| افتتاحية


هل يعيش المغرب وضعا ثوريا؟


هل يعيش المغرب وضعا ثوريا أو حالة ثورية؟ إن إثارة هذه القضية الحيوية اليوم في ظل ما يعيشه الصراع الطبقي بالمغرب ليس من باب الترف الفكري والسياسي وليس كذلك من باب “المسايفة” السياسية بل طرحها يدخل في صلب مهام الثوريين–ات، وفي صلب التقديرات السياسية والطبقية للوضع العام الذي يعرفها صراع الطبقات بالمغرب، ومتطلباتها من الاستعداد السياسي والنضالي.
إن ما يعيشه المغرب اليوم بشكل عام وما تعرفه منطقة الريف بشكل خاص يعتبر إحدى الخصائص العامة للموجة الثانية من السيرورة الثورية التي يعرفها المغرب منذ 2011، هذه الموجة التي أطلقها الحراك الشعبي الجاري بالريف وباقي مناطق المغرب منذ أزيد من 9 أشهر مضت.
إن الاتفاق حول هذه المعطيات من السمات العامة للوضع يعتبر مدخلا مهما للتقدم في الإجابة على السؤال أعلاه، غير أن هذه المحددات تبقى محددات عامة “نظرية” تستدعي الاستدلال عليها من الواقع، سواء الواقع الموضوعي أو الذاتي للحركة الجماهيرية أو واقع تعاطي الطبقات السائدة مع هذه الحركة المنفجرة.فما هي خصائص الوضع الثوري كما حددته الماركسية انطلاقا من دراستها لحركة الجماهير الثائرة ؟
إن كل الثورين في العالم لمقتنعون أنه لكي تحصل ثورة أو تغيير جذري في المجتمع لا بد من وجود وضع ثوري، ويعتبر لينين أن محددات الوضع الثوري تتلخص في ثلاث خصائص أساسية :
1- أن يستحيل على الطغمة الحاكمة الاحتفاظ بسيادتها دون أي تغيير في شكل سيطرتها السابقة، مع نشوب أزمة سياسية وسطها تنتج عنه تصدعات تلمسها الطبقات المضطهدة وتدفعها للغضب والاحتجاج، مع عجز الطبقات الحاكمة في تدبير أزمتها ومواجهة تدفق الاحتجاجات الشعبية.
2- تفاقم البؤس والاضطهاد وسط الطبقات الشعبية.
3- تعاظم نشاط الحركة الجماهيرية – وبعض الفئات التي كانت بالأمس القريب تستسلم لواقعها وتنخدع بالشعارات والوعود المقدمة لها- وتجذره وتناميه بشكل ملموس.
إن المتتبع للوضع السياسي بالمغرب منذ خفوت حركة 20 فبراير يلمس بعض المعطيات التي سوف نوردها كالتالي :
أ‌- مناوشات للنظام الرجعي من أجل إعادة الحركة الجماهيرية إلى ما قبل اندلاع 20 فبراير تجسدت في التراجع على كل الوعود الاقتصادية والسياسية على علاتها التي قدمت لبعض الفئات كالموظفين وديباجة بعض الحقوق والحريات في الدستور الممنوح بقيت على الورق فقط، هذه المناوشات بين المخزن والحركة الجماهيرية انتهت عمليا إلى انتصار المخزن المؤقت وإعادة الأوضاع الاقتصادية و السياسية عمليا إلى ما قبل 20 فبراير بل إلى ما قبل ذلك التاريخ بعقود. وهذا الواقع كان ورائه بالأساس عدم تنظيم التراجع الاستراتيجي للحركة الجماهيرية، ما جعل جزرها مكشوف لدى الرجعية.
ب ـ تفاقم بؤس الجماهير بفعل تنزيل النسخة الثانية من برنامج التقشف التي أدت إلى تراجعات خطيرة (مشروع قانون الإضراب، إصلاح أنظمة التقاعد، فرض التعاقد في قطاع التعليم، تحرير أسعار المحروقات وضرب صندوق المقاصة، ارتفاع الأسعار ضرب حرية التعبير،…)
ج ـ الواقع الاقتصادي والسياسي البئيس دفع بفئات عريضة إلى حلبة الصراع الطبقي كانت بالأمس القريب ” بعيدة ” عن الاحتجاج كالقضاة والمحامين والأساتذة المتدربين والأطباء والفلاحين في بعض المناطق “المنسية “.
د- فشل الدولة المخزنية في تقديم حلول للمعضلة الاقتصادية المترتبة عن الامتثال لتوصيات المؤسسات المالية الامبريالية، مع عجزها على المستوى السياسي في تأمين نتائج الانتخابات لصالح الحزب الذي أنشأته حديثا. وارتفاع نسب مقاطعي الانتخابات الصورية.
كل هذه المؤشرات كانت ولاسيما للمتتبعين للمزاج الشعبي العام تنذر بتصاعد مرتقب لنضال الجماهير، وقد شكل طحن الشهيد محسن فكري بمدينة الحسيمة نهاية أكتوبر وبتلك الطريقة “المهينة” والبشعة الحادث الذي أطلق المارد الشعبي بالريف وباقي مناطق المغرب ليعلن عن انبعاث موجة جديدة للسيرورة الثورية التي عاشتها المنطقة منذ 2011.
يمكن أن نركز أهم الخصائص التي ميزت هذا الحراك وطبعت نضالية الجماهير الشعبية من خلال النقاط التالية :
1- نزوع الجماهير إلى تنظيم نفسها في لجان الحراك بالأحياء الشعبية بالريف، هذا النزوع الذي شكل قطيعة مع الأشكال ” التنظيمية ” القديمة التي كانت تشهدها الحركة الجماهيرية، هذه التنظيمات الجماهيرية المحدثة ( لجان الحراك ) أصبحت تمارس “سلطتها” بتلقائية وترفع لها الجماهير مطالبها الخاصة وتعقد جموعاتها العامة، هذا النزوع الجماهيري التنظيمي أكسب الجماهير الثقة في نفسها وأطلق مبادرتها الإبداعية في الأشكال الاحتجاجية والتضامنية.
2- فقدان الثقة في كل المؤسسات القديمة للمخزن من مجالس ومنتخبين، لدرجة أنه في لحظة من لحظات الحراك قبل العسكرة الشاملة ظهرت ازدواجية في السلطة، سلطة الجماهير التي تعبر عنها لجان الحراك و سلطة المخزن التي شلت بالكامل ما دفعه إلى التدخل المباشر وإعلان حالة الطوارئ بالحسيمة بتفعيل الظهير العسكري.
3- فشل كل محاولات المخزن لاحتواء الحراك الشعبي سواء عبر مؤسساته المباشرة أو عبر أحزابه المخزنية (التي سماها الحراك بالدكاكين السياسية) مما دفع بالدولة إلى إعادة تدوير نفاياتها “الثقافية” للتدخل لتهدئة الأجواء من خلال ندوات الوساطة الفاشلة.
4- استمرار الحراك رغم اعتقال قادته، وهذه الخاصية تعتبر من الخصائص الأساسية التي طبعها الحراك في تاريخ الحركات الاحتجاجية بالمغرب، فأغلب إن لم نقل كل الحركات والانتفاضات السابقة كانت تتقهقر مباشرة بعد قمعها واعتقال قادتها.
5- طفوح أزمة على مستوى “قمة” الدولة في تدبير ملف الحراك ما تمظهر في المبادرات العشوائية والمفضوحة للعيان رغم محاولة الخطاب الملكي الأخير نفيها.
إن هذه الخصائص تبين وبالملموس أن المغرب يعيش وضعا ثوريا يعرف خفوتا نسبيا وصعودا تزداد حدته بعد كل خفوت، مع امتداد زمني طويل نسبيا ( 20 فبراير قرابة سنة ونصف، 28 أكتوبر أكثر من 9 أشهر ولازال جاري) وتقلص رقعته الجغرافية. لكن هذا الوضع سيظل يتخبط بين الخفوت والصعود وانحصار رقعته الجغرافية في مناطق محدودة ما لم تنجز المهام التالية :
• التقدم في مهمة بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين وتوحيد كل الماركسيين بالمغرب في تنظيم صلب وراسخ جماهيريا من أجل قيادة ثورية للجبهة الشعبية.
• التقدم في بناء الجبهة الشعبية التي تضم كل الناقمين على المخزن وفي صلبه المافيا المخزنية ببرنامج حد ادنى، جبهة تمتد وتتقلص وفق تطور الصراع الطبقي بالمغرب وتسعى إلى تصليب الوحدة الشعبية وتحييد أعدائها الطرفيين / حلفاء المخزن المتذبذبين وعزل المافيا المخزنية.
• تدعيم وبناء أدوات الدفاع الذاتي للجماهير والتي أنجب الحراك احد أشكالها الجماهيرية – لجان الحراك الشعبي.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com