|
عبد الله
الحريف، الكاتب الوطني لحزب النهج الديمقراطي لجريدة "المستقل"
لسنا في مواجهة مع أشخاص
كحرزني، بل مع تصورات سياسية تريد تلميع صورة "العهد الجديد"
أجرى الحوار: عبد المجيد الكحولي
يعتبر عبد الله الحريف أن لنضال حزبه فعاليته بحيث ساهم في تحقيق بعض
المكتسبات. ويرى الكاتب الوطني للنهج الديمقراطي ـ في حورا أجرته معه
أسبوعية المستقل ـ أن السلطة السياسية في أعلى مستوياتها متورطة في
عمليات النهب المباشر للمال العام، وبالتالي فإن مقاربة النظام لهذه
المسألة لن تكون سوى محدودة ويعتقد الحريف أن النخب أمام النظام
المخزني توضع أمام ثلاثة خيارات: إما القمع أو الارتشاء أو التهميش...
وفي ما يلي نص الحوار:
هناك من يقول إن النهج الديمقراطي يعتمد خطابا عدميا، حيث إنه لا
يرى سوى الجزء الفارغ من الكأس، هل بإمكانكم أن تحدثونا عن إيجابيات
االوضع السياسيالراهن، أو ما يصطلح عليه بـ "العهد الجديد"؟
عندما نتحدث عن مستجدات الوضع السياسي، فإننا نلاحظ أن عمل النهج
الديمقراطي النضالي يتلاقى مع ما تقوم به قوى أخرى لم تكن تتبنى في
البداية نفس مواقفنا ولكنها تبنتها بعد ذلك انطلاقا من تطور الواقع
نفسه. فالشعارات والانتقادات التي كنا، ولازلنا، نطرحها كحزب له حضور
قوي في الساحة السياسية، هي مثار الهجوم المشنون علينا، وهذا يعني أن
النظام وقوى أخرى قريبة منه تتضايق من نضالنا ومن نضال القوى
الجذرية، وهذا يظهر في عدة مواطن وأمور من ضمنها بعض الرموز التي
بدأت تتوجه إلى هذه القوى وتعتبرها غير متفهمة للوضع، وكذا العديد من
الحركات الاحتجاجية المتواجدة في الساحة والتي هوجمت من قبل النظام
نفسه: عمالية، طلابية وفلاحين.. وغيرها. إذن فنحن نعتبر أن لنضالنا
فعاليته داخل الوضع السياسي وأنه يساهم في تحقيق بعض المكتسبات. إننا
نعتبر أن النضال الذي نقوم به بدأ يعطي نتائجه والمتجلية أساسا، بعد
كل هذه العقود، في توسيع مجال الحريات، حيث لا يمكن أن ينكر أي أحد
وجود إمكانية كبرى للتعبير عن الرأي دون أن يتعرض صاحبها لنفس مستوى
القمع الذي كان سائدا خلال فترة السبعينات والثمانينات من القرن
الفائت. وأعتقد أن هذه المكتسبات كما هي قابلة للتطور والتوسع فهي
معرضة أيضا للتراجع، فكل شيء مرتبط بنضال هذه القوى الجذرية.
بماذا تفسرون عدم استقرار هذه المكتسبات؟
لأنها (أي القوى الجذرية) لم تستطع الوصول إلى تحقيق التغيير على
مستوى جوهر السلطة من خلال جعل المغرب يتوفر على سلطة ديمقراطية
مؤطرة بدستور ديمقراطي. وإذا قمتم بقراءة تقييمية لفترة "العهد
الجديد" بشكل حصري، ما هي الإيجابيات التي ستجدونها قد تحققت فيها من
منظور هذه القراءة ؟ الإيجابيات الأساسية هي التي ذكرتها، وهي غير
مرتبطة بالعهد الجديد، لأنها انطلقت قبل ذلك وخاصة ما تحقق في ملف
حقوق الإنسان والحريات وهي إيجابيات بالفعل رغم أن هناك مدا وجزرا في
طريقة التعاطي مع هذه المكتسبات خاصة بعد أحداث 16 ماي، لكن في
المقابل هناك تراجع على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بشكل عام،
ويتجلى ذلك في مدونة الشغل التي نعتبرها تراجعا عن المكتسبات وضربا
للمكتسبات التي كانت لدى الطبقة العاملة، كما أن هناك تراجعا في
طريقة التعامل مع احتجاجات المعطلين، حين يمارس في حقهم التعسف
والقمع الوحشي. صحيح أن هذه الأمور كانت موجودة من قبل لكنها كانت
مقرونة بتوفير بعض مناصب الشغل. يمكن للنظام أن يتكلم عن مكتسبات
أخرى كمدونة الأسرة، والتي نعتبر أن المسائل التي جاءت بها تبقى
جزئية وهزيلة، ولم يظهر أن لها أي تأثير أو تطبيق. أما في ما يخص
الأمازيغية فقد كان لنا تقدير فحواه أن الدولة لم تتخذ قرارا واضحا
في التعامل الدستوري مع القضية الأمازيغية باعتبارها مكونا أساسيا من
مكونات هوية الشعب المغربي، وقد سبق لأحد مناضلينا أن رفض عضوية هذا
المعهد، والانسحابات الأخيرة لسبعة أعضاء تظهر أن مقاربة النظام لدور
هذا المعهد جد محدودة ولا ترقى إلى مستوى إعطاء جواب حقيقي وعميق
لهذه الإشكالية بالمغرب. فهذه هي الايجابيات التي يطرحها النظام بشكل
عام، أما على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، فلا أعتقد أن هناك
إيجابيات، بحيث أعتبر أن “التضامن” لا يقدم أية إيجابيات، لأن الحل
لمحاربة الفقر يكمن في توفير مناصب الشغل وليس في تقديم بعض المواد
الغذائية إلى المواطنين. أما على المستويات الأخرى التي يطرحها
النظام مثل الرشوة ونهب المال العام، فالواقع واضح بالنسبة إلى هذه
القضايا، لأن الطبقة السائدة بالنسبة إلينا كونت ثروتها من خلال نهب
المال العام باستحواذها على أراضي المعمرين وباستفادتها من المغربة
ومن نهب المال العام و من الععديد من الإمتيازات ، أي أن هذا النهب
اقترف بطريقتين إحداهما "قانونية" والأخرى غير قانونية أي عبر
الاختلاس. وعندما نطرح النهب المباشر أو الاختلاس، فإننا نجد أن
السلطة السياسية في أعلى مستوياتها متورطة في هذه العمليات، لأن
السلطة في المغرب كانت تعتبر دائما أن جزءا من مالية مجموعة من شركات
القطاع العام بمثابة "صناديق سوداء" تمول بها عمليات خارجة عن
الميزانية العامة والتي تلعب بالأساس دورا أمنيا أو في تقوية القاعدة
الاجتماعية للنظام. وبالتالي فإن مقاربة النظام لهذه المسألة لن تكون
سوى محدودة، بحيث لن تتجاوز كونها تقوم بتقديم بعض أكباش الفداء
الذين ارتكبوا بطبيعة الحال اختلاسات ولكنهم كانوا في الغالب مجرد
منفذين، بمعنى أن هناك نظاما مبنيا على هذا الأساس، زيادة على كون
النظام المخزني مبني على إرشاء النخب أو قمعها بحيث يضعها أمام ثلاثة
خيارات: إما القمع أو الارتشاء أو التهميش.
ما هو النظام الذي يريده النهج الديمقراطي؟
النظام الذي نريده على المستوى البعيد هو النظام الاشتراكي، الذي
يستفيد فيه المنتجون من ثمرات إنتاجهم، أي نظام خال من استغلال
الإنسان لأخيه الإنسان، فهذا هو مطمحنا المأمول على المدى البعيد..
أما الآن، فإننا نناضل من أجل نظام ديمقراطي، ونعتبر أن هذا النظام
لا يمكن أن تقوم له قائمة إلا بحل أحد التناقضات الأساسية في المجتمع
والتي نعتبرها متواجدة بين الإمبريالية والنظام المخزني والطبقات
السائدة، فهؤلاء يشكلون قطبا أمام قطب يضم كل الطبقات الأخرى بما
فيها الطبقة الوسطى التي، ربما، يتواجد جزء منها في القطب الأول، لكن
في جزئها الأكبر تجد أن من مصلحتها أن يكون المغرب بلدا ديمقراطيا ذا
نظام وطني يدافع عن خيرات و مصالح الشعب بشكل عام. إذن فقضية
الديمقراطية يظهر من خلالها هذا الصراع بين قطبين متضادين، فالقطب
الأول لا يمكنه قبول الديمقراطية بسبب الاعتبارات التي ذكرتها سلفا،
لأن قوته الاقتصادية والسياسية مبنية بالأساس على الاستبداد و النهب،
بوصفه مكونا عضويا لهذه الطبقات السائدة والنظام المخزني، وبالتالي
فإن نضال الشعب المغربي يجب أن ينصب على القضاء على هذا الاستبداد
وبالتالي إزالة سيطرة هذه الطبقلت حتى يكون هناك نظام ديمقراطي يمكن
أن يوحد جميع فئات الشعب المغربي بما فيها فئات البورجوازية الوطنية
التي تريد تطوير البلاد وقوى الإنتاج، كهدف مرحلي لنضالنا، من أجل
الديمقراطية والتحرر الوطني والبناء الديمقراطي، وهذا هو ما جاء في
مقررات مؤتمرنا الوطني الأول، لأن المطلب الديمقراطي بالنسبة إلينا
ليس مطلبا تكتيكيا بالنظر إلى أن تغييب هذه الآلية في بعض الأنظمة
الاشتراكية كان وراء انهيارها وفشلها، ولهذا نعتبر بأن الطبقات
الشعبية هي الأكثر ديمقراطية لأن ذلك من مصلحتها، ولكونها تشكل
الأغلبية.
على ذكر تجمع اليسار الديمقراطي الذي تعتبرون أحد مكوناته، ماهي
طبيعة المشاكل التي تعرقل سيره؟
وضع تجمع اليسار الديمقراطي برنامجا سنويا يجب الآن تفعيله. والذي
يعاني منه التجمع هو وجود تفاوت بين المناطق، بحيث إن البعض منها أخذ
المبادرة وشكل هياكل داخلها وبدأ في تفعيل هذا البرنامج، ولكن هناك
مناطق أخرى لازالت تعاني من حزازات وخلافات بين مختلف المكونات ولم
تستطع بالتالي تشكيل هيكلة تجمع اليسار الديمقراطي.. وعلى كل حال
فلدينا برنامج سنوي يتضمن جميع القضايا المطروحة الآن والتي يمكن أن
تحصي منها على سبيل المثال لا الحصر التعليم، الدستور، المال العام،
التشغيل، الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.. سواء على مستوى التطبيق
أو على المستوى القطاعي أو المحلي الإقليمي.. وسنبدأ بهذا الأخير
هل هذا يعني عدم وجود أية مشاكل داخل هذا التجمع الخماسي؟
جميع القوى المتواجدة داخل هذا التجمع تريد الدفع بالعمل داخل هذا
الإطار، وهذا لا يعني أنه لا توجد قوى ـ إن من داخل هذا التجمع أو من
خارجه ـ تحاول عرقلة هذه السيرورة. فهناك قوى داخل التجمع ترى أن
التحالف لا يجب أن يتم على هذا المنوال. ففي صفوف اليسار الاشتراكي
الموحد هناك توجه يرى أنه يجب ترجيح كفة التحالف مع الكتلة على كفة
التحالف مع تجمع اليسار الديمقراطي، ولكن التوجه السائد يسير في
اتجاه دعم عملية بناء هذا التجمع. هناك اتجاهات تحاول التركيز على
الخلافات، وقد كان موقفنا في النهج واضحا حول هذه النقطة، وهو تركها
للوقت، والتركيز على ما هو مشترك وهو كثير ويهم الجماهير، مع ضرورة
التنسيق من أجل إحراز التطور في هذا الاتجاه. كما أن هناك من يريد
القفز على المراحل، وهذا يؤدي إلى خلق نوع من التوتر داخل تجمع
اليسار الديمقراطي.. ولكن التوجه المتفق عليه هو تفعيل البرنامج الذي
تحدثت عنه.
ما هي طبيعة هذه التوترات؟
أعني بذلك تحركات جهات ليس من مصلحتها أن يكون لهذا التجمع وجود، وهي
تحاول سواء من داخله أو خارجه ترويج خطاب يركز على وجود خلافات
ويعتبرها أساسية، ونحن في التجمع نقول إن هذه الخلافات موجودة ولكنها
لا تمنع أن يكون هناك تحالف، وأن التحالف لا ينفي الاختلاف، ونحن
قادرون على تدبير أي تباين في الرؤى والتوجهات بما يخدم عملية بناء
هذا التجمع وهيكلته، كما أن هناك ملاحظة أساسية هي أن هذا التجمع لا
ينبغي أن يظل على المستوى الفوقي، بل يجب أن يكرس داخل الفروع
والمناطق...
ما هي نقط الاختلاف؟
الاختلاف قائم بخصوص الصحراء وتحديد طبيعة النظام، أما الانتخابات
فليست مطروحة بحدة وربما، يتم طرحها في مرحلة أخرى،هذه الخلافات في
التقديرات يمكن أن نجدها بالمقابل داخل بعض القوى وخاصة اليسار
الاشتراكي الموحد أو جزءا منه يريد جر التحالف في اتجاه الكتلة، أما
القوى الأخرى فليس لديها مثل هذا الإشكال لأنها لم تكن يوما داخل
الكتلة. وبالنسبة إلى النهج الديمقراطي، فإن سيرورة هذا التجمع
إيجابية ويجب دعمها وبالأساس تفعيل برنامجها لأنه سيوفر شروط إنجاز
المهام التي تكلمت عنها سابقا.
هناك مقاربة لدى اليسار الاشتراكي الموحد، تختلف مقاربات المكونات
الأخرى داخل التجمع، ويتعلق الأمر هنا بطبيعة التحالفات، إذ نجد
الأمين العام لليسار الاشتراكي الموحد يقول بوجود إسلاميين متنورين
وبعدم وجود أي مانع من التحالف معهم، فهل هو مطروح داخل النهج مثل
هذا التحالف علما بأن حزب "البديل الحضاري" شارك في مسيرة الدار
البيضاء المناهضة لخطة إدماج المرأة في التنمية بخلاف جميع مكونات
التجمع، وهل هناك فعلا إسلاميون متنورون؟
أولا، إن اللائحة التنظيمية لتجمع اليسار الاشتراكي تسمح لعضو من
أعضائه بالتحالف مع قوى أخرى شريطة أن تكون هذه الأخيرة ديمقراطية.
نحن في النهج الديمقراطي نعتبر إلى حد الآن أن القوى الأصولية هي
متناقضة مع توجهنا وفكرنا ونعتبر أن إمكانية بروز قوى وازنة داخلها
تتبنى الديمقراطية هو طرح لا زال غير متوفر. لأن المسائل لا تتعلق
برغباتنا الذاتية بل بموازين القوى داخل المجتمع والتي لا تزال في
غير مصلحة القوى الديمقراطية والاشتراكية والتقدمية. إذن لا يمكن
لهذه القوى (أي القوى الديمقراطية) الآن أن تكون قوى جذب ولا قدرة
لها على خلق تناقضات داخل الحركة الإسلامية، وإن هي راهنت على ذلك
فإنها ستكون ذيلية للحركة الأصولية وبالتالي فإن العكس هو الذي
سيحصل. المطروح الآن هو الصراع الفكري والإيديولوجي والسياسي ضد هذه
القوى الأصولية و ليس التحالف معها.. يمكن أن نجد قوى تقول عن نفسها
إنها أصبحت تؤمن بالديمقراطية، وفي هذه الحالة تجب في أقصى الأحوال
مناقشتها من أجل التأكد من كونها قطعت مع الفكر الأصولي الذي نعتبره
فكرا غير ديمقراطي. ولأن أصول هذه القوى تختلف عن أصول القوى الدينية
في أمريكا اللاتينية على سبيل المثال ـ والتي طرحت نفسها كقوى مرتبطة
بالشعب ولا تقاوم الاشتراكية والقوى الديمقراطية، وكقوى جاءت لمناهضة
الإمبريالية الأمريكية في المنطقة وبالتالي وجدت نفسها موضوعيا إلى
جانب القوى اليسارية ـ فإن التعامل معها ينبغي أن يكون مختلفا، ففي
الدول الإسلامية تمت تقوية القوى الإسلامية ودعمها وبناؤها من طرف
القوى الإمبريالية والرجعية العربية لمحاربة الفكر التقدمي
والاشتراكي.. ونظن ذلك سببا كافيا لكي نتحفظ على مسألة التحالف مع
القوى الأصولية.
على ذكر
المؤتمر الأول للنهج الديمقراطي، ما هو الجديد الذي تحقق بالملموس
على المستوى التنظيمي وكذا على الساحة السياسية بعد هذا المؤتمر وبعد
حصول النهج على الاعتراف القانوني؟
في الحقيقة كنا
نحظى ـ قبل أن يكون هناك اعتراف قانوني بنوع من التسامح في التعامل
معنا من طرف النظام، أما الآن فإن الاعتراف القانوني بالنهج
الديمقراطي وعقد مؤتمرنا الوطني الأول يفرضان علينا تطوير أدائنا
بشكل أكبر. نحن حاليا بصدد بناء ذاتنا على كافة المستويات، وقد
اعتبرنا أن ذلك لن يتم بمعزل عن النضال العام أي النضال الجماهيري
ونضال بعض القوى التي تشاطرنا مجموعة من الاختيارات والأهداف، وهذا
لا ينفي وجود بعض الاختلافات.. ومن هنا يأتي عملنا في إطار تجمع
اليسار الديمقراطي كأحد الفصائل التي شكلت هذا التجمع، يبقى أننا
نطرح الآن كمهمة تأطير هذه المسائل، فمن جهة هناك بناء التنظيم
السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين والذي يمر عبر مجموعة
من الصيرورات في مقدمتها بناء ذاتنا، ومد اليد لجميع الاشتراكيين من
أجل التوحد معهم، وتطوير الحركة النضالية للجماهير، وبناء تحالف مع
جميع الطبقات الشعبية بما فيها البرجوازية الصغرى أو المتوسطة التي
من مصلحتها حصول تغيير حقيقي في البلاد، من جهة أخرى.
ما هي
الآليات التي تعتمدونها لتحقيق ذلك؟
نعتبر أن الأداة
الأولى هي بناء تنظيمنا سياسيا وإيديولوجيا وتنظيميا، فقد دخلنا إلى
مرحلة جديدة لبناء تنظيمنا وإعادة تنظيم مجموعة من الفروع.. وإلى
جانب هذا البناء الذاتي هناك تصحيح وتطوير خطنا السياسي في مختلف
جوانبه، سواء على مستوى العلاقة بالمنظمات الجماهيرية، حيث توجد
مجموعة من الاختلالات والمشاكل، مثل القضية النقابية، وضعف قوى
المجتمع المدني في تأطير المجتمع، في الوقت الذي نجد فيه نموا مضطردا
للقوى الأصولية، أو على مستوى البناء الفكري، أي المساهمة كمغاربة في
تجديد الفكر الاشتراكي. أما الأداة الثانية فهي اليسار الديمقراطي
كتجمع لقوى تطمح إلى بناء إطار سياسي يكون بمثابة جبهة مكونة من كل
الطبقات الشعبية بحيث لا تقتصر فقط على الكادحين. أما الآلية
الثالثة، والتي أعتبرها أساسية، فهي بناء منظمات جماهيرية، وهذا
الجانب نحاول لعب دور فيه، لأننا نرى أنه كلما اتسعت دائرة تنظيمات
الشعب والكادحين بالخصوص، والتي هي تنظيمات تتمتع بالاستقلالية وتقوم
بدور تأطير هذه الطبقات الشعبية وهؤلاء الكادحين، إلا وتوفرت من جهة
شروط قوة سياسية فاعلة ولها معرفة بواقع الشعب، وأمكننا من جهة أخرى
بناء ديمقراطية حقيقية مستقبلا حتى لا نسقط في الخطأ المتمثل في وجود
حزب أو جبهة تحتكر المعرفة وهي الطليعية والتي تصبح من بعد
عرقلة أمام تطوير نضال الشعب وتأطيره. ربما ليست هذه هي نقطة الخلاف
الوحيدة داخل تجمع اليسار الديمقراطي، بل هناك خلاف برز مؤخرا حول
جواب حزب اليسار الاشتراكي الموحد بصفة انفرادية على مسودة قانون
الأحزاب، الشيء الذي اعتبر خرقا لاتفاق المكونات الخمسة والمتمثل في
تقديم أجوبة مشترك، ما هو تفسيركم لسلوك رفاق مجاهد؟ فعلا، ناقشنا في
إطار تجمع اليسار الديمقراطي مسودة قانون الأحزاب... الرفاق في
اليسار الاشتراكي الموحد تسلموا المسودة من طرف وزير الداخلية، وكان
مطروحا عليهم تقديم جواب عن ذلك
.. (مقاطعا) هل
توصلتم بالمسودة أنتم كذلك من طرف وزارة الداخلية؟
لا، لم تتصل
الوزارة بنا، بل حصل اتصال برفاقنا في حزب الطليعة، لكن حزب الطليعة
ـ وكما قال أحمد بنجلون ـ رفض الذهاب إلى منزل وزير الداخلية لتسلم
المسودة بل رأى من الواجب أن تقدم له بشكل رسمي وفي مؤسسة رسمية.
المهم نحن لم نتوصل بالمسودة، وأعتقد أن رفاقنا في اليسار الموحد
تسرعوا في الرد، ربما لأنهم كانوا محكومين بإعطاء جواب لوزير
الداخلية داخل أجل زمني حددته وزارته. وقد كان على رفاقنا في حزب
اليسار الاشتراكي الموحد، على الأقل، أن يخبرونا بذلك.. وقد حصل أن
قام رفاقي بانتقادهم ثم حصل بعد ذلك اتفاق على صياغة بيان مشترك مطول
نقدم فيه موقفنا من هذه المسودة، وكان هذا البيان قد أنجز، وقد توصلت
به الصحافة. وتم الاتفاق كذلك على أنه عندما نناقش، مستقبلا، مسألة
من المسائل بشكل مشترك، ينبغي أن يتحرى التحفظ ما أمكن في اتخاذ
المواقف الشخصية لهذا التيار أو ذاك وانتظار بلورة موقف جماعي، وإذا
لم تكن هذه الإمكانية متاحة ساعتئذ يمكن حل هذا الإشكال.
ما هو موقفكم
من النقاش الحاصل حول الإصلاح الدستوري؟
موقفنا في النهج
الديمقراطي من قضية الدستور واضح، فنحن نقول إنه يجب تقديم مطالب من
أجل دستور ديمقراطي، حيث نعتقد أنه ليس من الصواب طرح دستور بديل،
فلكوننا ديمقراطيين وننطلق دائما من هذا المبدإ، نريد كذلك أن يكون
هناك دستور ديمقراطي بكل ما في الكلمة من معنى، ومن هذا المنطلق لا
نريد طرح تعديلات أو دستور بديل بل طرح مجموعة من المطالب نرى أنها
تشكل أسس دستور ديمقراطي.
مثل ماذا؟
مثل الإجابة عن سؤال
من أين تأتي المشروعية، هل هي دينية أم شعبية؟ واعتبار أن ممثلي
الشعب هم من يعبر عن إرادة هذا الأخير وهم من يفرز حكومة لها جميع
الصلاحيات ويمكن محاسبتها..
إذن هناك
اختلاف حول المسألة الدستورية بينكم وبين باقي مكونات تجمع اليسار
الديمقراطي؟ أنت تطرح هنا مسألة أخرى تتعلق بكيفية بلورة الدستور، أي
بنوع وطبيعة الأداة التي ستتم من خلالها هذه البلورة، فهل هي مجلس
تأسيسي أو هي التوافق..؟
في الحقيقة نحن
داخل النهج الديمقراطي لا زلنا نناقش هذه المسألة.. وكل ما ننادي به
هو دستور ديمقراطي تتم بلورته من طرف ممثلي الشعب.. ولهذا ليست لنا
أجوبة حول هذا الموضوع لأنه شيء سابق لأوانه لأننا نعتقد أنه لا توجد
موازين قوى بإمكانها فرض تصورنا لدستور ديمقراطي، وبالتالي نكتفي
بطرح مبادئ عامة وتصورات عامة للدستور الديمقراطي.. وإذا حصل تطور
على مستوى نضال الشعب المغربي وحظي هذا المطلب بدعم قوي داخله آنئذ
يمكن طرح شعارات ملموسة وقادرة على التعبير عن موازين القوى الجديدة
والتي يمكن أن تشق طريقا لفرض أو انتزاع دستور ديمقراطي.
بعد جلسة الاستماع
الثانية التي نظمتها هيأة الإنصاف والمصالحة بالرباط، هاجمت صحافة
حزب النهج الديمقراطي المناضل أحمد حرزني بسبب ما ضمنه في شهادته من
تصريحات، ما هي خلفية هذه الحملة، وهل أنتم مستعدون لتقديم نقد ذاتي
حول تحملكم لجزء من المسؤولية حول ما جرى من انتهاكات لحقوق الإنسان
في سنوات ما أصبح يصطلح عليه بسنوات "الجمر والرصاص"؟
إن النقد الذي تتكلمون
عنه لم يكن موجها إلى حرزني كشخص بل إلى توجه سياسي يتواجد الآن داخل
بعض القوى السياسية يعتبر أن هناك توجها ديمقراطيا داخل السلطة، وهذا
التصور هو الذي ننتقده، وتمظهراته واضحة في عدة أشياء وليس فقط في
تصريحات شخص، فما قاله أو يمكن أن يقوله حرزني مسألة ثانوية. المشكل
الأساسي هو أن هناك اختلافا في التقدير السياسي، حيث إن هناك من يقول
إنه يوجد داخل النظام من يريد الديمقراطية الحقيقية، لكننا نقول إن
هذه مسألة خاطئة. فالنظام،بالرغم من التناقضات الحاصلة داخله، لا
يمكن أن يكون ديمقراطيا حقيقيا للإعتبارات التي أوضحتها أعلاه و
المتعلقة بطبيعته الطبقية. أما في ما يتعلق بالمسؤولية، فإننا نقوم
دائما بنقد ذاتي ولا ننفي كوننا وقعنا في أخطاء لكن هذه الأخطاء التي
ارتكبناها لا علاقة لها بالنظام، فلا أعتقد أننا أخطأنا في حق
النظام، يمكن أن نكون قد أخطأنا في التقدير ووسائل العمل أو ربما،
التكتيكات التي نطرحها، وعلى هذا المستوى نقدم نقدا ذاتيا واضحا كلما
توفرت الظروف، لكن لا نقول عن أنفسنا أبدا، كما يقول هو، إننا لا
ديمقراطيين أو أننا كنا نريد العنف من أجل العنف.. فنحن دائما كنا
ننتقد العنف النخبوي ونقول إن من حق الشعب الدفاع عن نفسه، وإذا سدت
أمامه أبواب الدفاع عن نفسه بشكل تعسفي وكان يعاني العنف فمن حقه
القيام بعنف مضاد، وربما هذا هو مكمن الاختلاف، وهو اختلاف سياسي
ومرتبط بتصورنا وثقافتنا. ونحن نعتبر أن الانتهاكات التي وقعت في
الماضي السيئ الذكر يتحمل المسؤولية عنها النظام وليس القوى
الماركسية لأن هذه الأخيرة لم تقم بالعنف ولم تكن تؤمن بالعنف
النخبوي، بل كانت دائما تطرح العنف الثوري الجماهيري المنظم، ولكل
كلمة هنا معناها ومدلولها، وهذه الأشياء جعلتنا لا نواجه شخصا بل
تصورات موجودة في الساحة تريد تلميع صورة "العهد الجديد" واعتباره
قادرا على حل المشاكل الخانقة التي يرزح فيها شعبنا.
ضيف الأسبوع لجريدة "المستقل" عدد824 ص 8 و9 من الجمعة 4 إلى الخميس
10 مارس 2005 |