الامبريالية الأمريكية تواصل مخططاتها لإخضاع فنزويلا


 مرتضى العبيدي

لم تكفّ الامبريالية الأمريكية يوما على اعتبار كافة بلدان أمريكا الجنوبية الحديقة الخلفية لها، وحاربت بكل شراسة وبشتى الطرق قيام أنظمة وطنية تسعى إلى فك الارتباط معها. فعرفت القارة التدخل العسكري المباشر، وهيمنة أجهزة المخابرات الأمريكية التي برعت في إحاكة الدسائس والانقلابات العسكرية . لكن شعوب القارّة لم تستسلم وقاومت كل على طريقته هذه الأشكال من الهيمنة وحاربت الأنظمة العميلة المسلطة عليها.

وأعطى وصول “هوغو شافيز” إلى الحكم سنة 1998 دفعا جديدا لروح المقاومة اتسعت إلى عديد البلدان التي شكلت فيما بينها جبهة معادية للامبريالية، فأصبح هذا الأخير العدو الأول لصنّاع القرار في أمريكا وأُدرِج على قائمة الرجال الذين تجب تصفيتهم. وتعرّض بالفعل لعديد المحاولات، إلا أن التفاف شعبه حوله كان يُحبط تلك المحاولات، وينتصر إلى قائده.

وبعد رحيل “شافيز” سنة 2013، اعتبرت الامبريالية الأمريكية أن الوقت قد حان للتخلص من النظام الذي أسّسه وإعادة بسط نفوذها على هذا البلد وإطفاء جذوة المقاومة التي انطلقت منه لتعمّ أجزاء كبيرة من القارّة. لكن الشعب الفنزويلي أفشل مخططاتهم من جديد وانتخب خليفته “نيكولا مادورو” رئيسا للبلاد لفترة رئاسية تمتد إلى سنة 2018، الأمر الذي لم يُرضِ لا الأمريكان ولا عملائهم في الداخل. فراحوا يشنون الحرب على جميع الأصعدة وبشتى الوسائل، وخاصة على الصعيد الاقتصادي.

وساعدتهم على ذلك عدة عوامل داخلية منها وخارجية. فـ “هوغو شافيز” الذي اتخذ إجراءات ثورية عديدة لفائدة شعبه ليس أقلها تأميم شركات النفط، علما وأن فنزويلا، تحتوى إلى أكبر مخزون للنفط الخام في العالم، وأعاد الروح إلى منظمة “الأوبيب” (منظمة البلدان المصدرة للنفط) التي أصبحت تتحكم في تحديد أسعاره في الأسواق العالمية بما يخدم مصالح هذه البلدان، كما أنه استخدم القسط الأكبر من مداخيل النفط في المشاريع الاجتماعية، مما ساعده على القضاء على الفقر وعلى الأمية وتحسين ظروف عيش الطبقات الفقيرة، من ذلك بناء ما لا يقل عن مليون وحدة سكنية من صنف المساكن الاجتماعية، وتعميم الخدمات الصحية المجانية لجميع المواطنين. وقد ساعده على ذلك مناخ اقتصادي عالمي شهدت فيه أسعار النفط ارتفاعا معتبرا وصلت في وقت من الأوقات إلى حدود 107 دولارات للبرميل الواحد.

إلا أن ما يُعاب على هذه التجربة أن النظام لم يستثمر تلك الظروف المواتية ليستثمر في قطاعات أخرى وخاصة الزراعة حتى يقي البلاد شرّ الأزمات والمضاربات وآثار الحصار التي كانت تضربه عليها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها. كما أنه لم يحدّد من نفوذ البورجوازية العميلة التي، وإن أخرجها من دائرة التصرف في القطاعات الاستراتيجية، فإنه ترك لها مجالات واسعة أخرى تتحكم فيها وتستخدمها للضغط على النظام أو للمساومة وخاصة منها التجارة الداخلية منها والخارجية، و بالخصوص مسالك التوزيع وقطاعي التصدير والتوريد.

فبعد هزيمة مرشحها للانتخابات الرئاسية لسنة 2013، ومع التدني المُريع لأسعار النفط في الأسواق العالمية جرّاء الحروب التي تشنّها وتسيّرها وتتحكّم فيها الامبريالية الأمريكية في مناطق إنتاج النفط، استخدمت هذه البورجوازية سلاح التخريب الاقتصادي بافتعال الأزمات وحجب المواد الأساسية من الأسواق (مواد غذائية، مواد طبية) بشكل شامل وترويجها في السوق السوداء بأسعار خيالية، لم يكن بمقدور الدولة التصدّي لها بالحزم الكافي نظرا لتقلص مداخيلها النفطية من ناحية وعدم نجاعة إدارتها التي نخرتها البيروقراطية وبعض مظاهر الفساد. وهو ما وفر المناخ المناسب للمعارضة الليبرالية للفوز في الانتخابات التشريعية المجراة في مناخ أزمة اقتصادية خانقة في ديسمبر 2015، فسعت منذ ذلك الحين إلى تنحية الرئيس “مادورو” بفرض انتخابات رئاسية سابقة لأوانها حتى يتسنى لها بسط نفوذها على السلطتين التشريعية والتنفيذية معا. وقد شجعها على ذلك ما أحرزته قوى اليمين الليبرالي العميل من انتصارات على الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في بعض بلدان القارة كالبرازيل والأرجنتين.

واليوم ها هي تمرّ للسرعة القصوى للإطاحة بالرئيس بتنظيم المظاهرات والاعتصامات والسعي إلى التصادم مع الجيش لكسب الرأي العام العالمي لمزيد الضغط على النظام للقبول بتنحية الرئيس بأي شكل من الأشكال. وفيما انخرطت عديد الأنظمة الامبريالية أو العميلة في حملات التشويه والتنديد بالعنف الذي يمارسه النظام، تعالت أصوات قوى التحرّر تحذر من الخدعة وتنبّه للأجندات المشبوهة التي ينفذها على أرض فنزويلا الطابور الخامس الأمريكي.