الأدنى الدّيمقراطي لتحالفنا اليوم وغدا -
الجزء
الاول- النّقاش العلني
(في
الردّ على بيان مواعدة/ الغنّوشي)
حزب العمال الشيوعي التونسي
site web:www.albadil.org
2003 / 1 / 15
أثار
البيان المشترك الذي أصدره السّيد محمد مواعدة رئيس "حركة
الدّيمقراطيّين الإشتراكيّين" و الشّيخ راشد الغنّوشي رئيس "حركة
النّهضة" بمناسبة الذّكرى الخامسة والأربعين لـ"استقلال" تونس والذي
ناديا فيه بتكوين "جبهة وطنيّة ديمقراطيّة" جدلا واسعا في أوساط
المعارضة والمثقّفين التّونسيّين بالدّاخل والخارج. وقد انقسمت
الآراء حول هذه المبادرة إلى قسمين. فالبعض أيّدها بدافع "الرّغبة في
تجاوز تشتّت المعارضة" حتى تواجه الدّكتاتوريّة النّوفمبريّة بـ"نجاعة"
و"توحّد حولها الشّعب". ويعتبر أصحاب هذا الرّأي أنّ "التّطوّر"
الحاصل في مواقف "حركة النّهضة" من قضايا الحرّيات وحقوق الإنسان، من
العوامل التي تشجّع على توحيد المعارضة بمختلف فصائلها وتجعل رفض
العمل المشترك موقفا "فئويّا" لا مبرّر له.
أمّا
البعض الآخر فقد رفضها أو احترز عليها. وتختلف أسباب هذا الرّفض أو
الإحتراز من طرف إلى آخر. فالبعض يرفضها لسبب عقائدي في الأساس إذ
يعتبر أنّه "يستحيل" قيام عمل مشترك بين "العلمانيّين"
و"الإسلاميّين" لاختلاف منطلقاتهم وأهدافهم. والبعض الآخر يرفضها
لسبب سياسي في الأساس. فهو يرى أنّ "حركة النّهضة" ذات الفكر أو
المرجعيّة "الإخوانيّة" (نسبة إلى "الإخوان المسلمين") معتادة على
الخطاب المزدوج. فقد تعلن الشّيء وهي في موقع ضعف وتنقلب عليه حين
يتحسّن موقعها. وقد تقول الشّيء وتمارس ضدّه في الواقع. لذلك فلا
طائل من العمل مع حركة "لا تحكم سلوكها ضوابط مبدئيّة". ويوجد طرف
ثالث في جبهة الرّافضين، متردّد. لا يريد الانضمام إلى جبهة مواعدة -الغنّوشي،
بدافع الحسابات أو بدافع الخوف من ردود فعل بن علي لا بدافع الاختلاف
المبدئي أو السّياسي.
ولا
نذيع سرّا إذا قلنا إنّ حزب العمّال وُجّهت إليه الدّعوة من قبل
"حركة الدّيمقراطيّين الإشتراكيّين" و"حركة النّهضة" لمناقشة البيان
المشترك وتوقيعه في صورة حصول اتّفاق عليه. وقد أبدى الطّرفان
استعدادا للتفاعل مع التّعديلات التي يمكن أن يقترحها حزب العمّال.
ولكنّ الظّروف الأمنيّة الصّعبة التي يعيش فيها الحزب لم تمكّنه من
مناقشة المبادرة والردّ عليها قبل تاريخ 20 مارس. وبما أنّ المسألة
لا تزال مطروحة إلى حدّ الآن، إذ هي لا تتعلّق بموقف ظرفي من مسألة
ظرفيّة، بل بتكوين جبهة سياسيّة ذات أهداف مرحليّة. فإنّنا نرى أنّه
من واجبنا أن نبدي فيها رأينا، خاصّة أنّ الدّعوات إلى توحيد
"المعارضة" أو "الحركة الدّيمقراطيّة" تعددت في الآونة الأخيرة. وهي
تعبّر، بقطع النّظر عن المنطلقات التي تحرّك أصحاب هذه الدّعوات، عن
حاجة ملحّة تقتضيها ضرورة التّقدّم بالنّضال السّياسي والاجتماعي في
بلادنا. لذلك فإنّ مناقشة مبادرة مواعدة -الغنّوشي، تمثّل في حدّ
ذاتها فرصة للخوض في مسألة وحدة المعارضة التّونسيّة وشروطها. وهي
مسألة تؤرّقنا نحن، كما تؤرّق كلّ الذين يهمّهم بشكل جدّي التّخلّص
من الدّكتاتوريّة النّوفمبريّة ووضع حدّ للّيل الطّويل الذي ينوء
بكلكله وظلمته على صدر تونس وشعبها.
النّقـــــاش العلني
وقد
خيّر حزب العمّال الردّ على مبادرة "حركة الدّيمقراطيّين
الاشتراكيّين" و"حركة النّهضة" ردّا علنيّا، مفتوحا. والسّبب في ذلك
أنّنا نعتبر أنّ إقامة "جبهة وطنيّة ديمقراطيّة" بشكل خاصّ وتوحيد
المعارضة التّونسيّة بشكل عامّ ليست مسألة تهمّ طرفا دون آخر من
أطراف المعارضة بل تهمّ جميع الأطراف مع العلم أنّنا لا ندمج صلب
المعارضة أحزاب الدّيكور الرّسميّة (عدا التّجمّع الإشتراكي الذي
انشقّ منذ سنوات عن هذه الأحزاب وتبنّى مواقف ديمقراطيّة). كما أنّها
لا تهمّ أحزاب المعارضة فحسب بل الشّعب الذي يتطلّع إلى التّغيير
أيضا. وهو ما يجعل من النّقاش العلني، المفتوح فرصة لكلّ مواطن/ أو
مواطنة يهتمّ/ أو تهتمّ بالشأن العامّ لمتابعة ما يجري في السّاحة
السّياسيّة والمشاركة فيه إن أمكن. فالغرض من أيّ شكل من أشكال العمل
المشترك ليس جمع شتات المعارضة فحسب، بل توحيد الشّعب التّونسي حول
أهداف مشتركة أيضا.
ولكن قد
يعترض البعض عن هذا الأسلوب أي أسلوب النّقاش العلني المفتوح، بدعوى
أنّ نظام بن علي قد يستفيد منه باطّلاعه على خلافات المعارضة ولم لا
توظيفها لمزيد تشتيتها وبالتّالي فقد يكون من الأفضل إجراء نقاش
مباشر بين الأطراف المعنية فإن أفضى إلى نتيجة إيجابيّة فيا حبّذا
وإن لم يفض إلى أيّ شيء فعلى الأقلّ لا تتعمّق الهوّة القائمة بين
تلك الأطراف. ونحن لا نتّفق في الحقيقة مع هذا الرّأي، لا لأنّ
الخلافات بين فصائل المعارضة التونسية وخاصّة بين حزب العمّال و"حركة
النهضة" معروفة فحسب، بل لاقتناعنا أيضا بأنّ السلطة لا يمكنها
التّلاعب بمصائر المعارضة إلاّ إذا وجدت أمامها أطرافا هشّة. أمّا
إذا وجدت أطرافا جادّة، تحدّد مواقفها وفق المبادىء والقناعات التي
يتبنّاها مناضلوها، فإنّها لن تجني سوى الفشل الذّريع. ونحن نعتمد في
هذا المجال على تجربتنا الخاصّة التي يعرفها الرّأي العامّ وتحديدا
في علاقة بحركة النهضة وحركة الدّيمقراطيين الإشتراكيّين.
لقد كان
حزب العمّال منذ نشأته في خلاف جوهري مع حركة النهضة. وقد شمل هذا
الخلاف الميادين الفكريّة والسّياسيّة والعمليّة. وكان مسرحه
الصّحافة واتّحاد الشّغل والجامعة والمعاهد الثّانويّة والرّابطة
التونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان والنّوادي الثّقافيّة في مختلف
أنحاء البلاد. وقد ذهب في ظنّ بعض النّاس أنّ ذلك الخلاف سيجعل حزب
العمّال يصفّق لقمع السلطة حركة النهضة بداية من مطلع التّسعينات
بدعوى أنّ هذا القمع "سيخلّصه من غريمه الإيديولوجي الأساسي". ولكن
ما الذي حصُل؟ إنّ ما حصُل هو انّ حزب العمّال كان القوّة السياسيّة
المنظّمة الوحيدة التي شهّرت منذ اليوم الأول بالقمع الذي سُلّط على
تلك الحركة، في حين انّ القوى والأحزاب التي كانت تغازلها انقلبت
ضدّها واصطفّت وراء بن علي باسم "المصلحة العليا للوطن" و"مقاومة
التّطرّف والإرهاب الدّيني". وقد نبّه حزب العمّال إلى أنّ مايحرّك
بن علي في حملته على "النّهضة" ليس الدّفاع عن الحرية والدّيمقراطيّة
والتّقدّم بل طبيعته الفاشستيّة المعادية للدّيمقراطية التي تجعله
يرفض وجود أيّة معارضة، في أيّ مجال كان، خارجة عن مراقبته. ومن هذا
المنطلق حذّر من عواقب التّواطؤ معه مهما كانت الذّرائع ("لا ترد فاس
على هراوة"، "في الهم عندك ما تختار وهم بن علي خير من هم الخوانجيّة"،
"لو كان يوصلو للسّلطة إلاّ ما يعملو أكثر من النّظام"، "نظام بن علي
خصم بينما الإخوانجيّة عدوّ"...) مشيرا إلى أنّ من يذهب في ظنّه أنّه
سيستفيد من قمع "الإسلاميّين" واهم، وأنّه سيأتي اليوم الذي يدفع فيه
ثمن وهمه وهو ما أكّدته الأحداث لاحقا. وعلى أساس هذا الموقف المبدئي
ندّد حزب العمّال بكل ماتعرّض له "الإسلاميّون" من اختطافات وتعذيب
ومحاكمات جائرة وتنكيل وتشريد عائلات باعتباره يرفض هذه الممارسات
الفاشستيّة رفضا مبدئيّا بقطع النظر عن انتماء ضحاياها الفكري
والسّياسي والتّنظيمي(2). كما كان من أوّل المطالبين بإطلاق سراح
جميع المساجين السّياسيين وسنّ عفو تشريعي عام(3). وقد كان هذا
الموقف سببا من الأسباب التي جعلت نظام بن علي يكثّف قمع مناضلي حزب
العمّال بدعوى أنّه متواطىء مع "الإرهاب الإخوانجي".
ومن جهة
أخرى فقد كان حزب العمّال في خلاف مع حركة الدّيمقراطيين الإشتراكيين
منذ مطلع التّسعينات بوجه خاصّ. ويرجع سبب هذا الخلاف إلى مساندة
الحركة سياسة بن علي المعادية للحرّيات والدّيمقراطيّة والتي كان
الحزب، إلى جانب "الإسلاميّين" ومناضلي الحركة الطلاّبية والحركة
النقابيّة وعديد الشّخصيات الدّيمقراطية العاملة في مجال حقوق
الإنسان والصّحفيّين المستقلّين والنّساء الدّيمقراطيات والمحامين،
من أهمّ ضحاياها. وقد توقّع بعض النّاس أنّ حزب العمّال لن يندّد
باعتقال السّيد محمد مواعدة في سنة 1995 على إثر الرّسالة المفتوحة
التي وجهها إلى بن علي ملفتا انتباهه إلى تدهور أوضاع الحريات
العامّة بالبـــلاد وأنّه سيتعامل معه بمنطق "جنى على نفسه ولم يجن
عليه أحد" وهو الموقف الذي سقطت فيه بعض الأطراف. ولكن حزب العمّال
لم يتردّد، إنطلاقا من مبادئه الثّابتة في الدّفاع عن حرية التّعبير
وفي رفض افتعال القضايا للخصوم، في التّشهير باعتقال رئيس حركة
الدّيمقراطيّين الإشتراكيّين السيد محمد مواعدة، ثم عضو مكتبها
السّياسي السيد خميس الشّماري الذي لفّقت له أيضا قضية باطلة. كما
ندّد بالتّدخّل في شؤون الحركة وفي تنظيم انقلاب على قيادتها
الشّرعية تورّط فيه بوليس بن علي وإدارته وجهاز قضائه الفاسد وبعض
عناصر الحركة ممّن لا ولاء لهم إلاّ لمصالحهم الخاصّة.
وخلاصة
القول إنّه لا ضرر من مناقشة المسائل التي تهمّ مستقبل البلاد بصورة
علنيّة ومفتوحة إذا توفّرت الجدّية اللاّزمة، بل إنّنا نعتبر أنّ
الضّرر قد يتأتّى أحيانا من التّحالفات المتسرّعة واللاّمبدئيّة أكثر
من أيّ شيء آخر، لأنّ مثل هذه التّحالفات التي شهدت السّاحة
السّياسيّة التّونسيّة نماذج منها في العقدين الماضيّين، يعمّق
التّشتّت وينال من المصداقيّة. فالتّحالفات اللاّمبدئيّة سرعان ما
تنحلّ، وقد يتولّد عنها، إذا ما انتهت على وقع الخصومات والاتّهامات
المتبادلة، وضع أكثر تعقيدا من الوضع الأوّل.
لا
نحكّم الاعتبارات الإيديولوجيّة للقيام بأعمال مشتركة
بعد هذا
التوضيح نمرّ مباشرة إلى الحديث في صلب الموضوع أي عن التّحالفات.
وفي هذا الصّدد نقول إنّ حزب العمّال لا يحكّم في تعامله مع الأحزاب
والتّنظيمات السّياسيّة الأخرى الاعتبارات الإيديولوجيّة لأنّه يدرك
أنّ التّحالفات، مهما كانت الصّبغة التي تتخذها تنبني على اتّفاقات
سياسيّة تعكس مصالح مشتركة، يهمّ كلّ طرف من الأطراف المتحالفة
تحقيقها في الظّرف المعيّن لأنّه يعتقد أنّ ذلك يقرّبه من الهدف
العامّ الذي يناضل من أجله ويسعى إلى لفّ أوسع النّاس حوله. ومن
النّافل أنّ مجال المصالح المشتركة في بلادنا التي يحكمها منذ عام
1956 نظام دكتاتوري، هو مجال واسع، لا يمكن لأحد نكرانه. والمتمعّن
في مسيرة حزب العمّال منذ تأسيسه في مطلع جانفي 1986 يلاحظ أنّه عقد
في أكثر من مناسبة اتّفاقات وتحالفات مع قوى يختلف معها إيديولوجيّا،
منها القومي ومنها اللّيبرالي ومنها الاصلاحي. ولم يحصل أن مثّل هذا
الاختلاف عائقا أمام عقد تلك الاتّفاقات والتّحالفات سواء تمّت في
المجال السياسي أو النّقابي أو الشّبابي أو في مجال الدّفاع عن حقوق
الإنسان. فما يهمّ حـزب العمّال في المقام الأوّل ليست الخلفيّة أو
المرجعيّة الفكريّة لكلّ طرف بل موقفه من القضايا المطروحة، وما إذا
كان ذلك الموقف يندرج أم لا في تيّار التّقدّم بالمجتمع التّونسي.
إنّنا
نقول هذا الكلام لتاكيد أنّ حزب العمّال يؤمن إيمانا قاطعا بضرورة
التّحالفات والأعمال المشتركة باعتبارها استجابة لمتطلّبات واقعيّة
تفرض نفسها على كلّ حركة سياسيّة جادّة مهمومة بخدمة الجماهير
الشّعبيّة. كما نقول ذلك لتأكيد أنّ حزب العمّال إن لم يقم بأعمال
مشتركة أو بتحالفات مع "حركة النّهضة" ليس ذلك بسبب اعتبارات
إيديولوجيّة مجرّدة أي بسبب تبنّي حزب العمّال النّظريّة الشّيوعيّة
ذات المرجعيّة الفلسفيّة المادّية، بينما تتبنّى حركة النّهضة
إيديولوجيّة إسلاميّة (L
islamisme)
ذات مرجعيّة فلسفيّة مثاليّة، بل بسبب الخلافات السّياسيّة التي تشمل
القضايا التي يمكن أن تشكّل قاعدة تفاهم دنيا لإقامة عمل مشترك، وفي
مقدّمتها القضايا ذات الصّلة بالحرّية والدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان.
وليس أدلّ على أنّ الأمر لا يتعلّق باعتبارات إيديولوجيّة، من أنّ
حزب العمّال، الشّيوعيّ الفكر، يدافع عن الطّاهر الحدّاد ذي النّزعة
الاسلاميّة الاصلاحيّة بينما تعاديه حركة النّهضة وتعادي دعواته
الاصلاحيّة الإيجابيّة، في مجال تحرير المرأة المسلمة. كما أنّ حزب
العمّال كان يدافع دائما في كتاباته عن مناطق الضّوء في النّزعة
الاسلاميّة الاصلاحيّة للشّيخين جمال الدّين الأفغاني ومحمّد عبده
بينما ظلّت حركة النّهضة تعتبرهما إلى عهد غير بعيد خارج مرجعيّتها
الفكريّة وتقوّم مناطق الضّوء التي سمحت لهما باتّخاذ مواقف إيجابيّة
من بعض قضايا عصرها تقويما سلبيّا.
هل
تغيّر طرح المسألة اليوم؟
تلك هي
إذن الأسباب الكامنة وراء عدم قيام أيّ تحالف سياسي في الماضي بين
حزب العمّال وحركة النّهضة. ومن المعلوم أنّ الصّراعات الفكريّة
والسّياسيّة بين الطّرفين قد خفّت حدّتها خلال العشريّة الأخيرة بسبب
القمع الذي سُلط عليهما وعلى مختلف فصائل المعارضة التي رفضت
الاصطفاف وراء الدّكتاتوريّة النّوفمبريّة. كما أنّ الطّرفين لم
يتردّدا، كلّ من جهته، في التّنديد بالقمع المسلّط على الطّرف الآخر.
وفي داخل السّجون وجد مناضلوهما أنفسهم في خندق واحد ضدّ عسف سجّاني
بن علي، خاصّة أنّ النّصيب الأكبر من القمع سُلّط عليهما هما وإن كان
المعتقلون من حركة النّهضة أكثر عددا. وقد صدرت عرائض أحيانا وهي
تضمّ إمضاءات مناضلين من الحركتين أو من أنصارهما إلى جانب إمضاءات
أخرى عديدة لأشخاص من نزعات فكريّة وسياسيّة مختلفة. ولكنّ العلاقات
لم تتحوّل إلى تحالف بين الطّرفين إلى أن جاءت المبادرة الأخيرة بين
حركة الدّيمقراطيّين الاشتراكيّين وحركة النّهضة والتي دُعي حزب
العمّال إلى المشاركة فيها. فكيف تطرح المسألة اليوم؟ وهل تغيّرت
معطيات هذا الطّرح مقارنة بالأمس؟
إنّ
الزّاوية التي طرحت منها المسألة بالأمس هي نفسها التي تطرح منها
اليوم في نظرنا. فنحن لم نغيّر معاييرنا، أي أنّنا لا نزال نتعامل مع
مسألة الأعمال المشتركة والتّحالفات تعاملا سياسيّا ولا نحكّم فيها
الاعتبارات الإيديولوجيّة. كما أنّنا نتحلّى في هذا التّعامل بمرونة
كبيرة مراعاة للوضع ولدرجة تطوّر الحركة السّياسيّة العامّ في
المجتمع. فنحن لا نشترط الاتّفاق حول كافّة القضايا التّكتيكيّة
والاستراتيجيّة لأنّ ذلك يعني عمليّا رفض العمل المشترك والتّحالفات
التي لا يمكن أن تقام في مثل هذه المرحلة على قاعدة المطالب القصوى،
بل نشترط الاتّفاق على الحدّ الأدنى اللاّزم، وهذا الحدّ الأدنى
مستعدّون لحصره في الميدان السّياسي الذي يعني الجميع بنفس
الإلحاحيّة، دون توسيعه إلى مختلف الميادين الأخرى الاقتصاديّة
والاجتماعيّة والثّقافيّة والخارجيّة لئلاّ تثير خلافات وتفسد العمل
المشترك، رغم أنّ بعض المسائل، مثل مقاومة الفساد المستشري في
الدّولة من أسفلها إلى أعلاها ليست محلّ اختلاف. وبطبيعة الحال فإنّ
السّؤال الذي يواجهنا الآن هو التّالي: ماهو مضمون الحدّ الأدنى
السّياسي الذي جئنا على ذكره؟
إنّ
الجواب في رأينا واضح وبسيط ومعقول. وهو نفس جواب الأمس، وإن اتّخذ
اليوم أكثر أهمّية بحكم ارتقاء الوعي به إلى درجة حادّة. فما دمنا
نواجه دكتاتوريّة بوليسيّة غاشمة تمثّل أقلّية ضئيلة أو بالأحرى حفنة
من النّهابين واللّصوص ومصّاصي الدّماء والمرتشين، حفنة لا مصلحة لها
في نموّ المجتمع التّونسي، فإنّ الحدّ الأدنى الذي يمكن أن يجمّع،
إنّ أضعف الإيمان كما يقال هو النّضال ضدّ هذه الدّكتاتوريّة.
فالتّعذيب قاس بالنّسبة إلى الجميع. وكذلك مداهمات المنازل ليلا
وترويع سكّانها واعتداءات البوليس في الشّارع وجور محاكم بن علي
وظروف سجون نظامه الوحشيّة، وقطع أرزاق كلّ معارض أو ناقد وتشريد
العائلات والمنع من التّنقّل والسّفر وانحياز الإدارة إلى المقرّبين
من السّلطة، وتكميم الأفواه وتكبيل العقول وتلجيم الصّحافة والحرمان
من الاجتماع والتّنظّم ومن اختيار الحكّام ومراقبتهم ومحاسبتهم،
وانفراد شخص بالسّلطة دون أن يكون عليه رقيب أو يكون له رادع
والحرمان من مساندة الشّعب الفلسطيني الشّهيد والعراق المحاصر
والمجوّع والمدمّر، كلّ هذه الأشياء قاسية بالنّسبة إلى الجميع
ومهينة لأنّها تكرّس معاملتهم كرعيّة وتستهين بكرامتهم وتاريخهم
وتضرب عرض الحائط بكلّ التّضحيات التي بذلوها من أجل حياة أفضل،
تتوفّر لهم فيها شروط المواطنة الحقّة. وهو ما يجعل من تغيير هذه
الحال ومن مقاومة الدّكتاتوريّة النّوفمبريّة الفاسدة مسألة فيه
مصلحة مشتركة لكافّة الأطراف المتضرّرة من هذه الدّكتاتوريّة، فضلا
عن الشّعب التّونسي بكافّة طبقاته وفئاته طبعا.
إنّ
كلامنا إلى هذا الحدّ قد لا يلاقي اعتراضا من أيّ طرف من أطراف
المعارضة التّونسيّة الخارجة عن الدّيكور الدّيمقراطي الذي أقامه
الجنرال بن علي خلال العشر سنوات الأخيرة، وهو ديكور لا مصلحة له في
تغيّر الأوضاع باعتباره يستمدّ أسباب بقائه من بقاء الدّكتاتوريّة
النّوفمبريّة ذاتها. ولكن هل أنّ معارضة هذه الدّكتاتوريّة يكفي وحده
للمبادرة بإقامة "جبهة ديمقراطيّة"؟وهل هو يوفّر شروط نجاح هذه
الجبهة؟ لا نعتقد ذلك، لأنّ الاتّفاق حول التّخلّص من الدّكتاتوريّة
النّوفمبريّة بوصفها العائق الرّئيسي اليوم أمام نهضة تونس وشعبها
ينبغي أن يقترن باتّفاق ثان وهو أنّ التّخلّص من هذه الدّكتاتوريّة
لا ينبغي أن يؤدّي إلى إقامة دكتاتوريّة من نمط جديد، سواء تغلّفت
برداء أرضي أو سماوي، بل إلى إقامة نظام ديمقراطي. فتونس التي تعاني
اليوم من انعدام الحرّية والدّيمقراطيّة من باب أولى وأحرى أن يكون
علاجها بتوفير الحرّية والدّيمقراطيّة. وهذا ما ينبغي الاتّفاق عليه
من الآن.
إنّنا
إذ نؤكّد هذا الموقف فلأنّه توجد بعض الأفكار الخاطئة المتداولة هنا
وهناك. وهي أفكار تستخفّ بالعمل الجبهوي وبطموحات الشّعب التّونسي في
نهاية الأمر. ومن هذه الأفكار دعوة البعض، من أوساط متعاطفة مع "الاسلاميّين"
إلى الاستئناس بما يجري في السّاحة الفلسطينيّة حيث تتحالف قوى
الحركة الوطنيّة التي تضمّ فصائل يساريّة عدّة والقوى الاسلاميّة وفي
مقدّمتها حركة حماس والجهاد الإسلامي، ضدّ العدوّ الصّهيوني متجاوزة
الخلافات التي تشقّها حول المشروع المجتمعي تاركة الحسم فيها لما بعد
التّحرير والاستقلال. ونحن نعتبر أن الاستناد إلى هذا المثال لا
يراعي الفوارق بين الوضع في فلسطين والوضع في تونس. ففي الأولى يمثّل
الاستعمار الاستيطاني الصّهيوني العائق المباشر لنهضة فلسطين
وتقدّمها ولا بدّ من التّخلّص منه، أي لا بدّ من حسم المسألة
الوطنيّة للدّخول مباشرة في تغيير المجتمع، لذلك لا غرابة في أن
تلتقي مختلف القوى الوطنيّة حول نفس الهدف اليوم مؤجّلة صراعها حول
نوعيّة التّغيير الاجتماعي والسّياسي والثّقافي إلى ما بعد تحقيق
الاستقلال رغم أنّ هذا الصّراع ليس غائبا تماما اليوم، إنّما هو جار
في صلب الشّعب الفلسطيني ولكنّه يحتلّ موقعا ثانويّا حتى لا يعيق
الوحدة الوطنيّة التي تتعرّض في الواقع لمصاعب كبيرة بسبب ممارسات
قيادات بعض التّنظيمات والسّلطة الفلسطينيّة. أمّا في تونس فإنّ
الوضع يختلف إذ أنّ العقبة المباشرة ليس الاحتلال الاستعماري بل
دكتاتوريّة بوليسية محلّية، الأمر الذي يجعل المسألة الدّيمقراطيّة
المدخل لمعالجة مختلف القضايا الأخرى ذات الطّابع الاجتماعي والوطني
والثّقافي. وعلى هذا الأساس لا يمكن أن تقوم جبهة في المرحلة
الحاليّة على الأقلّ من تطوّر الحركة السّياسيّة العامّ على غير
الحرّيات السّياسيّة كأرضيّة دنيا.
وتوجد
فكرة ثانية لا تقلّ خطأ عن الأولى يقول أصحابها: "مادام بن علي يمثّل
اليوم عدوّ الجميع فلنتخلّص منه ثمّ ليتصرّف بعد ذلك كلّ طرف كما
يشاء..."ذراعك ياعلاّف" وهم يتّهمون كلّ من يضع شروطا دنيا لإقامة
تحالف بأنّه يريد "الإطالة في عمر الدّكتاتوريّة البنعلينيّة". صحيح
أنّ نظام بن علي يمثّل عبءًا ثقيلا على الشّعب التّونسي وعلى كافّة
أطراف المعارضة. وفي هذا الصّدد نودّ أن نقول إنّنا من جهتنا، لا
نريد بأيّ شكل من الأشكال الإطالة في عمره بل يهمّنا رحيل بن علي في
أقرب وقت وحتى دون انتظار انتخابات 2004.
صحيح
أيضا أنّ التّحالف ضدّ بن علي لا يقتضي الاتّفاق على كلّ شيء، وأنّه
من حقّ كلّ طرف أن يعمل وفق مبدأ "ذراعك يا علاّف" لكسب الشّعب إلى
مشروعه المجتمعي حين يقع التّخلّص من الدّكتاتوريّة النّوفمبريّة.
ولكن ما ينساه دعاة هذا الموقف هو أنّه لا يمكن لكلّ طرف أن يشمّر
غدا على ذراعيه ويدعو إلى برنامجه إلاّ إذا توفّرت له الأرضيّة
المناسبة لذلك وهذه الأرضيّة هي الحرّية السّياسيّة إذ من دونها لن
يقدر على ترويج آرائه وبرامجه والدّفاع عنها. وبتعبير آخر إذا كان
المقصود من عبارة "ذراعك يا علاّف" أنّ كلّ طرف حرّ، بعد التّخلّص من
الدّكتاتوريّة النّوفمبريّة، في أن يلتزم أو لا يلتزم بتلك الأرضيّة،
فهذا يعني أنّ التّحالف ضدّ الدّكتاتوريّة النّوفمبريّة، تحالف
انتهازي، ملغوم، ليس الدّافع إليه الإيمان بالحريّة والديمقراطية
والمساواة بل الوصول إلى السلطة بأيّ طريقة كانت لإقامة نظام لا شيء
يفيد مسبّقا أنّه سيكون مختلفا عن نظام بن علي. وهكذا فحتى يكون
التحالف جدّيا ومسؤولا وذا مصداقيّة ينبغي أن يقام على أساس تبنّي
مختلف الأطراف المشاركة فيه الحدّ الأدنى الذي فيه مصلحة لها وللشّعب
والوطن وتتنافس عمّا هو خارج ذلك الحدّ الأدنى أي خارج مطلب الحرّية
السّياسيّة. إنّ هذا الحدّ الأدنى بقدر ما يمثّل ضمانة لكلّ الأطراف
المتحالفة لكي يتعايش بعضها مع بعض، يمثّل أيضا حماية للشّعب
التّونسي كي لا تستغلّ تضحياته لإقامة دكتاتوريّة قمعيّة من نمط آخر،
معادية لحرّيته وحقوقه وسلاحا بيده للدّفاع عن هذه الحقوق ومقاومة
البؤس الذي هو فيه. وفي هذا السياق ومن أجل تقريب الصّورة، يمكننا أن
نعتمد على مثال أي بلد من البلدان التي تتوفر فيها الحرّيات
السّياسيّة. ففي هذه البلدان يوجد حدّ أدنى مضمون قانونيّا وهو يلخّص
في عبارة "القيم الجمهوريّة" التي تعني احترام الحرّيات الفردية
والعامّة واحترام مبدأ السّيادة الشّعبيّة والمساواة أمام القانون
واستقلاليّة القضاء. ويعتبر الإخلال بأيّ بند من هذه البنود، خروجا
عن الحدّ الأدنى أي عن "القيم الجمهورّية"، دون أن يعني ذلك سدّ باب
الصّراع من أجل ماهو أرقى وأفضل. ومن النّافل أنّ الأطراف التي تحاول
دائما النّيل من ذلك الحدّ الأدنى أو عرقلة تطويره، هي الأطــراف
التي ليست لها مصلحة حقيقيّة في الحرّية والدّيمقراطيّة. أمّــا
الشّعـــوب والقــوى التّقدّميّة فتراها متمسّكة به، راغبة في توسيعه
وتعميقه وتوفير الشّروط المادّية لتكريسه.
عن أيّ
مضمون للحرّية السّياسيّة نتحدّث؟
قلنا
إذن إنّ الحدّ الأدنى لأيّ تحالف ينبغي أن يكون الالتزام بالدفاع عن
الحرّية السّياسيّة بديلا للحكم الفردي المطلق والدّكتاتوريّة
البوليسيّة النّوفمبريّة.
وعلينا
الآن أن نوضّح مضمون الحرّية السّياسيّة حتى لا يبقى فيه مجال
للالتباس خصوصا أن لا أحد اليوم في تونس، عدا الطّغمة النّوفمبريّة،
لا يلهج بالحرّية والدّيمقراطيّة ولا ينشدهما. إنّ الحرّية
السّياسيّة تعني بالنّسبة إلينا:
أوّلا:
احترام الحرّيات الفرديّة: وهي حرّية التّفكير والرّأي والضّمير
(المعتقد) وحرّية الإبداع وحرّية الاستعلام (تلقّي الأخبار...)
وحرّية التّنقّل والسّفر، والحقّ في حماية الحرمة الجسديّة (إلغاء
التّعذيب وجميع العقوبات القاسية) وحرمة المسكن والمراسلات
والاتّصالات (الهاتف، الفاكس، الأنترنيت...) والحقّ في الحماية
القانونيّة للحياة الخاصّة والحقّ في الحماية من الاعتقال التعسّفي
وحقّ المساهمة في الحياة العامّة عن طريق الانتخاب والتّرشّح والحقّ
في تقلّد الوظائف العامّة دون تمييز والحقّ في محاكمة عادلة في حالة
الاتّهام أو الإحالة على القضاء، والحقّ في اختيار شريك الحياة بكلّ
حرّية إلخ...
ثانيا:
احترام الحرّيات العامّة: وهي حرّية التّعبير والصّحافة والنّشر
وحرّية الاجتماع والتّظاهر، وحرّية التّنظّم بما في ذلك حرّية
التّنظم النّقابي.
كما
تشمل الحرّيات العامّة مبدأ احترام السّيادة الشّعبيّة أي حقّ الشّعب
في تقرير مصيره بنفسه. وهذا يعني حقّ الشّعب في اختيارمن يحكمه على
أساس انتخابات حرّة وديمقراطيّة، دوريّة ونزيهة وحقّه في مراقبة
حكّامه ومحاسبتهم وعزلهم عند الاقتضاء وفي وضع التّشريعات سواء كان
ذلك بصورة مباشرة أو عن طريق نوّابه.
ثالثا:
المساواة وهي تشمل:
-المساواة في التّمتّع بكافّة الحرّيات والحقوق المذكورة بدون تمييز
بسبب الجنس أو المعتقد أو الانتماء السّياسي أو الاجتماعي. وهذا يعني
أنّه لا تمييز في الحقوق، في كافة الحقوق، بين النّساء والرّجال في
بلدنا. إنّ المبدأ الذي ينبغي أن يسود هو مبدأ المواطنة، لا مبدأ
الرّعيّة ولا مبدأ الطّائفة ولا مبدأ الجنس.
-المساواة أمام القانون مبدأ وتطبيقا. وهو ما يقتضي:
أ- وجود
منظومة قانونيّة تضمن الحرّيات والحقوق الأساسيّة للمواطن وتحميها من
الانتهاكات مهما كان مصدرها، من السّلطة الحاكمة أم من أفراد أو
مجموعات خارجة عنها.
ب- وجود
سلطة قضائيّة مستقلّة، تتقيّد بالقانون في أحكامها وتفرض احترام
القانون على الجميع بدون تمييز. ويمثّل انتخاب القضاة ومساعديهم أفضل
وسيلة في رأينا لضمان استقلال القضاء إذ لا مبرّر لانتخاب السّلطة
التّنفيذيّة والسّلطة التّشريعيّة ورفض انتخاب السّلطة القضائيّة.
وليس
خافيا ما يوجد بين الحرّيات الفرديّة والحرّيات العامّة ومبدأ
المساواة من روابط متينة. فالحرّيات الفرديّة أو الشّخصيّة ضروريّة
كي يتمكّن التّونسي (ذكرا كان أم أنثى) من تحقيق مواطنته وكرامته
والقيام بدوره في الحياة العامّة لأنّ المواطن الذي لا يتمتّع
بحرّيته وحقوقه السّياسيّة كفرد لا يمكن أن يقوم بدوره في صلب
المجموعة الوطنيّة. كما أنّ هذه المجموعة إذا تكوّنت من أشخاص،
قاصرين، مجرّدين من حرّيتهم وحقوقهم يتحوّلون إلى "رعيّة"، غير
قادرين على ممارسة سيادتهم، بل إنّه لا حرّيات عامّة في نهاية الأمر
دون حرّيات فرديّة إذ الحرّيات العامّة هي تحقيق الحرّيات الفرديّة
على مستوى جماعي، (حرّية التّعبير والاجتماع والتّظاهر والانتظام
وممارسة السّيادة الشّعبيّة). ومن النّافل أنّه لا يمكن الحديث عن
حرّية وديمقراطيّة دون المساواة بين كافّة المواطنين في التّمتّع بها
بقطع النّظر عن جنسهم أو معتقدهم أو انتمائهم السّياسي والاجتماعي
كما سبق أن قلنا. فالحديث عن الحرّية مثلا وحرمان النّساء من حقوقهنّ
يصبح لغوا.
إنّ
الدّكتاتوريّة النّوفمبريّة إذ تحرم الأغلبيّة السّاحقة من
التّونسيّين (إناثا وذكورا) من حقوقهم الشّخصيّة إنّما ترمي في
الواقع إلى منعهم جماعيّا من القيام بأيّ دور في الحياة العامّة،
لأنّها تدرك أنّ أساس الحرّيات العامّة هو الحرّيات الفرديّة، وإذا
انتفت هذه انتفت تلك. وهي إذ تمارس الميز بين التّونسيّين على أساس
انتمائهم الاجتماعي والسّياسي والفكري خاصّة (الميز في جميع
المجالات، حتى في الحصول على أبسط الخدمات الإداريّة أو الشّغل أو
المنحة الدّراسيّة ناهيك عن دفع الضّرائب والحصول على قروض إلخ...)
فلأنّها تدرك أنّ مبدأ المساواة يقوّض أركان حكمها القائم على
الانتماء العائلي والمحسوبيّة والجهويّات.
ماذا في
البيان المشترك وفي البيان الختامي لمؤتمر "حركة النّهضة"؟
تلك هي
إذن في رأينا، المطالب التي يمكن بل يجب أن تشكّل اليوم الأرضية
الدّنيا لأيّ عمل مشترك أو جبهوي بين قوى المعارضة التّونسيّة خلال
المرحلة القادمة، لأنّ النّزول دون هذه الأرضية يخلّ بقاعدة
"التّعايش" في ظلّ اختلاف الرّؤى الفكريّة والسّياسيّة والاجتماعيّة
كما يُخلّ بمبدأ احترام حرية الشّعب وحقوقه. وقد آن الأوان لنبحث
فيما إذا كانت هذه الأرضية حاضرة بمختلف عناصرها في البيان المشترك
مواعدة /الغنّوشي وفي البيان الختامي للمؤتمر السّابع لحركة النّهضة.
وبطبيعة الحال فإنّ ما يعنينا بالأساس هو موقف "حركة النّهضة" لأنّه
الأكثر إثارة للجدل في السّاحة السّياسيّة التّونسيّة بالنّظر إلى ما
سبق أن عبّرت عنه هذه الحركة من مواقف في السّبعينات والثّمانينات
وحتى مطلع التّسعينات، كانت سببا فيما جدّ بينها وبين فصائل الحركة
الدّيمقراطيّة والتّقدّميّة من خلافات وصراعات.
فما من
شكّ أنّ البيان المشترك تضمّن التزاما من الطّرفين الممضيين بـ"احترام
قواعد النّظام الجمهوري ودولة القانون والمؤسّسات الدّيمقراطيّة
واحترام الحريات العامّة حقوق الإنسان" كما تضمّن التزاما بـ"دعم
الخطوات الإيجابيّة التي قطعها مجتمعنا في عدد من المجالات كالتعليم
وحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين"، بل إنّ "الجبهة الوطنيّة
الدّيمقراطيّة" التي نادى البيان بتكوينها ذُكر أنّ "أساسها الدّفاع
عن الحريات العامّة وحقوق الإنسان، وهدفها إرجاع السّيادة للشّعب عبر
النّضال السّياسي والمقاومة الشّعبيّة المدنيّة السّلميّة لإرساء
البديل الدّيمقراطي الحقّ المنشود". وهذا الخطاب الدّيمقراطي يتكرّر
نسبيّا في البيان الختامي للمؤتمر السّابع لحركة النّهضة (نقول
نسبيّا لأنّ بعض النّقاط الواردة في البيان الأوّل غُيّبت أو جاءت
أقلّ وضوحا في البيان الثّاني). ولا بدّ من ملاحظة أنّ المتتبّع
لأدبيّات هذه الحركة خلال العشر سنوات الأخيرة، وحتى قبلها يتبيّن له
أنّ هذا الخطاب الدّيمقراطي ليس كلّه جديدا، فمعظم عناصره سبق أن
وردت في تلك الأدبيات. وقد يكون جهل النّاس منشورات "حركة النّهضة"
وكتابات رئيسها، الشّيخ راشد الغنّوشي، في المهجر، بسبب المنع
المفروض على تداول الصّحف والكتب التي تحوي نقودا لنظام الحكم في
تونس، هو الذي يجعلهم يعتقدون أنّ كلّ ما ورد في البيان المشترك،
بوجه خاصّ، جديد.
لا
يهمّنا كثيرا في هذا المقام الخوض في أسباب تطوّر خطاب "حركة
النّهضة" وتمركزه حول شعارات ديمقراطيّة خلال السّنوات الأخيرة. فهذه
الحركة مثلها مثل الحركات الإسلاميّة الأخرى تحتكّ بواقع وتواجه فيه
ردود فعل من السّلطة ومن المجتمع وتتعرّض للقمع ويخوض مناضلوها
الفارّون من الإضطهاد تجارب العيش في مجتمعات غربيّة علمانيّة
وديمقراطيّة كما أنّها تتأثّر بهذه الدّرجة أو تلك بالتّطوّرات التي
تشهدها الحركات الإسلاميّة في المنطقة وخارجها، وكلّ هذا يمكن أن
يسبّب انشقاقات وربّما تمايزات بين أطراف جمعها في المنطلق شعار
هُلامي، فضفاض كشعار "الإسلام بديلنا" وتعديلات في الخطاب إمّا
لتغيّر في القناعات عند هذا الشّق أو لأغراض تكتيكيّة، بالمعنى
السّلبي، الأنتهازي للكلمة عند ذلك الشّقّ. لذلك فإنّ ما يهمّنا في
المقام الأوّل ليس البحث في هذه النّقطة بالذّات، إنّما الوقوف عند
مدى تماسك خطاب "النّهضة" الدّيمقراطي ومدى استجابته للأرضية الدّنيا
التي تحدّثنا عنها باعتبارها الشّرط الأوّل لأيّ تحالف مهما كانت
أطرافه ثمّ إنّ ذلك هو الذي سيجعلنا نحكم على حقيقة أو طبيعة
التّغييرات التي تشهدها "حركة النّهضة" في المجال السّياسي وتحديدا
في علاقتها بأطراف المعارضة الدّيمقراطيّة.
وبصراحة
نقول إنّ ما ورد في البيان المشترك بشكل عامّ وفي البيان الختامي
للمؤتمر السّابع للحركة بشكل خاصّ ليس كافيا لتبديد عدد من نقاط
الغموض الهامّة. وما دام العمل السّياسي الجاد لا يقوم إلاّ على
الوضوح فعلينا المبادرة بتفكيك تلك النّقاط والخوض في تفاصيلها
فخصومة واضحة المعالم خير ألف مرّة من وفاق مغشوش. وبدون إطالة فإنّ
النّقاط التي لا يزال يكتنفها الغموض أو التي تستحقّ التّوضيح ولها
علاقة مباشرة بالأرضيّة السّياسيّة الدّنيا التي تحدّثنا عنها (لا
نناقش هنا مختلف القضايا الاجتماعيّة والثّقافيّة والخارجيّة المشار
إليها على أهمّيتها لأنّنا نعتبر أنّ الخلاف حولها لا يمنع الالتقاء
حول تلك الأرضيّة) هي التّالية : (1) علاقة الدّين بالدّولة. (2)
مسألة الحرّيات الفرديّة: حرّية التّفكير والرّأي والضّمير. (3)
مسألة الحدود وعلاقتها بمبدأ احترام حقوق الإنسان. (4) مسألة
السّيادة الشّعبيّة. (5) مسألة المساواة: المساواة بين الجنسين.
الأدنى الدّيمقراطي لتحالفنا اليوم وغدا - الجزء
الثاني- في علاقة الدّين بالدّولة
nasraoui_ra@netcourrier.com
حزب العمال الشيوعي التونسي
2003 / 1 / 15
(في الردّ على بيان مواعدة/ الغنّوشي)
مثّل الموقف من علاقة الدّين بالدّولة وبالسّياسة عامّة قضيّة
مركزيّة في الخلاف بين القوى الدّيمقراطيّة من جهة، و"حركة النّهضة"
من جهة ثانية. فقد دأبت حركة النّهضة منذ نشأتها على إدراج هذه
القضيّة في إطار الموقف من "الهويّة" وعلى هذا الأساس اعتبرت أنّ
الرّبط بين الدّين والدّولة بما ينجرّ عن ذلك من انعكاسات فكريّة
وسياسيّة وتشريعيّة واجتماعيّة، ضروري لـ"الحفاظ على هويّة البلاد".
ومن هذا المنطلق عُدّت المناداة بالفصل بين الدّين والدّولة أي
بالعلمانيّة (اللاّئكيّة) "مؤامرة" على تلك الهويّة. وقد دأب حزب
العمّــــال منذ نشـــأته على رفض طرح هذه القضيّة بهذه الطّريقة
معتبرا أنّ ذلك ينحرف بالنّقاش إلى إطار غير إطاره. فالإطار الذي
تطرح فيه قضيّة علاقة الدّين بالدّولة، ليس إطار "الهويّة"، إنّما هو
إطار الحرّيات والدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان. وقد بيّن أنّ هذه القيم
لا يمكن أن تتحوّل إلى جزء لا يتجزّأ من المبادىء والتّشريعات التي
تقوم عليها الدّولة إلاّ إذا اعتبرنا السّياسة (والدّولة هي المؤسّسة
السّياسيّة بامتياز) مجالا دنياويّا تتصارع فيه الآراء والبرامج
والمشاريع وفقا للمصالح التي تدافع عنها كلّ مجموعة في هذه المرحلة
أو تلك من مراحل تاريخ البلاد. ولا يمكن أن يكون المعيار في هذا
الصّراع السّياسي، "الكفر والإيمان" بل ما يصلح للشّعب والطّبقة وما
لا يصلح لهما، ما يقدّم المجتمع وما يتركه ضحيّة للتّخلّف إلخ...
وحتى يكون للجميع حقّ المشاركة في الحياة السّياسيّة أي في إدارة
شؤون المجتمع وبالتّالي "الحقّ في الدّولة" لا بدّ من الإعتراف لهم
كحدّ أدنى بحرّيتهم وحقوقهم الأساسيّة وبالمساواة بينهم على قاعدة
مبدأ المواطنة الذي لا يعير اهتماما لمعتقدهم أو مذهبهم الفكري أو
جنسهم أو مركزهم الاجتماعي أو انتمائهم السّياسي.
لقد اعترض حزب العمّال على ربط الدّين بالدّولة بناء على هذا الموقف،
لأنّ الدّين يحيل في وعي النّاس على "المقدّس". وإذا ارتبط "المقدّس"
بالدّولة، كما حدث في التّاريخ وكما يحدث إلى الآن في عدد من الأقطار
العربيّة والإسلاميّة التي تحكمها عائلات فاسدة ومستبدّة، فهويضفي
عليها وعلى مؤسّساتها وتشريعاتها وممارساتها وعلى الأشخاص القائمين
عليها (أي الحكّام) طابعا قدسيّا، فيصبح نقدهم أو معارضتهم أو
المطالبة بتغييرهم وتغيير النّظام والتشريعات المعمول بها "كفرا"
و"خروجا عن الدّين". وهكذا يتحوّل الدّين إلى سلاح بيد الأقلّيات
الحاكمة لتشريع القهر وحرمان المواطنين من أبسط حقوقهم ومن إدارة
شؤونهم بأساليب وعبر آليات ديمقراطيّة يعود إليهم حقّ تقريرها
بأنفسهم ووفقا لمصالحهم. وبتعبير آخر وما دمنا نتحدّث عن تونس، فإنّ
القهر الذي يمارسه بن علي اليوم باسم "المصلحة العليا للوطن" يصبح في
دولة الغد الدّينيّة (التّيوقراطيّة) يمارس بأغلفة غيبيّة أي أنّ
الجوهر القمعي -الدّكتاتوري للدّولة لا يتغيّر، بل تتغيّر طريقة
تسويغه أو تشريعه فقط. فيترك التّخوين مكانه للتّكفير. وإذا كان بن
علي قد وضع نفسه اليوم للاستبداد بالشّعب في مركز من يمثّل الوطن
وينطق باسمه بل ويتماهى معه، فإنّ طاغية الغد، المتجلبب بجلباب
الدّين، سيضع نفسه في مركز من يمثّل اللّه في الأرض وينطق باسمه.
ولسائل أن يسأل إذا خرج الدّين من حيّز السّياسة في معناها العامّ
وانفصل عن الدّولة فماذا سيكون مصيره؟ وماذا سيكون مصير المؤسّسات
والجمعيات الدّينيّة؟ إنّ الجواب بسيط جدّا. فالدّين يخرج من ذلك
الحيّز ليدخل الحيّز الشّخصي فيصبح جزءا لا يتجزّأ من الحرّية
الشّخصيّة التي يضمنها القانون ويحميها من الانتهاك سواء كان مصدره
الدّولة أو أطرافا من المجتمع. أمّا المؤسّسة الدّينيّة فهي مثلها
مثل الجمعيات والتّنظيمات الدّينيّة الأخرى تتحوّل إلى جزء لا يتجزّأ
من المجتمع المدني وتستمدّ شرعيتها من مبدأ الحرّيات العامّة التي
يضمنها القانون ويحميها أيضا. وهي بهذا المعنى تخضع كما يخضع غيرها
من الجمعيات والتّنظيمات والمؤسّسات لسلطة القانون الذي لا يقيّد
نشاطها بأيّ قيد عدا احترام حرّية المواطنين وعدم النّيل من حقوقهم
أو التّسلّط على ضمائرهم.
إنّ العلمانيّة بهذا المعنى. وهو معناها الصّحيح، بعيدة كلّ البعد
إذن، عن المعنى المبتذل الذي يلبسه لها بعض الجهلة والدّجالين الذين
يروّجون أنّها مرادف "لقمع الدّين والمتديّنين" و"لانتهاك الهويّة"
و"لسيادة الفساد وغياب الضّوابط الأخلاقيّة". إنّ العلمانيّة لا تعدو
ان تكون وسيلة لتنظيم التّسامح داخل المجتمع وفرض احترام الغير، بما
فيه احترام عقيدته، كواجب مدني، والنّظر إليه كمواطن عوض النّظر إلى
عقيدته أو مذهبه أو جنسه لتحديد ما إذا كان أهلا للتّمتّع بحرّيته
وحقوقه أم لا. وهي أيضا وسيلة لتكريس مبدأ سيادة الشّعب في مختلف
أبعاده. فحزب العمّال إذن حين طرح ولا يزال يطرح ضرورة الفصل بين
الدّين والدّولة أو إن شئنا علمنة الدّولة فإنّما فعل ويفعل ذلك لسدّ
الباب أمام مواصلة اضطهاد التّونسيّين باسم الدّين ولإتاحة الفرصة
لهم كي يتمتّعوا بحرّيتهم وكافّة حقوقهم التي حرموا منها إلى حدّ
الآن بذرائع مختلفة.
وخلاصة القول إنّ العلمانيّة لا تُضرّ إطلاقا بالتّونسي المؤمن في
إيمانه، بل إنّها تمثّل طريق عبوره إلى الدّيمقراطيّة إذ هي تخوّل له
من ناحية أن يمارس معتقده في إطار حرّيته الشّخصية، دون ضغط أو إكراه
من الدّولة أو من أيّ طرف آخر ومن ناحية ثانية أن يساهم في الحياة
العامّة مساهمة فعّالة وهو يتمتّع بكافة حقوقه دون ميز بسبب معتقده
أو مذهبه أو جنسه أو انتمائه السّياسي. وبشكل عام فإنّه لا يوجد أيضا
أيّ تناقض بين أن تكون أغلبيّة المجتمع السّاحقة مؤمنة والدّولة
علمانيّة. فعلمانيّة الدّولة لا تلحق أيّ ضرر بإيمان الأغلبيّة، بل
على العكس من ذلك فإنّها تحميها من تسلّط بعض الأقلّيات من داخلها
لتفرض عليها تصوّرا معيّنا لممارسة إيمانها، علاوة على كونها تحمي
أيّة أقلّية سواء كانت هذه الأقلّية لا تؤمن أو تنتمي إلى عقيدة أخرى
لأنّ قضية المعتقد لا تخضع لمنطق الأغلبيّة والأقلّية بل لمنطق
الحرية الذي يقضي باحترام كلّ معتقد أو مذهب أو قناعة وعدم المساس
بأتباعها مهما كان عددهم.
وعلى صعيد آخر فإنّ العلمانيّة لا يمكن أن تلحق الضّرر بـ"هويّة"
الشّعب التّونسي الثّقافيّة، بل على العكس من ذلك تسمح بإثرائها
لأنّها تفسح المجال أمام التّجديد والابداع والتّنوّع والاختلاف
وتتصدّى لكلّ المعوقات الذّهنيّة والعقائديّة التي تحول دون ذلك. كما
أنّها تقوّي وحدة المواطنين ضدّ الأجنبي، الغازي والمستعمر. لأنّها
تقضي على عوامل التّفرقة القائمة على العقيدة أو المذهب وتجعل من
الوطن والأرض والقيم الثّقافيّة المشتركة والمصالح المجمّعة،
المرجعيّة التي يستندون إليها لتقويّة لحمتهم. وبالإضافة إلى ذلك فإن
الدفاع عن الهويّة الثقافية كجزء من المسألة الوطنية لا يمكن أن يتمّ
إلا في إطار نظرة شاملة إذ لا استقلالية ثقافية دون استقلال اقتصادي
وسياسي وعسكري ودون امتلاك لناصية العلم والمعرفة.
وفي الحقيقة فإنّ حزب العمّال اعتبر ولا يزال يعتبر أن لا أحد يمكن
أن يعتبر نفسه متضرّرا من العلمانيّة عدا الذي يعتقد أنّ من حقّه
الإضرار بحرّية غيره الذي لا يؤمن بما يؤمن به أو لا يفكّر بالطّريقة
التي يفكّر بها أو ذاك الذي لا يقدر على البرهنة على "الحقائق" التي
يتبنّاها بسلاح العقل والمنطق، فيجنح، لتعويض عجزه، إلى استخدام سلاح
الإرهاب الفكري أو الجسدي بدعوى أنّ ما يؤمن به يمنحه "حقّا" على
حرّية الآخرين أو على حياتهم لتبنّيهم آراء وعقائد مختلفة. ومثل هذا
الشّخص لا يمكن أن يزعم بأيّ حال من الأحوال أنّه نصير للحرّية. هذا
على المستوى الفردي.
أمّا على المستوى العامّ فإنّ رفض العلمانية والتّمسّك بالخلط بين
الدّيني والسّياسي ليست فيه مصلحة إلاّ للأحزاب والأنظمة التي تفتقد
إلى شرعيّة حقيقيّة سواء بسبب الأهداف والبرامج الرّجعيّة التي تدعو
إليها أو تطبّقها فتحاول إضفاء طابع غيبي عليها لتفرضها على النّاس
أو بسبب عجزها عن الوصول إلى السّلطة أو البقاء فيها بطرق وعبر آليات
ديمقراطيّة فتختلق لنفسها مشروعيّة سماويّة لتستبدّ بشعوبها. ومن
يتمعّن اليوم في أكثر الدول العربيّة تشدّدا في الدّين وهي المملكة
العربيّة السّعوديّة يلاحظ بيسر أنّها من أكثر الدّول تخلّفا على وجه
الأرض من النّاحية السّياسيّة والإجتماعيّة كما أنّها من أكثر الدّول
عمالة للامبرياليّة الأمريكيّة وانتهاكا لهويّة شعبها ولاستقلاله
الوطني إضافة إلى كونها تشكّل قاعدة عسكريّة أمريكيّة بريطانيّة
للعدوان على العراق ومراقبة بقيّة دول المنطقة. وعلى هذا الأساس فإن
ربط الدّين بالدّولة لا يمثّل علامة على "احترام حقّ البشر الذي كرّم
اللّه"، بل إنّه على العكس من ذلك وسيلة لإذلاله وقهره ونهب خيرات
بلده من قبل عائلة مالكة فاسدة. كما أنّه لا يمثّل علامة على "صيانة
الهويّة من التّفسّخ" بل إنّه غطاء للعمالة والتّبعيّة. وفي كلمة
فإنّ من له ثقة بالأهداف والبرامج التي يدافع عنها لا يخشى عرضها على
شعبه الحرّ واستفتاءه فيها وقبول حكمه دون أن يحتاج إلى غطاء سماويّ.
فمن يحتاج إلى هذا الغطاء إنّما يبحث عن تعتيم الأمور لا عن توضيحها
وتنويرها.
هل تطوّر موقف "حركة النّهضة" من مســـــألة عـــلاقة الدّولــــة
بـــالدّين؟
لقد مرّ على الصّراعات التي دارت بين حزب العمّال و"حركة النّهضة"
حول مسألة علاقة الدّولة بالدّين أكثر من عشر سنوات. فما الذي حدث
منذ ذلك الوقت؟ وهل حصلت تطوّرات في موقف "حركة النّهضة" جعلتها
تتخلّى عن مشروع الدّولة الدّينيّة الذي ينافي المشروع الدّيمقراطي
الذي نريده لهذه البلاد؟ إنّ البيان المشترك مواعدة/الغنّوشي لا
يتعرّض لهذه المسألة بصورة مباشرة وإن كان المتمعّن في محتواه يلاحظ
بيسر أنّه علمانيّ على العموم. فمصطلحات "الجمهوريّة" و"دولة القانون
والمؤسّسات" و"الفصل بين السّلطات" و"السّيادة الشّعبيّة" و"التّداول
الدّيمقررطي على السّلطة" و"احترام الحرّيات العامّة وحقوق الانسان"
و"التّعدّديّة السّياسيّة"وغيرها من المصطلحات والمفاهيم تشكّل كلّها
عناصر أساسيّة لمنظومة علمانيّة ديمقراطيّة لا علاقة لها بالمنظومة
الاصطلاحيّة للدّولة الدّينيّة الاستبداديّة التي تعتبر تلك
المصطلحات والمفاهيم "كفرا وإلحادا". أمّا البيان الختامي للمؤتمر
السّابع لحركة النّهضة، وهو الأهمّ لاستقراء تطوّرها الفكري، فقد
تعرّض في بعض فقراته لتلك القضيّة. ولكنّ الموقف الذي تضمّنته هذه
الفقرات بقي غامضا، ملتبسا. فهو يتأرجح بين نظرة سلفيّة تحيل على
مفهوم الدّولة الدّينيّة وبين نظرة اصلاحيّة إسلاميّة تحيل على مفهوم
دولة شبه ليبراليّة. وليس أدلّ على هذا التّأرجح من الإشارة في
مرجعيّة الحركة الفكريّة إلى حسن البنّا وأبو الأعلى المودودي وهما
من أقطاب دعاة الدّولة الدّينيّة المستبدّة الذين يعتبرون
الدّيمقراطيّة بمعناها الحديث كفرا، من جهة، وإلى بعض المصلحين على
غرار الأفغاني وعبده وخير الدّين التّونسي وعبد العزيز الثّعالبي
وغيرهم من دعاة الأخذ بهذه الدّرجة أو تلك من مكاسب اللّيبراليّة
السّياسيّة الغربيّة من جهة أخرى، مع علم أن حركة النهضة لا تدرج ضمن
هؤلاء اسم عبد الرّحمان الكواكبي صاحب "طبائع الاستبداد" وهو أكثر
الجماعة نقدا للاستبداد السّياسي في شكله الدّيني، ودعوة إلى الحرّية
والدّيمقراطيّة.
وما من شكّ في أنّ ذلك التّأرجح قد يعكس صراعا داخل الحركة بين من
يريدون تحويلها إلى حركة إسلاميّة إصلاحيّة تستوعب بعض مكاسب الفكر
الدّيمقراطي المعاصر وبين أنصار الطّرح السّلفي -الإخواني التّقليدي.
فتكون الإشارة إلى أقطاب الفكر السّلفي الاستبدادي ترضيّة للشقّ
الثّاني. وطمأنة لهم بأنّ الحركة لم تتخلّ عن مصادرها الفكريّة
الأولى والإشارة إلى عدد من المصلحين "المجدّدين" رسالة إلى الرّأي
العامّ بأنّ الحركة تشهد تفاعلات في داخلها. كما قد يكون ناجما عن
محـاولة لتسويغ خطــاب الحركة السّلفي المعروف عن طريق إدمـــاج جملة
من المفاهيم والمصطلحات اللّيبراليّة والدّيمقراطيّة في ذلك الخطاب،
بوصفها أشكالا أو أوْعية خاضعة في مضمونها لمضامين ذلك الخطاب
وآلياته. ومهما يكن من أمر فليس هدفنا النّبش في النّوايا بقدر ما هو
معالجة ما جاء في البيان (البيان الختامي) من قضايا تهمّ مسألة علاقة
الدّولة بالدّين. وهو ما يمكن حوصلته في النّقاط التّالية:
1- تؤكّد الحركة تشبّثها بـ"الهويّة الإسلاميّة" "باعتبارها هويّة
البلاد والإطار المرجعي للحركة ومضمون مشروعها الإصلاحي في مواجهة
سياسات الدّولة التّسلّطية الحديثة في بلادنا ومنذ نشأتها في محاربة
الإسلام".
2- وتضيف أنّ مشاركتها في المجهود الإصلاحي للبلاد تتمّ "من منطلق
تبنّيها لتصوّر للإسلام يشكّل الأرضيّة العقائديّة التي منها تنبثق
مختلف الرّؤى الفكريّة والاختيارات السّياسيّة والإقتصاديّة
والإجتماعيّة التي تحدّد هويّة هذه الحركة وتضبط توجّهاتها
الإستراتيجيّة ومواقفها الظّرفيّة".
3- ويلاحظ البيان أنّ "تأكيد الحركة على هويّتها الإسلاميّة وحرصها
على أن تلتزم في مشروعها بذلك لا يعني بأيّة حال من الأحوال احتكارها
الصّفة الإسلاميّة أو توظيفها بأيّ شكل من الأشكال في صراعها
السّياسي، فلم تكن الحركة يوما في موقع النّاطق الرّسمي باسم الحقيقة
الإسلاميّة ولا هي تطمح إلى ذلك".
4- وأخيرا تدرج "حركة النّهضة" في لائحة مطالبها الرّاهنة مطلب رفع
القيود المفروضة على التّديّن والكفّ عن وصاية الدّولة على الدّين
ومؤسّساته".
هذه هي مجمل الأفكار الواردة في البيان الختامي ونحن نرى أنه من
الضروري إثارة بعض الأسئلة لدفع الجدل ورفع الالتباسات. وفي هذا
الإطار فإن أوّل سؤال نطرحه هو ما المقصود بأنّ "الإسلام هويّة
البلاد"؟ فهذا المفهوم للهويّة حصري (reducteur)
وملتبس. بالطّبع نحن لا ننفي كون الأغلبيّة السّاحقة من الشّعب
التّونسي "مسلمة" وكون الإسلام في بعده الحضاري والثّقافي والرّوحي
حاضرا في حياة التّونسيّين بهذا الشّكل أو ذاك أو بهذه الدّرجة أو
تلك. ولكن الإشكال الأوّل المطروح هو لماذا حصر الهويّة في "الإسلام"
أليس يعني ذلك محاولة حصرها فيما هو عقيدة وتحديدا فيما هو شعائر
وشريعة (حدود، تعدّد زوجات...) وهو طرح خاطىء للهويّة. ثمّ أين هو
البعد العربي في هويّة التّونسي؟ وأين هو البعد التّاريخي؟ فتاريخ
تونس لم يبدأ مع الإسلام بل هو سابق له. وتراث البلاد ما قبل
الإسلامي يبقى جزءا لا يتجزّأ من تراثها. أين هو البعد الثّقافي؟
والثّقافة كما هو معلوم أوسع من أن تكون إسلاميّة بالمعنى الحصري
للكلمة. فكلّ عناصر الثّقافة لشعبنا عبر التّاريخ، تمثّل إرثه
المشترك سواء طبعت بطابع ديني أولم تطبع، سواء كانت وثنيّة أو
أرواحيّة (قبل الاسلام) أو سنّية وشيعيّة وصوفيّة وعلمانيّة
وإلحاديّة (بعد الاسلام). ثمّ ما الهويّة في حدّ ذاتها وهل هي عنصر
ثابت حدّده جيل من أجيال السّلف بصورة نهائيّة، وما علينا نحن إلاّ
الامتثال لتصوّرهم أم أنّها عنصر متحرّك، متغيّر، قابل للإثراء
والتّجدّد باستمرار حسب كلّ مرحلة من مراحل الشّعب التّونسي؟
أمّا السّؤال الأخطر فيتعلّق بالانعكاسات السّياسيّة لعبارة "الإسلام
هويّة البلاد". فهل يعني ذلك أنّ الدّولة ينبغي أن تكون "إسلاميّة"
أي دينيّة وأنّ الاجتماع والاقتصاد والسّياسة والثّقافة لا ينبغي أن
تخرج عن هذا الإطار أي أنّه يجب أسلمة التّشريع (الحدود...) وأسلمة
"الفكر" والأدب والعلوم والغناء والمسرح والسّينما والرّسم وغير ذلك
من أنواع الفنون وهو مايعني الحكم عليها بالموت كما هو محكوم عليها
في السّعوديّة أو في أفغانستان طالبان؟ وهل يعني ذلك أنّ التّمتّع بـ"الحرّية
والحقوق" يقتصر على من يضع نفسه "داخل الخيار الإسلامي" أو"الهويّة
الإسلاميّة" كما ستحدّدها "حركة النّهضة" أو أيّ طرف إسلامي آخر
لأنّنا نعرف أنّ الإسلام إسلامات في الواقع، إذا نظرنا إلى مختلف
القراءات التي يخضع لها. فهي تتراوح ما بين القراءة المتطرّفة التي
تكفّر الجميع عدا "الفرقة النّاجية" وبين القراءة اللّيبراليّة
-المعاصرة التي وإن اعتبرت الإسلام جزءا من هويّة الشّعب التّونسي
فهي لا ترى في ذلك ذريعة لرفض علمنة الدّولة وإقامة دولة دينيّة؟ وهل
من ينطلق في السّياسة والتّشريع والاقتصاد والاجتماع والثّقافة من
مرجعيّة فكريّة غير دينيّة، ماركسيّة أو قوميّة أو ليبراليّة أو
اشتراكيّة ديمقراطيّة علمانيّة هو غير تونسي أو أنه يعتبر "خارج
الملّة" ويعامل كـ"مرتدّ" أو"ذمّي" أو كحزب الشيطان أو في أفضل
الحالات، كـ"طرف ضالّ" يجادل بـ"الحسنى" من باب "التّسامح" لا كطرف
متساو في الحقوق مثله مثل جميع الأطراف الأخرى التي تخضع لنفس
المبادىء ولنفس القانون مهما كان فكرها أو مذهبها أو عقيدتها؟ ثمّ
ودائما في نفس الإطار ما المقصود بـ"محاربة الدّولة التّسلّطية
الحديثة في بلادنا ومنذ نشأتها، للإسلام"؟ فماذا تضع "حركة النّهضة"
في باب "محاربة نظام بورقيبة الإسلام"؟ هل تضع فيه إلغاء العمل
بالحدود؟ وإلغاء تعدّد الزّوجات ومنح المرأة حقّ الطّلاق؟ وإقرار
مبدأ التّبنّي؟ وهل تضع فيه أيضا توحيد نظام التّعليم وإلغاء نظام
الأحباس؟ وإقرار مبدأ حرّية المعتقد في الدّستور (الفصل الخامس) رغم
معارضة بعض المشايخ الذين لم يرفعوا صوتهم لمّا كان الاستعمار جاثما
على البلاد، بل شرّعوا حضوره ودعوا التّونسيّين إلى الرّضوخ له بدعوى
أنّه قضاء وقدر وأفتوْا للمؤتمر الأفخارستي وساندوا باسم الدّين قمع
نقابة محمّد علي الحامّي؟ وهل أنّ حركة النّهضة تعزو انتهاك النّظام
البورقيبي للحرّيات أو بالأحرى استبداده لـ"علمانيّته"؟ كما تعزو
انتهاكه للهويّة لنفس "العلّة" وليس لاختيارات نظامه الاقتصاديّة
والسّياسيّة والثّقافيّة التّابعة؟
كلّ هذه الأسئلة مشروعة لأنّنا نعرف جيّدا الخلافات العميقة التي
تبطنها عبارات مثل "الهويّة الإسلاميّة" أو "الهويّة العربيّة
الإسلاميّة" أو "قيمنا الحضاريّة والثّقافيّة العربيّة الإسلاميّة"
والانعكاسات المنجرّة عن تلك الخلافات في الميادين الفكريّة
والسّياسيّة والإجتماعيّة وهي خلافات ما كانت لتظهر لو وُجد اتّفاق
على ضرورة الفصل بين الدّين والدّولة وبين الدّين والسّياسة عامّة
لنتجنّب الاستبداد باسم الدّين. ولكنّ "حركة النّهضة" قد تجيب بما
ورد في البيان الختامي من تأكيد على أنّها لا تدّعي "إحتكار الصّفة
الإسلاميّة أو توظيفها بأيّ شكل من الأشكال في صراعها السّياسي" كما
لا تدّعي أنّها "النّاطق الرّسمي باسم الحقيقة الإسلاميّة" حتّى وإن
جعلت من الإسلام هويّتها بل هي تنطلق من "تصوّر للإسلام" وهو ما يجيز
للأطراف الأخرى أن تكون لها تصوّراتها للإسلام التي تبني عليها رؤاها
الفكريّ والسّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. ولكنّ هذا الجواب
يظلّ ملتبسا. فهو لئن اعترف بوضوح بـ"التّعدّد" في إطار "إسلامي" فهو
لم يعترف به وبنفس الوضوح اعترافا عامّا يتجاوز ذلك الإطار ليشمل كلّ
العائلت الفكريّة والسّياسيّة ويصبح اعترافا لا لبس فيه بمبدأ
التّعدّديّة الفكريّة والسّياسيّة بشكل عامّ. فالمهمّ في مجال
الحرّيات ليس أن تعترف بـ/أو تحترم/ حقّ الإختلاف في دائرة مرجعيتك
الفكريّة وهو اختلاف، حتى وإن احتدّ يبقى في مستوى "الفروع" بل أن
توسّع ذلك الاعتراف وذلك الاحترام ليشمل من هم خارج تلك الدّائرة.
ومن جهة أخرى فإنّ تأكيد "حركة النّهضة" أنّها لا تستعمل صفتها
الإسلاميّة أو توظّفها في "صراعها السّياسي" لا يصبح له معنى، إلاّ
إذا تحوّل إلى مبدأ في التّعامل قائم على اعتبار مرجعيتها الإسلاميّة
مرجعيّة مثل جميع المرجعيات الأخرى كالإشتراكيّة بالنّسبة إلى
الإشتراكي واللّيبراليّة بالنّسبة إلى اللّيبرالي والقوميّة بالنّسبة
إلى القومي، لا تضفي على أصحابها وعلى برامجهم قدسيّة ولا تجوّز لهم
بالخصوص اتّهام خصومهم "بالكفر" أو"الخروج عن الملّة". ولا يصبح له
معنى أيضا إلاّ إذا تحوّل إلى "مبدأ حكم (un
principe de gouvernement)
تلتزم بموجبه "حركة النّهضة" بأن لا تصبغ على الدّولة صفتها
العقائديّة إذا ارتقت إلى الحكم، وتحوّلها إلى دولة دينيّة -طائفيّة،
تنتهك حرّية الشّعب وحقوقه بدعوى أنّها فازت بالانتخابات مثلا!! هذا
هو جوهر المسألة. فإذا قصد البيان المعنى الذي ذكرنا فهو موقف مقبول.
وإن لم يقصده فهو موقف مرفوض، لأنّه "تكتيكي" و"نفعي" يهدف إلى ذرّ
الرّماد في العيون.
إنّ "حركة النّهضة" من حقّها أن تختار، شأنها شأن كافّة الحركات
السّياسيّة، المرجعيّة أو الهويّة الفكريّة التي تريد ولا أحد من
حقّه أن يملي عليها ما ينبغي أن تختار، بل حقّه الوحيد يبقى في
الإختلاف معها وفي مقاومتها بكلّ ما أوتي من قوّة فكريّة وسياسيّة إن
شاء لإظهارخور اختيارها. وبتعبير آخر فإنّ من حقّ "حركة النّهضة" أن
تكون لها مرجعيّة إسلاميّة أو "تصوّر للإسلام" تنطلق منه أو تستلهم
منه موقفها في جميع الميادين سواء كانت في المعارضة أو في الحكم.
ولكن ما ليس لها فيه حقّ، وهي في ذلك مثلها مثل بقيّة الحركات
السّياسيّة، هو أن تجعل من هويّتها الخاصّة دينا تحاول فرضه على
الجميع، فتقول للنّاس: أنا الإيمان والآخرون هم الكفر! أو تقول لهم:
هذا هو "موقف الإسلام" من كذا وكذا فمن اتّبعه فهو مؤمن ومن عارضه أو
قاومه فهو كافر. هذا هو الخلط بين الدّيني والسّياسي. وهذا هو توظيف
الدّين في الصّراعات السّياسيّة وتحويله إلى أداة لقمع حرّية
التّفكير والرّأي والتّعبير وسببا لبثّ التفرقة بين أبناء الشعب
الواحد وبناته. وهنا يعطي مناضل "حركة النّهضة" نفسه "حقّا" على
حرّية الآخرين إن لم نقل على حياتهم لأنّنا نعرف عواقب تكفير شخص أو
حزب أو أيّة مجموعة كانت.
بالطّبع نحن لا نخفي أنّنا نريد علمنة الدّولة، وعلمنة السّياسيّة
وإخراجها من حيّز الدّين، حتى لا تتحوّل الصّراعات السّياسيّة إلى
صراعات "دينيّة" قائمة على التّكفير والتّكفير المضادّ. فعلمنة
الدّولة كعلمنة السّياسة فيها مصلحة للجميع سواء للحركات السّياسيّة
التي تناضل من أجل الدّيمقراطيّة والتّقدّم ولا تحتاج إلى إلباس
مواقفها لبوسا غيبيّا لإقناع النّاس بها، أو الشّعب الذي هو في حاجة
إلى من ينوّر عقله لا إلى من يعتّم رؤيته، حتى يتحرّر نهائيّا من خلق
العبوديّة التي لوّث بها الحكّام، عبر القرون، وعيه وسلوكه، ويثق
بقدراته ويمارس سيادته بجرأة واقتدار. ولا يسعنا هنا إلاّ أن نتساءل
إذا لم يكن الفصل بين الدّين والدّولة أو بين الدّين والسّياسة جزءا
لا يتجزّأ من قضيّة الحرّية والدّيمقراطيّة في بلادنا وهي القضيّة
التي تفرض نفسها على الأغلبيّة السّاحقة من المجتمع وعلى مختلف
النّزعات الفكريّة والسّياسيّة النّاشطة فيه فما الذي يجعل "حركة
النّهضة" ذاتها ترفع، في البيان الختامي لمؤتمرها السّابع المطلب
التّالي ضمن لائحة المطالب الدّيمقراطيّة التي رفعتها: "رفع القيود
المفروضة على التّديّن والكفّ عن وصاية الدّولة على الدّين
ومؤسّساته"؟ أليست ما تطالب به "النّهضة" هو العلمانيّة؟ أفهل
للعلمانيّة تعريف أوضح من هذا التّعريف: أن لا تتدخّل الدّولة في
معتقدات النّاس وأن لا تفرض عليهم قيودا وأن ترفع بالتّالي يدها عن
الدّين فيصبح جزءا لا يتجزّأ من الحرّية الشّخصيّة غير قابلة
للإنتهاك والتصرّف. كما ترفع يدها عن المؤسّسات الدّينيّة فتصبح جزءا
من المجتمع المدني لا وصاية للدّولة عليها!!
فهل هذا هو ما تريده حقّا "حركة النّهضة" فإن كان ذلك هو فما معنى
الحرب التي لا تزال تشنّها على العلمانيّة؟ إنّ ما يشغل بالنا في
الواقع هو التّالي: هل أنّ "حركة النّهضة" حين ترفع ذلك المطلب في
بيانها، تتحرّك من موقع مبدئي؟ أي هل أنّها ترفعه لأنّه أصبح
بالنّسبة إليها مبدأفكريا وسياسيّا وبالتّالي فهي تلتزم به اليوم في
دعايتها وسلوكها وغدا، إذا وصلت إلى دفّة الحكم، أيضا فلا تفرض قيودا
على معتقدات المواطنين ولا وصاية على الدّين ومؤسّساته؟ أم هل أنّها
ترفع ذلك المطلب لغايات تكتيكيّة، نفعيّة ليتسنّى لها، باعتبارها
تمثّل "الإسلام الصّحيح" بينما بن علي يمثّل "الكفر"، استغلال مختلف
الفضاءات الدّينيّة وغير الدّينيّة (مساجد، كتاتيب، مدارس...)لنشر
دعايتها وتوسيع تأثيرها السّياسي إلى أن تتمكّن من افتكاك السّلطة
بهذا الأسلوب أو ذاك فتعلن وصايتها على الدّين وعلى مؤسّساته وتفرض
القيد تلو الآخر على حرّية المعتقد خاصّة وعلى الحرّيات الشّخصيّة
عامّة (لباس، مأكل، مشرب...) وبالتّالي هل أنّ معركة "حركة النّهضة"
مع بن علي اليوم هي معركة من أجل الحرّية بما فيها حرّية الضّمير، أم
هي معركة من أجل من يحتكر الدّين ويفرض وصايته عليه وعلى مؤسّساته
ويوظّفه في السّيطرة على النّاس والمجتمع بدعوى أنّه "ممثّل الإسلام
الصّحيح"؟
هذه هي الأسئلة المشروعة التي يحقّ للنّاس إثارتها. وتعرف "حركة
النّهضة" أنّ مثل هذه الأسئلة يلاحقها في كلّ القضايا المتّصلة
بالحرّيات والدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان سواء بسبب بعض ممارساتها في
السّاحة التّونسيّة أو بسبب ظاهرة ازدواجيّة الخطاب التي ميّزت "حركة
الإخوان المسلمين" التي تعدّها "حركة النّهضة" ضمن مرجعياتها
الأساسيّة. ويمكن اختزال الأسئلة التي يطرحها النّاس في سؤالين
أساسيّين هما: هل أنّ ما تطالب به "حركة النّهضة" من حقوق لنفسها
تُقرّه لغيرها؟ وهل أنّ ما ترفعه اليوم من شعارات ديمقراطيّة ستلتزم
به غدا حين تكون في وضع غير وضعها الحالي؟. وفي ختام هذه الفقرة
المتعلّقة بعلاقة الدّين بالدّولة، ودون أن نزعم إعطاء الدّروس
لمناضلي "حركة النّهضة"، إذ ليس من عاداتنا إعطاء الدّروس لأيّ كان،
نريد أن نلاحظ أنّ في تجربتهم خلال العشر سنوات الأخيرة، من الحوافز،
ما يجعلهم منطقيّا وموضوعيّا، إذا كان همّهم فعلا تخليص الشّعب
التّونسي من القمع والقهر، من دعاة علمانيّة الدّولة.
إنّ "الإسلاميّين" الذين تمكّنوا من الإفلات من عصى القمع ومنهم
الشيخ راشد الغنّوشي ووليد البنّاني وعامر لعريض وكافّة الذين حضروا
المؤتمر السّابع، لم يتوجّهوا لا إلى المملكة العربيّة السّعوديّة
"قلعة الإسلام السّني" ولا إلى إيران "قلعة الإسلام الشّيعي" ولا إلى
أيّة دولة إسلاميّة أخرى تتجلبب بجلباب الدّين وتطبّق الشّريعة وترفع
شعار "الأخوّة الإسلاميّة"، بل توجّهوا رأسا إلى دول أوروبا
العلمانيّة، إلى انجلترا وفرنسا وألمانيا وهولندا والسّويد وغيرها من
الدّول التي تفصل بين الدّين والدّولة وبين الدّين والسّياسة. وقد
حصلوا فيها على اللّجوء السّياسي وهم يعيشون فيها دون رقيب عليهم في
ممارسة شعائرهم الدّينيّة. فلا بوليسا يطردهم من الجامع ولا عسسا
يغلقون أبوابه بعد الصّلاة. كما أنّهم لا يمنعون من تكوين الجمعيات
والنّوادي الإسلاميّة ومن نشر الإسلام وتوزيع البيانات وإصدار
الجرائد والكتب والإدلاء بتصريحات للإذاعات والتّلفزات ومن فتح مواقع
لهم ولحركتهم في شبكة "الأنترنيت". وهم يجدون الدّعم الكامل من عدد
كبير من العلمانيّين الأوروبيّين في مطالبهم المتعلّقة بإلحاق
عائلاتهم (الزّوجة والأطفال) بهم أو بحقّهم في العودة إلى بلدانهم
دون خشية من الإضطهاد (عفو تشريعي عامّ). وقد رفضت دول أوروبا
العلمانيّة التي استضافتهم تسليمهم إلى بن علي، حتى لا ينكّل بهم.
وهي تتقيّد في ذلك بدساتيرها وقوانينها العلمانية وبالإعلان العالمي
لحقوق الإنسان وبرأيها العامّ المعلمن، الذي تربّى على رفض الإضطهاد
بسبب المعتقد أو الرّأي أو الانتماء السّياسي؟ فلماذا توجّه الجماعة
إلى الدّولة العلمانيّة وليس إلى الدّولة الدّينيّة الإسلاميّة إذن؟
أليس لأنّ الأولى تمنحهم الحرّية وتحميهم من الانتهاكات بسبب دينهم
أو عرقهم أو جنسهم وتتيح لهم فرصة مقاضاة كلّ من يرتكب مثل هذه
الانتهاكات على حسابهم؟ في حين أنّ الثّانية هي دولة لا تتوفّر فيها
أبسط الحرّيات، بل يسودها الاستبداد والقهر باسم الدّين؟ ليتصوّر
"الإسلاميّون" لحظة واحدة لو أنّ الدّول الأوروبّية العلمانيّة التي
توجّهوا إليها كانت دولا دينيّة، مسيحيّة، تعتبر أصحاب الدّيانات
الأخرى (كالمسلمين) "كفرة"، و"أعداء للّه" وتعاملهم كـ"أهل ذمّة" في
أفضل الحالات، فهل كانت ستستقبلهم وتعطيهم اللّجوء السّياسي؟ وهل
كانوا سيجدون الدّعم الإنساني والمعنوي الذين يلاقونه من الجمعيات
والتّنظيمات الإنسانيّة والدّيمقراطيّة، التي تختلف معهم في عقائدهم
وآرائهم ولكنّها ترفض أن يضطهدوا بسببها من أيّ كان؟ ثمّ هل أنّ
"الإسلاميّين" لو توجّهوا إلى "خادم الحرمين الشّريفين" أو لغيره من
ملوك الإسلام وأمرائه أو رؤسائه، كانوا سيبقون إلى هذه السّاعة
أحرارا إن لم نقل أحياء؟ فمن سيتردّد من أولئك الملوك والأمراء
والرّؤساء الذين ليس لهم أدنى احترام للمبادىء وللقانون وللقيم
الإنسانيّة، رغم أنّ عبارة "الإسلام دين الدّولة والشّريعة مصدر
القوانين" تتصدّر دساتيرهم، إن كانت لهم دساتير، في تسليمهم إلى بن
علي أو في تصفيتهم عند الاقتضاء؟ وبعبارة أخرى لماذا يحتمي مناضلو
"حركة النّهضة" زمن المحنة بالدّولة العلمانيّة ويتمتّعون بما تمنحه
لهم من حرّية (لأنّ المعتقدات والأديان تتساوى في ظلّها، فلا دين
أغلبيّة، ولا دين أقلّية ولا دينا سائدا ولا دينا مسودا، بل كلّ
المعتقديات والأديان، بما فيها معتقدات أهل البلد وأديانهم سواسيّة
أمام القانون وكلّ مواطن مهما كان أصله أو فصله حرّ في اتّباع
المعتقد الذي يريد وإذا تعرّض لضغوط أو مضايقة، حتى من قبل الدّولة،
فالقانون موجود ليردع ذلك السّلوك)، لماذا هم إذن يمجدون في مهجرهم
فضائل العلمانيّة ولكنّهم لا يتوانون عن مقاومتها وتشويهها حين
يتعلّق الأمر ببلدهم؟ لماذا هي العلمانيّة في نظرهم حرّية،يدافعون
عنها ويطلبون المزيد منها حين يكونون لاجئين في أوروبا؟ ولماذا تصبح
عندهم "كفرا" و"إلحادا" و"فسادا أخلاقيّا" حين يكونون في بلدهم أو
حين يطالب بها جزء من أبناء هذا البلد؟ أليس في سلوك "الإسلاميّين"
تناقض؟ أليسوا من دعاة العلمانيّة في الحالة الأولى، لأنّ لهم فيها
مصلحة باعتبارهم أقلّية في البلدان الأوروبيّة؟ وهم ضدّها في بلدهم
لأنّهم يعتقدون أنّ لهم مصلحة في الدّولة الدّينيّة لأنّه بإمكانهم
استخدامها لفرض سيطرتهم على غيرهم وإعطاء أنفسهم "حقّا"، على حرّيته
أو حتى على حياته لأنّه يختلف معهم في الرّأي والعقيدة (العقيدة
بالمعنى العامّ وليس بالمعنى الدّيني فقط)؟ وبتعبير آخر أليسوا هنا
يتعاملون مع قضيّة الحرية تعاملا ازدواجيّا؟ هي حقّ لهم حين يكونون
في وضع صعب ولكنّها ليست حقّا لغيرهم حين يكونون في موقع يمكّنهم أو
يعتقدون أنّه يمكنهم من السّيطرة ومن تمرير شعاراتهم؟ فلماذا إذن لا
يحسم مناضلو "حركة النّهضة" هذا التّناقض ويتماسكون مع انفسهم
ويقبلون العلمانيّة آليّة عامّة لضمان حرّية الجميع وحقوقهم مهما كان
الموقع الذي هم فيه: موقع أقلّية أو موقع أغلبيّة؟ وخلاصة القول إنّ
الفصل بين الدّين والدّولة وسيلة أو آليّة تحتاجها جميع الشّعوب، لا
شعوب أوروبا فقط. فالشّعب التّونسي مثله مثل أيّ شعب أوروبّي (أو
أمريكي أو آسيوي باعتبار العلمانيّة انتشرت في كافّة انحاء العالم
وأقرّت عدا في البلدان العربيّة بوجه خاصّ)، في حاجة إلى الحرّية.
والحرّية تتناقض مع التّعصّب الدّيني. و"حركة النّهضة"، إذا أقرّت
مبدأ فصل الدّين عن الدّولة وعن السّياسة، فهي لا تخسر شيئا، عدا
"حقّ تكفير الغير" وهو حقّ غير مشروع يضع صاحبه خارج دائرة أنصار
الحرّية والدّيمقراطيّة. وهذه "الخسارة" هي في الواقع ربح لقواعدها
الذين سيتحرّرون من عقليّة الإستبداد (لأنّ من يعتقد أنّ له حقّا على
حرّية غيره أو على حياته هو شخص مستَلَبٌ) ويتفاعلون أكثر مع حركة
التّاريخ الإنساني. كما أنّها ربح للشّعب التّونسي قاطبة. وطالما أنّ
"حركة النّهضة" لم تحسم هذا الأمر نهائيّا ستبقى في أفضل الحالات
تتأرجح بين خطاب استبدادي تشدّها إليه منطلقات فكريّة منغلقة وخطاب
تحرّري قد لا يدوم إذا لم يتأصّل وبالخصوص إذا كانت تدفع إليه اليوم
عوامل ظرفيّة.
حول الحرّيات الفرديّة
إنّ التّساؤلات حول موقف "حركة النّهضة" من علاقة الدّين بالدّولة
وما له من انعكاسات على موقفها من قضايا الحرّيات والدّيمقراطيّة
بشكل عامّ يزداد إلحاحا حين نتطرّق إلى هذه القضايا بشكل مخصوص. وفي
هذا الإطار فإنّ أولى القضايا التي تواجهنا هي قضيّة الحرّيات
الفرديّة وعلى رأسها "حرّية التّفكير والضّمير والمعتقد" وموقف "حركة
النّهضة" منها باعتبـــارهـا تندرج ضمن ذلك الحدّ الأدنى الذي
تحدّثنا عنه. فالبيان المشترك لا يتعرّض مباشرة لهذه المسألة. فهو
يتحدّث بشكل عامّ عن "احترام حقوق الإنسان" دون إشارة واضحة إلى
المرجعيّة المستند إليها: أهو الإعلان العالمي الذي يقرّ في مادّته
الثّامنة عشرة أنّه "لكلّ إنسان الحقّ في حرّية التّفكير والضمير
والمعتقد" أم هي مرجعيّة أخرى، لأنّ المرجعيات تكاثرت بعد أن أصبح
الجميع منذ مدّة يرفع شعار "الدّفاع عن حقوق الإنسان" التي يضمّنها
ما يريد، ويحذف منها ما يحلو له. كما يتحدّث البيان المشترك عن "حقوق
المواطنين" دون تفصيلها. أمّا البيان الختامي للمؤتمر السّابع لحركة
النّهضة فإنّه غيّب تقريبا مسألة الحريات الفردية وفي مقدّمتها حرّية
التّفكير (والضّمير والمعتقد). فهو يركّز أساسا على ما يندرج ضمن
الحرّيات العامّة. ففي الفقرة الموسومة بـ"النّضال من أجل الحرّية"
جاء أنّه "من المهامّ التي تتطلّع الحركة لتحقيقها هي أنّ تستعيد
الجماهير حقّها المشروع في تقرير مصيرها بعيدا عن كلّ وصاية داخليّة
أو هيمنة خارجيّة ورفض مبدأ الانفراد بالسّلطة. وفي المقابل إقرار
حقّ كلّ القوى الشّعبيّة في ممارسة حرّية التّعبيبر والتّجمّع وسائر
الحقوق الشّرعية". وفي لائحة المطالب العامّة التي ترفعها الحركة
أشار البيان إلى "حرّية الصّحافة والتّعبير" و"تحقيق إصلاحات دستورية
وقانونيّة شاملة". ولم يتعرّض البيان بالذّكر سوى مرّة واحدة
لـ"حرّية الرّأي" بمعنى "حرّية التّعبير" عند حديثه عن مسيرة الحركة
في "مقاومة الاستبداد" وعن دعوتها إلى "سيادة حكم القانون والشّورى
عبر حرّية الرّأي والتّنظيم والفصل بين السّلطات والمشاركة في
الحكم". وفي سياق آخر أكّد البيان التزام الحركة "بنهج الحوار وآدابه
(...) نابذة التّعانف في الفكر والقول والعمل من أيّ كان سبيلا لحسم
اختلافات الفكر والسّياسة". فكما هو واضح إذن يتعرّض البيان للحرّية
كوسيلة "تقرير مصير" جماعيّة أي بمعنى الحقّ في ممارسة الشعب سيادته،
من ناحية وحقّه في أن ينعم باستقلاله في علاقة بالقوى الخارجيّة من
ناحية ثانية. ولكنّه لا يبرز الحرية كوسيلة "تقرير مصير" على المستوى
الشّخصي بمعنى حرية المواطن في اختيار النّهج الذي يمكّنه من تحقيق
ذاته، دون النّيل من حرّية الغير أفرادا ومجموعات، بالطّبع. وتمثّل
حرية التّفكير إحدى أهمّ الوسائل التي يحتاجها التّونسي (ذكرا كان أم
أنثى) لتحقيق ذاته وللمساهمة بفعّالية في حياة المجموعة. وبعبارة
أخرى لا توجد في البيان إشارة إلى تبنّي الحركة مبدأ حرّية التّفكير
(وفي علاقة بها حرّية الضّمير والمعتقد) والدّفاع عنها.
ونحن إذ نشدد على حرّية التّفكير فلأنّها تمثّل نقطة بارزة في الخلاف
بين حزب العمّال وبين الحركات السّياسيّة الدّينيّة في بلادنا.
والمقصود بحرّية التّفكير عندنا هو حقّ التّونسي (ذكرا كان أم أنثى)
في الخوض بكامل الحرّية في كافّة القضايا التي تشغل باله عقديّة
(دينيّة...) كــــانت أم فلسفيّة أم اجتماعيّة أم اقتصاديّة أم
تاريخيّة أم علميّة أم أدبيّة وفنّية كحقّه في التّعبير بكامل
الحرّية أيضا عن القناعات التي يتوصّل إليها وبالأشكال التي يرتئيها
بحثا أو دراسة أو رأيا سياسيّا أو إبداعا أدبيّا أو فنيّا، كتابة أو
مشافهة أو رسما أو تصويرا، دون أن يكون عرضة لمنع أو عقاب أو اضطهاد
وأنّ من لا يتّفق معه يحقّ له معارضته ولكن بأسلحة فكريّة وفكريّة
فقط.
وبطبيعة الحال يحيلنا هذا الموضوع على مسألة التّكفير الذي استخدم في
التّاريخ العربي الإسلامي وفي التّاريخ المسيحي وغيره من تواريخ
الأديان (اليهوديّة والبوذيّة والهندوسيّة إلخ...) سلاحا فتّاكا لقمع
أهل الرّأي المخالف. ولئن اختفى هذا السّلاح من معظم الفضاءات
الحضاريّة والثّقافيّة الأخرى، بل أصبح القانون يعاقب على استعماله
باعتباره انتهاكا لحرّية التّفكير والضّمير، فإنّه لا يزال مع الأسف
يُشهّر في الفضاء الثّقافي العربي الإسلامي بهدف اغتيال العقول
وتكميم الأفواه. وهو يمارس في بعض البلدان على مستوى الدّولة
(السعوديّة، وغيرها) وفي بلدان أخرى تمارسه جماعات من داخل المجتمع.
ولا شكّ في أنّ "حركة النّهضة" تتذكّر ما حصل للشّيخ محمود طه في
السّودان على يدي جعفر النّميري وحسن التّرابي، فقد اعتبراه مرتدّا
وقتلاه لا لشيء إلاّ لأنّه اعتبر "الشّريعة الإسلاميّة" قابلة
للتّغيير والتّطوير وفق حاجيات المسلمين الرّاهنة. كما تعلم "حركة
النّهضة" ما حصل للمفكّر الإسلامي المصري نصر حامد أبو زيد. فقد
كُفّر وطُلّق من زوجته وأهدر دمه ضمنيّا، لأنّه يدافع عن توجّه
إسلامي -عقلاني -ديمقراطي وينتقد الشّافعيّة والتّعصّب الدّيني
وتدجيل أشباه العلماء الذين يتمعّشون في مصر، وغير مصر، من التّسلّط
على ضمائر النّاس وعقولهم. كما تعلم قتل الكاتب المصري فرج فودة على
يد بعض الجماعات "الإسلاميّة" التي اعتبرته "مرتدّا" لأنّه شنّ عليها
حربا فكريّة بناء على قراءة مخالفة للنّصوص. والأمثلة كثيرة ولا
فائدة في تعدادها فهي معروفة.
وإذا كانت الأمور لم تبلغ في تونس ما بلغته في بلدان عربيّة
وإسلاميّة أخرى من تعصّب وتطرّف، فإنّ ذلك لا يعني أنّ التّكفير كان
غائبا في خطاب الحركة الإسلاميّة بما فيها الفصل النّهضوي أو أنه لم
يدفع في بعض الفترات أنصارها إلى ارتكاب اعتداءات على خصومهم
الفكريّين والنّيل من حرّيتهم الشّخصيّة. وقد بلغ في بعض الأحيان حدّ
استعداء السّلطة على مواطنين مفطرين في شهر رمضان أو على بعض الكتّاب
والشّعراء. ولكن قد يقال لنا إنّ ذلك ينتمي إلى الماضي أو أنّه
تجاوزات لا يمكن أن تحسب على الحركة ككلّ. كان بودّنا أن نصدّق ذلك.
ولكن حين نقرأ بيان المؤتمر الختامي نصطدم بإشارة واضحة إلى استمرار
الحركة اعتماد وثيقة "الرّؤية الفكريّة والمنهج الأصولي لحركة
الإتّجاه الإسلامي" وثيقة تأسيسيّة ومرجعا أساسيّا من مراجعها
الفكريّة. ومن اطّلع على هذه الوثيقة يعرف أنّ "حركة النّهضة" أعطت
فيهـا لنفسهـا سلطة مراقبة ضمائر النّاس وعقولهم وبالتّالي "حقّا"
على حرّيتهم، ولم لا على حياتهم أيضا ما دام حكم الرّدة معروفا عند
الحركات الإسلاميّة وهو القتل. فقد ورد في تلك الوثيقة على لسان
الحركة: "إنّنا لا نكفّر مسلما أقرّ بالشّهادتين وما يتبعها من إيمان
باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر وعمل
بمقتضاها وأدّى الفرائض، لا نكفّره برأي ومعصية إلاّ إذا أقرّ بكلمة
الكفر أو أنكر معلوما من الدّين بالضّرورة أو كذّب صريح القرآن أو
فسّره على وجه لا تحتمله أساليب اللّغة العربيّة بحال أو عمل عملا لا
يحتمل تأويلا غير الكفر." وبتعبير آخر فإنّ "حركة النّهضة" تكفّر كلّ
شخص لا يؤمن أو يحمل قناعة غير ما تراه هي أنّه "الإيمان" وكلّ شخص
يصوم ولا يصلّي مثلا أو يشرب جعة أو خمرا أو يفسّر القرآن تفسيرا
"باطنيّا" أو يؤوّله تأويلا على غير العادة والتّقليد وهو أمر فعله
كثيرون من الفقهاء وعلماء الدّين، قديما وحاضرا، بل إنّها تكفّر كلّ
من "عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر" مخوّلة لنفسها بطبيعة الحال
صلاحيّة الحكم على أعمال النّاس.
والسّؤال كلّ السّؤال هو من فوّض "لحركة النّهضة" أو لأيّة حركة
إسلاميّة أخرى في العالم هذه السّلطة، سلطة تكفير النّاس ومحاسبتهم
على معتقداتهم وقناعاتهم وأفكارهم وأعمالهم؟ أهي "ممثّل اللّه فوق
الأرض"؟ وما هي علاقة الكلام الوارد في الوثيقة المذكورة أعلاه بما
تطرح "حركة النّهضة" اليوم من شعارات حول الحرّية والدّيمقراطيّة
وحقوق الإنسان؟ وإذا كانت تخلّت عن منطق التّكفير فلماذا لا تعلن
مراجعتها لتلك الوثيقة. فالأحزاب والحركات السّياسيّة حين تتطوّر لا
تتحرّج من نقد ذاتها وتطهير خطّها الفكري والسّياسي ممّا تعتبره خطأ.
وعلى مناضلي "حركة النّهضة" أن يدركوا تمام الإدراك أنّ تقدّم تونس
على درب الحرّية والدّيمقراطيّة غير ممكن إلاّ إذا توفّرت لأبنائها
وبناتها حرية التّفكير، لأنّها "أمّ الحرّيات". فمن ليس حرّا في
تفكيره لا يمكن أن يتمتّع بحرّية التّعبير. ومن ليس حرّا في تفكيره
أيضا لا يمكن أن ينعم بحرّية التّنظّم لأنّ الأحزاب والجمعيات تبنى
على الأفكار التي تنبثق عنها الاختيارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة
والسّياسيّة والثّقافيّة. وأخيرا وليس آخرا، فمن لا يتمتّع بحرّية
التذفكير لا يمكن أن يقدّم نفسه إلى الانتخابات أو يختار من ينوبه أو
من يحكمه بحرّية، لأنّ حرّية الاختيار هذه مرتبطة رأسا، بحرّية
التّفكير. وفي كلمة لا حرّية سياسيّة دون حرّية فكريّة، بل لا نهضة
أيضا اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة وعلمية دون أن تتوفّر الحرّية
الفكريّة. ومن النّافل أنّ أساس حرّية التّفكير هو الرّوح النّقديّة
(l esprit
critique)
وهذه الرّوح هي التي تمكّن من إحلال فكر الحرّية مكان فكر الإستبداد
ومن إحلال مبدأ النّقاش الحرّ محلّ الأوامر والاقتناع المؤسّس على
الحجّة والبرهان محلّ الاقتناع المؤسس على الضّغط والإكراه وهو ليس
اقتناعــــا بل خضوعــــا. وهذا يعني أنّه لا حرّية تفكير للتّونسي
(ذكرا كان أم أنثى) دون ان يتمتّع بحرّية النّقد وحرّية النّقاش، فلا
يبقى مجال واحد عقدي أو فلسفي أو سياسي أو اجتماعي أو ثقافي مغلق في
وجهه أو ممنوع عليه طرقه، لأنّه لا إبداع دون تحليل الواقع بعين
نقديّة للوقوف على ما فيه من تناقضات وإيجابيات وسلبيات بدون مساحيق.
ومن البديهي أنّه لا حرّية تفكير ولا حرّية نقد ولا حرّية نقاش دون
القطع مع منطق التّكفير، وإلاّ فأيّ مستقبل ينتظر الشّعب التّونسي؟
فهو اليوم ضحية لبن علي الذي يستعمل سلاح التّخوين وعصى البوليس لقمع
حرية التّفكير وهو ما أدّى إلى إصابة تونس بتصحّر فكري وثقافي لم
تشهده حتى في زمن الاستعمار الغاشم ولا حتى في أحلك فترات
البورقيبيّة. وقد فعل بن علي ذلك لأنّه يرفض الوظيفة النّقديّة للفكر
فهو يعرف بغريزته البوليسيّة أنّ فعل "فكّر" يجرّ إلى فعل "نقد"
و"نقد" إلى "ناقش"و"ناقش" إلى "طالب" و"طالب" إلى "غيّر" و"غيّر" إلى
"إرحل يا بن علي فلا حاجة للنّاس بك". وهذا ما يرفضه الرّجل. وهذا ما
ضجر منه الشّعب التّونسي أيضا. ولكن ما الذي سيتغيّر غدا في واقعه
إذا حلّ محلّ بن علي حاكم جديد "يستعمل سلاح التّكفير ليواصل قمع
حرّية التّفكير؟ اليوم بوليس قابع وراء مكتب بوزارة الدّاخليّة يقرّر
أنّ ما كتبه زيد أو عمر في الفلسفة أو التّاريخ أو السّياسة أو الأدب
أو الدّين لا يتماشى مع "المصلحة العليا للوطن". وغدا "شيخ" لا يقلّ
جهالة عن ذلك البوليس قابع بنفس المكتب أو في أيّ مكان آخر، يقوم
بدور البوليس الرّوحي ويقرّر أنّ ما كتبه أو أبدعه زيد أو عمرو في
هذا الميدان أو ذاك مناف لـ"تعاليم اللّه"؟ أيّ معنى إذن لمعارضة بن
علي اليوم إن لم يكن هدفها الحرّية أوّلا والحرّية ثانيا والحرّية
ثالثا لهذا الشّعب الذي لم ينعم عمّاله وفلاّحوه ومثقّفوه وطلاّبوه
وموظّفوه، بل كلّ طبقاته وفئاته، بالحرّية طوال تاريخهم وظلّت
طاقاتهم مكبّلة بالإستبداد؟
ولكي لا نبقى نناقش المسألة بشكل مجرّد فإنّنا نطرح على "حركة
النّهضة" الأسئلة التّالية: ما هو موقفها بوضوح من آلاف اليساريّين
التّونسيّين، (ذكورا وإناثا) حملة الفكر الإشتراكي في مختلف أبعاده
الفلسفيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة؟ هل هي تعتبرهم
"كفرة" "مرتدّين" أم تعتبرهم يمارسون حقّا أساسيّا من حقوقهم مثلهم
مثل "الإسلاميّين" الذين يتبنّون "تصوّرا للإسلام" تنبثق منه
اختياراتهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة؟ وما
هو موقفها من آلاف العلمانيّين الذين يوجد من بينهم من يؤمن ومن لا
يؤمن، ومن بين الذين يؤمنون يوجد من يقصر إيمانه على "الشّهادتين"
وفيهم من يصوم ولا يصلّي، وفيهم من يصوم ولا يزكّي، أو يشرب الجعة أو
الخمر أو الويسكي؟ هل تعتبرهم أحرارا في علمانيّتهم كما تعتبر أنّ ما
يقومون به يندرج في حرّيتهم الشّخصيّة التي لا وصاية لأحد عليها،
دولة أو مجموعـــات داخـل المجتمع أم أنها تعتبرهم "أعداء للإسلام"
و"مرتدّين" ينبغي أن يستتابوا حال قيام الدّولة الإسلاميّة وإلاّ
تطبّق عليهم الحدود ومنها حدّ الرّدة؟ وما هو موقفها من الأستاذ
الشّيخ محمّد الطّالبي الذي يقرأ النّص القرآني والإسلام عامة قراءة
"سهميّة" مقاصديّة قادته إلى اعتبار "الدّين حرّية" وإلى أنّ "لكلّ
إنسان قول ما يريد وفعل ما يريد". كما قادته إلى مناصرة المساواة بين
الجنسين في الحقوق وإلى رفض مبدأ تعدّد الزّوجات وضرب المرأة "تأديبا
لها" وحكم "المرتدّ" والرّجم وكذلك حكم الإعدام، إلى غير ذلك من
المواقف والآراء التي تتضارب مع الفكر السّلفي ومع فكر "حركة النهضة"
خصوصا على نحو ما رأينا في الشّاهد المستقى من الوثيقة الفكريّة
التّأسيسيّة؟ فهل هو حرّ في قراءته التي يعتبرها "قراءة سليمة" توافق
"مقاصد النصّ" أم أنّه مثله مثل الشّيخ محمود طه الذي لم يندد الشّيخ
راشد الغنوشي بإعدامه، بل إنّ البيان الختامي للمؤتمر لا يزال يعتبر
الشّيخ حسن التّرابي المورّط في قتله "مفكّرا مجدّدا"، مرتدّا عن
الإسلام ينبغي أن "يستتاب" أو يعدم في حال قيام دولة "إسلامية"؟ وما
هو موقفها من الأستاذ هشام جعيّط الذي نفى في كتابه "في السّيرة
النّبويّة -الوحي والقرآن والنّبوّة" أن تكون معجزات الأنبياء
موجودة، كما اعتبر "قصّة غار حراء وما تبعها اختلاق بحت" من النّاحية
الواقعيّة ودحض أن يكون محمد "أمّيا" بالمعنى الذي أعطاه معظم
المفسّرين قديما وحديثا للكلمة الواردة في النصّ القرآني وفسّر قصّة
"الإسراء والمعراج" تفسيرا لا يوافق التّفاسير التّقليديّة؟ فهل
تعتبر مقاربته التي تعتمد على "منهج عقلاني -تفهّمي" لا يوجد "لا عند
المسلمين القدامى (...) ولا عند المسلمين المعاصرين" كما قال، مقاربة
فكريّة، هو حرّ في إبداعها أم أنّه قد "كذّب صريح القرآن" أو فسّره
على وجه لا تحتمله أساليب اللّغة العربيّة بحال" وبالتّالي فهو كافر؟
هذه أمثلة سقناها، وغيرها كثير، لنضع "حركة النّهضة" أمام مسؤوليتها.
والمسألة لا يمكن الإجابة عنها في نظرنا بالقول إنّ الحركة "تجادل
مخالفيها بالحسنى" و"تنبذ التّعانف في ما هو خلافات فكريّة أو
سياسيّة". فقبل الخوض في الأسلوب بنبغي الخوض في الأصل، لأنّ الأسلوب
يحدّده في نهاية الأمر الموقف من الأصل، فـ"التّسامح" (ونحن نحبّذ
استعمال عبارة: احترام الغير، لما يمكن أن توحي به كلمة تسامح في
العربيّة من تساهل من باب الفضل أوالجميل أو المعروف وليس من باب
الواجب) كأسلوب أو عقليّة تنأى عن استعمال العنف والإرهاب أو
التّحريض عليهما في التّعامل مع الإيديولوجيات والآراء المخالفة،
وتؤمن بإمكانيّة قيام علاقات تعايش بينها دون أن تنفي إمكانيّة
الصّراع بينها، حتى لو كان ضاريا إذ المهمّ أن يكون بأسلحة فكريّة
وفكريّة فقط، إنّما قاعدته الفلسفيّة تكمن في الإعتراف بالتّنوّع
وبتعقيدات الأوضاع البشريّة وتناقضاتها الـلاّمحدودة واستحــالة
تنميطها وهو ما يقود إلى الإيمـــان بالاختـــلاف الـــلاّمحدود
للممارسة البشريّة وبضرورة الإعتراف به واحترامه. أمّا التّكفير فهو
قائم على نظرة احاديّة، إقصائيّة، تنفي التّنوّع والإختلاف بشكل عامّ
(لا التّنوّع والإختلاف في صلب نفس العقيدة وهو تنوّع واختلاف جزئي
ولا ينمّ الإعتراف به عن روح تسامحيّة أو عن إيمان بالحرّية
والدّيمقراطيّة) وبالتّالي فإنّه يصعب أن يعتمد أصحابه "المجادلة
بالحسنى" و"نبذ التّعانف" مبدأ جوهريّا وقارّا في التّعامل مع
الإيديولوجيّات المخالفة المتهمة بـ"الكفر" لأنّه مبدأ يتنافى مع
خلفيته الفلسفيّة وبالتّالي، فإن قبلوه، فقد يكون بسبب ضغط الظّروف،
فإن تغيّرت هذه الظّروف فقد يلتجئون إلى الإكراه الذي يمثّل الأسلوب
المناسب للتّكفير.
وخلاصة القول إنّنا نعتقد أنّ من يريد تحالفا من أجل الحرّية
والدّيمقراطيّة لا مفرّ له من أن يدرج ضمن لائحة مطالبه حرّية
التّفكير، وفي علاقة بها حرّية الضّمير والمعتقد، باعتبارها حرّية
غير قابلة للتّصرّف. ولا يهمّ في رأينا المرجعية التي يستند إليها
كلّ طرف في تبنّيه لهذا المطلب. لا يهمّ إن كانت مرجعيّة محمّد
الطّالبي "لا إكراه في الدّين" و"من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" أو
مرجعيّة منصف المرزوقي وأحمد الكيلاني "الفصل الثّامن عشر من الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان" أو مرجعية الشّاعر الطّاهر الهمّامي التي ما
انفكّ يردّدها:"كذب الظّنّ لا إمام سوى العقل/مشيرا في صبحه والمساء"
أو مرجعيّة مناضل حزب العمّال: "جدليّة الحياة، الرّحبة، تستوعب
كافّة الخلافات" أو مرجعيّة، "الوطني الدّيمقراطي "الماوي" فلتتفتّح
مائة زهرة ولتترعرع مائة مدرسة". المهمّ أن لا وصاية لأحد على ضمائر
النّاس وعقولهم. والمهمّ أيضا أن ترحل لغة التّكفير والتّعصّب عامّة
إلى الأبد من قاموس المعاملات بين مختلف العائلات الفكريّة في تونس.
وليكن الصّراع/ النّقاش الفكري، الإيديولوجي، بينها مفتوحا. لا أحد
منها ينفي حرّية الآخر. ولا أحد منها يُنكر حقّه في نقد الآخرين
ومقارعتهم بالحجّة. فالاعتراف المتبادل بالحقّ في الحرّية بين
العائلات الفكريّة لا يعني تنكّرا للخلافات القائمة بينها أو
"تكفيرا" للجدل بينها. المهمّ أن يبتعد الجميع عن أساليب العنف
والتّعصّب البربريّة ويترك المجتمع التّونسي، المنفتح، المتسامح في
عمومه، يتقدّم إلى ما هو أفضل وتترسّخ فيه هذه القيم وتتحوّل إلى جزء
لا يتجزّأ من ثقافة الفكريّة والرّوحيّة والسّياسيّة بل إلى قيمه
الرّسميّة المدرجة في دستوره وقوانينه التي تنصّ على أنّ التّسامح
واحترام الآخر "واجب مدني" وعلى أنّ التّكفير/ التّعصّب/ الإقصاء
الفكري مخالفة يعاقب عليها القانون. ونحن لا نعتقد أنّ أيّ طريق آخر،
غير طريق الحرّية، يمكن أن تفلح في تونس إذ المستقبل للحرّية، وليس
للاستبداد والظّلمات. ومهما يكن من أمر فأيّ عاقل يقبل اليوم أقلّ
مما جاء في دستور بورقيبة: "الجمهوريّة التّونسيّة تضمن حرمة الفرد
وحرّية المعتقد وتحمي حرّية القيام بالشّعــائر الدّينيّة" (الفصل
الخامس) و"حرّية الفكر والتّعبير والصّحافة والنّشر والاجتماع وتأسيس
الجمعيات مضمونة..." إنّ أحد أوجه المعركة مع بورقيبة ثمّ مع خلفه
الجنرال بن علي يتمثّل في عدم احترامهما لما جاء في هذين البندين من
تأكيد لحرّية المعتقد وحرّية الفكر والتّعبير والصّحافة والنّشر، ما
دُمنا نتحدّث عن حرّية التّفكير والضّمير. وعامّة الشّعب لا تريد
اليوم الرّجوع إلى الوراء، بل ترنو إلى الأفضل.
الأدنى الدّيمقراطي لتحالفنا اليوم وغدا- الجزء الثالث - -حركة
النّهضة- و-الحدود- وحقوق الإنسان و المساواة بين الجنسين
nasraoui_ra@netcourrier.com
حزب العمال الشيوعي التونسي
2003 / 1 / 15
(في الردّ على بيان مواعدة/ الغنّوشي)
"حركة
النّهضة" و"الحدود" وحقوق الإنسان
نمرّ الآن إلى جانب آخر من مسألة الحرّيات الفرديّة وهو يتعلّق بحقّ
المواطن في احترام حرمته الجسديّة، ممّا يعني، وفقا للمواثيق
الدّوليّة الخاصّة بحقوق الإنسان، والتي تعتبر جزءا من المنظومة
القانونيّة لأيّ دولة وافقت عليها، عدم تعرّضه للتّعذيب وغيره من
ضروب المعاملة أو العقوبات القاسية أو اللاّإنسانيّة أو المهينة.
ويعدّ هذا الحقّ، حقّا غير قابل للتّصرّف، في كلّ الظّروف، حتى لو
كانت حربا. ويمثّل انتهاكه، انتهاكا لكرامة الإنسان. والمطّلع على
البيان المشترك وعلى البيان الختامي للمؤتمر السّابع يلاحظ أنّهما لم
يتعرّضا بشكل مخصوص لموضوع التّعذيب ولم يدرجا ضمن لائحة المطالب
الواردة فيهما بندا يهمّ النّضال من أجل استئصال ممارسة التّعذيب
ومحاكمة المسؤولين عنها أمرا وتنفيذا. ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أنّ
السّيد محمد مواعدة أو الشّيخ راشد الغنّوشي ومنا ضلي "حركة النّهضة"
لا يشهّرون بممارسة نظام بن علي التّعذيب والحال أنّهم، وخاصّة
مناضلي "حركة النّهضة" من اكبر ضحايا تلك الممارسة وقد مات العشرات
منهم بسببها في مراكز البوليس والحرس ومقرّات "أمن الدّولة"
و"المصالح المختصّة" بوزارة الدّاخليّة وفي السّجون. ولكن ليس هذا هو
الذي يهمّنا في هذا الباب، بل موقف "حركة النّهضة" الرّاهن من مسألة
"الحدود الشّرعيّة" وهل هي لا تزال متشبّثة بها ضمن برنامجها
السّياسي أو أنّها تجاوزتها باعتبارها تندرج ضمن العقوبات القاسية،
اللاّإنسانيّة والمهينة، حسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادّة
5) والعهد الدّولي الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة (المادّة 7)
والاتّفاقيّة الدّوليّة لمناهضة التّعذيب (المادّة 1).
ومن المعلوم أنّ المقصود بالحدود هو جملة "العقوبات الشّرعيّة"
كالجلد (التعزير) وقطع يد السّارق والرّجم والقتل أو الصّلب أو تقطيع
الأطراف بخلاف أو النّفي. وقد أكسب الفقهاء هذه العقوبات الواردة في
النّص القرآني (عدا الرّجم الذي لا نجد له ذكرا وإن كان مورس في
العهد الإسلامي الأول في مادّة الزّنى) طابعا تقديسيّا واعتبروها
"شريعة اللّه" التي لا تمسّ و"الصّالحة لكلّ زمان ومكان". وقد
تبنّتها الحركات الإسلاميّة المعاصرة وحوّلتها إلى محور أساسي إن لم
نقل العمود الفقري لبرامجها وأهدافهـا ودعايتها وجعلت منها الخطّ
الفــاصل بين الإيمــان والكفر في تصنيفها للدّول والمجتمعات
والأحزاب والتّنظيمات وحتّى الأفراد (من يقبل شريعة اللّه ويعمل بها
ومن لا يقبلها ولا يعمل بها). ويعلم الجميع أنّ "حركة النّهضة" من
بين تلك الحركات التي تبنّت الحدود ودافعت عنها في إطار تصدّيها
للتّشريعات الوضعيّة التي عوّضت العمل بتلك الحدود في تونس وفي عدد
آخر من الأقطار العربيّة والإسلاميّة. كما أنّها نظرت دائما بعين
الرّضى إلى الأنظمة العربيّة والإسلاميّة التي حافظت على العمل
بالحدود واعتبرت العودة إلى العمل بها في بعض الدّول والمجتمعات
علامة "صحوة إسلاميّة" وخلاصا من "العلمانيّة الملحدة"!! ونحن في
الحقيقة إذ نثير هذه المسألة في هذا الرّدّ فلأنّنا نريد طرحها مرّة
أخرى برصانة وموضوعيّة، إذ أنّنا نرفض أن نستفزّ أحدا في مشاعره
الدّينيّة، بل إنّنا نثيرها لأنّنا لا نعتبرها من صلب الإيمان، بل
قضيّة سياسيّة اجتماعيّة، من حقّ كافّة التّونسيّين والتّونسيّات
مناقشتها بكلّ حرّية لأنّها تعنيهم معنويّا ومادّيّا، ولأنّه حسب
الموقف منها يحدّد المرء موقعه إن كان في تيّار التّقدّم الإنساني
الجارف أم في تيّار التّخلّف المتجلبب بجلباب الدّين والإيمان. وأوّل
شيء نريد الإشارة إليه في هذا الموضوع هو أنّ مسألة الحدود أُحيطت
إلى حدّ الآن في الأدبيّات الإسلاميّة بمغالطات كبيرة وكثيرة ما
انفكّت تحرج ضمير المسلم وتربكه وتعمّق قلقه وحيرته في عالمنا
المعاصر وما شهده ويشهده من تطوّرات قيميّة هامّة شملت جميع المجالات
بما فيه مفهوم العقوبات، فتراه ممزّقا بين الرّغبة في مسايرة
التّقدّم البشري وبين الخوف من أن يكون بمسايرته تلك قد "تنكّر
لإيمانه" حسبما تقوله له المؤسّسات الدّينيّة وأشباه العلماء.
ونحن نعتقد أنّ أهمّ تلك المغالطات المنافية للمعرفة العلميّة،
الموضوعيّة، تتمثّل في المحاولات المستمرّة لطمس مصادر تلك "الحدود"
التّاريخيّة وبالتّالي عزلها عن أطرها الإجتماعيّة والإقتصاديّة
والقيميّة والمعرفيّة، حتى لا يتمكّن المسلم من إعمال العقل فيها
وخاصّة من تنسيبها والتّعامل معها كمنتجات تاريخيّة، ظرفيّة
وانتقاليّة. فكافّة العقوبات التي حوّلها الفقهاء والمؤسّسات
والحركات الدّينيّة عبر التّاريخ الإسلامي، القديم والحديث إلى
منظومة تشريعيّة مقدّسة هي بدون استثناء أعراف وتقاليد عربيّة ما قبل
إسلاميّة وليست كما يُراد الإيهام به "استحداثات قرآنيّة ربّانيّة
تتجاوز عقول البشر". فقطع يد السّارق مثلا كانت عقوبة معروفة في
مكّة. ولا تخفي كتب التّاريخ والتّفسير أنّ أوّل من سنّها قد يكون
الوليد بن المغيرة وهو أحد أثرياء قريش ومن الأشخاص الذين كان يُحتكم
إليهم وقد كان يعمل جزّارا وقضى بقطع يد السارق فصار حكمه هذا سنّة
في معاقبة السّرقة. وقد كانت توجد قبائل عربيّة أخرى تعاقب السّارق
عقوبة أخفّ، غير جسديّة تتمثّل في إرغامه على دفع أربع أمثال
المسروق. ولكنّ القرآن أخذ ما كان سنّة في قريش التي جاء فيها
الإسلام. وقد كان الجلد أيضا، ويسمّى التّعزير يستعمل في الحواضر
بشكل خاصّ لمعاقبة عدّة مخالفات (السبّ والشّتم والتّحرّش
بالنّاس...). كما كان الطّرد والنّفي من أرض القبيلة أو من المدينة
والخلع والتّبرّؤ من الشّخص عقوبات سارية المفعول في الوسط القبلي
العربي "الجاهلي". أمّا الرّجم بالحجارة حتى الموت فقد كان عقوبة
موجودة عند العرب، وإن لم تكن مألوفة، وهي تطبّق على "المرأة
المحصّنة الزّانية" فقط (مع أنّ العبرانيّين كانوا يرجمون "الزّاني
والزّانيّة"). وتذكّر كتب التّاريخ والتّفسير أنّ أوّل من مارس عقوبة
الرّجم هو ربيع بن حدّان. وكان العرب في "الجاهليّة" يطبّقون عقوبة
تقطيع الأيدي والأرجل أيضا في أعمالهم الثّأريّة والانتقاميّة. وكان
القتل عقوبة القاتل إلخ...
وخلاصة القول إنّ كافّة هذه العقوبات هي منتجات تاريخيّة، سنّها
العرب أو بعض قبائلهم، قريش خاصّة، (أو غير العرب لأنّ بعض هذه
العقوبات كان يطبّق عند أقوام أخرى: أنظر قانون حمو رابي، والشّريعة
التّوراتيّةإلخ...) لمواجهة المشاكل التي تحدث لهم. والمتمعّن فيها
يلاحظ أنّها تتّسم بالعنف والقسوة. ولا سرّ في ذلك. فهي تحمل سمات
الأطر الإجتماعيّة والقيميّة والمعرفيّة التي انتجتها. فقد كان
المجتمع العربي قبليّا. وكان عامل القوّة هو الذي يحكم العلاقات بين
القبائل. لذلك اتّسمت تلك الحدود بالقسوة. كما انّه لم تكن توجد في
ذلك العصر، سلطة (دولة) وقوانين ومؤسّسات عقابيّة تقاضي المخالفين
والجناة باسم المجتمع، بل كان الفرد أو قبيلته هي التي تثأر له
بالقوّة لذلك اتّسمت تلك الحدود بطابع جسدي مباشر، انتقامي، ترهيبي.
فالمخالف أو الجاني كان "يدفع بالحاضر" من جسده (في بعض الحالات كانت
بعض القبائل والأفراد يقبلون مبدأ التّعويض: الديّة)
إنّ تبنّي الإسلام (قرآنا وسنّة وفقها) تلك الأعراف والتّقاليد
العربيّة (القرشيّة وبدرجة أقلّ المدنيّة) "الجاهليّة" وإدراجها ضمن
منظومة عقابيبّة متميّزة، لا ينفي عنها بأيّ حال من الأحوال
تاريخيّتها، لأنّ الإسلام ذاته لم يكن معزولا إطلاقا عن ظرفيّته
التّاريخيّة التي حمل خصائصها في كافّة مستويات خطابه. كما أنّه لا
ينزع عنها طابعا القاسي، وهو لم تختصّ به المنظومة العربيّة
الإسلاميّة العقابيّة وحدها في ذلك التّاريخ وحتى بعده، بل كلّ
المنظومات العقابيّة في حضارات ومجتمعات "القصاص"، مع فوارق جزئيّة
مرتبطة بالخصوصيات التّاريخيّة وبالأعراف والتّقاليد وبدرجة التّطوّر
الحضاريّة والثّقافيّة، وبتعبير آخر فإنه من الحكمة أن يتعامل المرء
مع تلك المنظومة العقابيّة باعتبارها نتاجا تاريخيّا، نسبيّا
وانتقاليّا. وهذه الحقيقة وجد، منذ العهد الإسلامي الأوّل إلى عصرنا
الحاضر، أُناس نيّرون، وفطنون، قبلوها بهذا القدر أو ذاك فتعاملوا مع
مسألة الحدود بروح خلاّقة فيها جرأة ومراعاة للظّروف ولتغيّر الأحوال
من عصر إلى عصر. وهذا ليس بالأمر العسير. فيكفي أن يتحلّى الإنسان
بقليل من الرّشاد لكي يقتنع بأنّ الواقع البشري والإجتماعي المتغيّر
باستمرار لا يمكن أن تبقى فيه الأحكام هي نفسها، معزولة عن تلك
التغيّرات والحال أنّها -أي الأحكام، ابتدعت أصلا لتنظيم علاقات
النّاس بعضهم ببعض حسب درجة تطوّر تلك العلاقات وبالتّالي فكلّما
تطورت، إلاّ واستوجب تنظيمها سنّ أحكام جديدة تراعي هذا التطوّر. وهو
ما يجعل من القول من سرمديّة الأحكام والقوانين قولا خطلاً. فمهما
حاولت الأنظمة التّمسّك بها تبقى عاجزة عن الصّمود أمام تيّار
التّطوّر، فتتآكل تدريجيّا إلى أن تعوّض بأحكام وقوانين جديدة. وذلك
هو حال منظومة الأحكام الشّرعيّة الإسلاميّة التّقليديّة في مختلف
المجالات. فحتى في البلدان "الأكثر تشدّدا" في الدّين، وجد الحكّام
أنفسهم مجبورين، على إدخال تعديلات كثيرة عليها، في المجالات
الإقتصاديّة والماليّة والتّجاريّة، خصوصا، حفاظا على مصالح دولهم،
علما أنّهم اضطرّوا في أوقات سابقة إلى التّخلّي، بسبب الضّغوط
الدّوليّة، عن الأحكام المتعلّقة بالرّقيق، وبـ"أهل الذّمة".
وعلى هذا الأساس فإنّه من الخطأ أن يستمرّ المواطن في البلاد
العربيّة والإسلاميّة، يُوهم بسرمديّة "الحدود" وصلاحها لكلّ زمان
ومكان والحال أنّه بينه وبين الزّمن الذي ظهرت فيه ما يزيد عن
السّتّة عشر قرنا شهدت خلالها أوضاعه وأوضاع المجتمعات البشريّة
عامّة انقلابات عظيمة في مختلف الميادين فرضت إعادة تنظيم العلاقات
داخل المجتمعات على أسس جديدة كانت وراء بروز مفاهيم الحرّية وحقوق
الإنسان والدّيمقراطيّة بمعانيها الحديثة والمعاصرة (اللّيبراليّة
والإشتراكيّة إلخ...). فمن باب أولى وأحرى إذن ان يكون من حقّ ذلك
المواطن، وهو يعيش في ظروف كونيّة جديدة أن يتبنّى منظومة عقابيّة
تقوم على قيم جديدة تختلف عن تلك التي أنتجت قبل ستّة عشر قرنا،
أحكام قطع اليد والجلد والرّجم وتقطيع الأطراف (فضلا عن الرقّ
والسّبي...) منظومة عقابيّة تراعي كرامة الإنسان وفق المعايير
المعاصرة، تسلب الجاني حرّيته ولكنّها لا تنتهك حرمته الجسديّة
والمعنويّة وتؤمن بقدرته على التّطوّر والإصلاح إذا توفّرت له
الظّروف الإجتماعيّة والنّفسيّة والسّياسيّة المناسبة، فلا تؤذيه ولا
تحرمه من اعضائه، كاليد التي جعلت للعمل والإبداع وليس للقطع مهما
كان السّبب، كما لا تحرمه من الحياة (إلغاء عقوبة الإعدام...).
ونحن لا يسعنا إلاّ أن نتساءل بكلّ صراحة: هل أنّ المسلم يتضرّر حقّا
في إيمانه وفي هويّته أو هل هو يتنكّر لهما، كما تزعم الحركات
الإسلامويّة وبعض المؤسّسات الدّينيّة المحافظة وأشباه العلماء، حين
يقبل التّخلّي عن العقوبات القاسية المذكورة أعلاه؟ فهل الإيمان أصبح
يختزل في التّمسّك بتطبيق هذه العقوبات؟ وهل أنّ مصيره ومصير
الإسلام صار مرتبطا ببقائها ممّا يعني أنّها أصبحت آخر المعاقل
الرّمزيّة التي ينبغي الحفاظ عليها حتى لا ينهار البنيان؟ ثمّ أفلا
يدفع إصرار هؤلاء على التّمسّك بالجلد وقطع اليد والرّجم وتقطيع
الأطراف بخلاف وغيرها من العقوبات الجسديّة القاسيّة والوحشيّة
بمعايير الإنسانيّة التّقدّمية المعاصرة، إلى الإعتقاد بأنّ اللّه
عندهم وفي منظورهم لا يحتمل الإنفصال عن تلك الصّورة القاسية
والرّهيبة التي توحي بها تلك الأحكام وبالتّالي لا يحتمل أن يوجد
النّاس طريقة "أرحم" و"أرأف" في معاملة بعضهم بعضا؟ أفلا يوحي هذا
بأنّ استمرار الإيمان بالّله في نظرهم مشروط بالاستمرا في خوف
الإنسان منه، وفي الحفاظ على علاقة استلابيّة به وهي علاقة تُغذّي في
الواقع العلاقة الإستلابيّة بالحاكم وبرجال الدّين ومؤسّساته؟
وعلى صعيد آخر فهل أنّ هويّة المسلم مهذددة حقّا بالتّفسّخ إذا
عُوّضت "الحدود" المذكورة بعقوبات أخرى أكثر إنسانيّة من منظور
معاصر؟ وبعبارة أخرى هل أنّ قطع اليد والجلد والرّجم أمام العموم
وتقطيع الأطراف بخلاف هي علامات أو رموز هويّة المسلم فإذا تركت لم
يعُدْ هُوَ؟ أهذه هي الصّورة التي تعطى عن المسلم؟ أفلا يضعه هذا
الطّرح في وضع محرج ومربك أمام الضّمير الإنساني (نقصد بالضّمير
الإنساني عصارة القيم التّقدّميّة التي أنتجتها الإنسانيّة وليس ضمير
بوش أو بلير أو شارون الغارق في البربريّة) فإمّا "الحدود" للحفاظ
على الهويّة وإمّا التّفسّخ و"الكفر" لمجاراة التّقدّم الإنساني؟
أفلا تتحوّل الهويّة هُنا إلى مرادف للتّخلّف؟ ومن له مصلحة في وضْع
كهذا غير أنظمة الإستبداد المتخلّفة وغير القوى الإمبرياليّة
والصّهيونيّة التي يهمّها أن يظلّ المسلم غارقا في تخلّفه، يقضي وقته
متلهّيا بالصّراع حول الكفر والإيمان، تاركا أسباب التّقدّم لغيره من
الأمم؟ ولسائل أن يسأل : هل الشّعوب والبلدان التي كانت تمارس أو
تطبّق نفس العقوبات التي ذكرناها والتي تشكّل في ثقافتنا "جزءا من
الشّريعة الإسلاميّة" وفي ثقافتهم جزءا من "شريعة توارنيّة" أو من
قانون روماني أو مجرّد أعراف وتقاليد، هل هي فقدت هويّتها؟ أم هل أنّ
هويّتها على العكس من ذلك تعزّزت وتدعّمت بحكم تمدّنها وتحضّرها؟ ولم
نحن نذهب بعيدا، فهل أنّ الشّعب التّونسي الذي لم يعد يعمل بالحدود
في مجال المخالفات والجنايات قد ضاعت هويّته بل روحه لأنه لم يعد
يتجمّع في السّاحات العموميّة ليتفرّج على قطع الأيدي أو قطع رأس
بالسّيف ويصفّق أو ليشارك في عمليّة رجم؟ ألم يشكّل تخلّصه من هذه
المظاهر تطوّرا في نزعته المدنيّة والإصلاحيّة الأمر الذي يجعله
اليوم من أكثر الشّعوب العربيّة حساسيّة لقضايا حقوق الإنسان ومنها
قضيّة التّعذيب مثلا؟ فهل أنّ المطلوب اليوم العودة إلى تطبيق
"الحدود" لإعادة "الرّوح" للشّعب التّونسي أم المضيّ به قُدما نحو
مستقبل تستأصل فيه كافّة مظاهر التّعذيب والعقوبات والمعاملات
القاسيّة واللاّإنسانيّة والمهينة بمقاييس العصر (لأنّ الحدود كانت
تبدو عقوبات عاديّة وطبيعيّة عند النّــاس في عصور ســابقة...)؟ وحتى
من زاوية المقدّس: أيّهما في نهاية الأمر أحقّ بـ"التّقديس" كرامة
التّونسي وحرمته الجسديّة أم حد قطع الأيدي والجلد والرّجم؟ هذا هو
مربط الفرس. فالمسألة اجتماعيّة سياسيّة في الأساس مدارها موقع
المواطن (المواطن العادي البسيط: عاملا كان أم فلاّحا أم موظّفا أم
عاطلا عن العمل) في العلاقات الاجتماعيّة والسّياسيّة. فـ"تكريم
الإنسان" ليس بالخطب، بل بالحفاظ على كرامته وحرمته الجسديّة
والمعنويّة وحمايتها قانونا وعملا من أيّ انتهاك، باعتبارها أمرا غير
قابل للتّصرّف في كلّ الحالات وفي كلّ الظّروف.
وإلى ذلك كلّه فإذا كانت "حركة النّهضة" لا تزال متشبّثة بتطبيق
الحدود فلماذا إذن تُشْهر اليوم في وجه نظام بن علي الغاشم، الظّالم،
الذي جعل من التّعذيب والمعاملات والعقوبات القاسيّة واللاّإنسانيّة
والمهينة أسلوب حكم لردع الشّعب ولردع معارضيه، لماذا تُشهر الميثاق
العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدّولي الخاصّ بالحقوق المدنيّة
والسّياسيّة والإتّفاقيّة الدّوليّة لمناهضة التّعذيب وتطالبه
باحترامها وتناشد المجتمع الدّولي بإلزامه بتطبيقها مع علم أنّ تلك
المواثيق والإتّفاقيّات تعتبر أنّ ما يسمّى بـ"الحدود الشّرعيّة"
عقوبات قاسيّة لا يوجد في عصرنا أيّ مبرّر لمواصلة العمل بها؟ أفلا
يعبّر هاذ السّلوك عن موقف مزدوج؟ وكيف تردّ "النّهضة" على من
يتّهمها في هذه الحال باستخدام مبادىء حقوق الإنسان اليوم لأغراض
"تكتيكيّة" لأنّ لها فيها مصلحة مباشرة (حماية مناضليها) أو لأنّها
تضعف خصمها (بن علي) محلّيا ودوليّا بينما هي لن تتورّع عن انتهاك
هذه المبادىء حالما يتغيّر وضعها؟ أيّ مستقبل للشّعب التّونسي إذن
إذا كان سيتخلّص من نظام بن علي البوليسي الغاشم ليجد نفسه مثلا في
نظام يقطع اليد ويرجم ويقطع الأطراف بخلاف ويزيح الرّؤوس في السّاحات
العموميّة بدعوى "العمل بالشّريعة الإسلاميّة"؟ فهل أنّ العصى،
والآلة الحادّة أو الصّعقة الكهربائيّة يتغيّر طعمها حين تنتقل من يد
بن علي إلى يد "حاكم إسلامي"؟ أو هل أنّ التّعذيب والعقوبات القاسية
واللآّإنسانيّة والمهينة تتحوّل طبيعتها إذا غلّفت بغلاف ديني
إسلامي؟ لا نعتقد ذلك. فهي تبقى قاسيّة ولا إنسانيّة ومهينة مهما
كانت مسوّغاتها. ونحن لا نعتقد أنّ الشّعب التّونسي الواعي، النّير،
المنفتح، يرضى بأقلّ من الالتزام بما جاء في الاتّفاقيّة الدّوليّة
لمناهضة التّعذيب. ولا نراه يرضى بالعودة إلى الوراء، إلى تطبيق
الحدود مهما كانت المسوّغات والتّبريرات. كما لا نراه يرضى بمؤسّسات
عقابيّة (سجون) لا توفّر الحدّ الأدنى الذي يحفظ كرامة البشر
الجسديّة والمعنويّة. وهذا ما ينبغي أن تعيه القوى السّياسيّة التي
تعارض اليوم الدّكتاتوريّة، حتى يكون لمعارضتها معْنى يجاري حركة
التّاريخ والتّقدّم، وحتى تكون في مستوى الاستجابة للحدّ الأدنى من
طموحات البلاد والمجتمع. وعلى هذا الأساس فإنّ أي تحالف بين قوى
المعارضة التّونسيّة ضدّ ال |