منه الرئيس ذلك، كما هو الحال في الفصل 17 من قانون 1976 ) أن يدلي بوجهة نظره وملاحظاته حول مداولات المجلس. كما أن المجلس يتداول تلقائيا في اجتماع سري كلما طلبت منه الإدارة الترابية ذلك .
الميثاق الجماعي يؤسس لهيمنة الرئيس على المجلس الجماعي ويحافظ على هيمنة وزارة الداخلية :
يتراجع الميثاق الجماعي لأكتوبر 2002 عن الفصل 7 من قانون 1976 المتعلق بإمكانية إقالة الرئيس من طرف ثلثي الأعضاء، بعد مرور سنتين على انتخابه. والغريب في الأمر أن جميع الاقتراحات التي عبر عنها المشاركون في المناظرات الوطنية، بخصوص إعادة انتخاب رئيس المجلس الجماعي، والمتضمنة في التقارير التي أنجزتها وزارة الداخلية، لم تأخذ بعين الاعتبار في صياغة الميثاق الجماعي الجديد الذي نص على أن رئيس المجلس الجماعي المنتخب لمدة 6 سنوات لا يمكن إقالته من طرف المجلس الذي انتخبه .
إن الإقدام على حذف الفصل 7 والتنصيص في الميثاق الجماعي الجديد على رئيس منتخب مدى حياة المجلس، يجد له تفسيرا من خلال تجربة 30 سنة الماضية والتي بينت أن إقالة الرئيس مرتبط دائما برفض الحساب الإداري. فكلما تعلق الأمر بالمصادقة على الحساب الإداري تتفسخ التكتلات وتتغير موازين القوى بكيفية تلقائية. ومرد ذلك أن جل المجالس مزورة، وأعضائها بعيدون كل البعد عن الالتزام بالبرامج الحزبية ، هاجسهم الدائم هو البحث عن توفير المصالح الشخصية بدل خدمة الصالح العام. هذا ما يجعل الصراع حول رئاسة المجالس تصرف فيها الأموال الباهظة، ويتم في شأنها تهريب المنتخبين وعزلهم عن العالم الخارجي طوال الفترة الممتدة من اليوم الموالي للاقتراع والموعد الذي ينعقد فيه أول اجتماع لانتخاب الرئيس كما حصل في الانتخابات الأخيرة المتعلقة برئاسة الغرف الفلاحية على الخصوص.
وبما أن الحساب الإداري من أحد المصادر الممكنة لاسترجاع الأموال الموظفة في الحصول على رئاسة المجالس، فالصراع حول المصادقة أو رفض الحساب الإداري يكون في أوجه، مما يؤدي إلى فضح الاختلاسات المالية، التي تشتكي منها المئات من الجماعات المحلية، على أعمدة وسائل الإعلام المكتوبة. هذا، ما يضر مباشرة بمصداقية وزارة الداخلية باعتبارها مسؤولة عن تزوير الانتخابات، ومسؤولة عن المصادقة على أمر تنفيذ الميزانية و الاعتمادات من طرف رؤساء المجالس.
وحتى لا تنفضح اللعبة الجديدة التي يقولون عنها أنها ستكون نزيهة - مثل سابقاتها - تم التخلي عن إمكانية إقالة الرئيس واللجوء إلى سلب المجلس الجماعي من أهم صلاحياته، لأن وزارة الداخلية التي تقدمت بمشروع الميثاق الجماعي والفرق البرلمانية التي صوتت لصالحه بالإجماع لا تبالي بالاستبداد بالقرارات بقدر ما يزعجها فضح الاختلاسات التي تتعرض لها المالية الجماعية والملك الجماعي .
إن كل التجارب الانتخابية السابقة عرفت استعمال الأموال في شراء ذمم المنتخبين للحصول على رئاسة لم تدم أكثر من سنتين في العديد من الحالات، فما بالك بما ستعرفه الانتخابات الحالية من استعمال فاحش للأموال للحصول على أغلبية داخل المجالس تمكن من الفوز برئاسة يضمن القانون أنها ستستمر على مدى حياة المجلس الجماعي. وتتجلى بوادر الاستثمار الانتخابي في الصراعات داخل الأحزاب على رئاسة اللوائح، وفي الترحال من حزب إلى آخر لضمان رئاسة المجالس .
وبما أن الرئيس يتحكم في وضع القانون الداخلي والحساب الإرادي وتنفيذ الميزانية بعد مصادقة ممثل الإدارة الترابية، ووضع جدول الأعمال ، ويطالب بسرية الجلسات... فيحق له كذلك اعتمادا على المادة 63 الزجرية التي أضافها الميثاق الجماعي الجديد أن يجعل المجلس يقرر، دون مناقشة بأغلبية الأعضاء الحاضرين، طرد كل عضو من أعضاء المجلس"يخل بالنظام ويعرقل المداولات" . وبهذا يبقى المصدر الحقيقي الوحيد للقرار على مستوى الجماعة هو ممثل وزارة الداخلية، بعد أن سلب المجلس الجماعي بأغلبيته وأقليته من صلاحياته الديمقراطية الدنيا في محاسبة الرئيس وإقالته عند الحاجة. وبذلك يبقى الباب مسدودا من الناحية القانونية في وجه كل من يتوهم بإشراك المواطنين في المراقبة الديمقراطية لأشغال المجالس .
إن الميثاق الجماعي لأكتوبر 2002 جاء ليقطع الطريق أمام كل من يتوهم بتحويل ديمقراطية محلية شكلية إلى ديمقراطية في مصلحة المواطنين .
إن الميثاق الجماعي الجديد يهمش دور المنتخبين في المجالس الجماعية ويعدم دور الناخبين وكافة المواطنات والمواطنين في مراقبة المجالس، هذا ما يجعل من المطالبة بوضع دستور ديمقراطي ، تتفرع عنه جميع القوانين، من المطالب الحد الأدنى في المرحلة الراهنة .
تقييم التجربة الجماعية
أ– سوء تدبير مالية الجماعات المحلية
يلاحظ من خلال التجارب الجماعية السابقة أن جل المجالس الجماعية تعيش على إيقاع الطعن في ميزانياتها السنوية نتيجة سوء تدبير المالية المحلية، وهذا دليل قاطع على الممارسات المشبوهة والاختلاسات التي تتعرض لها هذه الميزانيات، خاصة فيما يتعلق منها بالجبايات المحلية التي يسهر رؤساء المجالس على استخلاصها، إضافة إلى أن المصاريف المسجلة في هذه الميزانيات تكون في الغالب صورية لا تعكس مصاريف أنجزت بالفعل، ويشهد على ذلك العجز الكبير الذي تعرفه هذه الجماعات في المرافق العمومية المحلية من طرق وتطهير ومدارس ومستشفيات ومناطق خضراء ودور الشباب ومكتبات جماعية... رغم أن موارد الميزانية الجماعية تطورت بوتيرة سنوية تصل إلى 15 % وهي نسبة أعلى مرتين من وتيرة نمو مداخل الميزانية العامة .
والملاحظ في جل التجارب الجماعية السابقة أن أشغال الترميم و الترصيف والتجهيز وتنظيف الأزقة والشوارع الخ... لا تتم إلا من خلال آخر ميزانية جماعية في آخر ولاية للمجالس كاستثمار في الانتخابات المتوقعة أو في مناسبات استثنائية. كما أن المواطنين يجهلون تماما توزيع ومضمون بنود ميزانية الجماعة المحلية، بحيث لا يتوفرون على أية وسيلة لممارسة الرقابة على كيفية تحصيل الضرائب وصرف النفقات من طرف منتخبيهم .
ب– سوء تدبير الممتلكات الجماعية :
تعتبر وكالات توزيع الماء والكهرباء ووكالات النقل الحضري ... التي هي تحت وصاية وزارة الداخلية من بين أهم المرافق العمومية المحلية التي أنشأت بواسطة الميزانية العامة لكي تكون في خدمة المواطنات والمواطنين كما تعمل بشكل مباشر أو غير مباشر على تمويل ميزانيات الجماعات المحلية .
لكن بدلا من توسيع مجال هذه الممتلكات الجماعية وتوظيف فائضها في الارتقاء بالمرافق الاجتماعية خاصة فيما يتعلق بإيصال الماء والكهرباء للجماعات القروية في إطار التضامن، يلاحظ أن الفائض الناتج عن هذه المرافق يحول إلى جهات أخرى على شكل صناديق سوداء تسهر عليها وزارة الداخلية. وقد أدى سوء التدبير بهذه الوكالات إلى الإفلاس وبالتالي أقدمت وزارة الداخلية على خوصصة أغلبها، وقد صادقت المجالس الجماعية في عدة مدن على هذا التفويت كما حصل بالنسبة لقطاع النقل الحضري وقطاع الماء والكهرباء، في غياب استشارات شعبية حول مدى صلاحية هذه التفويتات. وغالبا ما تحدث مصادمات بين المواطنين المعترضين على هذا النوع من الخوصصة التحكمية من جهة والمجالس الجماعية من جهة أخرى كما حصل في كل من مدن الرباط وسلا وتطوان حيث خرج الآلاف من المواطنين بالأحياء الشعبية المتضررين من انعكاسات ارتفاع فواتير الماء والكهرباء من جراء الخوصصة. فبدل أن تجتمع المجالس الجماعية المعنية للاستماع إلى شكاوي المواطنين، تركتهم عرضة لللقمع والتنكيل والمحاكمات الصورية كما حصل في جماعة يعقوب المنصور بالرباط، بل أن شركات القطاع الخاص للنقل الحضري أخذوا ينتفضون على تفويت هذا القطاع للأجانب كما هو الشأن بالنسبة لتفويت هذا القطاع بولاية الرباط لشركة فيوليا .
وقد تم تفويت مرافق اجتماعية حيوية أخرى مثل قطاع النظافة وجمع النفايات المنزلية في عدد من المجالس الجماعية بكيفية مشبوهة، حيث استفادت الشركات الخاصة الصورية من جميع آليات الجماعات ومآرب السيارات والعمال الذين ما زالوا يتقاضون أجورهم من ميزانيات الجماعات إضافة إلى عمال الإنعاش الوطني. وهذا إلى جانب ملايين الدراهم التي تدفعها الجماعات لهذه الشركات بمعدل 350 درهم لكل طن من النفايات المنزلية عوض 250 درهم للطن ككلفة عادية للجماعة قبل التفويت .
كما أن الرصيف العمومي لم يسلم هو بدوره من موجة التفويت إلى الشركات الأجنبية، بحيث أصبح العديد من السكان والموظفين مجبرون على ايداع سياراتهم في أماكن خارج المدن أو أداء ما معدله 20 درهم يوميا .
ج– سوء تدبير الشؤون المحلية
إن أبرز ملاحظة على عمل المجالس المحلية الحضرية هو اتساع رقعة مدن الصفيح وأحزمة الفقر التي تعج بالمهمشين من المواطنات والمواطنين الذين دفعتهم ظروفهم القاسية في البادية نتيجة الجفاف والاستغلال وفقدان الأراضي وجشع القرض الفلاحي إلى الهجرة نحو المدن. فقد ساهمت الجماعات المحلية بمختلف الأساليب في انتشار مدن الصفيح على مساحات تقدر بمئات الهكتارات سنويا سواء داخل المدن أو في محيطها. وغير خاف على أحد الظروف التي يعيشها المواطن في هذه المدن من غياب كلي للمرافق الضرورية للحياة الكريمة من قنوات التطهير والماء الشروب والمدارس والمستشفيات ... الخ، الشيء الذي يدفع بالكثير من ساكنتها للتعاطي اضطرارا للأنشطة غير المشروعة بمباركة هذه المجالس التي لا يتردد الكثير من مستشاريها في تقاضي الرشاوى واستغلال الشباب المهمش بهذه الأحياء في الحملات الانتخابية. ومن نتائج اتساع رقعة مدن الصفيح سقوط العديد من الشباب المعطل في حبال عصابات المخدرات والهجرة السرية أو التنظيمات الإرهابية الظلامية التي تغرر بهم وتزج بهم في عمليات إجرامية كما حدث في 16 مايو 2003. كما أن من نتائج ذلك مآسي الفيضانات التي شردت المئات من الأسر بل أدت إلى وفيات بالعشرات، وهو ما يؤكد أن ما يسمى بالتجربة الديمقراطية المحلية مجرد أوهام موجهة للاستهلاك الإعلامي ولاغتناء اللولبيات على حساب أوسع الجماهير الشعبية .
أما بالنسبة للمجالس القروية فالمشاكل أكبر وأخطر حيث يعاني الملايين من القرويين من غياب كلي لأبسط المرافق الحيوية كالطرق وتوصيلات قنوات الماء وخطوط الكهرباء وغياب شبه كلي للمدارس والاعداديات والمستشفيات ودور الشباب وانعدام مجالات الشغل مما يؤدي إلى تفاقم حدة الهجرة القروية، بل يعاني المواطن في هذه الجماعات القروية حتى من غياب الخدمات الإدارية البسيطة كالحصول على بطاقة التعريف .
نستخلص مما سبق أن مشاكل المواطنين سواء في البادية أو في المدن مصدرها الأساسي هي الطبيعة غير الديمقراطية لتدبير الشأنين العمومي والمحلي. وينتج عن هذا التدبير التحكمي انعدام الشفافية في تسيير شؤون المرافق العمومية وانتشار المحسوبية واختلاس المال العام .
ثالثا: ما العمل من أجل التغيير السياسي الجذري
إن القبول بالوضع الراهن لن يساهم في تعميق مآسي الشعب المغربي السياسي والاقتصادي والاجتماعي لذلك فإن الخروج من الوضع المتأزم الحالي لن يتأتى سوى بإرساء نظام ديمقراطي في أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والجهوية على طريق التحرر وإقامة الاشتراكية .
لكن بلوغ هذه الغاية لن يتأتى بدون توفر شرطين ضروريين: أولهما بناء تحالفات متينة بين التنظيمات اليسارية والديمقراطية الجذرية بهدف توفير الشروط للتغيير الديمقراطي الجذري ذو الأفق الاشتراكي الذي يهدف إلى وضع حد للاستبداد المخزني والحكم الفردي كأداة لسيطرة للقوى الرجعية والمافيات المخزنية والرأسمالية المتوحشة .
ثم ثانيا، العمل على بناء الأداة السياسية للطبقة العاملة التي بدون انخراطها السياسي الواعي لن يتحقق التغيير ما دامت الطبيعة الانتهازية للبرجوازية الصغرى قد تحرف مسارها في أية لحظة، لذا تبقى الطبقة العاملة هي صاحبة المصلحة في إقامة النظام السياسي والاقتصادي الاشتراكي وهي القادرة على تحويل موازين القوى لصالحها .
فأولا لا يمكن الحديث عن الديمقراطية بدون دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا، إن جميع الدساتير التي عرفها المغرب قد أنجزت من طرف الأجانب استجابة لرغبة ومصالح الحكم المخزني وقاعدته الاجتماعية : ملاكو الأراضي الكبار، والبرجوازية البيروقراطية، والبورجوازية الرأسمالية المرتبطة أساسا بالرأسمال المالي العالمي .
وتتلخص أهداف التجربة الدستورية المغربية في نقطتين أساسيتين وهي فرض مشروعية النظام السياسي من جهة وحماية المصالح الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية للتكتل الطبقي السائد من جهة أخرى. من هنا يستمد الدستور الحالي محتواه الرجعي إيديولوجيا، والاستبدادي سياسيا، ولهذه الأسباب، من الضروري إلغاء الدستور الحالي وليس تعديله فقط عبر العمل على توفير الشروط الضرورية لانبثاق هيأة شعبية تأسيسية، تنكب على تهيئ وطرح مشروع دستور، تناقش وتصادق على محتواه وصيغته النهائية، بكل حرية، مختلف فئات الشعب المغربي .
أما في المجال الاقتصادي فيجب بلورة منظومة اقتصادية اشتراكية بديلا للنظام الرأسمالي القائم، وذلك لأن الرأسمالية تقوم على مصلحة الأقلية الحاكمة على حساب الأكثرية بينما يتساوى جميع أفراد الشعب في إطار النظام الاشتراكي، ولا يمكن لمثل هذه الطموحات الاشتراكية أن تتحقق بدون توفر الشروط التالية :
* الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، لأنه لا يمكن القضاء على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان بدون القضاء على احتكار وسائل الإنتاج من طرف الأقلية على حساب الأغلبية؛
* مساهمة المنتجين في تحديد نوعية المنتوج الذي يلبي الحاجيات الأساسية لعموم الجماهير الشعبية وذلك في إطار اقتصاد وطني متكامل يأخذ بعين الاعتبار حاجيات المواطنين ومعطيات مختلف الجهات ومميزاتها؛
* تحكم المنتجين وهم العمال والفلاحين في عملية الإنتاج بما يضمن ترشيد الطاقات الإنتاجية والتوزيع العادل للمنتوج .
* الإصلاح الزراعي : إن رسم سياسة فلاحية يجب أن تسهدف بالأساس تلبية الحاجيات الأساسية للسكان بما يضمن الأمن الغذائي والحفاظ على الثروات الطبيعية والمحيط البيئي والتنمية المتوازنة لمختلف المناطق. لذا يجب القيام بإصلاح زراعي يرتكز على المحاور التالية :
- تحديد مساحة الملكية الفردية للأرض (حسب أراضي البور، والأراضي المسقية)، ونزع الأراضي من الملاكين الكبار، الذين لا يساهمون مباشرة في عملية التسيير والإنتاج، وإعادة توزيعها على الفلاحين الفقراء والعمال الزراعيين والعاطلين حاملي الشهادات الفلاحية في إطار تعاونيات؛
- فتح تحقيق حول أراضي الجموع وأراضي الحبوس وأراضي الكيش والأملاك المخزنية والضيعات التي استولى عليها المعمرون الأجانب وفوتت للمعمرين الجدد المغاربة في ظروف غامضة، وتسليم هذه الأراضي للفلاحين الفقراء والعمال الزراعيين، في إطار تعاونيات عصرية مبنية على أسس التدبير العقلاني للموارد الطبيعية، والحفاظ على البيئة وضمان الاكتفاء الذاتي؛
- استرجاع الموارد المائية التي اغتصبت من الفلاحين الفقراء من طرف المافيا المخزنية عن طريق "سياسة السدود"؛
- شق الطرق في البادية وصيانة الموجودة منها وكهربة القرى وتزويدها بالماء الشروب وكل المرافق الصحية و الاجتماعية الضرورية لتحسين شروط الحياة والعمران بالبادية؛
- إعادة هيكلة مؤسسات القرض الفلاحي لتكون في خدمة الفلاحين الفقراء على الخصوص ولتستخدم أموالها في تطوير البنيات التحتية الأساسية (حفر وتجهيز الآبار، مد قنوات الري الصغير والمتوسط...).
* بناء صناعة وطنية قوية تقوم على :
- تلبية حاجيات المواطنين الأساسية؛
- ضمان الاستقلال الوطني اتجاه الاحتكارات الأجنبية؛
- الاعتماد بالأساس على المواد الأولية الوطنية؛
- الاعتماد على الطاقات البشرية الوطنية .
ولتحقيق هذه الأهداف يبقى من الضروري تأميم القطاعات الإستراتيجية (الطاقة والمعادن، المواصلات، الصيد البحري، المؤسسات المالية، التأمين، النقل العمومي ...) ووضع حد لمسلسل الخوصصة، ومساءلة المسؤولين عن نهب المال العام وتفويت الممتلكات العمومية لذوي النفوذ والشركات متعددة الاستيطان في ظروف وشروط لا تخدم مصلحة الوطن .
وحتى لا تبقى الوحدات الاقتصادية العمومية عرضة للتسيب والاغتناء اللامشروع، فيجب ضمان مراقبة المنتجين المباشرين وممثلي الشعب لعملية التمويل والتسيير والتدبير والتسويق .
* مراقبة القطاع الخدماتي المرتبط أساسا بعملية التوزيع والتسويق وإلغاء الأنشطة التي تعتمدها بعض الفئات الطفيلية للاستحواذ على جزء هام من فائض القيمة التي تنتجها الصناعة والفلاحة .
* التقليص من المديونيتين الداخلية والخارجية : أصبح تسديد الديون العمومية عبئا ثقيلا على ميزانية الدولة (حوالي الثلث من نفقاتها)، حيث أغرق الحكم بلادنا في مستنقعات يصعب الخروج منها، وربط مصير الشعب بجهات أجنبية. هذه الجهات التي أصبحت تتحكم في السياسات الاقتصادية والاجتماعية من خلال منح القروض وإعادة جدولة الديون وذلك بدفع الدولة إلى تخفيض ميزانيات القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم والشغل، وفرض مدونة شغل تراجعية تخدم مصالح الباطرونا على حساب مصالح العمال، وتفويت القطاعات الإستراتيجية للشركات الأجنبية ...
المطروح اليوم هو تشكيل لجنة مستقلة عن الدولة للتحقيق في مصير الإقتراضات الخارجية، لأنه لا يعقل أن يسدد الشعب المغربي ديونا أضعافا مضاعفة لم يستفد منها ولم يوافق عليها .
ولتمويل المشاريع التنموية التي تخدم مصالح الشعب المغربي الأساسية، يجب استرجاع الأموال التي تم نهبها وتخفيض ميزانيات إدارة الدفاع الوطني ووزارة الداخلية وتخفيض أجور كبار موظفي الدولة من وزراء ومدراء الإدارات والمقاولات العمومية وتقليص تعويضات البرلمانيين، وفرض ضريبة على الثروة والمداخل الكبرى، ومحاربة الغش الضريبي والزيادة في الضريبة على القيمة المضافة بالنسبة للأصناف الكمالية (السيارات الفخمة، المجوهرات، الكحول المستورد ...).
على المستوى الاجتماعي لا يمكن لبلادنا أن تتقدم بدون القضاء على الأمية والفكر المتخلف والبطالة، والأمراض الفتاكة، والسكن غير اللائق، وعلى مختلف المآسي الاجتماعية (أطفال الشوارع، الدعارة، التسول، المخدرات، السرقة، الإجرام ...).
فالقضاء على هذه المآسي لن يتم بالقمع أو بالوعظ والإرشاد أو بتوزيع الصدقات الموسمية، لأنها نتاج للاضطهاد السياسي وللحرمان الاقتصادي ولسياسات تعليمية وثقافية تشجع التخلف وتناهض الفكر التقدمي والنقدي والبحث العلمي .
إن السياسة المتبعة منذ عقود في مجال التعليم بمختلف أسلاكه برهنت على فشل النمط السياسي و الاقتصادي المتبع ببلادنا. وفي الوقت الذي تضرب فيه الأمية الأبجدية والتقنية أطنابها في جميع مناطق البلاد، يتم رمي مئات الآلاف من الشباب حاملي الشهادات في مجاهل البطالة والفقر، حيث أضحت كل واحدة من الأسر المغربية تضم فردا أو أفرادا من ضحايا بطالة خريجي الجامعات .
ولمحاولة الدولة التنصل من مسؤولياتها الجسيمة اتجاه المواطنين في مجالات التعليم والتكوين والبحث العلمي، روجت لشعارات زائفة تدعي عدم تلبية المنظومة التعليمية لمتطلبات سوق الشغل، بهدف تمرير السياسات المفروضة من طرف المؤسسات المالية الدولية في هذا المجال، حيث جاء الميثاق الوطني للتربية والتكوين والمخطط ألاستعجالي (أسسه الولاء والخنوع) يستهدف إقامة تعليم تبعي (أساسه تلبية حاجيات الرأسمالية في مرحلة العولمة في يد عاملة طيعة ومحدودة التكوين)، ويعمق التبعية في مجال اكتساب الخبرة و إنتاج التكنولوجيا ... كما يكرس عدم المساواة بين أطفال الطبقات الشعبية وأطفال الطبقات الميسورة (تشجيع التعليم الخاص، ضرب مجانيـة التعليم ...) إضافة إلى الحيف الذي تعاني منه اللغة الوطنية الأمازيغية .
أما فيما يتعلق بالسكن فإن تشييد القصور والفيلات الفخمة والمسابح الخاصة ... تعد اليوم تحد و إهانة لملايين المغاربة المكدسين في الأحياء الصفيحية والمشردين في شوارع المدن الكبرى والتائهين بدون مأوى ... ولا أدل على ذلك من انتشار أحزمة الفقر التي تحيط بكافة مدننا المغربية.
فالنمو الديمغرافي السريع والهجرة القروية المتزايدة يجعلان من السكن مشكلا خطيرا يفتح الباب على مصراعيه للمضاربة العقارية ويجد لها ميدانا أساسيا للنهب وامتصاص الأجور الهزيلة للكادحين، لذا فإن منظور النهج الديمقراطي في مجال السكن الاجتماعي يتمحور حول النقاط التالية :
- القضاء على المضاربة العقارية؛
- القضاء على مدن الصفيح والسكن العشوائي؛
- وضع سياسة للإسكان توفر دورا لائقة للسكن بكراء لا يتجاوز خمس دخل الكادحين أو حيازتها بأقساط لا تتجاوز الربع من مداخلهم، وتوفير قروض طويلة الأمد لذلك بفوائد لا تتجاوز 5 % ؛
- تطوير أساليب ومواد البناء ضعيفة التكلفة تعتمد على مواد وأساليب البناء المحلية، خاصة في العالم القروي .
أما بالنسبة للتشغيل فإن السياسات المتبعة في بلادنا منذ أكثر من عقدين من الزمن تنبني على تقليص كتلة الأجور والتخلص من القطاع العمومي وتجميد التوظيف في هذا القطاع و الاعتماد في المقابل على الاستثمار الخارجي الذي لا يأتي لخلق فرص شغل جديدة وإنما للاستحواذ على هياكل اقتصادية عمومية مربحة يعمد فيها إلى تسريح اليد العاملة تحت يافطة "ترشيد الموارد البشرية" وتحويل الفوائض المالية الوطنية إلى الخارج .
كما أن الطبيعة الطفيلية للباطرونا المغربية يجعلها غير مؤهلة طبيعيا لتوسيع السوق الداخلية وامتصاص معدلات البطالة الهائلة رغم الامتيازات المستمرة التي تمنحها الدولة لهذه الباطرونا على شكل الإعفاءات الجبائية وعن طريق التسهيلات في التزويد بالطاقة ومنح الأراضي المجهزة والإعفاء من أقساط وافرة من مستحقات الضمان الاجتماعي ...
كما أن الفصل 288 من القانون الجنائي والمرسوم المتعلق بالحق النقابي للموظفين وظهير 1938 المتعلق بنظام السخرة هي أدوات لتكريس انعدام استقرار العمل مما يجعل الطبقة العاملة المغربية تعاني منذ عقود من التسريحات الجماعية والإغلاق اللاقانوني للوحدات الصناعية ومن التضييق على الحريات النقابية .
ولا يسعنا هنا سوى إدانة السياسة المتبعة الرامية إلى تكريس هشاشة الشغل والبطالة المقنعة ووضع آفاق مجهولة أمام الشباب المغربي الذي يكون الغالبية العظمى للثلاثين مليون من المغاربة .
فكم عدد المغاربة الذين يموتون غرقا في البحر هاربين من الجحيم الاجتماعي؟ وما معنى المواطنة في غياب الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية؟
ضرورة اعتماد خطة مستعجلة لتوقيف التدهور الحاصل تتمحور حول النقاط التالية :
- وضع مدونة للشغل ديمقراطية وعصرية تعتمد على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان خاصة منها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية والاتفاقيات الصادرة عن المنظمة الدولية للشغل؛
- إنشاء صندوق للحماية ضد البطالة وتوفير التغطية الصحية المجانية لضحايا البطالة؛
- تقليص أسبوع العمل في 40 ساعة بالنسبة للطبقة العاملة في الميدان الصناعي والفلاحي؛
- تقنين العمل بالساعات الإضافية بالمؤسسات الخاصة وفرض نسبة مأوية من المكونين والمؤطرين المرسمين بالتعليم الخصوصي ؛
- وضع مقاييس شفافة ومراقبة للتوظيف في الإدارات العمومية وشبه العمومية والجماعات المحلية، ومحاربة ظاهرة ما يسمى بالموظفين الأشباح؛
- الرفع من الحد الأدنى للأجور وتوحيده وتطبيق السلم المتحرك للأجور؛
- إلغاء جميع القوانين والمراسيم التي تضيق على الحريات النقابية وممارسة حق الإضراب وعلى رأسها الفصل 288 المشئوم من القانون الجنائي؛
- إلغاء جميع المتابعات القضائية ضد المناضلين النقابيين، وإطلاق سراح المعتقلين منهم، وإرجاعهم إلى عملهم؛
- الاعتراف للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب بحقها الطبيعي في الشرعية القانونية؛
- توفير فرص الشغل لحاملي الشهادات المعطلين مع إيلاء عناية خاصة لذوي الحالات الخاصة مثل المكفوفين والمعاقين بصفة عامة .
بالنسبة للجانب الثقافي تطرح ضرورة توفير الإمكانيات اللازمة لإعادة الاعتبار لمختلف مكونات الثقافة الشعبية، وتحريرها من الطابع الفلكلوري الذي فرضته سياسة الدولة؛
- ضرورة توفير الشروط اللازمة لتحرير الطاقات الخلاقة للمبدعين : بناء مسارح ودور الثقافة، وتشييد مكتبات عمومية، تشجيع المبدعين بشكل عام والشباب منهم بشكل خاص، رفع قيود الرقابة ووصاية الدولة ...؛
- تشجيع كل ما هو إنساني، تقدمي وتحرري في مجال الإبداع؛
- فتح الإعلام العمومي أمام الثقافة الأمازيغية للتعريف بها وتشجيع المبدعين الأمازيغيين والتعريف بانتاجاتهم .
- تخصيص حصص داخل المؤسسات التعليمية للمسألة الثقافية يمكن أن يختلف جزء من محتواها من جهة إلى أخرى .
- خلق فضاءات ملائمة بالأحياء الشعبية وبالدواوير لتشجيع الإبداع، وتعميق المعرفة الثقافية ...
أما بالنسبة للحريات الأساسية فمن بين المطالب الأساسية للتغيير الديمقراطي الجذري :
- إطلاق سراح المعتقلين السياسيين القدماء والجدد من أمثال معتقلي سيدي افني وطلبة مراكش؛
- إطلاق سراح المختطفين الذين لا يزالون على قيد الحياة، وتسليم رفات المتوفين
- منهم والوثائق الإدارية الضرورية لذويهم؛
- مساءلة المسؤولين عن مختلف الجرائم السياسية منها والاقتصادية على أساس مبدأ عدم الإفلات من العقاب؛
- حل جميع الأجهزة المتورطة في هذه الجرائم؛
- فتح مفاوضات رسمية وعلنية مع المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، الذي يمثل الضحايا، حول الإجراءات والحلول التي يطرحها؛
- إلغاء جميع القوانين التي تتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
عبد السلام أديب (الرباط)
----------------------------------------------------------------------------
الانتخابات، لأية ديمقراطية؟
عبد الغني القباج (مراكش) : مساهمة في النقاش
انتخابات كل خمس سنوات، هي الفرصة "الديمقراطية" التي يمنحها النظام السياسي للمواطنة و للمواطن في المغرب لـ"لتعبير السياسي"، تجاوزا، بصوته عن "موقف" من الوضع السياسي و تجاه السياسيات الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية السائدة محليا و وطنيا.
و قبل تحليل علاقة الانتخابات بالديمقراطية في المغرب، لا بد من التوضيحات التالية:
- المؤسسات التي تحتكر القرار لسياسي توجد خارج سلطة الانتخاب:
* الملك في النظام السياسي المغربي كمصدر للقرار السياسي و مؤسسات ممارسة الحكم (مؤسسة الديوان الملكي : مستشارين و موظفين كبار، الولاة و العمال و القياد – المؤسسات المالية و الاقتصادية
* المؤسسات القضائية. الملك هو من يعين القضات و تصدر الأحكام في محاكم المغرب باسمه و بالتالي فالقضاة و النيابة العامة لا تخضع للمولقبة و المحاسبة.
"نجاح" اليسار المعتدل في الانتخابات و ترأسه الحكومة و عدد من المجالس المحلية لم تتحسن معه الأوضاع المعيشية و الاجتماعية للعمال و عموم الكادحين و المحرومين من شعبنا و لم يستطع هذا اليسار أن يفضح عجز النظام السياسي و ديقراطيته المزيفة و مؤسساته التي لا تخدم سوى مصالح البرجوازبية الكمبرادورية و حلفائها، كما لم يطرح اليسار عموما و اليسار المعتدل الـ"متوافق" مع السلطة السياسية خيارا ديمقراطيا بديلا يلبي المصالح السياسية و الاقتادية و الاجتماعية و الثقافية بالالتزام و الجرأة اللازمين من أجل تجاوز فعلي للديمقراطية المزيفة و مؤسساتها المخادعة التي لا تخدم سوى مصالح البرجوازية الكمبرادورية و حلفائها و خدامها السياسيين و بالتالي تعميق التناقض، سياسيا، بين النظام السياسي السائد و عموم جماهيلر شعبنا الكادح و المحروم.
لقد كشفت جماهبر الشعب الكادح و المحروم بحسها الطبقي هذا الزيف الديمقراطي عندما قاطعت الانتخابات البرلمانية للشتنبر 2007. و لم تستخلص أحزاب اليسار المعتدل دروس موافقتها على دستور شتنبر 1996 و من مشاركتها بدون شروط في حكومة ما سمي "تناوب توافقي" رغم التقييم السلبي لهذه التجربة من طرف عبد الرحمان اليوسفي الذي اختار الانسحاب و عدم تحمل مسئولياته مع أنه أحد صانعي "نعم" للدستور و حكومة التناوب الممنوح!
سيكون سهلا الهجوم على من يشارك في الانتخابات و على انتهازيّة التواجد في برلمان و جماعات محلية فاقدة للمصداقية و مقاطعة الانتخابات المجلس نواب
و لا يمكن للمقاطعة وحدها أن توضح و تبلور الوعي الديمقراطي و اليساري لدى الطبقات و الفئات الكادحة و المحرومة التي تمثل ثلثي الشعب المغربي! لا بد للقوى السياسية و الاجتماعية و المدنية اليسارية أو الديمقراطية التي ترى أن موقف المقاطعة هو الموقف السديد، لا بد لها من بلورة بديل سياسي بعد المقاطعة. إذ أن القوانين التي تنظمها في المغرب لا تلغي الانتخابات عندما تقاطعا أغلبية الناخبين. كما أن القوى اليسارية لا تقوم بعمل سياسي منظم و مستمر وسط الطبقات و الفئات الاجتماعية الكادحة و المحرومة و الفقيرة لفضح المضمون الطبقي للبرلمان و الجماعات المحلية و المصالح التي يجنيها التحالف البرجوازي الكمبرادوري السائد من برلمان "الديمقراطية" المزيفة و حجالسها المحلية. لا تكمن مصلحة النظام السياسي المخزني التبعي السائد في تجديد نخبه، بل في المصالح الاقتصادية و المالية، داخليا و خارجيا، التي يرسخها هذا التحالف الطبقي البرجوازي الكمبرادوري الحاكم بإجرائه الانتخابات و احترام دوريتها، كما أن الانتخابات في المغرب و مؤسساتها لم تكن قط وسيلة من وسائل خدمة المصالح الديمقراطية الشعبية بل يحتاجها حكام البلد ليس لتجديد نخبه فقط بل لشرعنة نظامهم السياسي و مؤسساته بما يضمن مصالح تحالفهم الطبقي.
الفضايانات في المغرب و ما أسفرت عنه من تدمير للبنيات التحتية من طرق، قناطر، مدارس، منازل بسبب الإهمال و التهميش اللذين تعانيهما المناطق و الأحياء التي يعيش فيها الشعب الكادح و المحروم و الفقير تبين بالملموس ما هي المصالح التي تخدمها مؤسسات البرلمان و الجماعات المحلية التي يُطـْلـَبُ من هذا الشعب الكادح و المحروم و الفقير المشاركة لانتخابها.
كان على ممثلي اليسار المساهم الآن في البرلمان و في الجماعات المحلية، الاستقالة من هذه المؤسسات كموقف من كارثة الفياضانات التي فضحت الفساد السائد في الخدمات العمومية التي تهم مناطق و أحياء الضبقات و الفئات الشعبية ز قيامهم بعمل احتجاجي و تعبوي لتوضيح أن مؤسسات النظام السياسي بمختلف مستوياتها المؤسسة المخزنية و خصوصا الولاة و العمال و القياد... و الأجهزة التنفيدية و التشريعية و المحلية عاجزة على إنجاز خدمات عمومية تلبي حاجات المواطنين و المواطنات الضرورية في سكن يحميهم من منل هذه الحوادث و النكبات المؤلمة و عاجزة عن إيجاد الحلول الناجعة لتلبية فقط المطالب الاجتماعية الأساسية و الضرورية للفئات الشعبية.
لذلك عندما يشارك يساريون مخلصون لقضايا الطبقات و الفئات الكادحة و المحرومة من الشعب في الانتخابات و البرلمان و الجماعات المحلية يكون هدفهم هو من جهة كشف الطابع الطبقي البرجوازي المتخلف لهذه المؤسسات و يطرحون من داخلها، و بارتباط مع العمل وسط جماهير الفئات الشعبية، ضرورة تغيير جذري للدستور و مؤسسات النظام السياسي و بناء دستور و مؤسسات نظام سياسي ديمقراطي، أي النضال لـلتعجيل بوضع نهاية لبرلمان الديمقراطية المزيفة و لجماعاتها المحليةن و هذا ما يطرحه لينين من كون "المشاركة في برلمان الديمقراطية البرجوازية ... لا يضر البروليتارية الثورية، بل يمكنها بسهولة من تبيان لماذا هذه البرلمانيات تستحقأن تُحَلّ، تسهل النجاح في حلها، تسهل "التهاية السياسية" للبرلمانية البرجوازية".
كاركس و لينين ألحوا على أنه من خلال الانتخابات، الاختيار الوحيد الذي يتركه(النظام البرجوازي) للعمال هو ان تقرر في فترات و لسنوات، من هو هذا العضو من الطبقة الحاكمة سيدوس بقدميه و يسحق الشعب في البرلمان، هذا هو الجوهر الحقيقي للبرلمانية البرجوازية ليس فقط في الملكيات الدستورية البرلمانية و لكن كذلك في الجمهوريات الأكثر ديمقراطية". (الدولة و الثورة- لينين)
المثال المجرد للديمقراطية البرجوازية تتمثل في ما يسمى "الدولة الحكم، حكم فوق الطبقات" يبقى بعيدا عن واقع اشكال و بنيات الحكومات التي بلورتها لحد الآن البرجوازية. و لا يعني ذلك أن اليسار يجب أن يدعو إلى تبني هذه الصيغة لسبب واضح هو ان الأساس الاقتصادي لصيغة "الدولة الحكم فوق الطبقات"، أي الرأسمالية الامبريالية التي تحتكر و تسيطر على جميع الانشطة الاقتصادية و الاجتماعية، و بذلك يصبح كل أمل في تغيير عميق و في الجوهر، عبر الانتخابات، للطبيعة الطبقية للديمقراطية البرجوازية و لـ"ديمقراطية" الرأسمالية التبعية المخزنية و دون تغيير أسسها الإقـتصادية و السياسية الطبقية مجرد وهم. لذلك فاليساريون المرتبطون بالمصالح الثقافية والسياسية و الاقتصادية و الاجتماعية للطبقات و الفئات الاجتماعية الكادحة لا يتوهمون أن المشاركة في الانتخابات و البرلمان و الجماعات المحلية في الشروط السياسية و الدستورية و القانونية السائدة ستغير جوهر النظام السياسي و علاقات الانتاج ليصبحا في صالح الطبقات و الفئات الاجتماعية الكادحة.
لذلك عندما يشارك اليسار في الانتخابات أو يقاطعها، السؤال الجوهري الذي مفروض أن يطرحه على نفسه هو، ما هي الأهداف الديمقراطية المرتبطة بمصالح السياسية والثقافية و الاقتصادية و الاجتماعية للطبقات و الفئات الكادحة و المحرومة، النقيضة و المناهضة و البديلة لأهداف التحالف البرجوازي الكمبرادوري، التي يجب تحقيقها من المشاركة في أو من مقاطعة الانتخابات و البرلمان و الجماعات المحلية؟
الإجابة الملموسة عن هذا السؤال، و التي وضعنا بعض مؤشراتها فيما سبق، هي الكفيلة بتوضيح ملموس يإشكالية المشاركة في الانتخابات المغربية أو مقاطعتها...
هذه بعض الأفكار لمقاربة نقاش اليساريين و اليساريات لمسألة المشاركة أو مقاطعة الانتخابات. و سأعود مرة أخرى للموضوع لمزيد من الوضوح النظري و السياسي بعيدا عن أية رؤية دغمائية سواء بالنسبة للمشاركة او مقاطعة الانتخابات انطلاقا من واقعها في المغرب دون الاستسلام أو الإذعان له. على أن يستحضر النقاش المصالح الديمقراطية للطبقات و الفئات الكادحة و المحرومة و مواجهة التحديات التي يواجهها تحرر الشعب المغربي من سيادة الثقافة و السياسية المخزنية من جهة و الإرهاب الإيديولوجي الإسلاموي في المجتمع و في مؤسسات النظام السياسي البرلمانية و الجماعية. مع كامل التقدير لجميع الأفكار و الرفيقات و الرفاق.
عبد الغني القباج (مراكش)
-------------------------------------------------------------------------------
انتخابات 2009 المخزنية
مساهمة عزيز عقاوي(خنيفرة)
هذا التقديم
تعتبر الانتخابات في الدول التي اختارت هذا النمط من التداول على السلطة محطة أساسية لتقييم أداء الأحزاب التي تحملت مسؤولية تسيير الشأن العام على مختلف مستوياته – السياسية، الاقتصادية ،الاجتماعية، الثقافية وغيرها...، ومناسبة لفتح النقاش السياسي العام حول بعض القضايا الجزئية والشكلية – وإن بخطابات حادة أحيانا- بين الفرقاء السياسيين وخاصة الأحزاب الكلاسيكية الكبرى المتفقين أصلا على الضوابط العامة والتوجهات الكبرى للديمقراطية الليبرالية : نموذج اليمين واليسار في أوربا.
ولكن في الوقت ذاته، تسمح قواعد اللعبة الديمقراطية هاته للجميع هناك – يمينا متطرفا أو يسارا راديكاليا- بإبداء آرائه وطرح تصوراته والترويج لها مهما تناقضت والتوجهات العامة للماسكين الكبار بسياسة " الدولة" – دولة الطبقة السائدة-. – لا نتحدث هنا عن العنف الثوري المشروع أو ديكتاتورية البروليتاريا كما وردت في الأدبيات الماركسية والذي يقابله القمع "المشروع" "لحماية الديمقراطية" من طرف الطبقة المهيمنة، إننا في مجال اللعبة الديمقراطية التمثيلية وفق القواعد الليبرالية.
* حالة المغرب
لقد حاول النظام السياسي المغربي مند اعتلاء الحسن الثاني العرش أن يقنع الجميع داخليا وخارجيا بوضع المغرب على سكة الديمقراطية بتبنيه للتعددية السياسية ومنعه لنظام الحزب الوحيد وبناء الديمقراطية عبر المؤسسات المنتخبة والممثلة للشعب وفصل السلط وتنظيم استفتاءات شعبية عن الدستور والانفتاح عن الخارج وهلم جرا من الترتيبات والمساحيق اللغوية ديمقراطية مظهريا واستبدادية واقعيا. كيف ذلك ؟
إن نظام الحكم بالمغرب هو نظام فردي مستبد بالسلطة ولا مجال فيه للتداول على الحكم وليس على الحكومة. حيث أن الدستور الممنوح يكرس هذا المعطى من حيث أنه لا يفصل بين السلط ويقلص من صلاحية البرلمان ويعطي للملك الحق في تعيين الوزير الأول دون أن ينتمي هذا الأخير للحزب الذي حصل على أغلبية المقاعد في الانتخابات التشريعية كما يترأس –أي الملك مجلس الوزراء- وهو الذي يقر السياسة العامة للبلاد وتوجهاتها الكبرى ناهيك عن جملة أخرى من صلاحية الملك التي كلما ازدادت رقعتها كلما تقلصت مساحة عمل المؤسسات الديمقراطية التي من المفترض أنها تمثل الشعب وتعبر عن رأيه. وقد سبق للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في إطار المذكرات التي كان يرفعها للقصر حول الإصلاحات الدستورية – التي تخلى عنها - أن طالب بإعطاء صلاحيات للوزير الأول وتعيينه من الأغلبية البرلمانية. كما سبق له –أي الاتحاد الاشتراكي- أن رفض التواجد في نفس الحكومة مع وزير الداخلية المخلوع ادريس البصري ووزراء ما يسمى بوزارات السيادة سرعان ما أصبح يدافع عنها ويكرم السفاح ادريس البصري في منزل عبدالرحمان اليوسفي الذي أقسم على القرآن أن ينضبط لقواعد الديمقراطية على الطريقة المغربية.
أما القوانين الانتخابية وصلاحية المجالس والتقطيع الانتخابي وعلاقة هذه المجالس بسلطات الوصاية فكلها مصنوعة على مقاس وزارة الداخلية، هاجسها الأكبر هو الضبط الأمني والتحكم في الخريطة السياسية وتمكين الأعيان وخدام المخزن الأوفياء من ضمان مقاعدهم في المجالس، من أجل أن يكونوا في خدمته كلما احتاج إلى خدماتهم مقابل تستره – أي المخزن- على جرائمهم المتمثلة في نهب المال العام عبر الصفقات والمشاريع المشبوهة واختلاس أموال الجماعات المحلية والحضرية بكل الطرق "القانونية" وغير القانونية التي أصبح أغلب المنتخبين يتقنون لعبتها.
واليوم يستعد المخزن بالمغرب لحشد كل طاقاته من أجل تنظيم انتخاباته في يونيو 2009 مع العلم أن لاشيء قد تغير على مستوى الدستور والقوانين الانتخابية المنظمة للعبة مع العلم كذلك أن غالبية الشعب المغربي قد قاطعت بكثافة الاستحقاقات السابقة بعد قناعته- أي الشعب- أن لا خير يرجى منها وأن هذه الانتخابات هي فقط وسيلة لشرعنة نهب المال العام والاغتناء غير المشروع على حساب القوت اليومي للمواطنين والخدمات الأساسية من تعليم وصحة وشغل وماء وكهرباء ...
وهل أتاكم حديث قبائل برمتها بالأطلس المتوسط – خنيفرة- رفضت تسلم بطائق الانتخابات ومنهم من حاول إرجاع حتى البطاقة الوطنية لأنها لا تثبت وطنيته؟؟
وهل يعلم المخزن الجديد/ القديم أن أعوان السلطة يستجدون المواطنين لتسلم بطائقهم الانتخابية ؟
سكيزوفرينية أم بلادة مخزنية أم استبلاد لهذا للشعب ؟
انتخابات وحالة الاستثناء:
كثيرا ما تغنى خدام المخزن الأوفياء – القدامى منهم والجدد- بالعهد الجديد والانتقال الديمقراطي وطي صفحة الماضي واحترام الحريات وجلب الاستثمارات من أجل تحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود والقضاء على الفقر والعطالة، وجندوا أنفسهم وطاقاتهم التي وضعوها رهن إشارة العهد الجديد من أجل زرع الثقة والأمل واستنهاض الهمم ، لكن من سوء حظهم خذلهم النظام مرة أخرى ووضعهم في مأزق يصعب الخروج منه. كيف ذلك؟
إن النظام المغربي الوفي لطبيعته اللاديمقراطية واللاشعبية واللاوطنية قد برهن بالملموس أن سياسة كم الأفواه الثائرة هي الثابت الذي لا يتحول وحطم- أي العهد الجديد- جميع الأرقام السياسية ، عفو القياسية، في قمع الحريات من تهشيم عظام فلول المعطلين - بكل تلاوينهم في العطالة أمام البرلمان- وكدا العمال والعاملات ورجال التعليم والمعوقين والحقوقيين والمهاجرين مرورا بطبخ المحاكمات الصورية والأحكام القاسية والغرامات التعجيزية – نال منها الصحفيون الشرفاء النصيب الأوفر- وصولا إلى التهديد المعلن بالتصدي لكل البلابل المغردة خارج سرب الإجماع المخزني.
أي انتخابات هاته التي يدعونها إليها المخزن المغربي وحوارييه القدامى والجدد وغالبية الشعب المغربي ترزح تحت نير الفقر والبطالة والتهميش وغلاء المعيشة وإعدام – ليس انعدام - الخدمات الاجتماعية واستمرار نهب المال العام والتصدي لكل الشرفاء في كل مواقعهم الرافضين لتزكية النهب الممنهج والاستبداد والاستغلال بكل تلا وينه؟
أي ديمقراطية يتحدثون عنها وهم يحاكمون بقسوة العهد الجديد عمال وفلاحين و معطلين وتلاميذ وشيوخ والبقية تأتي ب 3 و4 سنوات سجنا نافذة لا لشيء إلا لأنهم اعتقدوا أن المواثيق الدولية والقوانين المحلية تسمح لهم بالتعبير عن آرائهم دون إضرام النار أو العبث بممتلكات الغير أو الضرب والجرح والقتل العمد وهلم جرا من قاموس القانون الجنائي...
سؤال ما العمل ؟ أو خيار المقاطعة ! !
إن خيار مقاطعة الانتخابات والدعاية لها في ظل الشروط القائمة هي ضرورة نضالية وإحدى المهام السياسية المطروحة على كل الديمقراطيين الحقيقيين، إنها مناسبة لفضح أطروحات المخزن وطرح البدائل الحقيقية لعموم الشعب، وذلك عبر فتح نقاشات في كل المواقع الشعبية لشرح أسباب ودواعي مقاطعة انتخابات المخزن، التي تبنتها الجماهير، ولكن بشكل غير منظم ودون وعي سياسي مؤسس.
إنه مطروح على كل الديمقراطيين الحقيقيين كذلك، أن يوضحوا للشعب أن السياسة وممارستها ليست حكرا على المخزن كما، أنها ليست ذلك الإجماع المشبوه الذي أقصي منه الشعب لصالح التحالف الطبقي، المتمكن تحتيا من خيرات البلاد والمتحكم فوقيا في الأدوات الإيديولوجية. إن الانتخابات فرصة المخزن لتجديد نخبه وتمديد قبضته، ومناسبة لنا لفضح المخططات الإمبريالية والرجعية والتواصل مع جماهير شعبنا.
إنه مطروح على كل الديمقراطيين الحقيقيين، دراسة الإمكانيات المتاحة للتواصل مع المواطنين لتوضيح آرائهم ومواقفهم تجاه المهازل الانتخابية وطرح بدائلهم ومقترحاتهم لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية والمتمثلة في :
- تفكيك البنية المخزنية للدولة.
- محاسبة المتورطين في الجرائم السياسية والاقتصادية ضد الشعب.
- وضع دستور يكون فيه الشعب هو مصدر القرار والسلطة.
- إقرار إصلاح زراعي حقيقي.
- إقرار المساواة بين الرجال والنساء على جميع المستويات...
ويجب العمل على تعبئة الجماهير حول هذا البرنامج لجعلها تتبناه وتدافع عليه وتعتبره الجسر الذي لا محيد عنه للمرور إلى الدولة الديمقراطية.
عزيز عقاوي (خنيفرة)
-------------------------------------------------------------------------
المشاركة في انتخابات 12 يونيو 2009:
نكسة جديدة للفكر التقدمي
علي فقير (المحمدية)
إنني أرى من الضروري، و قبل تناول صميم الموضوع، تسطير بعض النقط:
1 – أنني أناقش و أحاور كل من لم يركب بعد قطار المخزن عامة، و مناضلي الحركة اليسارية المغربية خاصة.
2- أن الموقف من انتخابات ما، يبقى أساسا مسألة ظرفية تكتيكية، يراعي من ورائه مدى خدمته مصالح التغيير الثوري: هل يساعد على تعميق التناقضات الطبقية، و تجدير الصراع الطبقي و فضح مخططات الطبقات السائدة و دولتها القمعية...
3- أن التغيير المنشود لن يتحقق عبر مسلسل"الاستحقاقات" التي تتحكم فيه الكتلة الطبقية السائدة بواسطة مختلف أجهزة الدولة.
4 – أن المراهنة على حل مشاكل المواطنين عبر مؤسسات تفرخها الانتخابات المخزنية تبقى من الأوهام القاتلة سياسيا ( ... وكذلك للمساهمة الميداينة في انتاج جماعات محلية
مواطنة يحكمها التدبير الديمقراطي و الفعال ... من بلاغ تحالف اليسار الديمقراطي بمدينة وجدة الداعي إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية). فمهما كانت إرادة و نزاهة "الفائزين"، فان إرادة و سلطة ممثلي المخزن تبقى (قانونيا و تسلطا) أقوى منها. ففاقد الشيء لا يعطيه.
و من أجل استخلاص الدروس أسرد بعض المعطيات التاريخية:
1 – بعد فرض دستور 1962 من طرف القصر، أجريت أول "انتخابات التشريعية" في تاريخ المغرب، نزلت خلالها الدولة بكل ثقلها (بواسطة "جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية"، فديك) لتقزيم نتائج الحركة الوطنية المشكلة من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، و حزب الاستقلال و الحزب الشيوعي. بعد شهور، قررت مكونات الحركة الوطنية عدم تزكية الانتخابات البلدية و الجماعية. لم تمر على هذه الانتخابات 18 شهر حتى تفاقمت أزمة النظام السياسية، حيث لم تعد لمؤسسات "كوكت منوت" المخزنية أية مصداقية. خرجت الجماهير في انتفاضة مارس 1965 لتقول عمليا أن التحرر الحقيقي يجب أن يفرض عبر الشارع، عبر النضال خارج المؤسسات المخزنية.
اضطر الحكم إلى حل مؤسساته المفبركة، و تعليق "الاشتغال" بالدستور المفروض على الشعب المغربي.
2- في صيف 1970 قدم الحسن الثاني "دستورا جديدا للاستفتاء الشعبي"، رفضت الكتلة الوطنية تزكية المناورة الحسنية، و قاطعها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب؛ أجريت "الانتخابات البرلمانية" بدون مشاركة أي من القوى الوطنية و الديمقراطية. تعمقت أزمة النظام، تقوت الحركة الجماهيرية، تقوت الأجنحة الثورية الاتحادية، برزت بشكل مهم الحركة الماركسية اللينينية المغربية، تفاقمت التناقضات الطبقية داخل الحكم... و مما نتج عن كل هذا، محاولة الانقلاب العسكري (10 يليوز 1971).
3 – بداية 1872 أقدم الحسن الثاني على مناورة جديدة من أجل توريط القوى الوطنية و التقدمية، و ذلك بتقديم "دستور جديد للاستفتاء الشعبي", رفضت كل القوى الوطنية و التقدمية مباركة المولود الجديد، مما زاد في تأزم وضع النظام سياسيا: تجدير الحركة النضالية الجماهيرية، انتشار الفكر الماركسي اللينيني في مختلف مناطق البلاد، انتشار خلايا الكفاح المسلح الاتحادية في المناطق الفقيرة (خصوصا القروية منها)، بروز تصدع جديد في البيت المخزني مما أدى إلى محاولة انقلاب عسكري جديدة (16 غشت 1972).
4 – لقد اقتنع النظام أن طريق "اللعبة الديمقراطية" تبقى بدون أفاق خارج المشاركة الاتحادية و الاستقلالية، و هذه القناعة هي التي تفسر قيامه بالمبادرات الخمسة التي لا زالت تطبع المشهد السياسي و الاقتصادي المغربين إلى يومنا هذا:
- إغلاق القواعد الأمريكية المتواجدة في مدن القنيطرة، و سيدي يحي و سيدي سليمان. كان هذا الإغلاق من أهم مطالب الكتلة الوطنية. و هذا لم يعني التحرر من الهيمنة الامبريالية.
- "مغربة المقاولة" ( منع وصول نسبة الرأسمال الأجنبي الى 50 في المائة من رأسمال المقاولة، و عدم تحمل الأجانب مهمة الإدارة العامة...)، و هذا لم يمنع من تعميق التبعية الاقتصادية.
- محاولة استئصال القوى الثورية الاتحادية و الماركسية، و نشر الرعب وسط الطبقات الشعبية: إعدامات، اختطافات، التعذيب حتى الموت، تشريد العائلات، عقاب جماعي للقبائل...
- إرسال وحدة عسكرية إلى الجولان السورية "لمحاربة " إسرائيل، وقد انكشفت حقيقة المناورة بعد استقبال الحسن الثاني لرموز الحركة الصهيونية في افران و الرباط ، و تزكية الدولة انبطاح أنوار السادات في اتفاقية "كامب ديفيد" الاستسلامية .
- و تبقى أخطر و انجح مناورة قام بها النظام هي "المسيرة الخضراء من أجل استرجاع الصحراء". فمتى كانت الأنظمة الرجعية محررة؟
5 – شكل المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي سنة 1975، الذي أطره شعار "نريد الديمقراطية و بالديمقراطية" (بمعنى نريد الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع المخزنية)، و في غياب مساهمة المئات من المعتقلين السياسيين الاتحاديين، و الإقصاء الممنهج لأراء المغتربين، تحولا يمينيا في تاريخ الحركة الاتحادية؛ وشكل تبني " منظمة 23 مارس/منظمة العمل الديمقراطي الشعبي" ل"إستراتيجية النضال الديمقراطي" بزعامة الحبيب محمد الطالبي، استقالة صريحة لما تبقى من منظمة 23 مارس من الحركة الماركسية اللينينية المكافحة .
لقد ساعد هذا التحول النظام من استعادة "عافيته" و من بسط سيطرته المطلقة على المشهد السياسي، و أعاد الحياة ل"لمسلسل الديمقراطي" الحسني الذي انطلق سنة 1962 و أدخلته نضالات بداية السبعينات غرفة الإنعاش، قبل أن تخرجه من الغيبوبة الأيادي الملطخة بدماء الشهداء، معتمدة في ذلك على "مهارة" كل المهرولين نحو فتات النظام.
6 - لقد تمكن القصر عبر امتداداته المتعددة، من قلب موازين القوة داخل أهم الأحزاب البرلمانية، مما يمكنه أن يحكم و يسود بدون "تشويش مؤسساتي" (على مثال أزمة 1965 "النيابية" بعد تقديم ملتمس الرقابة). إن تربع عباس الفاسي على عرش حزب الاستقلال، و عبد الاله بنكيران على عرش حزب العدالة و التنمية، و عبد الواحد الراضي على عرش الاتحاد الاشتراكي، يشكل ضمانة سياسية لاستمرارية الديمقراطية المخزنية و لسير قطارها على نفس السكة التي شيدها الحسن الثاني بداية الستينات.
المواقف الثلاثة من انتخابات 12 يونيو 2009
لن أناقش إلا المواقف المعبر عنها داخل اليسار المتعدد و الحجج المقدمة .
1– موقف المشاركة.
يقول تحالف اليسار الديمقراطي (إقليم وجدة) في بيان له:
".... فان تحالف اليسار الديمقراطي يوجه نداء قويا لعموم المواطنين و المواطنات بمختلف شرائحهم الاجتماعية ( شباب، نساء، مثقفين و فئات متعلمة...الخ) إلى الانخراط الواعي في معركة النضال الديمقراطي اليساري بدء بالتسجيل في اللوائح الانتخابية استعدادا للانتخابات الجماعية المقبلة و ذلك لقطع الطريق على سماسرة الانتخابات و تجار اليأس و لوبيات الفساد السياسي و استعمال المال غير المشروع و تمييع الحياة السياسية، و كذلك للمساهمة الميدانية في إنتاج جماعات محلية مواطنة يحكمها التدبير الديمقراطي و الفعال..."
و يمكن إضافة الهدف الآخر الذي غالبا ما يسطره المدافعون عن المشاركة: استغلال الحملات الانتخابية للتعريف باليسار و بمواقفه.
هذا بشكل مركز دوافع المشاركين.
بعض النماذج التي تفند هذه الأقوال:
- إن تمثيلية المناضل أحمد السباعي لمنطقة بوعرفة لولايتين متتاليتين لم تشكل قطيعة مع ممارسة من سبقوه في البرلمان من الحركة الشعبية، و ذلك رغم نزاهته و استقامته، و هذا إذا استثنينا بعض الأسئلة الشفوية داخل "قبة البرلمان". فخلال النضالات التي قامت بها ساكنة إقليم بوعرفة بقيادة التنسيقية المحلية، حاول السباعي لعب دور الحكم و دور الوسيط بين أجهزة الدولة و المناضلين، متناسيا أن المناضل يبقى بجانب الجماهير و حتى إن أصبح برلمانيا. و هذا ما يفسر "انهزامه في انتخابات 7 شتنبير 2007" حيث تخلت عنه الجماهير الشعبية كما تخل عنه أهم مناضلي الحزب الاشتراكي الموحد الذي ينتمي إليه.
- غداة فوزه بالمقعد البرلمان بمنطقة جرادة صرح للجزيرة المعطل/البرلماني، أنه سيستمر في النضال بجانب إخوانه في الجمعية الوطنية لحملة الشهادات بالمغرب، و سيكون حاضرا في مختلف وقفاتهم، لم تمر ثلاثة أشهر على انتخابه حتى صرح " كنا خارج الواقع و مثاليين"، فقطع جميع علاقاته بالجمعية. من الدخل صفر إلى 000 34
درهم (من فئة المعطلين السفلى إلى طبقة البرجوازية المتوسطة)، لا يمكن للأفكار و للقناعات إلا أن تتغير.
- عشية انتخابات 7 شتنبير 2007 ، فكر احد كبار تجار الحبوب بإقليم سطات الزراعي الاستفادة من الانتخابات، فطلب من أحد أبنائه الترشيح (و هو لم يسبق له أن اهتم بالسياسة و لا انخرط في حزب معين)، فلم يجد من يقبله كرأس اللائحة إلا تحالف الطليعة – المؤتمر الاتحادي- الاشتراكي الموحد (تحالف اليسار الديمقراطي الحالي)، ترشح و بفضل موقع عائلته الاجتماعي، فاز بمقعد داخل البرلمان، بعد أسابيع عين عباس الفاسي وزيراي أولا، فالتحق البرلماني "اليساري" بحزب الاستقلال استجابة لرغبة أبيه.
- و بإقليم أسفى ترشح شخص متهم بتبذير المال العام، و اتهم باستعمال نفس الأساليب التي يستعملها مرشحو الأحزاب الإدارية، ففاز باسم نفس التحالف اليساري بمقعد داخل البرلمان...
و سوف لن أتطرق هنا إلى ما أل إليه تسيير بعض الجماعات التي قادها مناضلو اليسار الاشتراكي الموحد (بني تدجيت، خنيفرة... ).
فما هي الإضافة النوعية التي قدمها منتخبي اليسار المشارك في "الانتخابات المخزنية"؟ أتمنى أن يجيبني المدافعون عن المشاركة بأمثلة ايجابية و حجج مقنعة.
2 – موقف عدم المشاركة.
أعتبر هذا الموقف غير جدي، فالجلوس بين مقعدين غير مريح. عدم المشاركة هو بتركيز "خلي الأمور تمشي فاطرقها".
3 – موقف المقاطعة.
إن المقاطعة الغير النشيطة، و الغير النضالية، لا تختلف في جوهرها عن "عدم المشاركة"، و هي تعني الاستقالة من الصراع السياسي و لو بطبيعته الظرفية.
إن المقاطعة كالمشاركة تشكل مناسبة للتعريف باليسار و بمواقفه، و يبقى الفرق ، وهو فرق جوهري، يمكن للموقف (المقاطعة) الأول أن يعرف بموقف اليسار تجاه السياسة العامة للنظام و بموقع "الانتخابات" التضليلية في هذه السياسة الطبقية، و يوضح للجماهير مدى ارتباط مقاطعة هذه الانتخابات بمواجهة سياسة النظام في مختلف المجالات(الشغل، التعليم، الصحة، الحريات العامة، قضية المرأة، قضية اللغة و الثقافة الأمازيغية....)، فالوقت الذي يبقى الموقف الثاني مرهونا بنتائج "الانتخابات" و بالتالي التركيز ليس على فضح النظام و مناورته، و لكن التركيز على المنافسين و على مسيري الجماعات و البلديات السابقين.
و أخطر ما يقوم به المشاركون في الانتخابات هو تقديم وعود للمواطنين وهم مقتنعين كل الاقتناع أنه يستحيل تحقيقها في إطار النظام الحالي. إن تجربة "التناوب" التي انطلقت منذ ربيع سنة 1978 قد لعبت دورا أساسيا في "نفور" الجماهير الشعبية من "الأحزاب الاشتراكية"، مما سهل مأمورية القوى الإسلامية في عملية بسط نفوذها: ففتح الله ولعلو الذي كان من ابرز الوجوه التي كانت تفضح اختيارات النظام الاقتصادية و المالية قبل 1978، قد تحول بعد 1978 إلى اكبر منظر و منفذ لنفس الاختيارات. أين مصداقية المعارضة الديمقراطية؟
فليعرف الرفاق المشاركون أن منتخبيهم ، و مهما كانت نزاهتهم و حسن نيتهم، سيخضعون لا محالة لرغبات/ضغوطات ممثلي وزارة الداخلية، و سيلبسون الجلباب الأبيض و الطربوش الأحمر، و أن المشاريع التي سينفذونها هي المشاريع المرخصة من طرف أجهزة الحكم (سلطة الوصاية)، و بالتالي هي المشاريع التي لا تتناقض مع مصالح الطبقات السائدة.
إن حوالي 80 في المائة من البالغين سن التصويت لا تهمهم انتخابات المخزن (منهم من يقاطع عن و عي و منهم من لا يشارك لاعتبارات أخرى) و 20 في المائة المتبقية تنقسم إلي صنفين: فمنهم من يصوتوا عن قناعة على أحزاب معينة، و منهم (سكان الأحياء الصفيحية) من يصوت على من دفع أكثر.
إن الطبقة العاملة و البرجوازية الصغيرة و مختلف الفئات الكادحة الأخرى، التي تشكل الاحتياط الانتخابي لليسار تقاطع الانتخابات المخزنية. إن مدينة المحمدية مدينة عمالية بامتياز، و تأثير كدش وسط الطبقة العاملة جد مهم، و رغم ذلك، فقد لم يحصد تحالف الطليعة-المؤتمر- الاشتراكي الموحد إلا على 773 صوت من أصل 160 ألف مسجل في اللوائح الانتخابية خلال "استحقاقات" 7 شتنبير 2007، و هذا رغم حضور نوبير الأموي إلى المحمدية للتدعيم الحملة الانتخابية، و رغم أن المرشحين اليساريين الثلاثة من ابرز و مناضلي مدينة المحمدية، و من أخلصهم لقضايا الجماهير الشعبية.
في الانتخابات الجزئية الأخيرة (21 شتنبير 2008) حصد مرشح "التجمع الوطني للأحرار" (لا وجود للحزب تنظيميا) على 53 في المائة من الأصوات المعبر عنها ( حوالي 12 ألف من أصل 23 إلف) و باقي الأحزاب (الاتحاد الاشتراكي، العدالة و التنمية، حزب الاستقلال، تحالف اليسار الديمقراطي...) لم تحصل، مجتمعة، إلا على 47 في المائة المتبقية (553 صوت للمرشح اليساري).
إذا أراد رفاقنا المشاركون الحصول على المقاعد ، فعليهم إما ترشيح الأعيان، و إما شراء الأصوات أو الاثنين معا. و هذا ما لا يمكن أن يقبله رفاقنا (خصوصا في مدينة المحمدية التي أعرفها جيدة).
إذن ما يمكن ربحه سياسيا من المشاركة في انتخابات لا يستفيد منها إلا النظام الرجعي و قاعدته الاجتماعية؟
أعتقد شخصيا أن مشاركتنا في الانتخابات المخزنية في إطار القوانين المنظمة لها، و في إطار الصلاحيات المخولة للمنتخبين، و في إطار موازين القوة الراهنة، و في ظل الرفض الشعبي العارم لهذه الانتخابات، إذن مشاركتنا ستكون نكسة جديدة للفكر التقدمي، و ستعطي مصداقية أكثر لمسلسل النظام، و ستدعم أطروحات عبد الواحد الراضي، و تقوي نفوذ القوى الإسلامية الراديكالية (العدل و الإحسان...)...فحذار من الأخطاء التاريخية !
حلم مشروع
إن قراءتنا لتاريخ ما بعد 1961، نجد أن وضع النظام يتأزم كل ما رفضت المعارضة تزكية مخططاته (رفض المشاركة في الانتخابات الجماعية و البلدية عشية انتفاضة مارس 1965، رفض التصويت بنعم على دستور 1970 و عدم المشاركة في الانتخابات عشية محاولة انقلاب 10 يليوز 1971، رفض التصويت بنعم على دستور بداية 1972 عشية محاولة انقلاب 16 غشت 1972...).
اليوم هناك فرصة تاريخية أمام مختلف قوى اليسار من أجل بناء قطب يساري كبير يعيد الثقة للجماهير في الفكر التقدمي . كيف؟ يجب أن تتخذ كل مكونات اليسار موقف موحد من "انتخابات 12 يوينو 2009": تصوروا معي أهمية حدث تبني الاشتراكي الموحد، النهج الديمقراطي، الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، المؤتمر الوطني الاتحادي، البرنامج المرحلي، التضامن من أجل البديل الاشتراكي، الخيار اليساري الديمقراطي القاعدي...، كدش، جامعات من امش، مكاتب جهوية للنقابة الوطنية للتعليم العالي، اطاك....و ينزل المناضلون للشارع من أجل الدفاع المشترك عن موقف "مقاطعة اليسار المغربي للانتخابات المخزنية"، أنا متؤكد أن حدثا مثل هذا سيقوي بشكل كبير موقع اليسار المتعدد في الصراع الطبقي.
هذا مجرد حلم، يا للأسف !!!
المحمدية، 5 فبراير 2009
علي فقير
|