مسار الكتابة التاريخية في عصر العولمة

 عرض وتقديم: زهير فخري (بيرغن)


يقترح كتاب “مستقبل الكتابة التاريخية في عصر العولمة” الصادر في طبعته الثانية سنة 2013، عن “منشورات الزمن” لصاحبه الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش، إجابات على أسئلة ملحة ترتبط بمسار الكتابة التاريخية والتحولات الواضحة التي بات يعرفها في زمن تطور “الأنظمة المعرفية والذهنية والأنساق الثقافية”، وخصوصا أمام “قدر” العولمة والانترنيت والثورة في مجال الإعلام والاتصال. وقد سعى الكاتب إلى الاقتراب من موضوعه عبر أربعة مباحث نوجزها في ما يلي:
المبحث الأول ويتعلق بمستقبل كتابة التاريخ العربي الإسلامي في عصر العولمة؛ وقد عمد الكاتب في هذا المبحث إلى تحديد مفهوم العولمة الذي اعتبره تعبيرا مباشرا عن إرادة الهيمنة على العالم و“أمركته” وتكريسا لما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي تشكل أمريكا قطب الرحى فيه. ومع التنامي المتسارع للثورة المعلوماتية والتفوق التقني، أصبحت العولمة (يقول الكاتب) “تنحو نحو صياغة ثقافية عالمية لها قيمها ومعاييرها الخاصة بغية ضبط سلوك الدول والشعوب وفرض وصاية عليها”.
ولإزالة أي لبس أو خلط بين المفاهيم، وقف الكاتب عند مفهوم “العالمية” يتبين، من خلال مقاربة الكاتب أنه نقيض “العولمة”، باعتبار “العالمية” تنهض على قيم الحوار والتسامح وتعترف بثقافات الآخر، ولا تحيد عن حق الاختلاف مع الآخر و”العالمية” إذا وجب الاختصار، هي ”سلوك حضاري يدعو إلى حوار الثقافات”. وفي المبحث ذاته يعرض الكاتب إلى ما اعتبره “اختراقا خطيرا” قد يتأثر به التاريخ العربي و”الهوية التاريخية العربية”، إذا “لم يتم رسم منهج” للتصدي للعولمة و”إيجاد منافذ سليمة للتفاعل معها بوعي وتبصر”. داخل هذا السياق يتحدث الكاتب عن موقع المؤرخ العربي، إذ أسند إليه مهمة التصدي للأخطار المحدقة بالتاريخ العربي جراء ما رآه “هيمنة للعولمة” ىدون أن يغفل أن على المؤرخ، من جهة أخرى، التفاعل اليقظ مع العولمة. وفي حديثه عن التحديات الجديدة التي يفرضها واقع العولمة، نتبين صعوبة المهمة الملقاة على عاتق المؤرخ، لأنه أصبح أمام جبهتين: جبهة العولمة وجبهة فرضها التاريخ الاستعماري الذي ”يزخر بالتحريفات وينطق بمنظور المحتل”، خصوصا أن الأخير يستثمر تفوقه التكنولوجي والمعلوماتي ل”غزو العقول وتدميرها”. وقد صاغ هذا الكيان الاستعماري وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ”نمطا ثقافيا يسعى إلى تدجين الشعوب وفرض وصاية ثقافية عليها” وهو ما اعتبره “عدوانا على مثقفي العالم الثالث بمن فيهم المؤرخ العربي”. في السياق ذاته، وقف الكاتب عند “قيم التاريخ الإسلامي” في تقابلها مع “قيم العولمة”، مشيرا غلى أن الأخيرة ترتبط بالقوة وبسلطة المال و”إرادة الهيمنة الثقافية” ويقصد هنا هيمنة النموذج الثقافي الأمريكي؛ وهو نموذج يحاول “أمركة التاريخ العالمي” وبالتالي فإن تاريخ المجموعة الإنسانية، يرى الكاتب، “تاريخ استعماري” وتبقى “العولمة” في النهاية، “وجها آخر لإرادة الهيمنة الثقافية الأمريكية”.
وقد وطّأ الكاتب للمبحث الثاني بسؤال عن طبيعة الخدمات التي تقدمها شبكة الانترنيت للباحث في التاريخ، مستخلصا وجود تقاطع بين عمل المؤرخ والانترنيت، لأن الاثنين يستندان إلى “المعلومة” أو ما أسماه “المادة التارخية” باعتبار الأخيرة تمثل “القضية الجوهرية في اهتمامات الاثنين”. وقد أشار الكاتب إلى إفادات المؤرخ من الشبكة إلى درجة أضحت معها الأخيرة “الرئة التي يتنفس بها المؤرخ”، إذ تيسر أمر الاشتغال بالنسبة إلى المؤرخ، لأن هاجس الوقت لم يعد مطروحا، فبنقرة واحدة (يقول الكاتب) “يستطيع المؤرخ أن يرتب المتون والهوامش والبيبليوغرافيا ويستخدم الجداول والإحصائيات والرسوم البيانية التي تشكل عملا أساسيا في عمل المؤرخ”؛ هذا فضلا عن أن المعلومات تتدفق وتتحين المعطيات التي تتضمنها في كل وقت وحين. ويستقبل المؤرخ كل هذا الزخم المعلوماتي بكلفة أقل، خصوصا أنه أصبح بإمكانه التواصل مع مؤرخين من مختلف أنحاء العالم بدون تأشيرة عبور الحدود الجغرافية، وأمام هذه السلاسة التي تقدمها الشبكة العنكبوتية، يذكر الكاتب، من جانب آخر، بأن شبكة الانترنيت ”قد تصبح سلاحا خطيرا يسبح ضد تيار البحث الموضوعي(…) إذا لم يكن المؤرخ متسلحا بالروح النقدية”.
ويضع الكاتب “النص التاريخي بين القراءة التأويلية والهرمنيطيقا” في المبحث الثالث من الكتاب، ويقف عند مفهوم “الهرمنيطيقا” الذي تتعدد دلالاته وتختلف من حقل معرفي إلى آخر. ويرى الكاتب أن هذا المفهوم “استعمل في الأصل كمصطلح لاهوتي يروم تفسير نصوص الكتاب المقدس الغامضة…”، وتوسعت، بعد ذلك، دلالات المفهوم ليصبح “علما عاما في الفهم ومنهجا لتفسير ظواهر العلوم الإنسانية”. وأمام التعدد الدلالي لهذا المفهوم، وقف الكاتب عند دلالته المرتبطة ب”علم التأويل” من حيث هو علم ينهض “على قواعد تجعل من التأويل والتفسير في مجال التاريخ بناء علميا متناسقا ومتلازما مع الواقع التاريخي العياني(…) ولا تخرج عن سياقه المنطقي”، لتظل “الهرمنيطيقا” في الأخير “محاولة بناء علمي لعملية التأويل التاريخي هدفها تنظيم استراتيجية منطقية للقراءة التأويلية للنص التاريخي”. وفي الإطار ذاته، يتساءل الكاتب عما إذا كان النص التاريخي قابلا للتأويل محيطا بما جاء على لسان بعض الباحثين الذين بنفون قابلية الكتابة التاريخية للتأويل باعتبار الأخيرة خالية من اللبس والغموض الذي يلتبس معه المعنى. إلا أن الكاتب، مع ذلك، يعترض على هذه الآراء التي ”تقصي، بنظره، النص التاريخي من دائرة التأويل”. ويشير إلى أن هناك نصوصا تاريخية تستدعي التأويل والتفسير، ويشير بهذا الخصوص إلى ما سماه “النصوص الصامتة والنصوص المبتورة”، وهي تلك التي لا تفصح عن معانيها بشكل واضح، ثم ما قال إنها “نصوص مؤولة أصلا” لأن النص التاريخي، يقول، مثل كافة أشكال الكتابة “يتأثر بقضايا العصر ويتلون بالمناخ الثقافي السائد”، بالإضافة إلى ما وصفه ب”النص المحابي الذي يعكس وجهة نظر النخبة الحاكمة”، باعتبار أن عملية تدوين التاريخ يقوم بها المنتصرون، وفي هذه الحالة يكتب النص التاريخي ”تحت إكراهات سياسية وضغوطات مهيمنة وإغراءات سخية تدفع المؤرخ إلى منطقة التزلف والمغالطة وتزوير الحقائق”. ويضيف الكاتب عناصر أخرى تستدعي تأويل النص التاريخي أجملها في ”المعنى المضمر للنص، وانقطاع السند والتورية والإيحاء” بما هي أساليب تتستر عن ذكر المقاصد. ويختم الكاتب هذا المبحث بالإلحاح على ضرورة تضافر جهود المؤرخين لوضع معايير علمية تؤسس ل”هرمينيطيقا تاريخية” تسعف على تفسير وتأويل النصوص التاريخية دون الوقوع في الخطأ وتساعد في بناء “علم التأويل التاريخي”.
وينهي الكاتب مباحثه في هذا الكتاب برسم معالم أطروحة فوكوياما حول “نهاية التاريخ”، إذ وقف عند السياق السياسي الدولي الذي ارتبطت به مركزا على ما اعتبره “حلقات ضعيفة في تلك الأطروحة”؛ فالأطروحة ليست جديدة بل هي “اجترار لمقولات دينية وفلسفية قديمة وحديثة”، وبالتالي فما قام به فوكوياما لا يعدو أن يكون طرحا إحيائيا أو بعثاً لفكرة “النهاية”، فقد ظل مرتحلا، يقول الكاتب، بين فكرة “الإنسان الأخير” عند زرادشت ونيتشه، و”الاعتراف” عند هيغل، و”الحتمية التاريخية” عند ماركس؛ وقد أساء فوكوياما، بحسب الكاتب، قراءة بعض الوقائع التاريخية؛ وقد نتج عن ذلك، يقول، “خلل في التحليل التاريخي نزع عن هذه النظرية طابعها العلمي المفترض”. واعتبر الكاتب أن فوكوياما يروج “لنظرية إسقاطية تنطلق من انتماء واضح للنموذج الأمريكي”، وبهذا المعنى فالنظرية، بحسبه، تخدم السياسة الأمريكية بترويجها لفكرة “الإجماع” العالمي حول النظام الليبرالي، وهكذا يصبح فوكوياما، بالنسبة إلى الكاتب، “مجرد أداة يستخدمها النظام الدولي الجديد (…) وتتحول نظريته من نظرية فلسفية إلى خطاب سياسي إيديولوجي يبشر بأبدية الرأسمالية في ثوبها الجديد”.
يأتي الكاتب في نهاية هذا المبحث على ذكر نقط ضعف أطروحة فوكوياما، ولعل أبرزها ما بات متوافقا عليه من قبل المؤرخين والمتلخصة في أن “التاريخ لن ينتهي مادامت العلوم الطبيعية المعاصرة لم تبلغ غايتها ونهايتها بعد، وأنه لا يمكن وضع حد للعلم، فالعلم هو وحده يقود الصيرورة التاريخية”.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com