افتتاحية: حقوق المرأة والسياسة الديماغوجية للنظام المستبد


كلمة العدد 235 من النهج الديمقراطي

لن يتوانى الإعلام المخزني الذي من المفروض فيه أن يكون إعلامًا عموميًا في خدمة قضايا الشعب المغربي، من تنظيم حملة دعائية كاذبة تزين سياسة النظام بمناسبة 8 مارس اليوم العالمي للمرأة تماشيا مع الموضة. ففي مثل هذا اليوم يتحرك النظام عبر إعلامه وجمعيات المجتمع المدني المقامة لمثل هذه المناسبة لنشر دعاية كاذبة وبث صورة تمتع المرأة المغربية بحقوقها الاقتصادية والاجتماعية غير منقوصة، وأنها توجد في أحسن حال مقارنة مع أختها في دول الجوار. لذلك لا بد للإعلام المناضل من أن يتولى مهمة كشف الحقيقة وفضح سياسة الدولة المغربية تجاه نصف المجتمع، وأن يتصدى لكل الترسانة الإعلامية والإيديولوجية التي تنشر وتصنع الرأي العام المضطهد للمرأة والغاصب لحقوقها كمواطنة حرة.
فإذا كانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العامة بالبلاد تتميز باحتداد الأزمة الاقتصادية، الأمر الذي جعل الدولة تعمل بكل قوة من أجل حلها على حساب الجماهير والتملص من واجبات تلبية الحقوق الأساسية في الخدمات العمومية من شغل وصحة وتعليم، فإن القسط الأكبر من هذا الحرمان يكون من نصيب المرأة المغربية بجميع فئاتها سواء الشغيلة أو الشابة العاطلة أو ربة البيت في المدينة أو البادية.
شكلت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مجالاً خصبًا للرأسمالية المفترسة لكي تسلط المزيد من الاستغلال وسرقة عرق جبين الطبقة العاملة وكافة الشغيلة ذكورًا ونساءً. فبالتنكر لهذه الحقوق والتراجع عنها يستولي الرأسماليون الجشعون على الأرباح الإضافية كغنيمة حربهم الطبقية على العاملات والعمال وباقي الشغيلة، تمكنهم من تخفيف آثار أزمة نظامهم. ومن أجل تحقيق أغراضهم تلك تراهم يعملون على ضرب كل محاولة تنظيم صفوف المقاومة الجماعية وجعل الشغل غير قار وهش مما يفرض على الكادحين الرضوخ للمحافظة على الشروط القاسية عند طلبهم العمل. وبما أن العمل النقابي يكون أول أشكال المقاومة، كان هدفًا للضرب والتضييق بل وصل الأمر عمليًا إلى حظره وهو ما يفضح تغني المغرب باحترام الحقوق السياسية والنقابية للعمال والشغيلة. فأمام هذا الوضع المتأزم تكون أوضاع المرأة الأكثر تضررًا من أخيها الرجل، لأنها هي الفئة الأولى المستهدفة، مما يسمح للبرجوازية الكبيرة وملاك الأراضي الكبار وجهاز دولتهم بتحقيق عدة أهداف في نفس الوقت: منها على سبيل المثال تجريب كل القوانين التراجعية التي تريد الدولة تطبيقها في صفوف النساء أولا، ثم استغلال الوضعية الدونية المفروضة على المرأة في تطبيق التمييز بين أجر المرأة والرجل، ثم استعمال تشغيل المرأة كوسيلة ضغط على أخيها الرجل باعتبارها جيش احتياطي مستعد لتعويض العامل الرجل بأبخس الأجور حينما يفكر في الاحتجاج على وضعه. يتولد عن هذا الواقع، في ظل مجتمع تهيمن فيه الايديولوجية الرجعية المحتقرة للمرآة، صراع يضر بوحدة الطبقة العاملة وبكل الشغيلة، طبعًا يكون الرابح الأكبر فيه هو الرأسمال الجشع.
فكلما ارتفعت وثيرة تفقير الشعب، كلما عمت الهشاشة صفوفه، كلما تنامت الصراعات الثانوية بين فئاته وعمت روح الأنانية والاعتقاد في الحلول الفردية، والاعتقاد بأن الآخر هو المسؤول عن قلة وندرة لقمة العيش. وهذه عقلية مترسخة في طبيعة المخزن وطبقها كسياسة في تعامله مع الشعب؛ غالبًا ما رددها قواده وموظفوه بكل عجرفة واحتقار أمام جماهير الشعب حيث خاطبوهم كم من مرة “جوع كلبك يتبعك”.
يعتمد الإعلام الرجعي على هذه الأوضاع ليبث سمومه وليدخل في أدمغة المواطنين والمواطنات، بأنه رغم الخصاص- الذي يفسره هذا الإعلام الكذاب بالعوامل الخارجية، وبأن المغرب بلد يستورد الطاقة وغيرها- فإن المغرب ينعم بالاستقرار والأمن على نقيض ما تعرفه شعوب وبلدان في الجوار أو في أماكن أخرى من العالم. بالإضافة إلى هذه الدعاية المسمومة هناك نوع آخر من الإعلام ومن المؤسسات الايديولوجية، لا تترك أية مناسبة للتبرير وغسل أدمغة المواطنات والمواطنين، لإقناع الجميع بأن الأرزاق مختلفة، وتلك مشيئة لا يمكن للإنسان أن يغيرها وعليه القبول بما توفر له من نصيب. إن هؤلاء جميعًا يكذبون لأنهم يريدون تغطية حقيقة أن المواطنات والمواطنين أمام الواجبات يعاملون معاملة المساواة والند للند؛ أنهم يقومون بها على أتم وجه، سواسية لا يتم التساهل في التعامل معهم باعتبارهم متساوون كأسنان المشط في الواجبات وحتى آخر مليم كما يقال، لكنه عندما يتعلق الأمر بإيفاء الحقوق، يتم التملص العنيف أو بالتبرير والتمويه واستعمال الخطاب المخادع وتكون المرأة من أكبر المقصيين والخاسرين، وتشهر في وجهها ترسانة القوانين والتشريعات والأعراف والتقاليد الظالمة.
إن الثورة على هذه الأوضاع باتت أمرًا مبررًا وواقعيًا، وقد حدثت في العديد من بقاع العالم. والمعني بالأمر قبل غيره هم النساء أنفسهم، لأنه لن يحررهن من قيود هذه العبودية إلا أنفسهن، والاعتماد على قواهن الذاتية؛ ولما تنهض النساء لإنجاز هذه المهمة الثورية، فإنهن حتمًا سيجدن أنفسهن منخرطات في نضال حقيقته وطبيعته طبقية، لأنهن تواجهن طبقة عدوة لحقوق المرأة والرجل في ذات الوقت. هذه الطبقة ببلادنا هي البرجوازية الكبيرة وكيلة الامبريالية وكبار ملاكي الأراضي ودولتهم باعتبارها حامية مصالحهم. لكن المرأة لما تنهض للنضال، فإنها تواجه أيضا جبلاً من التقاليد والعقليات المتخلفة والمترسخة منذ قرون. وفي هذا الجانب من المعركة تكاد تكون المرأة وحيدة في الساحة لأن رفيقها العامل والكادح هو نفسه ضحية تلك العادات والتقاليد، وهو متشبع بالفكر الذكوري المحتقر لنصفه. وحدها القوى الثورية المتشبعة بفكر التنوير الحقيقي فكر الطبقة العاملة الفكر الماركسي، هي من سيكون بجانب المرأة في هذا النضال الشاق والعميق. وليس عبثًا قال العقلاء إذا أردت أن تحكم على تقدم شعب أو بلد فانظر إلى وضع المرأة: فكلما اضطهدت كلما كان الشعب في أسفل درجات الحضارة وكلما تمتعت بحقوقها كلما نهض الشعب وترقى البلد.
بعد هبة حركة 20 فبراير ببلادنا زادت المرأة العاملة والكادحة جرأة ودافعت بشراسة عن حقها وعن حق أطفالها وأسرتها، بلغ الأمر إلى حد سقوط شهيدات مثل فدوى العروي وفتيحة بائعة الخبز وغيرهما من المعنفات والمقموعات والمعتقلات والمطرودات من العمل. فتحية للمرأة المغربية التي بدأت تثور على الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وضد كل الإرث التقليدي المتخلف واضعة المستغلين ودولتهم ونظامهم أمام مسؤولياتهم في تخلف شعبنا وهي عاقدة العزم على ربط معركتها مع أخيها الرجل المتحرر من عقده وقيوده أيضا. طبعا لن تفوت المناسبة لتقديم التحية للمرأة الفلسطينية التي تواجه بطش الآلة الحربية الاستيطانية للكيان الصهيوني الغاصب لحق الشعب الفلسطيني، كما نوجه تحية تقدير ومواساة للمرأة اليمينية التي تواجه العدوان الرجعي للحلف السعودي والذي سخر النظام المغربي ضمنه الجيش المغربي لتقتيل المرأة والأطفال والكهول في بلد شقيق مسالم لم يعتدي على أحد. كما نعبر عن تضامننا وتنديدنا بما تتعرض له المرأة السورية من تقتيل وتهجير من وطنها ونطالب بتوفير الاستقبال الحافظ لكرامتها ببلدنا وحمايتها من الفقر والحاجة للتسول في شوارع المدن في منظر يحط بكرامة المغاربة قبل غيرهم. نوجه أيضا تحية اعتزاز للمرأة الأمريكية التي خرجت للشارع العام للتظاهر ضد قوانين دونالد ترامب ذلك الوجه القبيح للامبريالية العنصري، واستطاعت أن تسقط جزءً من تلك القوانين العنصرية. تحية للمرأة أينما كانت في عيدها الأممي يوم 8 مارس.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com