عن تراجعات المشاركة في تظاهرات فاتـح مــاي وسبل تجاوزهــا


عن تراجعات المشاركة في تظاهرات فاتـح مــاي وسبل تجاوزهــا

 استعراضات باهتة، شوارع ومنصات شبه فارغة، عيد عمال بدون عمال…. تلكم عينة من مجموعة من التوصيفات التي أصبحت لصيقة بإحياء العيد الأممي للطبقة العاملة بالمغرب على الأقل في السنوات الأخيرة، وهي على كل حال بالرغم من الخلفيات المغرضة للعديدين ممن يبتغون بث اليأس والإحباط وسط المأجورين، والذين يتفادون عن قصد الإشارة إلى نقط الضوء الموجودة لدى تغطيتهم الإعلامية، فانه يسجل على العموم تراجع كبير في معدلات الحضور بالمقارنة مع مراحل سابقة…. ترى ما هي الأسباب؟ التي أدت إلى ذلك؟ وما هي المقترحات الكفيلة بتجاوز هكذا وضعية؟ أي ما السبيل لكي يسترجع فاتح ماي بالمغرب وهجه المفقود منذ مدة طويلة؟ في أفق الاحتفاء به من لدن عامة المأجورين والكادحين والجماهير الشعبية.

لا نزعم الإحاطة بالموضوع من كافة جوانبه، لان ذلك يتجاوز طاقتنا والحيز المخصص له، بل فقط سنتقدم ببعض الأفكار التي تبدو من وجهة نظرنا المتواضعة، انه بإمكانها المساهمة في تشخيص مسببات المعضلة واقتراح مخارج لها، على أمل انكباب القوى اليسارية والنقابية الديمقراطية إفرادا وجماعات وباحثين تقدميين على الموضوع بالدراسة والبحث والتمحيص لتقديم الأجوبة النظرية والعملية الكفيلة بمعالجة الوضعية من أساسها.

1- في الانحدار المتواتر في إحياء فاتح ماي:

تعتبر محطة فاتح ماي العيد الأممي للطبقة العاملة مناسبة هامة، تعطي صورة عن أوضاع المأجورين بصفة عامة، والطبقة العاملة بصفة خاصة، من حيث مستوى الوعي الطبقي والحالة التنظيمية، وكذا من حيث أوضاعهم المادية والاجتماعية والمعنوية.

والملاحظ على العموم انه سنة بعد سنة ومنذ مدة طويلة أصبح فاتح ماي يفقد وهجه، وقد جاءت محطة السيرورات الثورية في العالم العربي والمغرب الكبير وفي قلبها 20 فبراير والتي كانت ستعطي للنضال النقابي شحنة قوية وغير مسبوقة تخرجه من أزمته، لكن القيادات البيروقراطية المتنفذة داخلها أخطأت موعدها مع التاريخ، وهو ما يؤدي ثمنه غاليا المأجورون وعموم الجماهير الشعبية.

هذا، ويمكننا أن نعتبر دون مجازفة انه منذ اتفاق فاتح غشت 1996 دخل منعطفا أكثر انحدارا ظل مستمرا حتى يومنا هذا، دون أن يعني ذلك أن المرحلة السابقة لم تتسم بالانحدار، لكنه كان اقل حدة، وإذا ما تعمقنا في البحث أخذا بعين الاعتبار مجمل العوامل المؤثرة في ذلك وفقا لسيرورة مجريات الصراعات الطبقية في المغرب منذ الاستقلال الشكلي، لا اعتبرنا أن الأمر بدأت أولى تجلياته البارزة منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي.

وكلنا يعرف أن الأمر مرتبط بقوة بنسبة تنقيب المأجورين، وان كانت الظريفة التي يخلد فيها فاتح ماي من كل سنة لها تأثيراتها بالسلب والإيجاب على استعراضات فاتح ماي، فيكفي أن نشير إلا انه في نهاية الخمسينيات وصل عدد المنخرطين في نقابة الاتحاد المغربي للشغل، وهي النقابة الوحيدة الموجودة انئذ 650 ألف منخرط، أي ما يناهز 8% من السكان، وأزيد من 20% من السكان النشيطين، و52% من السكان النشيطين غير الفلاحين، وذلك وفق معطيات مقدمة من طرف تلك المركزية،  وهو ما يؤرخ للعصر الذهبي للنقابة، أما الآن فعدد المنخرطين في ما يناهز 20 مركزية نقابية لا يتجاوز في أحسن الأحوال 300 ألف منخرط، أي ما مقداره 5% من المأجورين !!!!! في حين أن عدد السكان والأجراء تضاعف بأكثر من 3 مرات، وهي أرقام تساءل بقوة القيادات النقابية، وبدرجة الأولى اليساريين عل رأسهم الماركسيين الذين يطمحون إلى بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين، والنقابيين الديمقراطيين الطامحين إلى تقوية وتوحيد الحركة النقابية نضاليا وتنظيميا، لعلهم يدركون جيدا أدوارهم، والتي تبدأ بفتح حوارات تروم تقريب وجهات النظر، وتوحيد الفعل فيما يخص القواسم المشتركة كخطوة ضرورية لتعبيد الطريق نحو تجاوز الاعطاب والتوعكات والعوائق التي يعاني منها العمل النقابي المناضل.

2- في علاقة ذلك التراجع بأزمة العمل النقابي:

إن التدني والانحدار الذي وصل إليه تنظيم استعراضات فاتح ماي المجيد مرتبط أوثق ارتباط بأزمة العمل النقابي، فكلما كان هناك انفراج للازمة كلما استعاد إحياء العيد الاممي للطبقة العاملة وهجه، ويمكن تحديد أهم تمظهرات وتجليات الأزمة في ما يلي:

أ- التشرذم النقابي:

لم يعد أمرا سهلا إحصاء عدد المركزيات النقابية، والذي بات يناهز 20 مركزية وهو للأسف الشديد ما يتم التغطية عليه زورا وبهتانا باسم التعددية النقابية التي يتم تقديمها كأحد أوجه ديمقراطية النظام المخزني !! فيحين إننا نجد دولا عريقة في الديمقراطية كألمانيا وأمريكا تتوفر كل واحدة منهما على نقابة وحيدة، وإذا كانت التعددية في السياسة مبررة بحكم انقسام المجتمع إلى طبقات مصالحها متباينة ومتنافرة ومتعارضة، وبالتالي فالأحزاب السياسة تعبر عن تلك المصالح، وتواجدها له ما يسنده في الواقع، فانه غير مبرر فيما يخص المأجورين وعموم الكادحين فمصالحهم متقاربة ومتشابهة إلى حد كبير، مما يجعل أي تقسيم نقابي مضر بها وفي خدمة الدولة والباطرونا.

وإذا كانت البيروقراطية النقابية، وبالأخص في المركزيتين التي ينشط فيها اليسار “الاتحاد المغربي للشغل” و “الكونفدرالية الديمقراطية للشغل”، قد ظلتا لعقود طويلة تتهربان من استحقاق الوحدة النقابية، بالرغم مما جلبه تنافرهما وتصارعهما من إضرار فادحة للمأجورين، فان التنسيق الأخير بينهما والذي نعتبره إيجابيا وندعو إلى تطويره، قد ظل فوقيا وهشا وظرفيا ولم يمتد للأجهزة التقريرية والقطاعات والقواعد، ولم يتجسد على الأقل على مستوى محطة فاتح ماي، مما يجعله كرهان مطروح النضال من اجله لتطويره من طرف القوى اليسارية والديمقراطية.

ب- ضعف الديمقراطية الداخلية:

للأسف الشديد، هذا الضعف ظل ملازما للحركة النقابية منذ نشأتها وحتى الآن، وهو ما أفضى إلى تبرير الانقسامات النقابية وأدى إلى إقصاء العديد من الطاقات المناضلة، وإضعاف الهياكل النقابية، وشكل أساسا للتوترات الدائمة بين القواعد النقابية والمناضلين الديمقراطيين من جهة والبيروقراطية وأذنابها من جهة ثانية داخل كل مركزية على حدى، ولعل من ابرز مظاهرها ” الزعامات الأبدية” الجاثمة على صدر النقابات، واستغلال المواقع القيادية والإمكانيات المالية الغير خاضعة للمراقبة والمحاسبة لإغراق المؤتمرات، وتنصيب القيادات على كافة المستويات، ويتعدى الأمر ذلك إلى فرض الرقابة على النضالات الخارجة عن إرادة وحسابات البيروقراطية بلجمها أو تهميشها وتجاهلها.

هذا، وترفع القيادات البيروقراطية المتنفذة داخل النقابات عمليا شعار ” استخدام الطبقة العاملة بذل خدمتها” بحيث يسخر العمل النقابي لخدمة ” الزعامات التاريخية” ولقضاء المأرب الشخصية والاغتناء اللامشروع، بحيث نجد مليونيرات على رأس النقابات !!!!! وحسب تعبر الشهيد عمر بنجلون، وان كان المقصود منه في حينه زعامة الاتحاد المغربي للشغل، فانه ينطبق على جميع الزعامات النقابية الحالية، وهو” تحويل المنظمة العمالية إلى شبكة مكلفة بتنظيم فاتح ماي الذي أصبح بمثابة عيد العرش للأمين العام، أما الطبقة العاملة فما عليها إلا أن تفقد مكاسبها وتؤدي ثمن سياسة الإفلاس الاقتصادي الذي ينهجه الحكم”.

إن المأمول من عمل الغيورين على مصالح الطبقة العاملة هو تحويل النقابات المناضلة كتنظيمات جماهيرية إلى مدارس للديمقراطية، كما هو جاري به العمل في العديد من الدول الديمقراطية، بذل تركها فريسة للعلاقات البيروقراطية والانتهازية والمخزنية.

ج- ضعف الاستقلالية:

ما يسجل بقوة رغم كل محاولات التمويه هو أن هناك ضعف في الاستقلالية اتجاه الدولة والباطرونا من جهة واتجاه الأحزاب السياسية من جهة أخرى.

فالمثير حقا هو أن جميع النقابات ترفع شعار الاستقلالية، لكن واقع الحال والمآل يفنذ ذلك، فالنقابات الصفراء صنيعة الأحزاب الرجعية والإدارية تفتقد كليا للاستقلالية، وتواجدها وسط المأجورين ضعيف للغاية، ومهمتها الأساسية هي إضعاف الطبقة العاملة خدمة للباطرونا والدولة المخزنية… والمؤسف فعلا أن المركزيات النقابية المناضلة بفعل ترابط مصالح البيروقراطيات المتنفذة داخلها مع مصالح الباطرونا والدولة، فقد أدى ذلك بالمكشوف وأمام الملأ كما جرى على صعيد مدينة الدار البيضاء حين تم التوقيع على سلم اجتماعي بين المركزيتين الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل ونقابة الباطرونا برعاية والي الدار البيضاء.

هذا وباستثناء الاتحاد المغربي للشغل، فالمشهد النقابي ظل يعاني من الذيلية الحزبية، ومن التوظيف السياسوي للمعارك والنضالات النقابية والمظاهرات، وقد ساهم ذلك في الانكماش والتراجع الذي يعرفه التنقيب.

ولتبرير الذيلية للأحزاب السياسية يتم بشكل مقصود ومغرض الخلط بين علاقة النقابي بالسياسي وعلاقة النقابي بالحزبي، فالأولى محمودة ومطلوبة والثانية مدمومة ومضرة.

ه- ضعف التضامن النقابي:

إن جوهر العمل النقابي هو التضامن، بحكم أن مصالح المأجورين عموما متداخلة ومتقاربة، وهم يواجهون ذات الأعداء والخصوم، لكن الملاحظ أن التضامن بين مكونات المأجورين ضعيف للغاية، وتلعب البيروقراطية النقابية دورا كبيرا في ذلك عبر عزل وإبعاد التنظيمات القطاعية والمحلية والجهوية عن بعضها البعض، حتى يسهل التحكم فيها وفي نضالاتها وتوظيفها حسب نوعية العلاقات الظرفية مع السلطة والباطرونا، إن هذا  التعامل يهدف من جهة إلى عدم استشعار الطبقة العاملة قوتها أن هي  توحدت لكي لا يساهم ذلك في تنمية وعيها الطبقي، والى تفادي إمكانية تجاوز السياسة البيروقراطية المحكومة بهاجس التوافق والتفاهم الطبقيين، ولا غرابة أن يتسبب ذلك في تكسير وإفشال العديد من المعارك النضالية، ويؤدي إلى إحباط وتدمر جماهير واسعة من المأجورين الذين يغادرون كليا الساحة النقابية وهم يحملون الحقد على النقابات، وينضاف إلى ذلك شبه غياب تام للتضامن فيما بين المركزيات النقابية مما يجعل الوحدة النقابية المنشودة حلما بعيد المنال.

ذ- تراجع النضالات النقابية:

دون الرجوع كثيرا إلى الوراء، فما يميز الساحة النقابية في السنين الأخيرة هو الهجوم الشرس للدولة المخزنية وحكومتها الرجعية والباطرونا على الحريات الديمقراطية وعلى مكتسبات الشغيلة وعموم الجماهير الشعبية وذلك في إطار تحميلها وزر الأزمة الاقتصادية التي يتخبط فيها النظام وتنفيذا لتعليمات المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، ونذكر من بين ذلك: الهجوم على حق الإضراب من خلال تعميم الاقتطاع من الأجر الذي أصبح يسري على الموظفين؛ رفض تنفيذ ما تبقى من اتفاق 26 ابريل 2011؛ وتسريح العمال افرادا وجماعات؛ والانتهاكات السافرة لقانون الشغل؛ وتوسيع هشاشة الشغل ليطال الوظيفة العمومية؛ وفصل التكوين عن الوظيفة؛ وضرب مكتسبات المتقاعدين من خلال الزيادة في الاقتطاعات المخصصة للصندوق المغربي للتقاعد من 10% إلى 14 % والزيادة في سنوات العمل إلى حدود 63 سنة؛ والتقزيم من المعاش؛ والسير في اتجاه التصفية النهائية لصندوق المقاصة؛ زد على ذلك انتهاج الحكومة والباطرونا لحوار عقيم ومغشوش….

والمؤسف حقا أن ما ظل غائبا بالرغم من التنسيق بين 3 مركزيات نقابية الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل و الفيدرالية الديمقراطية للشغل (جناح العزوزي) هو الحزم في مواجهة المناورات المنتهجة من طرف الدولة وحكومتها الرجعية والباطرونا وفي صد التراجعات، بحيث أن النضالات طبعها التردد والتباعد، وضعف التعبئة، بل إن خطوة إلغاء الاحتفال بمحطة فاتح ماي 2015 بقرار بيروقراطي فوقي للقيادات المتنفذة دون الرجوع للقواعد والأجهزة التقريرية شكل تعبيرا من طرف تلك القيادات عن العجز والاستسلام أكثر منه على الاحتجاج والنضال، وزاد الطين بلة هو عدم التزامها بتحويل شهر ماي إلى شهر ملئ بالاحتجاجات وفق ما عبرت عنه ، إن غياب مقاومة في مستوى الهجومات والتراجعات المسجلة ينذر بالمزيد من التفريط في المكتسبات والحقوق، وقد أدى إلى المزيد من فقدان الثقة في النقابات، وبالتالي المزيد من إضعافها، وساهم في المزيد من التشرذم ببروز تنسيقيات فئوية وحركات اجتماعية تناضل بالاعتماد على قوتها الذاتية وعلى دعم بعض القوى المناضلة كجواب عن تخاذل المركزيات النقابية.

  • في المهام المطروحة:

إن التراجعات المتواترة في مشاركة المأجورين وفئات مناضلة من شعبنا في العيد الاممي للطبقة العاملة (طلبة، معطلين، ضحايا القمع السياسي، حركة 20 فبراير، جمعيات نسائية تقدمية وديمقراطية، ضحايا السياسات الاجتماعية للنظام….) أصبح واقعا يفقأ العين، بالرغم من المجهودات التي لا يمكن إنكارها لمناضلين ديمقراطيين صادقين بأنه ليس هناك بديل للمأجورين عن النضال النقابي داخل المركزيات المناضلة بالرغم من الصعوبات والعراقيل المنتصبة أمامهم، وان بعض المبادرات من قبيل التنسيقيات ينبغي لها أن تتخذ طابعا ظرفيا، وان لا تتحول إلى خيارات إستراتيجية تزيد المشهد النقابي بلقنة.

وانه يتوجب على القوى والطاقات اليسارية والديمقراطية داخل المركزيتين الأساسيتين الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالأساس فتح نقاشات واسعة من اجل إيجاد أرضية حد أدني تروم الدفاع عن المبادئ النقابية وتفعيلها، والنضال من اجل تقعيد التنسيق بين المركزيات ليطال القطاعات والاتحادات بدءا بتوحيد تظاهرات فاتح ماي في أفق الوحدة النقابية المنشودة، والعمل على تنسيق وتوحيد النضالات على كافة الصعد والمستويات، وتوفير الدعم لها والتضامن معها.

– التفاني في خدمة مصالح المأجورين وعموم الكادحين لتقديم نماذج مغايرة للبيروقراطية لاسترداد الثقة في العمل النقابي؛

– الدفع في اتجاه انفتاح العمل النقابي على القوى الديمقراطية واليسارية باعتبارها حليفته الموضوعية، وكذا على الحركات النضالية الجماهيرية لتبادل الدعم فيما بينها، وتسهيل مشاركتها في تظاهرات فاتح ماي؛

– التصدي الجماعي لضرب الحريات والحقوق والمكتسبات، وفرض على الدولة وحكومتها والباطرونا الخوض في مفاوضات حقيقة كبديل عن الحوارات العقيمة والمغشوشة؛

– العمل على أن يساهم العمل النقابي في الدفاع عن الحقوق ومطالب المأجورين وفي التغيير الديمقراطي المنشود المفتوح على أفاق القضاء على استغلال الإنسان للإنسان.

عبد الله العمالـي

10 أبريل 2017


 


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com