انتفاضة 23 مارس 1965: السياق والتداعيات


أ أحمد آيت بناصر

انتفاضة 23 مارس 1965: السياق والتداعيات

  • إنطلاق الانتفاضة وسياقها 

    في اليوم الأول شهد شارع 2 مارس انسياب مسيرات التلاميذ المنظمة قادمين من ثانويتي م عبدالله والأزهر فثانويات محمد الخامس وفاطمة الزهراء ولحلو فالتحمت هذه المسيرة مع تلك القادمة من ثانويتي الخنساء وشوقي لتتوجه حشود التلاميذ صوب مقر نيابة التعليم بشارع محمد الزرقطوني لتطويقها. وبعد أن ظلت قوات الأمن هادئة ومرافقة لهذه المسيرات شرعت فجأة في محاولة فك الطوق عن مقر نيابة التعليم باستعمال العنف كالضرب بالهراوات والدهس بالسيارات النظامية للحشود المحتجة بغية تفريقها.حولت المسيرات التلاميذية طريقها في اتجاه الساحة الكبرى بوسط المدينة (تسمى اليوم ساحة الأمم المتحدة -المارشال) سالكة شارع مرس السلطان وزنقة أكادير وغيرهما متحدية حواجز قوات الأمن. لكن ما أن احتشدت الجموع بهذه الساحة حتى شرعت الأجهزة القمعية في هجومها العنيف على المحتجين مستعملة العصي والهراوات وأعقاب البنادق إضافة إلى عملية الدهس بالسيارات، مما خلف العديد من الإصابات الخطيرة في صفوف التلاميذ والتلميذات. وما فتئ أن انتشر الخبر في جميع أنحاء الدارالبيضاء وخاصة بالأحياء الشعبية.

  • تطورات الإضرابات التلاميذية

    وفي زوال نفس اليوم انتشر خبر الإضراب العام بمختلف ثانويات البيضاء فانخرط في هذا الإضراب تلاميذ الإعداديات والمدارس الابتدائية حيث تجمهر الثلاميد محتجين أمام كل ثانوية وإعدادية ومدرسة ابتدائية مرددين شعارات  تعبر عن مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية، مناهضة لتغيير نظام امتحانات الباكلوريا ومناهضة للقمع والتفقير،  كما طالب المتظاهرون باستقالة وزير التعليم. غير أن قوات القمع لم تتأخر في تفريق المضربين من أمام المؤسسات التعليمية بل وتعنيف التلاميذ والشباب في كل الأحياء الشعبية بالبيضاء. هذا القمع الهمجي للمضربين والمتظاهرين تمت مواجهته من طرف هؤلاء بإقامة متاريس وحواجز في الشوارع والأزقة مستعملين جدوع الأشجار وأعمدة التلفون والكهرباء كما عمدوا لرشق سيارات الشرطة بالحجارة واحراق بعضها والتنكيل ببعض عناصر الشرطة وخاصة بعض عناصر القوات المساعدة الذين كانوا مشهورين ببطشهم وجبروتهم ضد المواطنين خاصة بدرب السلطان.لم يستقر الوضع على هذا الحال، وإنما احتدت المواجهة بين المتظاهرين في الأحياء وقوات القمع التي عمدت إلى استعمال القنابل المسيلة للدموع (Bombes lacrymogènes)  مع مداهمة المساكن والاعتقال العشوائي للشباب وترويع العائلات وعموم المواطنين. مع احتداد المواجهة وعجز الأجهزة الأمنية بأنواعها عن احتواء الوضع بعد أن خارت قواها، سيتدخل الجيش بنشر قواته في مختلف المناطق الاستراتيجية بالمدينة وخاصة بدرب السلطان ومنطقة اسباتة بسبب احتداد المواجهة فيهما. فركنت الدبابات والمدرعات والمدافع والعناصر المدججة بالسلاح في الساحات الأساسية كما انطلقت العربات المحملة بالعساكر تجوب الشوارع والأزقة بمختلف الأحياء والبنادق والرشاشات مصوبة نحو النوافد والأبواب والمارة في حفلة القنص الدموية. فكان استعمال الرصاص الحي بشارع الفداء ومناطق أخرى وأصبحت الدار البيضاء تعيش حالة حضر التجول (couvre-feu) والنتيجة سقوط المئات من القتلى والجرحى. ولطمس الجريمة تم رمي جثت القتلى في مقابر جماعية تم مؤخرا الكشف على واحدة منها بمقر الوقاية المدنية بحي الفوارات.

  • أسباب انتفاضة 23 مارس 1965

    مع بداية سنة 1965 بدا يتأكذ أن هناك مشروع يستهدف تدمير التعليم بالمغرب وبدايته هي مراجعة نظام امتحانات الباكلوريا على طريق تصفية الحق في التعليم. وكان قد سبق ذلك تنظيم ندوات من طرف السلطة هدفها العميق تحطيم رجل التعليم معنويا وماديا، باعتباره كان دائما في طليعة النضال النقابي والسياسي والثقافي في تلك المرحلة. كما استهدفت مقررات التعليم لجعله نخبويا ومحصورا في فئة محضوضة من الشباب ليكون الاجهاز سالكا ويسيرا على الحركة الطلابية الصاعدة ونقابتها العتيدة -آنذاك- الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.إن الشبيبة المدرسية باعتبارها المثقف العضوي لأوسع الطبقات الشعبية، كانت تدرك بشكل أو بآخر أبعاد مخطط الإجهاز على مكسب الحق في التعليم وتداعياته المتعددة الأوجه.ورغم أن النظام أداع بلاغا في اليوم الثاني للانتفاضة يدعي كون ما يروج له البعض بشأن تغيير نظام الامتحانات، مجرد دعاية مغرضة وأكاذيب، فإن انتفاضة 23 مارس 1965 رسمت خطا أحمرا للنظام فيما يخص المكتسبات المتعلقة بالتعليم وأوقفت مخططاته ولو بشكل مِؤقت.

  • بعض نتائج انتفاضة 23 مارس 1965

    بعد أن عجزت قوات الأمن عن قمع الانتفاضة وخارت قواها، تم تحريك الجيش ليتدخل بشراسة في مواجهة المدنيين العزل بشراسة منقطعة النظير، حيث عاث بطشا بشباب وساكنة الأحياء الشعبية بالبيضاء عامة وسفك دمائهم بدون وازع أخلاقي. فتدرجت دماء الأبرياء بالساحات والأزقة والشوارع، لكن الصدور العارية المندفعة في مواجهة الرصاص الغادر وتضامن ساكنة الأحياء الشعبية مع المنتفضين وإسنادهم بالإيواء وفتح أبواب المنازل للالتجاء في حالة الخطر وإسعاف المصابين وعلاجهم في السر… كما كان دور المرأة متميزا في دعم وتشجيع المتظاهرين وفي إبداع عدة أشكال في المساندة كطريقة إبطال مفعول القنابل المسيلة للدموع وابتكار طرق بسيطة لعلاج المصابين.  شجاعة وبسالة المنتفضين التي حطمت جبروت الأجهزة الأمنية، أذهلت العسكريين كذلك.كل هذا جعل من الانتفاضة الشعبية حدث كبير بالمغرب ونقطة تحول خاصة بالنسبة للشباب المتمدرس، لا زال يلقي بظلاله حتى عصرنا الحالي.فمن أجل احتواء التطورات المفاجئة لانتفاضة 23 مارس كان على النظام المخزني تفاديا للانعكاسات السلبية على سياساته اللاشعبية واللاديمقراطية واللاوطنية، أن يعمد إلى التراجع عن مشروعه المذكور بخصوص التعليم، وفتح حوارات واتصالات مع القوى السياسية وبالأساس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كحزب معارض كان يحضى بشعبية وجماهيرية وقوة نقابية وازنة داخل الأوساط العمالية ورجال التعليم والحركة الطلابية والتلاميذية. لكن حوار المخزن مع القوى السياسية وخاصة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ودماء شهداء الانتفاضة لازالت لم يجف بعد، أدى إلى انطلاق نقاش واسع داخل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحزب الشيوعي المغربي الذي كان يتزعمه علي يعته.ذلك النقاش داخل هذين الحزبين التقدميين في تلك المرحلة، جعل شباب الحزبين يبلور أطروحات تنتقد توجههما الإصلاحي والمتخاذل تجاه قضايا ومطالب الجماهير الشعبية وحراكاتها بما فيها عدم التعاطي إيجابيا مع انتفاضة 23 مارس.وقد احتد هذا الصراع ضد التوجهات الإصلاحية وتخادل هذين الحزبين الإصلاحيين وتجاه قضايا الجماهير وخنوعهما لرغبات الحكم. وجاءت انتفاضة الشباب وخاصة الانتفاضة الطلابية بفرنسا في ماي 1968 وهزيمة الجيوش العربية في يونيو 1967 ثم نشوء اليسار الفلسطيني في نهاية عقد الستينات لتفسح المجال لتبلور مشروع ونشأة اليسار الماركسي اللينيني واستقلاله عن هذين الحزبين، فتشكلت المنظمات الثلاث منظمة إلى الأمام ومنظمة 23 مارس ومنظمة لنخدم الشعب.

  • أحمد آيت بناصر
    10 مارس 2017



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com