التيتي الحبيب: من وحي الأحداث

التيتي الحبيب

من وحي الأحداث


في المدة الأخيرة وفي محاضراته دافع السيد الطيب التيزيني المثقف العضوي السوري عن فكرة أن العديد من الأنظمة في منطقتنا أقامت “الدولة الأمنية التي تقوم على قاعدة مفادها أنه يجب أن يفسد كل من لم يفسد بعد، بحيث يصبح الجميع ملوثًا ومدانًا حتى يكون تحت الطلب”.
ببلادنا دشنت هذه السياسة مع مطلع السبعينيات من القرن الماضي خاصة بعد محاولتي الانقلاب الفاشلتين. ساعتها استخلص الحسن الثاني الدروس من الأوضاع القائمة، فاستنتج أن القاعدة الاجتماعية لنظامه تقلصت بشكل خطير مما بات يشكل تهديدا قويا لبقائه. وللحيلولة دون ذلك أطلق سياسة “المغربة” تمكن بفضلها هو كشخص من الاستيلاء على أحسن الشركات وأجود الأراضي، وسمح للعديد من الأتباع والمرشحين بالاستفادة المادية ويتحولوا إلى سند ودعامة للدولة. أما بالنسبة لكبار ضباط الجيش وبتوجيه واضح تم تحريضهم على الانتفاع المادي وتجميع الثروات.
في الحقل السياسي دشنت في نفس المرحلة سياسة “الإجماع الوطني” و”الانتقال الديمقراطي” وهي بدورها حولت الممارسة السياسية الحزبية من مجرى النضال السياسي والنقابي الجماهيري إلى السعي للحصول على الكراسي في الانتخابات المحلية والبرلمانية وفتحت الأبواب أمام الريع السياسي والاستفادة من المواقع داخل المؤسسات وأصبحت أصوات الناخبين والمنتخبين سلعة تخضع لقانون العرض والطلب.
رغم ذلك، بقي مجال الإفساد منحصرا نسبيا، وبقيت معه جيوب مقاومة وقوى عصية على الارشاء. وهي حالة أو وضعية غير مقبولة من طرف دولة سارت عقيدتها هي تمييع ما يمكن تمييعه، وهو ما تكفلت به حملة استقطاب المجتمع المدني وتأسيس الجمعيات المدنية والأهلية؛ بدأت بعدد محدود وهي جمعيات الوديان والسهول، ثم انتقلت إلى موجة ثانية شملت مئات الآلاف من الجمعيات وظفت فيها أموال طائلة مسحوبة من عائدات سياسة الخوصصة. تم الإشراف الرسمي على هذه السياسة ضمن خطة ما سمي ب”التنمية البشرية”.
وبفضل هذه الخطة أصبحت الجمعيات تنبت مثل الفطر، يتخذ قرار إنشائها في أقبية ودهاليز المخزن، ويتم حشد الأعضاء بدون علمهم بل يشحنون في الشاحنات والحافلات، وينقلون إلى مناطق تبعد بمئات الكيلومترات وهم لا يعلمون ولا يعرفون ما يحصل لهم؛ فقط يفهمون أنهم سيتقاضون في آخر النهار ورقة نقدية.
نعم أستاذ الطيب التيزيني، ببلادنا المغرب دولة أمنية لها تاريخ في الإفساد بل هي متخصصة فيه وقادرة على تصدير خبراء، وهي تضع خبرتها تحت تصرف كل الأنظمة المستبدة في إفريقيا والمنطقة العربية. في ظل مثل هذه الأنظمة أي معنى يصبح للمشاركة الديمقراطية أو المساهمة فيها ضمن قوانين لعبتها. إنها لعبة فاسدة تنتج واقعا بئيسا تهدر فيه الحقوق باسم الديمقراطية والتعددية والحريات الشكلية.

07/02/2017