في ذكرى استشهاد الكوماندنتي: Hasta la victoria Siempre !


في ذكرى استشهاد الكوماندنتي: Hasta la victoria Siempre !
معاد. ي

في التاسع من أكتوبر تحل ذكرى استشهاد تشي جيفارا الغالية عند جميع المناضلين الثوريين في العالم، كمناسبة يجددون فيها العهد للمضي قدما بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين في درب النضال الشاق والطويل الذي شقه هذا المتمرد الأممي، الذي كان همه الوحيد الثورة. لا شيء سوى الثورة، التي كرس حياته في خدمتها، مضحيا بمعية رفاقه بالغالي والنفيس من أجل انتصارها حتى آخر رمق، دون ادخار أي جهد. مؤمنين بأن الثوار لا يمكنهم الركون للراحة وأن معارك الكفاح الثوري لا تنتهي وأن “الثورة تتجمد والثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون على الكراسي” وأن انتصار المعركة ضد الامبريالية ووكلائها المحليين في كوبا وأمريكا اللاتينية هو انتصار لكافة الشعوب التواقة للتحرر والاستقلال في كل مكان، مستلهمين هذا المبدأ الرفيع من رفيقهم محمد بن ع. الكريم الخطابي، الذي أرسى لبنات جمهورية الريف في شمال إفريقيا، مستفيدين من خبرات ودروس حرب العصابات التي خاضها المقاومون الأشاوس في جبال الريف الوعرة في عشرينيات القرن العشرين، كأسلوب اعتمده تشي ورفاقه لدحر الامبريالية ونظام فولغينسيو باتيستا الديكتاتوري في خمسينيات نفس القرن وما تلاها.

إن استحضارنا اليوم لهذه الذكرى الخالدة ليس بغية تعزية أنفسنا والبكاء على قبر هذا الثائر، بل من أجل الوقوف عند صفات واحد من خيرة الثوريين الأممين ومن ثمة استبطانها وتجسيدها في السلوك اليومي للمناضلين، خصوصا في ظل واقع يشهد تراجع الفكر والسلوك الثوريين وتفشي وباء الليبرالية الفتاك، وأيضا على دروس وعبر التجربة الكوبية الفريدة. فالتعريف بشهداء التحرر والاشتراكية والقضايا العادلة التي استشهدوا من أجلها وبسط تاريخ الشعوب التواقة للتحرر والانعتاق وحركاتها الثورية يعد واجبا يجب القيام به، خصوصا وأن الآلة الإيديولوجية للامبريالية وعملائها تشتغل دون توقف على طمس وتزوير الحقائق.
ماذا يعني لنا تشي:
– مناضل ثوري ماركسي وقائد عسكري، أممي، آمن بالجماهير وبدور ومسؤولية الأفراد في صناعة الأحداث، وأدرك بعمق دور الظروف والتطورات الموضوعية وسياقها التاريخي والاجتماعي.
– لم يكن “متهورا” يركض خلف معارك دونكيشوتية، بل كان مؤمنا بمشروع ثورة تبدأ من كوبا وتمتد لتشمل كل شبر يحل به الظلم والاستغلال في العالم.
– الممارسة العملية في الجبال والغابات لم تمنعه من أن يكون قارئا متفحصا للتاريخ ولتجارب الشعوب، ملما بمجريات وقوانين الصراع الطبقي في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا.. والتناقضات الاجتماعية والطبقية.
– كان شغوفا بالفكر والشعر والأدب والسياسة: قرأ لبابلو نيرودا وحفظ الكثير من قصائده عن ظهر قلب، ولوركا وأنطونيو ماتشادا وتولستوي وغوركي ودوستويفسكي.. وذلك بالموازاة مع انكبابه على دراسة أمهات كتب الماركسية، لماركس وانجلز وبليخانوف ولينين، والاطلاع على مفاهيم فرويد في التحليل النفسي، إلخ…
– آمن بأن الفلسفة أداة لتحقيق الثورة ووسيلة لنشر قيم التضامن والأخوة وإزاحة الظلم على كاهل الفقراء والوصول إلى “الإنسان الجديد”، وهي القيم التي ناضل من أجلها وتجسدت في ممارسته.
– كانت غايته من دراسة الطب تعبيرا عن إنسانيته وتطلعه لمساعدة المرضى والمحتاجين الفقراء.
– كان ثائرا أمميا لا يؤمن بالحدود الجغرافية، لذلك تجاوزها ليعانق الشعوب المقهورة والمستعمرة، ثار في أمريكا الجنوبية وإفريقيا وآسيا، وبعد استشهاده صار ثائرا خالدا وملهما في كل القارات.
– لعب دورا أساسيا في الثورة ضد نظام حكم باتيستا العسكري المدعوم من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وساهم في إحراز النصر خلال كل مراحلها، كطبيب في البداية وكمقاتل في صفوف الثوار الكوبيين، ثم كوزير للصناعة وسفير متجول باسم الثورة الكوبية.
– اشترك في تجنيد المقاتلين الجدد، وتولى مهمة تدريبهم على السلاح وتلقينهم أصول وأساليب حرب العصابات، وكان يقرأ لهم كتب الأدب وتاريخ الثورات…
– كان يؤمن كل ما يحتاجه رفاقه ورفيقاته في الكفاح، فقد أقام مصنعا للقنابل اليدوية وأنشأ فرنا لصنع الخبز وأنشأ مدرسة لتعليم الفلاحين القراءة والكتابة.
– اعتبر (بعد إسقاط نظام باتيستا) أن الإصلاح الزراعي هو حجر الزاوية في أية ثورة، وأن من واجب الحكومة الثورية تنفيذ برنامج جذريا للإصلاح الزراعي يلغي الممتلكات الكبيرة ويمنح الأرض لمن يحرثها. لذلك ألح على رفيقه كاسترو على الإسراع في إبرامه. كما كان وراء عمليات التأميم الشامل لمصافي النفط ومصانع السكر وشركات الكهرباء والهاتف في كوبا.
– حدد طبيعة الإنسان الاشتراكي الذي ينبغي الوصول إليه، فيقول “يجب أن نشرع فورا في بناء المواطن الذي يحمل قيم القرن الواحد والعشرين، وستتحمل القيادة عبء أن تكون القدوة للمثل الجديدة والتضحية. والإنسان الجديد لا يقاس بكمية اللحوم التي يستطيع الحصول عليها، ولا بعدد المرات التي يستطيع فيها المواطن أن يتنعم بالسباحة، ولا بنسبة ما يمكن أن يشتريه من وسائل ترف، بل بما يمكن أن يتحمله من مسؤولية في بناء نفسه وبناء الآخرين وبناء المجتمع والثورة والوطن” (أحلامي لا تعرف حدودا، صص. 124-125).
لمحة موجزة حول “الثورة الكوبية”:
الثورة الكوبية واحدة من أغنى التجارب الثورية في العالم، حدثت في منطقة صغيرة (كوبا) تقع فى مدخل خليج المكسيك فى البحر الكاريبى، وهي عبارة عن أرخبيل يتشكل من جزيرة كوبا و جزيرة الشباب بالإضافة إلى ألعديد من الجزر الرملية الصغيرة، تبلغ مساحتها بالكامل 110.922 كم2 . أقرب الدول جغرافيا إلى كوبا هي هايتي، الولايات المتحدة الأمريكية ، جاميكا و المكسيك.

بدأ التهييئ لها منذ 1953 باعتماد أسلوب حرب العصابات الذي خاضته حركة 26 يوليوز ضد النظام القائم المدعوم من طرف الامبريالية الأمريكية، حيث اكتسح رجال حرب العصابات هافانا بقيادة فيدل كاسترو وأسقطوا الديكتاتورية العسكرية لفولغنسيو باتيستا. بالرغم من تسليح الولايات المتحدة الأمريكية وتمويلها لباتيستا ولعملاء الـ CIA في صفوف الثوار. دخل الثوار كوبا على ظهر اليخت “غرانما”، ولم يكن معهم سوى ثمانين ثائرا، لم يبق منهم سوى عشرة مقاتلين فقط، بينهم كاسترو وأخوه راؤول وجيفارا، ولكن هذا الهجوم الفاشل أكسبهم مؤيدين كثيرين خاصة في المناطق الريفية، وظلت المجموعة تمارس حرب العصابات لمدة سنتين، خسروا خلالها نصف عددهم في معركة مع الجيش النظامي. كان خطاب كاسترو سبباً في إضراب شامل، وبواسطة خطة جيفارا للنزول من جبال سييرا باتجاه العاصمة الكوبية تمكن الثوار من دخول العاصمة هافانا في يناير 1959 على رأس ثلاثمائة مقاتل، ليبدأ عهد جديد في حياة كوبا.
المراحل الأولى للثورة:
كانت أول معركة ضد حكومة باتيستا عندما جمع فيدل كاسترو وراؤول 123 من مقاتلي الحركة وقاموا بالتخطيط للهجوم على العديد من المنشآت العسكرية ، وفي 26 يوليوز من سنة 1953، هاجم المتمردون ثكنات مونكادا في سانتياغو وثكنات بايامو ، إلا أنهم تلقوا هزيمة كبيرة من قبل قوات باتيستا، وقتل وأعدم واعتقل عدد من المتمردين، ومن بين القتلى كان الثائر هابيل سانتاماريا، وكان كاسترو ضمن الثوار الذين قبض عليهم إلى جانب عدد كبير من المؤسسين الأساسيين للحركة الثورية، وقدموا لمحاكمة سياسية.
حكم علي فيدل بالسجن لمدة 15 سنة في حامية موديلو ، التي تقع على جزيرة دي بينوس، في حين حكم على راؤول لمدة 13 سنة، ومع ذلك، في عام 1955، تحت الضغط السياسي الواسع، أطلقت حكومة باتيستا سراح جميع المعتقلين السياسيين في كوبا، بما في ذلك ثوار عملية مونكادا، وضمنهم فيدل وراؤول.
انضم الأخوين مع المنفيين الآخرين في المكسيك وبدؤوا بالتحضير للإطاحة بباتيستا، وتلقوا التدريب على يد ألبرتو بايو، القيادي في قوات الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية، وفي يونيو 1955 ، التقى فيدل بالمناضل جيفارا ، الذي التحق بالثوار ، وأطلقوا على حركتهم إسم “حركة 26 يوليوز”، إشارة إلى تاريخ هجومهم على ثكنة مونكادا في عام 1953.
حرب العصابات:
في الثاني من دجنبر من سنة 1956 وصل يخت “غرانما” إلى كوبا يحمل أزيد من 80 مقاتلا ، على الرغم من أن اليخت صمم فقط لاستيعاب 25 شخص كحد أقصى، مما تسبب في انهيار القارب وسقوطه في بلدية Niquero ، ووصلوا بعد يومين من الموعد المقرر . وبعد وصول السفينة بدأت فرقة من المتمردين القيام بشق طريقهم في جبال سييرا مايسترا، مع مجموعة في جنوب شرق كوبا، وبعد ثلاثة أيام بدأت الرحلة لمهاجمة جيش باتيستا، ولكن قتل معظم المحاربين، نجا القليل فقط، ضمنهم فيدل كاسترو وراؤول وتشي جيفارا وكاميلو سيينفويغوس تفرقوا في مجموعات صغيرة عبر الجبال، وفي النهاية التقوا مرة أخرى بمساعدة الفلاحين الفقراء المتعاطفين معه، شكلوا القيادة الأساسية للجيش في حرب العصابات، وكان معهم عدد من الرفيقات الثائرات، بما في ذلك سيليا سانشيز وهايدي سانتاماريا (أخت هابيل سانتاماريا).
وفي 13 مارس 1957، انضمت مجموعة طلابية غير مرتبطة بالثوار واقتحمت القصر الرئاسي في هافانا، في محاولة لاغتيال باتيستا. وانتهى الهجوم الذي وقع بالفشل الذريع ، وتوفي زعيم RD، وخوسيه أنطونيو إتشيفيريا، في تبادل لإطلاق النار مع قوات باتيستا في محطة راديو هافانا. وبعد ذلك فرضت الامبريالية الأمريكية حظرا اقتصاديا على الحكومة الكوبية واستدعت سفيرها، ولجأت حكومة باتيستا إلى أساليب وحشية للسيطرة على المدن والقرى.
بالإضافة إلى المقاومة المسلحة ، سعى الثوار لاستخدام الدعاية لصالحها ، وأنشئت محطة إذاعة القراصنة الذي دعا فيها راديو ريبيلدي باسم “راديو الثائر” فى فبراير لعام 1958، مما سمح لكاسترو وقواته في التحريض والدعاية لحركتهم داخل الأراضي الخاضعة لسلطة العدو.
وخلال هذا التاريخ، كانت قوات كاسترو لا تزال قوات صغيرة جدا من ناحية العدد، والتي وصلت إلى أقل من 200 رجل في حين كانت القوة من الجيش والشرطة الكوبية والقوى العاملة وصلت إلى حوالي 37.000، ومع ذلك اندلعت المواجهة، وأجبر الجيش على التراجع ، وفرض حظر على الأسلحة، مما ساهم إلى حد كبير في إضعاف قوات باتيستا ، وتراجع القوات الجوية الكوبي.
انتصار المتمردين:
في 21 غشت 1958، بعد هزيمة باتيستا، بدأت قوات كاسترو هجوما خاص بهم في محافظة أورينت، باستعمال أسلحة حديثة استولت عليها خلال الحرب مع العدو وتم تهريبها على متن طائرة، وفي هذا التاريخ حققت قوات كاسترو سلسلة من الانتصارات، وأصبح كاسترو رئيسيا في Guisa، وحققوا نصرا آخرا في العديد من المدن (Maffo، Contramaestre) ووسط أورينت ، وسهول كاوتو…
وفي الوقت نفسه، كانت هناك ثلاثة أعمدة للمتمردين، تحت قيادة تشي غيفارا: كاميلو سيينفويغوس وخايمي فيغا، شرعوا غربا نحو سانتا كلارا، وعاصمة مقاطعة فيلا كلارا ، ونصبت كمينا لقوات باتيستا ودمرت خايمي فيغا والمحافظات الوسطى، وفي هذه الفترة انضمت العديد من فصائل المقاومة الأخرى تحت قيادة كاسترو.
وفي 31 ديسمبر 1958 سقطت مدينة سانتا كلارا في يد القوات المشتركة لتشي غيفارا وسيينفويغوس، وحركة “RD” وغيرهما، وتسببت أخبار هذه الهزائم في ذعر باتيستا، الذي دفعه للهرب من كوبا عن طريق الجو لجمهورية الدومينيكان. فقامت قوات كاسترو بإخضاع المدينة لسلطتها، وقام غيفارا وسيينفويغوس باقتحام هافانا في نفس الوقت تقريبا ، ثم التقيا في رحلتهم من سانتا كلارا إلى العاصمة الكوبية. ليشقوا مسارا آخر أحدث القطيعة مع الامبريالية وأخرج الشعب الكوبي من نير الديكتاتورية، لا يسعف الحيز للوقوف عليه وعلى مكتسباته الثورية ونواقصه أيضا.
على سبيل الختم:
إن ذكرى استشهاد جيفارا تلهم المناضلين الجذريين في المغرب وفي العالم لمواصلة النضال ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية بلا هوادة. ومناسبة نؤكد فيها على شرف الانتماء لمعسكر الطبقة العاملة وعموم الكادحين والمعدمين واصطفافنا في خندقهم.
نختم بقولة الرفيق تشي: “إن الطريق مظلم وحالك، فإذا لم تحترق أنت وأنا فمن سينير الطريق”.
مراجع:
– إبراهيم جمال، تشي جيفارا… أحلامي لا تعرف حدودا، الحرية للنشر والتوزيع، 2012.
2017-10-10



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com