المقاطعة قد تتحول إلى حركة اجتماعية

منذ بداية منتصف ابريل انطلقت حملة الدعوة الى مقاطعة ثلاثة منتوجات وهي محروقات شركة افريقيا وحليب سانطرال دانون وماء سيدي علي. في البداية انطلقت الدعوة لمقاطعة استهلاك هذه المنتوجات بدون التدقيق في الأهداف. وكان من شأن هذه الوضعية أن تثير نقاشا حول الجهة التي قد ينسب لها اطلاق الحملة. وكان لهذا النقاش بدوره خلفيات متناقضة منها من عارض حملة المقاطعة لشبهة وقوف البيجيدي وراءها، بينما اعتبر الرأي الآخر أن معرفة من وراءها سينفع في طريقة التعاطي مع المقاطعة من اجل تحصينها ومنع الركوب السياسوي عليها.
وما يمكن تسجيله بارتياح هو أن هذا النقاش لم يؤثر على تطور وتوسع المقاطعة. لقد تحولت من فكرة يتم تداولها في العالم الافتراضي الى موقف وسلوك أخذ يطبقه المواطنون والمواطنات. هكذا خرجت الفكرة من وسائط التواصل والمواقع الاجتماعية بنجاح إلى أرض الواقع.
بعد ثلاثة أسابيع من المقاطعة والتي قوبلت بالتشكيك وبالصمت من طرف الشركات المعنية بدأت تتوضح ردود الافعال ومعها ملامح الاجوابة.
+ من جهة الشركات وبعد الخرجة الصادمة لأحد مدراء سانطرال دانون، حاول فيها اللعب على وثر المصلحة العليا للوطن واتهم المقاطعين بالخيانة مما أجج المقاطعة وأجبر الشركة على الاعتذار. ومع بداية الإعلان عن حجم الخسائر المادية للشركات المعنية توسعت الحملة وبدأت الانظار تتجه نحو قضايا أعمق مثل البحث في حقيقة الريع والاحتكار وسؤال أصل ومصدر الثروة المراكمة من طرف هذه الشركات في وقت يعرف فيه المغرب أصعب أزمة اقتصادية واجتماعية.
+ أما من جهة الحكومة فلم يعد من الممكن لها التمادي في الصمت ازاء المقاطعة لذلك خصصت وقتا كبيرا من اجتماع مجلسها ليوم الخميس 10 ماي لمناقشة الموضوع، لتصرح بأنها بحثت موضوع المقاطعة وحللت تركيبة الاثمان والتكلفة لشركة الحليب سانطرال دانون واقتنعت بان هامش الربح يبقى معقولا. كما عبرت عن معارضتها للمقاطعة لأنها ستسبب الضرر ل460 الف فلاح. وختمت تصريحها بتوجيه التهديد والوعيد بالمتابعة لكل من يروج لإشاعات لدعم المقاطعة.
بعد اكثر من 3 اسابيع من حملة المقاطعة وعلى ايام معدودة من بداية شهر رمضان اصبحت المقاطعة حدثا سياسيا يشكل تقاطبا متصاعدا للفاعلين السياسيين والاجتماعين قد يترجم في حدوث تداعيات مهمة بالنسبة للوضع السياسي برمته.
فالمقاطعة بالشكل الذي هي عليه اليوم تجد اسباب تطورها في وضع الازمة الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد. وهذا ما يرشحها لكي تتطور لتصبح حركة اجتماعية من نوع جديد.
ففي هذه التجربة يتم فتح نقاشات واسعة ومهمة يتعلم فيها الجمهور قواعد الاقتصاد السياسي وتتعرى الاساسات المادية للخطاب السياسي والأيديولوجي الذي توظفه الدولة والباطرونا، كما يتم الفرز داخل القوى الداعية للمقاطعة نفسها.
لكبح المقاطعة بغرض اجهاضها توظف الحكومة ومعها حلفاؤها مبرر تضرر العمال في هذه الشركات المعنية ومعهم الفلاحين – الكسابة منتجي الحليب – وفي الحقيقة يعتبر هذا المبرر حقا أريد به باطل. إنهم يثيرون الموضوع من زاوية أخلاقية بغرض الضغط على المقاطعين.
نعم سيتضرر هؤلاء العمال وستحاول الباطرونا استعمالهم للضغط على المقاطعين. كلما طالت مدة المقاطعة كلما تصاعدت هذه الاصوات.الحل ليس في توقيف الحملة، الحل يوجد بيد من استهدفته المقاطعة وعليه ان يستجيب فورا لمطالب المقاطعة. ان حماية مصالح هؤلاء العمال تتطلب تحقيق ما يلي:
1- الرضوخ لمطلب المقاطعة وذلك بتخفيض الاسعار والالتزام بذلك حسب مساطر شفافة واضحة واحترام المعايير الدولية في الجودة والسلامة وصحة الشعب. ان الاستجابة الفورية لهذه المطالب هي الكفيلة بالحفاظ على مصالح العمال ويجب ان تلتزم الشركات بالحفاظ على الشغل القار وجميع الحقوق لليد العاملة في هذه المؤسسات.
2- على الدولة واجب التدخل من اجل حماية حقوق العمال ومنع تسريحهم وإجبار الشركات بالاستجابة لمطالب حملة المقاطعة الشعبية. انها مسؤولية الدولة وأي إخلال بها هو تشجيع للاحتكارات ووقوف الى جانبها ضد العمال.
3- من واجب المركزيات النقابية والتي يعتبر هؤلاء العمال من منخرطيها ان تتدخل باستعجال قصد تنظيم حملة تضامن وطنية وفي قطاعاتهم حتى تحترم مطالب وحقوق العمال.
4- واجب القوى السياسية والجمعوية والإعلام المناضل ان يقف في حملة تضامن وطنية مع هؤلاء العمال وحماية مصالحهم.
تلك هي الجهات المعنية بحماية حقوق العمال والذين عليهم بدورهم واجب تنظيم صفوفهم وإسماع صوتهم للباطرونا وللدولة وللنقابات والرأي العام الوطني.
نفس الشيء بالنسبة للفلاحين المعنيين بتوفير الحليب؛ فإنهم سيستغلون الفرصة لتنظيم انفسهم وينتقلوا من حالة التشتت الى واقع الوحدة وتجميع كلمتهم لكي يفاوضوا من موقع القوة مع الشركات المصنعة. ان حملة المقاطعة توفر فرصة مناسبة لتحسين شروط العمال والفلاحين وليس فرصة استعمالهم للضغط من اجل توقيف الحملة.
جميع المؤشرات على الارض تبرز أن حملة مقاطعة المنتوجات الثلاثة اصبحت واقعة حقيقية وتوسعت إلى درجة أربكت حساب المسؤولين بهذه الشركات وكل تأخير في الاستجابة لمطالب الحملة سيزيد من تكلفة الخسائر. ولهذا يسود رأي واسع وهو لضمان نجاح الحملة لا بد من الصمود فيها وتركيزها على المنتوجات الثلاثة وتجنب تشتيت القوة الضاغطة بإضافة منتوجات اخرى. إن هذه الحملة وبشكلها الراهن تسمح بتعميق الوعي لذى غالبية المقاطعين وهذا ما يعتبره المتتبعون مكسبا هائلا قد يقارن مع ما وفرته حركة 20 فبراير من تنامي وعي الشعب تجاه طبيعة الاستبداد واحتكار السلطة.
من الآثار الايجابية لتأثير المقاطعة الجزئية لثلاثة منتوجات طرح نقاش عمومي حول قضايا كانت لحد الساعة من الطابوهات يلفها الكثير من الغموض والدخان
1- مقاطعة الماء المعدني سيدي علي أثارت موضوع استغلال خيرات الوطن في جوف الأرض. اليوم على الشركة أن تقدم الحساب حول الريع الذي تتمتع به. ما هي ظروف حصولها عليه وهل هي مشروعة. طرحت ايضا موضوع انتفاع وحق ساكنة الجهة التي توجد فيها مواقع الإنتاج. مسؤولية الشركة تجاه هذه الساكنة وكذلك مسؤولية السلطات على ذلك.
2- مقاطعة سانطرال دانون. يطرح موضوع الحليب باعتباره مادة اساسية في تغذية الانسان وخاصة الاطفال والشباب والنساء الحوامل لكنه غير متاح لأنه مرتفع الثمن والقدرة الشرائية للمواطنين ضعيفة الى حد الفقر. هكذا سيطرح موضوع تحيين لائحة المواد الاساسية وواجب الدولة في ضمان القدرة على اقتنائها بالنسبة لذوي الدخل الضعيف او المعدم.
3- مقاطعة إفريقيا أثارت موضوع الاحتكار وشبهة التوافق بين الموردين لتحديد الاسعار.كما اثارت موضوع الأمن الطاقي بالمغرب والذي ضاع بإغلاق لاسمير وضرورة تأميمها وفرض اشتغالها وإجبار الموردين على اقتناء نسبة من المنتوج الوطني في مبيعاتهم.
فإذا ربطنا بين ما تعرفه مختلف مناطق المغرب من حركات احتجاجية وبين حملة المقاطعة التي عمت المغرب، فإننا نعتبر ان الشعب المغربي دخل مرحلة جديدة من تاريخه وهي مرحلة صياغة البدائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ان حملة المقاطعة وبرامج وملفات الحركات الاجتماعية تكشف عن العناصر الاولى في موضوع البديل الاقتصادي باعتباره القضية الاساسية اليوم في مختلف المطالب الشعبية.
هكذا بدأ يتبلور إطار البديل الاقتصادي على الأرض حول المحاور التالية:
1- مطلب الشغل القار والمنتج من اجل انقاذ مستقبل الشباب في الريف وجرادة وغيرها.لا مشروع اقتصادي بدون مشاريع استثمارية منتجة وخالقة لمناصب الشغل المنتج والقار.
2- مطلب النهوض بالجهات المتضررة ويعالج الاضرار الناجمة عن قتل المؤسسات الوطنية في مدينة جرادة- مفاحم المغرب- وفي المحمدية – لا سمير وفي لفني وغيرها…
3- مطلب تحقيق الأمن الغذائي وبإعادة توجيه وتحقيق الثورة الزراعية بشعار الارض لمن يحرثها ومن جهة أخرى تحقيق الأمن الطاقي عبر تأميم لاسمير.
هذه العناصر الرئيسية في البديل الاقتصادي توجد ضمن مطالب وفي لب الحركات الاجتماعية اليوم. كل هذه الحراكات الشعبية تدور بشكل مركزي حول هذه البنود المؤسسة للبديل الاقتصادي وهي تضع الحركة الجماهيرية على سكة خوض النضال من اجل البديل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.