افتتاحية: فاتح ماي عيد الطبقة العاملة الأممي


في كل فاتح ماي تخرج الطبقة العاملة الى الشوارع عبر العالم وتحتل الساحات العامة لتعبر عن مطالبها البسيطة النقابية والاجتماعية وعن أهدافها السياسية في إقامة المجتمع الجديد الذي تنتفي فيه كل مظاهر وعلاقات استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، مجتمع المساواة الحقيقية بين جميع البشر.

بالأمس استطاعت الطبقة العاملة في روسيا والعديد من البلدان إقامة دولتها وهي أول تجربة لبناء سلطتها السياسية، عبر هذه التجربة عرفت البشيرة مرحلة تاريخية جديدة اعطت تحرر العديد من البلدان من الاستعمار ومن قبضة البرجوازيات الطفيلية والرجعية. لقد سمحت تلك التجربة للطبقة العاملة أن تخطو نحو المجتمع الحر حيث يمتلك فيه المنتجون ثمرات عرق جبينهم. كانت أول تجربة قامت فيها الطبقة العاملة بأول ضربة فأس لحفر قبر البرجوازية الاحتكارية الظالمة ودولتها. لقد استشعرت هذه البرجوازية المتعفنة الخطر الذي يتهددها من سلطة العمال ومن دولتهم، فقامت بشن حرب عالمية وحاصرت الدولة الناشئة ومنعتها من كل أسباب البقاء. لم تستطع هذه التجربة الوليدة أن تصمد أكثر ولم تتوفر لها بعد كل ضمانات النصر فكان محتما التراجع كواقع أملته ظروف الحرب مع الرأسمالية والبرجوازية الاحتكارية. خسرت البروليتاريا المعركة لكنها لم تخسر الحرب، لأنها لازالت تخوض المعارك حتى اليوم. ففي كل معركة تتحقق الخبرة ويتقوى الإدراك وتشتد العزيمة على ربح الحرب ضد الرأسمالية وهزمها نهائيا. فكما استخرجت البروليتايا درسا بليغا من تجربة كمونة باريز مفاده ضرورة تحطيم جهاز دولة البرجوازية وليس ترميمه، فها هي أيضا تستخرج الدروس العظيمة من الثورة البلشفية وتبني عليها في القادم من الأيام.
فإذا كانت ثورة أكتوبر العظيمة قد أكدت ضرورة انجاز الثورة الاشتراكية وقيام سلطة البروليتاريا كجواب على التناقض الصارخ بين منتجي الثروة وهم الأغلبية ومالكي وسائل الانتاج أي الرأسماليون وهم أقلية، فإن التطورات الراهنة أضافت حجة جديدة وهي أن الرأسمالية في عهد تعفنها واشتداد أزمتها باتت تهدد البيئة والحياة على كوكب الأرض، لأن الرأسمال لم يعد يمكنه تحقيق هدفه الأول والأخير وهو الربح، إلا باستنزاف كل الموارد الطبيعية وتبذيرها. وحدها سلطة البروليتاريا وإقامة المجتمع الاشتراكي هي من سيحمي البشرية ويحافظ على الحياة. لقد أصبح من واجب كل القوى والطبقات الشعبية أن تحشد صفوفها وراء الطبقة العاملة من اجل هزم الامبريالية وبناء المجتمع الاشتراكي كلما توفرت إمكانية قيامه ونضجت شروط إطلاق ثورته.
في بلادنا تحيي الطبقة العاملة المغربية فاتح ماي وهي تراقب أوضاعها الذاتية والأجواء على الصعيد الجهوي والعالمي.
فعلى مستوى اوضاعها الذاتية لا بد وأن تقتنع طبقتنا العاملة أنها الطبقة المنتجة لجميع الخيرات والثروة بهذه البلاد، وهي بذلك صاحبة الفضل على جميع الطبقات الاجتماعية الأخرى. فعلى قاعدة علاقة كل الطبقات الاجتماعية الاخرى بهذه الخيرات المستخرجة من عرق جبين وكدح الطبقة العاملة يمكن لهذه الاخيرة ان تصنف من هو العدو ومن هو الصديق. ان للطبقة العاملة عدو متمثل في حفنة من البرجوازية الكبيرة الطفيلية وملاكي الاراضي الكبار عملاء مصالح الشركات الامبريالية، لكن في المقابل لها اصدقاء وحلفاء من الفلاحين الفقراء والمعدمين والكادحين بالبادية وفي المدن كما يمكنها ان تعتبر حلفائها اخرين من البرجوازية الصغيرة وحتى المتوسطة وان كانوا حلفاء مؤقتين وغير مؤتمنين.
اذا كان ذلك هو الموقع الفعلي الذي تحتله الطبقة العاملة في الانتاج وفي المجتمع أي أنها طبقة محورية وأساسية، فإنها لم تستطع ترجمة هذا الموقع إلى واقع وحقيقة راسخة في الوضع السياسي والاجتماعي والفكري بعد. فهي لا زالت ترى نفسها طبقة مسخرة لخدمة مصالح غيرها، منقادة وتستعمل في الغالب حتى ضد إرادتها وضد مصالحها الحقيقية. وهي ترى وتحس أن وجودها الاجتماعي غير مكتمل لان وعيها لم يتقدم كفاية حتى تعي نفسها كطبقة موجودة لذاتها. ولتحقيق مثل هذا التطور لوعيها لنفسها من طبقة في حد ذاتها الى وعيها لنفسها كطبقة لذاتها تعرف قدراتها وقوتها وحقوقها ومن هم اعداؤها ومن هم اصدقاؤها لكي تصل الى مثل هذا الوعي لابد لها أن تخوض معركة طويلة ضد كل من يمنعها من اكتسابه. على الطبقة العاملة ان تعي انها الطبقة التي بتحررها سيتحرر المجتمع برمته بل الإنسانية جمعاء: “فحتى الآن كانت الحركات كلها إمّا حركات أقليات، وإما لمصلحة الأقليات. والحركة البروليتارية، هي الحركة القائمة بذاتها، للأغلبية الساحقة، في سبيل الأغلبية الساحقة. والبروليتاريا، الفئة الدنيا في المجتمع الراهن، لا يمكنها أن تنهض وتنتصب، بدون أن تنسف البنية الفوقية كلها للفئات التي تؤلف المجتمع الرسمي”. ( مقتطف من البيان الشيوعي.)
عبر مسيرات فاتح ماي سيرى العمال رفاقهم ورفيقاتهم يشاركون في رفع الشعارات وطرح المطالب، لكنهم سيرون أيضا ان صفوف العمال ممزقة ومشتتة على العديد من النقابات، بل سيرون أيضا العديد من رفاقهم ورفيقاتهم إما في جنبات المسيرات أو أنهم تخلفوا في منازلهم ولم يشاركوا في أية مسيرة، لأنهم لا ينتمون لأية نقابة. من ذلك يستنتج العمال أن صفوفهم مبعثرة، وانه إذا كانت الوحدة هي القوة سيدرك العمال بأنهم مستهدفون في اعز نقطة وأخطرها ألا وهي وحدتهم. سيستنتجون ان عليهم ان يسترجعوا هذه الوحدة وان يصونوها، لكن كيف لهم أن يحققوا هذا الهدف؟ سؤال يجدون جوابه عند معرفتهم من يشتت صفوفهم ومن له مصلحة في ذلك. وحدها البرجوازية المستغلة من لها مصلحة قوية في تفتيت صف العمال وهي تسخر حتى بعض خدامها من داخل الطبقة العاملة ومن داخل النقابات. سيتأكد العمال بأنهم لكي يسترجعوا وحدتهم عليهم استعادة نقاباتهم وتوحيدها؛ لكن لا بد من حضور من سيشرف على رسم الخطة وتفعيلها، ولن يكون إلا حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين باعتباره الضامن لخدمة مصالح الطبقة العاملة ورفع وعيها إلى وعي علمي، وعيها لذاتها كطبقة يجب ان تقود التغيير ببلادنا وبناء مجتمع جديد يفتح افق تحرير الانسان من الاستغلال و الظلم.
سيعلمها هذا الحزب انها بالإضافة الى قوتها في بلدها وأهمية دورها فإنها ايضا قوية بحكم علاقات الأخوة والرفاقية مع الطبقة العاملة في بلدان المغرب الكبير والتي تخوض معها نفس الحرب ضد الانظمة البرجوازية العميلة للامبريالية والصهيونية، وأنها أيضا قوية بالعلاقات الرفاقية مع باقي عمال العالم وهي معها في نفس الخندق من اجل هزم الرأسمالية وبناء الاشتراكية.
فتحية للطبقة العاملة المغربية في عيدها الأممي فاتح ماي وليتوحد الماركسيون المغاربة من اجل انجاز المهمة المركزية اليوم، المتمثلة في بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين ببلادنا.


كلمة العدد 239 من جريدة النهج الديمقراطي تجدونه في الأكشاك