لكل ديمقراطية شكلها ومضمونها الطبقيين/ حالة فنزويلا

التيتي الحبيب


سبق لي نشر هذا النص واليوم اعيد تقديمه للقراء على ضوء ما يجري بفنزويلا وما لمسته من تيه وتضليل سافر وسط بعض من يروجون للمفهوم البرجوازي للديمقراطية معتبرين انه هو المفهوم الوحيد والمطلق لها.لايتبادر لذهنهم ان هناك موقع اخر تنظر منه الطبقة العاملة ومجمل الطبقات الشعبية والفئات الكادحة للديمقراطية التي تخدم مصالح الاغلبية للشعب عكس الديمقراطية البرجوازية والتي هي في العمق والجوهر دكتاتورية الاقلية ضد الاغلبية.
لقد تراكمت ازبال واوساخ كثيرة على فكر اليسار العمالي واصبح حتى لا يجرؤ على التعبير عن رايه ويتم اخراسه بفعل ثقل الالة الدعائية البرجوازية التي تصنع الفكر والراي وتقدمه للناس على انه قمة ما وصلت له البشرية.

لكل ديمقراطية شكلها ومضمونها الطبقيين.

عند الكلام او المطالبة بالديمقراطية من طرف قوى كثيرة، يكاد المفهوم البرجوازي هو من يحدد مضمونها وشكلها.بل اصبح اليوم جزء كبير من اليسار لا يفكر في الديمقراطية إلا من منظور الفهم البرجوازي.وساد هذا الفهم الى حد اصبحت مناقشته او انتقاده من الممنوعات او الطابوهات.ومن يعترض او يناقش تلصق به الكثير من النعوتات والشبهات والاتهامات.
ان مسالة الديمقراطية هي بحد ذاتها مسالة طبقية ولكل طبقة في مجتمعنا مفهومها ومضمون تخصه لها.وبالنسبة للفهم البروليتاري او منظور الماركسيين للديمقراطية فهو مختلف شكلا ومضمونا عما تدعوله وتمارسه البرجوازية.
للتعريف بهذا المفهوم وجب على الماركسيين خوض الصراع وتخطي الطابوهات وشرح منظورهم بما يلزم من الدقة والتفصيل.
اسوق هنا احد الامثلة لهذا الصراع من اجل اعادة الاعتبار لهذا المفهوم.كتب المناضل الماركسي حكمت منصور تقييما لتجربة الثورة العمالية في الاتحاد السوفياتي ورفض ان تحاكم تلك التجربة على قاعدة معايير الديمقراطية البرجوازية كما طالب بالاحتكام الى المعايير العمالية في الديمقراطية.في الفقرة التالية – وهي مترجمة الى العربية يقدم الكاتب افادات ومقارنة بين المفهومين البرجوازي والعمالي للديمقراطية.
“فيما يتعلق بمسألة التصويت بالنسبة للنضال العمالي، أود أضافة نقطة واحدة. ان هذا الاسلوب لا يحتل مكانة هامة في نضالات الطبقة العاملة، فإنه لا يعكس بشكل صحيح الوحدة ولا يوطدها.كل قوة العمال تكمن في وحدتهم، واتخاذ القرارات الجماعية ونكران الذات والتضحية المتبادلة في التضامن والمساهمة المشتركة في الحركة النضالية.
إذا ما صوت العمال بشكل فردي، فإن الطبقة العاملة تبدو دائما أقل عزيمة، أقل قتالية مما كان يمكن أن تكون عليه في خضم الحركة النضالية.انه في النضال، في وسط جموعاتهم العامة اين يصوت العمال حقيقة، في حين أن ألأفراد المنعزلين يكونون محبطين وبمعنويات مهزوزة بسبب ضغط رأس المال وعدم وجود افاق نضالية ضرورية لاتخاذ قرارات جريئة. تكون المميزات الخاصة للعلاقات الداخلية وسط الطبقة العاملة، خاصة منها تلك التي هي بين الجماهير العمالية مع القيادة والطليعة، نتيجة لعدة عوامل.
أولا، الوضع الاجتماعي الموضوعي للعامل كمنتج. انه منزوع الملكية بينما المجتمع البرجوازي لا يعترف بالفرد في الجوهر إلا على اساس الملكية. ان ملكية رأس المال هي مصدر السلطة، و تتجسد مشروعية هذه السلطة في المجتمع البرجوازي في شكل حق التصويت. إنها لحقيقة أن هذه الديمقراطية البرجوازية اقتصرت في البداية على حق التصويت المقتصر في الطبقات المالكة، وأصحاب رؤوس الأموال والأغنياء قبل الاقتراع العام. إذا نال العمال الحق في التصويت، فقد أصبح من الممكن في هذا النظام عن طريق إفراغ حق التصويت من أي معنى اجتماعي حقيقي ومن أية علاقة مباشرة في أي نصيب من السلطة. ان التصويت يناسب العلاقات الداخلية لأوليغارشيا تمتلك رأس المال، ولكنه ليس الوسيلة المناسبة لممارسة الحكم من طرف الطبقات المحرومة من هذه السلطة المادية في ممارسة حقها في الاقتراع.فالعامل لوحده لا اعتبار له. فالفرد البرجوازي يحتسب بما يتناسب مع السلطة الحقيقية التي يستمدها من ثروته. لذا يجب علينا أن نسأل أين تكمن قوة العمال، ما يفعلونه بها، وما هي المكانة التي يحتلها التصويت الفردي في هذه الآلية. ان قوة العمال تتبلور في حركتهم الجماعية، المفتوحة، المنظمة والموحدة. يلعب التصويت دورا محدودا في نشاة هذه الحركة. يتاتى الدور الجوهري من القيادة ومن الدعاية والشعارات التي من اجلها يتحرك العمال. هذا هو السبب في 99٪ من العمال ينخرطون في النضال المنظم بدون اللجوء إلى طلب تصويت اي أحد. هذه الحركة الموحدة تأخذ شكلها خاصة بفعل العناصر الأكثر تقدما، وقوة القناعة ووضوح وجهات النظر وفعالية سياساتها. هذه هي العوامل التي تحدد العلاقات الداخلية داخل الطبقة العاملة.
ثانيا، يشكل العمال طبقة مضطهدة. نضالهم، على عكس النشاط القانوني والبرلماني للبرجوازية، يواجه بشكل مباشر قوة قسرية خارجية: الدولة. ان الحركة السياسية للعمال تأخذ تلقائيا دينامية معركة، وفي ذات الوقت، يتغير معسكر العمال، كما في الحرب، ولم تعد هناك فرصة لفرز الأصوات الفردية في ممارسة إرادتها. . ومن خلال العمل والتقييم المستمر لقدرتها على الانجاز ابان المعركة يمكن اخذ بعين الاعتبار حركة الآراء الفردية.ان المسؤول البرجوازي سيدعي لنفسه جزء من الثقة البرلمانية. بينما الزعيم العمالي لا يمكنه تقييم حالة الوعي للجماهير العمالية بالالتجاء الى فرز الاصوات عبر صناديق الاقتراع، انه يجب عليه ان يحس في كل وقت بالرأي السائد في القاعدة عندما يريد اتخاذ قراراته.اذا لزمه التوفر على تقدير صحيح، فسيكون متطابقا مع طموحات الجماهير العمالية، وإلا فان مجرى النضال سيفرض عليه مراجعة قراراته.ان ما أعنيه هو أن معايير الديمقراطية البرجوازية لا يمكن ولا ينبغي أن تستخدم للحكم على العلاقة بين الجماهير العمالية وطلائعها.ان الحكومة العمالية في روسيا يجب ان تحاكم على قاعدة معايير عمالية وليس عن طريق تعميم مفاهيم الديمقراطية البرجوازية..” انتهى المقتطف(*)
في الدولة الراسمالية تتدعي البرجوازية انها تخلت عن السلطة لفائدة المجتمع وهو من يعين عبر حق الاقتراع العام ممثليه.لكن في حقيقة الامر ووراء المساواة الشكلية في اصوات المواطنين فان الاجهزة المنتخبة هي في يد حفنة من مالكي وسائل الانتاج والراسمال.انها ديمقراطية الاقلية تجاه الاغلبية الساحقة المسلوبة الارادة بحكم توزيع الثروة في المجتمع.
في الدولة الجديدة دولة العمال والكادحين حيث ملكية وسائل الانتاج في يد المنتجين تكون السلطة في يد الغالبية وهي سلطة موجهة ضد اقلية طبقية.وهذه السلطة تمارس عبر اشكال جديدة لا علاقة لها بالشكل الديمقراطي البرجوازي.انها الديمقراطية الشعبية المباشرة وهي ديمقراطية جديدة لازالت البشرية تبدعها وتطورها.لان الديمقراطية البرجوازية ليست هي نهاية التاريخ او ارقى ما وصلته البشرية.
(*)L’expérience de la révolution ouvrière en union soviétique
Hekmat Mansoor