|
01/07/2005
رؤية
ماركسية لقضايا الدين والإسلام السياسي
يكتسي التطرق
للقضية الدينية بشكل عام وللإسلام السياسي بشكل خاص أهمية بالغة في
بلادنا نظرا للطابوهات التي تميز المجال الديني والحساسية الكبيرة
التي تكتنف نقاش القضايا المرتبطة به وبسبب تطور الظاهرة الأصولية في
بلادنا والعالم العربي والإسلامي وخطورة مشروعها على وحدة وتقدم
شعوبه.
وتتميز مواقف
القوى السياسية المغربية من هذه القضايا بكثير من الغموض الذي يجد
جذوره, في أغلب الأحيان, في حسابات قصيرة المدى تتعلق غالبا
بالاستحقاقات الانتخابية.
ولم تول الحركة
الماركسية-اللينينية المغربية أهمية كبيرة لهذه الإشكالات حيث أن
موقف الماركسيين-اللينيين في بداية السبعينات, كان يرتكز عمليا على
تجاهل إشكالية الإسلام وعلى تركيز النشاط على النضال بجانب الجماهير
الشعبية من أجل مطالبها ومصالحها مع تجنب الدخول في أي صراع حول
الدين والاقتصار على فضح الممارسات الفاشية لـ "الإخوان المسلمين" ضد
المناضلين وإدانة استغلال النظام والطبقات السائدة للإسلام لتغطية
الاستغلال الطبقي والاضطهاد الثقافي والاستبداد السياسي.
وبما أن القاعدة
الاجتماعية للحركة الماركسية-اللينينية المغربية كانت تتكون أساسا من
فئات مثقفة- وخاصة الشبيبة المدرسية- تتبنى بشكل عام فكرا عقلانيا
وأن تواجدها وسط الجماهير الكادحة والشعبية عامة كان ضعيفا, فإن
إشكالية التعامل مع الإسلام لم تطرح بإلحاح. غير أن تقييم التجربة
وما أفضى إليه من تقويم للخط السياسي في اتجاه التركيز على التجدر
وسط الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وكذا اغتناء هذا الخط بطرح
ضرورة وملحاحية العمل وسط الجماهير الكادحة والمضطهدة في الأحياء
الشعبية وكذا تواجد قوى أصبحت تمارس السياسة بغطاء ديني وسط هذه
الجماهير نفسها, كلها عوامل تحتم معالجة إشكالية الإسلام في علاقته
بالجماهير وتدقيق الموقف من الحركات الإسلامية
الموقف من الإسلام
إن الموقف من
الإسلام يجب أن يميز بين عدة مستويات : فالإسلام عقيدة وعبادات
وأخلاق والإسلام أيضا مجموعة من قوانين (شريعة) والإسلام مكون مهم من
مكونات الهوية أي مكون من مكونات الثقافة والحضارة بمفهومها الواسع,
والموقف من الإسلام هو إذن موقف من كل هذه المستويات.
1)
الإسلام كعقيدة وعبادات وأخلاق:
إن الماركسيين
كديمقراطيين يؤمنون بحرية العقيدة وبالحق في ممارسة الشعائر الدينية
والعبادات بكل حرية ويعتبرون أن الدولة الاشتراكية يجب أن تحترم
المشاعر الدينية للجماهير الشعبية وأن تضمن بشكل صريح وواضح حرية
العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
إننا نعتبر أن
أي صراع ضد هذا الجانب الإيماني مسألة ليست خاطئة فحسب بل مضرة لأنها
تنقل الصراع الذي يجب أن يجري في الأرض حول المصالح الطبقية إلى صراع
في السماء وبالتالي فهي تعرقل الصراع الطبقي عبر خلق تناقضات مفتعلة
تقسم صفوف الجماهير الشعبية وتحرف الصراع عن وجهته الصحيحة كصراع
طبقي.
وخلافا لما يمكن
أن يظن المرء, فإن الإيمان لا يمنع أن يمارس المؤمن, في مختلف جوانب
حياته, على أساس عقلاني (ومثال العديد من كبار العلماء المؤمنين واضح
في هذا المجال) كما لا يمنع المؤمنين من تبني برنامج حزب برلتاري
وتبني الصراع الطبقي, النضال بإخلاص من أجل تحقيق ذلك البرنامج رغم
أنه قائم كليا على أساس المادية التاريخية. وتجربة العديد من
المسيحيين الثوريين في أمريكا اللاتينية الذين التحقوا بالمنظمات
الشيوعية وناضلوا في صفوفها وحملوا السلاح كما في نيكاركوا
والسلفادور مثلا خير دليل على ذلك.
وقد اعتبر لينين
أن مثل هؤلاء المؤمنين يجب السماح لهم بالانضمام إلى الحزب, يكتب
لينين: " إذا أتى إلينا كاهن ليشارك في عملنا السياسي المشترك, ثم
أدى مهمته في الحزب بضمير حي, وبدون معارضة برنامج الحزب من الممكن
السماح له بالانضمام إلى صفوف, الإشتراكية-الديمقراطية, لأن التناقض
بين روح ومبادئ برنامجنا وبين قناعات الكاهن الدينية سيكون, في مثل
هذه الظروف, أمرا يتعلق به وحده, تناقضه الخاص(...) إذا انضم مثلا
كاهن للحزب وجعل من نشر المفاهيم الدينية شغله الأول وشاغله الوحيد
تقريبا فسيكون على الحزب أن يطرده بالضرورة من صفوفه علينا أن لا
نقبل فقط العمال الذين مازالوا يحتفظون بإيمانهم بالله في الحزب
الإشتراكي-الديمقراطي, بل علينا أن نعمل على جذبهم إليه أننا نعارض
كليا أدنى إساءة توجه إلى قناعاتهم الدينية, ولكننا نجذبهم لكي
نثقفهم بروح برنامجنا, لا لكي يحاربوا بنشاط هذا البرنامج:"
هكذا فإن موقف
لينين من الدين يرتكز أساسا على وضع مهمة تطوير الصراع الطبقي بفضل
توحيد الجماهير المستغلة في نضالها ضد المستغلين فوق أي اعتبار آخر
والتعامل مع الدين انطلاقا من كونه يخدم هذه المهمة أو يعرقلها.
ونعتبر أن الدين كعقيدة وعبادات وأخلاق ليس من شأنه عرقلة الصراع
الطبقي مادام الأمر يتعلق بمسألة شخصية تهم الفرد في علاقته بربه ومع
الآخرين شريطة أن تكون هذه العلاقة مع الآخرين طوعية أي أنها لا تمس
حرية الآخرين ولا تفرض عليه.
ولابد هنا من
التأكيد على أن لينين في نفس الوقت الذي يؤكد على رفض "أدنى إساءة
توجه لقناعاتهم " (أي المؤمنين), يطرح أيضا ضرورة تثقيفهم بروح
برنامج الحزب وهو موقف جدلي يرى الإنسان ككائن يتطور ويتغير.
أن الصراع ضد
الإسلام كعقيدة وعبادات, علاوة على كونه مسألة خاطئة ومضرة كما
أوضحنا أعلاه, فإنه نوع من العبث انطلاقا من الاعتبار الفلسفي
التالي: إن الأديان –ومن ضمنها الإسلام- كعقائد تجيب بالنسبة لملايير
البشر على تساؤلات وجدانية حول معنى حياتهم وموتهم ومصائرهم لن تضمحل
بمجرد نفيها أو نقدها, ومادامت الماركسية لم تقدم أجابت واضحة وبسيطة
وملموسة ومقنعة بالنسبة للجماهير حول هذه التساؤلات الوجدانية, فإن
الجماهير ستستمر في البحث عنها في الدين ومهما يكن تقييمنا لهذه
الإجابات الدينية فمازال أمامها مستقبل طويل وطويل جدا وقد يرتبط
تجاوزها الجدلي بصيرورة تاريخية طويلة ستعيشها البشرية وستنتفي
خلالها كل أشكال الاستيلاب وتتحرر طاقات الإنسان الخلاقة من كل
الحواجز والمكبوتات وتنطلق بوعي في المساهمة في ازدهار البشرية
وتتحقق بالتالي كل إنسانيتها في الواقع المادي.
وقد علمتنا
التجارب أنه لا يكفي أن تنتصر ثورة بروليتارية وأن يشرع في بناء
الاشتراكية لكي تنتفي بضربة واحدة كل الاستيلابات والتناقضات وأن
يستغني الإنسان عن الدين, فالثورة البروليتارية وإن كانت تقضي على
الاستغلال الرأسمالي البشع وتوفر الشروط لحل التناقضات الأخرى داخل
المجتمع (التناقضات بين القوميات, التناقض بين الجنسين, التناقضات
بين الشرائح, الإشكالية الدينية), فإنها تخلق تناقضات جديدة (مثل
البيروقراطية) ولا تؤدي بشكل أوتوماتيكي وسهل إلى تجاوز الإشكالات
والاستيلابات والتناقضات التي ورثها الإنسان من تاريخ طويل من القهر
والجهل والخوف. لذلك يطرح على الماركسية أن تتطور باستمرار لاستيعاب
هذه الإشكالات المعقدة وإيجاب الحلول الفعلية والمتقدمة لها. وفي هذا
الإطار, لابد للماركسية من أن تزيد من تعميق فهمها للظاهرة الدينية
ولجذورها الغابرة في تاريخ البشرية والمتجذرة في أعماق الإنسان حتى
تقدم في إطار نظرتها للعالم, التي يجب أن تغتني باستمرار, إجابات على
التساؤلات الوجدانية للبشرية, وذلك بالاعتماد على اسهامات ماركس
وانجلز وغيرهما من المفكرين الماركسيين وتطويرها.
إن الجماهير
الشعبية, وخاصة الفئات المتخلفة من البرولتاريا وفئات واسعة من
الفلاحين وأشباه البروليتاريا يختلط في فهمها للإسلام العقيدة
والشعائر وأيضا الخرافات والطقوس والأفكار الظلامية (مثلا الإيمان
بالسحر وبالقدرات الخارقة لبعض الأشخاص والأولياء...) التي يستغلها
المشعودون لنهب الجماهير والإستحواذ على عقولها. لذلك يطرح مواجهة
هذه الخرافات بكل صرامة وفضح المشعوذين ومحاربتهم وأيضا نشر الفكر
العقلاني العلمي وسط الجماهير الشعبية وإيجاد الحلول الملموسة
والفعلية لتلك المشاكل التي تعاني منها الجماهير والتي لا تجد لها
حلا إلا باللجوء إلى المشعوذين والإيمان بالخرافات.
2)
الشريعة الإسلامية:
إن الإسلام ليس
عقيدة وعبادات وأخلاق فحسب بل هو أيضا مجموعة قوانين تطمح إلى تنظيم
العلاقات بين الأفراد وبينهم وبين السلطة وتحدد طبيعة السلطة وأسس
مشروعيتها, وكل ذلك على أساس أحكام منزلة من السماء لا يمكن
مناقشتها.
إن للإسلام
خاصية تميزه عن الديانة المسيحية مثلا, وهي كونه دين ودنيا, دين
ودولة. ويرجع ذلك إلى أن النبي محمد كان في نفس الوقت رسولا ورئيس
دولة وقائد جيش مما أدى إلى تبلور الإسلام كدين شمولي: عقائد وعبادات
وأخلاق وقوانين تنظم حياة المجتمع في مختلف جوانبه الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية.
وإذا كانت تلك
القوانين ملائمة للمجتمع المدني (نسبة إلى المدينة) أيام النبي,
فإنها أصبحت غير مناسبة مع مرور السنين واتساع رقعة العالم الإسلامي
ليشمل بلدان ذات حضارات وثقافات وبنيات اقتصادية واجتماعية متباينة.
وهذا ما يفسر أن الصراع حول تلك القوانين-وخاصة حول مسألة: الخلافة
–ما لبث أن انطلق وتشعب بين المسلمين بعد موت النبي. وقد تركز هذا
الصراع, حول العناصر التالية بالأساس:
1)
أسس الفقه والتشريع: هنا اختلفت الطوائف حسب مصالحها, فمنها من أعتبر
أنه يجب الأخذ بالكتاب والسنة ومنها من يرى أنه يجب الاقتصار على
القرآن وحده لأن السنة خضعت لكثير من التحريف حسب المصالح المتضاربة
المتصارعة. ومعلوم أن الصراع اتخذ شكل اختلاق عشرات الآلف من
الأحاديث المنسوبة للنبي لتأييد وجهة نظر هذه الطائفة المتصارعة أو
تلك. أما مسطرة التأكد من صحة الأحاديث النبوية فهي أيضا ميدان
للاختلاف والمحاججة.
2)
مسألة التأويل والتفسير : فزيادة على التأويلات المختلفة لنفس النص
(من الكتاب أو السنة أو عصر الخلفاء) اختلفت الآراء بين من يرون
الالتزام الحرفي بالنص ومن يرون استعمال العقل, إلى هذا الحد أو ذاك,
وصولا إلى العقلانيين الذين يعتبرون أن الأحكام مرهونة بشروطها
وملابساتها التاريخية.
وهكذا تعددت
المذاهب والملل والنحل في الإسلام وتنوعت لتتلاءم, إلى هذا الحد أو
ذاك, مع الواقع العيني للشعوب المختلفة التي دخلت الإسلام وظروفها
المتباينة.
وفي القرن
الهجري الثاني وبهدف تثبيت مشروعيتها, قامت الدولة العباسية بالسهر
على تدوين الفقه والتشريع الإسلاميين, فجاء ذلك التدوين تعبيرا على
مصالح الفئات المهيمنة المستغلة في الإمبراطورية العباسية حيث تم
انتقاء النصوص وتأويلها بما يخدم أهداف الخلافة العباسية والقوى
الاجتماعية المهيمنة التي تستند إليها.
إن الصراعات
المتعددة التي عرفتها الشعوب الإسلامية حول الشريعة الإسلامية تبين
بجلاء, أن الأحكام التي لجأ إليها النبي لتنظيم وإدارة دولة المسلمين
في المدينة لم تعد صالحة لتنظيم سير إمبراطورية مترامية الأطراف, ثم
أن الشريعة التي تحجرت عبر تدوينها في ظل الخلافة العباسية لم تعد هي
الأخرى ملائمة لمراحل تاريخية وملابسات اجتماعية واقتصادية مغايرة.
لكن هنا يطرح
التساؤل التالي: لماذا لم يؤد هذا التناقض بين القانون والسياسة من
جهة والدين من جهة أخرى إلى فصل الدين عن القانون والدولة كما وقع في
أوربا عبر سيرورة تاريخية طويلة انطلقت منذ عصر النهضة؟ لماذا ظلت كل
الدول والشعوب الإسلامية تقريبا على مر العصور تعيش تناقضا بين
الشريعة الإسلامية التي تستمد منها الأنظمة مشروعيتها وترى فيها
الشعوب قيمها ومثلها العليا وبين ضرورات حياتها التي تفرض عليها في
ممارستها العملية خرق مقتضيات الشريعة أو التحايل عليها في عملية لا
متناهية من التأويلات (فالدول مثلا تلجأ إلى ضرائب غير منصوص عليها
في القرآن وإلى معاملات اقتصادية تتناقض صراحة مع الإسلام مثل الربا
أو الفائدة, أما الجماهير فتمارس حياتها في ظل هذا الانفصام بين
الشريعة والواقع)؟
إن الجواب على
هذا التساؤل يجب أن يرتكز إلى المادية التاريخية. ومعنى ذلك أن
الجواب لا يكمن في البحث عن جوهر ثابت للإسلام قد يجعله يكرر كقدر
محتوم ذلك التناقض. فالإسلام كعقيدة وعبادات لا يختلف عن غيره من
الديانات. لكن تجسيده الملموس في بيئة اجتماعية –اقتصادية-ثقافية
خاصة هو ما يعطيه خاصيته أي أن هذه الخاصية تتمثل في تاريخ تبلوره
وانتشاره. وتتشكل هذه الخاصية أي خاصية التاريخ الإسلامي نسبة
للديانات الأخرى في الميزتين التاليتين:
1-
لقد تجسد الإسلام ,بعد نشأته بمدة قصيرة جدا, في دولة المدينة أيام
النبي محمد.
2-
لقد انتشر الإسلام انطلاقا من هذه الدولة وبفضل قوتها إلى مناطق
شاسعة في فترة تاريخية قصيرة.
لقد أدى هذا
الواقع التاريخي الملموس (الإنتشار الصاعق للإسلام في شكل دولة تتوسع
بسرعة باهرة ) إلى أن أصبحت الجماهير الإسلامية ترى في دولة المدينة
أيام النبي نموذجها الرفيع للدولة الفاضلة والتجسيد الحي للإرادة
الإلهية وأصل أمجادها العظيمة وأصبح كل ما تعانيه من مصائب ونكبات
ناتج, في تصورها, عن ابتعاد المسلمين عن نموذج المسلمين الأوائل,
"السلف الصالح". وهكذا أصبحت دعوات إصلاح أوضاع المسلمين تتخذ شكلا
أصوليا, أي شكل الرجوع إلى ماض يعتبر أنه كان يحقق العدالة والأخوة
والإزدهار والحرية وأصبح الرجوع إلى الشريعة –وإن كان هناك اختلاف
بين المسلمين حول مضمونها- والتشبث بها هو المفتاح لمشاكل الجماهير
المسلمة حسب هذا التصور.
وإذا كانت هذه
الدعوات الأصولية تتخذ راية لتحقيق مشاريع مختلفة بل أصبحت كل حركة
تغيير تهدف إلى جر الجماهير إلى صفها ترفع شعار الرجوع إلى الإسلام
الصحيح (إما حركة قومية تعاني من اضطهاد الإمبراطورية الإسلامية أو
حركة المستغلين والمضطهدين أو حركة فئات اجتماعية معينة) , فإنها
تكتسب زخما خاصا حين تكون الشعوب الإسلامية عرضة لهجومات أعدائها
ولخطر ضرب واجتثاث هويتها. هكذا ظهرت دعوة بن تيمية الأصولية
المتشددة في وجه هجومات التتار وسقوط الخلافة العباسية في قبضتهم
وظهرت الدعوات الأصولية في مواجهة الغزو الصليبي ثم في مواجهة
الاستعمار ثم تظهر حاليا في مواجهة ما أدت إليه التبعية للإمبريالية
من تفاقم للانحطاط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في العالم
الإسلامي.
هكذا يتبين أن
عدم فصل الدين عن الدولة في الدول الإسلامية, بشكل عام, ليس سمة
أزلية ملتصقة بالإسلام أو خاصية ثابتة لهذا الدين بقدر ما هي نتاج
لتجربة تاريخية تتمثل في الشكل الذي تسجد به الإسلام من جهة
وللهجومات (التتار, الصليبيون, الاستعمار الذي عاشته الشعوب كهجوم
مسيحي ضدها) التي تعرضت لها الشعوب الإسلامية ورسخت في عقلية
الجماهير أن دينها مستهدف من طرف "الكفار والمشركين".
ومن الواضح أن
هذا الفكر الأصولي تستغله القوى والفئات الاجتماعية المستغلة
والمستبدة عبر العصور لتحريف وعي الجماهير الشعبية وجعلها تنظر
باستمرار نحو الماضي مما يكبل طاقاتها ويضيعها في متاهات وأحلام
رومنطقية. كما أنه من الواضح أن هذا الفكر الأصولي يتقوى في
الأزمات. إنه فكر التقوقع والخوف من الآخر والهروب من الحاضر والخوف
من المستقبل بينما عرف الإسلام في مراحل ازدهاره (في ظل الدولة
العباسية, خاصة أيام المأمون, أو في مراحل الازدهار في الأندلس) تطور
فكر عقلاني متنور ومتفتح على الثقافات الأخرى (الفكر اليوناني
والحضارات الهندية والفارسية).
ولاشك أن هذا
الفكر الأصولي يساهم في الانحطاط لأنه يقدم مشروعا تراجعيا ماضويا
طوباويا بالمعنى السلبي للكلمة. قد استطاع هذا الفكر, بفضل حمولته
التعبوية والعاطفية, أن يلف الجماهير للدفاع عن "دار الإسلام" وأن
يوقف الزحف الصليبي أو يحقق بعض الانتصارات على الاستعمار بل حتى على
الإمبريالية كما كان الحال بالنسبة للثورة الإيرانية. وذلك ما يساهم
في استمرارية فعاليته وسط الجماهير الشعبية. لكن هذه الانتصارات يكون
ثمنها هو التقوقع الموضوعي إلى ماض تسقط عليه كل الرغبات والأحلام أي
أنها انتصارات تعمق الانحطاط لأن التقدم لا يتأتى إلا بالانفتاح على
الشعوب الأخرى وعلى إنجازات الفكر البشري والتعامل مع معضلات الواقع
بعقلانية وموضوعية وليس بحل سحري وهمي.
إن فكر
النهضة(جمال الدين الأفغاني, محمد عبده, الطهطاوي...) ظل هو نفسه
حبيس النظرة التوفيقية. فرغم انبهاره بتقدم الغرب ورغبته الصادقة في
المساهمة في يقضة ونهضة الشعوب الإسلامية لم يفهم أن تقدم أوربا
الغربية ساهم فيه بشكل كبير تطور الفكر العقلاني العلمي, وبالخصوص
فصل الدين عن الدولة وعن السياسة والقانون والعلم والأقرار بأن الدين
مسألة خاصة تهم الفرد بينما علاقاته بالطبيعة والبشر والسلطة فهي
مسائل لا علاقة لها بالدين, لقد جاءت إجابات مفكري عصر النهضة إجابات
توفيقية تتلخص في أن الإسلام (بكل جوانبه وطبعا من ضمنها الشريعة)
بريء من التخلف والانحطاط الذي أصاب العالم الإسلامي وأن المسلمين هم
المسؤولون عن ذلك وبالتالي بأن الإسلام (والشريعة من ضمنه ) لا
تتعارض مع العلم ومع التقدم.
والحقيقة التي
لا محيد عن الإقرار بها هي أن الشريعة تتعارض مع العصر ومع العلم ومع
التقدم وأنها ساهمت في انحطاط الشعوب الإسلامية وأن لا سبيل لتقدم
هذه الشعوب إلا بالتخلص من تأثيرها على حياتها وإلا بالتخلي عن حلم
إقامة مجتمع على غرار مجتمع المدينة أيام النبي والتوجه إلى فهم
حاضرنا بكل موضوعية من أجل تغييره نحو الأحسن. وهذا لا يعني أنه يجب
منع المسلمين الذين يريدون بمحض إرادتهم تطبيق أحكام الشريعة في بعض
جوانب أحوالهم الشخصية. وخلاصة القول. يطرح على الماركسيين وكل
التقدميين العمل بأناة وجد لنشر الفكر العقلاني والعلماني وتعرية
ومواجهة كل مظاهر التخلف والظلامية التي تساهم الشريعة في ترسيخها في
مجتمعنا.
3)
الإسلام كمكون لهوية الجماهير الشعبية:
إن الإسلام يشكل
مكونا مهما من مكونات هوية شعبنا. ولذلك لابد من دراسة التراث
الإسلامي في كل جوانبه, وخاصة في علاقته وتفاعله مع شعبنا لنتقدم في
فهم سمة من أهم سمات الذاتية المغربية ذلك أنه إذا استثنينا المبادئ
العامة للعقيدة الإسلامية والعبادات, فإننا نجد أن الإسلام يختلف من
منطقة إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى.
إن الهوية ليست
ثابتة بل إنها تركيب معقد ومتحرك ومتغير باستمرار, بتركيب لعدة
مكونات منها الدينية والقومية والوطنية والإثنية والاجتماعية
الطبقية, وهذا التركيب ليس جمع مكونات مفصولة عن بعضها البعض بل هو
تفاعل مستمر بين هذه المكونات.
وهذا التركيب
يحدده في نهاية المطاف وبشكل جدلي, الواقع المادي الملموس لهذه
المجموعة البشرية أو تلك. فمعلوم أن الإسلام الممارس فعلا يختلف من
بلد إلى آخر, بل حتى من منطقة إلى أخرى في نفس البلد في بعض الأحيان
حسب تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والملابسات التاريخية.
كما أن تصور
الجماهير الشعبية للدين أو للوطنية مثلا يختلف عن تصور الطبقات
السائدة.
إن دراسة مادية
تاريخية لتراثنا قد يساعد على فهم أحسن لمكونات هوية الجماهير
الشعبية ولدور الإسلام في تكون الهوية. كما قد يساهم في ضرب النظرة
المثالية للهوية التي ترى فيها جوهرا ثابتا لا يتغير ورثناه عن
أجدادنا مما يؤدي إلى تلك التقييمات اللاتاريخية حول "طبيعة" هذا
الشعب أو ذاك بل يفسح الباب أمام بعض الأحكام ذات النزوع العنصري.
لذلك لابد من التأكيد أن الهوية ليست معطى مسبق أو قدر محتوم يحدده
ماضينا وليس لنا إلا أن نستسلم له.
إن هويتنا تفاعل
حي بين ماضينا وحاضرنا وطموحاتنا المستقبلية. ومعنى هذا أننا نساهم,
عبر ممارستنا, في صنع هويتنا. لذلك فإن مفهوم الهوية نفسه ميدان
للصراع بين القوى الاجتماعية المختلفة ذات المصالح والأهداف
المتباينة. فلا غرابة إذن أن نرى الإسلاميين يحاولون اختزال هوية
الشعب المغربي في الإسلام بل إنهم ينتقون من التراث الإسلامي الغني
والمتنوع العناصر التي تدعم فكرهم الأصولي المتزمت, واضعين الباقي –
وهو الأهم والإنى- على الرف بينما تضخم بعض الاتجاهات الأمازيغية
مشكل الخصوصية الإثنو/ثقافية لتجعل منها المكون الأساسي لهوية
الأمازيغيين , في حين تسعى قوى أخرى إلى إعطاء الجانب القومي العربي
أو الوطني المغربي أو الاجتماعي الطبقي مركز الصدارة.
وخلاصة القول,
أن الصراع حول الهوية صراع اجتماعي من أجل مشاريع مختلفة... أنه ليس
صراعا حول لماضي بل هو صراع حول الحاضر والمستقبل, إنه صراع يهدف إلى
المساهمة في صنع هويتنا إما إيجابيا أو سلبيا ( أما في اتجاه تقدمي
عقلاني متفتح على منجزات الفكر البشري وديموقراطي يحترم كل مكونات
شعبنا وإما في اتجاه متعصب متزمت, متراجع, منغلق على نفسه ومضطهد
ومختزل لهويتنا الغنية ).
ونحن كماركسيين
نطمح إلى المساهمة في تحرير بلادنا من التبعية للإمبريالية وشعبنا من
الاستغلال الطبقي والاستبداد السياسي والاستيلاب الثقافي لابد لنا أن
نساهم بقوة في هذا الصراع بهدف تطوير هويتنا وأغنائها وتنمية الجوانب
المشرقة فيها وفتح الآفاق أمام التطور الديمقراطي لكل مكوناتها
التقدمية وفهم جذور ما يشوبها من عوائق وحواجز واستيلابات.
يطرح المؤرخ
التقدمي الإنجليزي كار (Carr)
في كتابة "ما هو التاريخ؟" أن "التاريخ حوار بين الماضي والحاضر مع
هذا التدقيق: أنه حوار بين أحداث الماضي وغايات مستقبلية تبرز
بالتدريج". لذلك وانطلاقا من مشروعنا الديمقراطي التحرري الاشتراكي –
الذي يجب أن يتطور باستمرار بالاستفادة من نضالات وإنجازات الشعوب
وثوارتها وأيضا من الأخطاء والنكسات ومن مكتسبات الفكر الإنساني
التقدمي في العالم –وارتكازا إلى المادية لتاريخية يطرح علينا أن
نحاور تاريخنا, أن نتفاعل مع تراثنا من أجل إغناء مشروعنا وربطه أكثر
بوجدان شعبنا حتى يصبح أحد أهم مكونات هويته ويتحول بالتالي إلى قوة
لا تقهر.
الإسلام
السياسي بالمغرب:
لقد نشأ الإسلام
السياسي في المغرب في بداية السبعينات في إطار حركة "الشبيبة
الإسلامية" التي تبنت فكر "الإخوان المسلمين" وجعلت مهمتها الأساسية
مواجهة النفوذ الكبير الذي كانت الحركة الماركسية/ اللينينية
المغربية تتوفر عليه في الشبيبة المدرسية. وقد لجأت تلك الحركة منذ
نشأتها إلى العنف ضد المناضلين, وذلك بمباركة النظام الملكي وأجهزته
البوليسية. وقد أدت عوامل مختلفة إلى تشرذم هذه الحركة عبر انقسامها
إلى عدة تيارات من جهة أولى وإلى اكتساب الإسلام السياسي بعض التعاطف
وسط فئات من الجماهير الشعبية من جهة ثانية.
هكذا فقد أدى
اغتيال المناضل التقدمي عمر بنجلون من طرف عناصر من "الشبيبة
الإسلامية" إلى تناقضات وانقسامات داخلها زاد من تعمقها الخلافات
حول الأهداف الاستراتيجية والتكت¡ |