التنسيقية المغاربية لمنظمات حقوق الإنسان
تصريح بمناسبة اليوم العالمي للمرأة 2018

تخلد التنسيقية المغاربية لمنظمات حقوق الإنسان مناسبة اليوم العالمي للمرأة تحت شعار “احترام حقوق النساء ركيزة أساسية لتحقيق التنمية بالمنطقة المغاربية “، ويأتي تخليد 8 مارس هذه السنة في سياق دولي وإقليمي تنتصب فيه تحديات كبيرة بسبب تراجع التزام الدول باحترام حقوق الإنسان مما كان له الأثر المباشر على أوضاع النساء خصوصا في البلدان المغاربية، وذلك بسبب استمرار الحكومات في الاستفراد بالمبادرات والقرارات وسن سياسات التمييز والإقصاء، مما أدى إلى تردي أوضاع النساء الاقتصادية والاجتماعية، الناتج عن تردي القدرة الشرائية واستفحال البطالة، وتراجع الخدمات الاجتماعية والصحية وارتفاع نسب الفقر وسط النساء، واستشراء العنف بكل أشكاله ضدهن. رغم التفاوت بين البلدان المغاربية، فباستثناء تونس التي حققت تقدما نوعيا، فإن النساء في المنطقة المغاربية، يتهدد حقوقهن المدنية والسياسية الكثير من المخاطر من ضمنها استمرار تفشي نزعات الانغلاق والتطرف الديني التي باتت تتغذى من واقع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ومن الانحباس السياسي الناتج عن عقود من الاستبداد والقهر المتناميين في المنطقة.

ففي المغرب بالرغم من أن دستور 2011 ينص على المساواة بين الجنسين فإنه يقيدها ويفرغها من مضمونها، كما ينص على إحداث هيئة المناصفة لمكافحة كل اشكال التمييز ضد المرأة، إلا أن قانونها التنظيمي كان مخيبا للأمال. وبالرغم من الخطاب الرسمي حول مكافحة العنف ضد المرأة، واعتماد البرلمان المغربي، بعد عقود من التماطل، لقانون بشأن حماية النساء من العنف، فإنه لقي الرفض القاطع من طرف الحركة النسائية والحقوقية المغربية،إذ رغم بعض الإيجابيات التي أتى بها، لن يضمن الحماية اللازمة من العنف للنساء. ينضاف إلى ذلك استمرار القوانين الوطنية ذات المضامين التمييزية بين الجنسين والمتضمنة للعديد من أوجه الحيف اتجاه المرأة.، وفي مقدمتها مدونة الأسرة التي تشمل العديد من مظاهر الحيف والتمييز اتجاه المرأة من ضمنها ما يخص تعدد الزوجات ومنع زواج المسلمة بغير المسلم والتمييز في الإرث… وبالموازاة يسجل على مستوى الواقع، تنامي جرائم العنف ضد النساء، بما فيها الاعتداءات الجسدية والتحرش الجنسي، سواء في الوسط الأسري، أو الشارع، أو فضاء العمل. وتتلقى النساء بشكل أشد انعكاسات تردي واقع الخدمات الصحية، والتدهور الذي تعرفه المدرسة العمومية، وتوضح مؤشرات نسبة النشاط الاقتصادي والعطالة والاستفادة من التغطية الاجتماعية وسياسة الأجور أن النساء الأكثر تضررا وأنهن عرضة للتمييز في الأجور وفي شروط العمل وتقلد المسؤوليات…

أما في الجزائر بالرغم من تكريس الدستور الجزائري لمبدأ عدم التمييز على أساس الجنس ومطالبته باتخاذ إجراءات إيجابية لضمان المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، رجالا ونساء وبالرغم من أقرار البرلمان مادة تعلن أن “الدولة تعمل على ترقية التناصف بين الرجال والنساء في سوق التشغيل” و”تشجع الـدولة ترقـية المرأة في مـناصب المسؤولية في الـهيئـات والإدارات العمـومية وعـلى مستوى المؤسسات”. فإن الجزائر لم تشهد أي تحسن في تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. كما أن “قانون الأسرة” يكرس التمييز ضد المرأة في المسائل المتعلقة بالزواج والطلاق وحضانة الأطفال والوصاية عليهم، وقضايا الارث. كما لا يعترف القانون بالملكية الزوجية، ولا يقدر المساهمات غير النقدية للمرأة في الزواج وقت إنهائه.ورغم دخول  قانون العقوبات لحماية المرأة من العنف والتحرش حيز التنفيذ فما زالت النساء الجزائريات يتعرضن للاعتداء في مختلف اشكاله  .

أما في ليبيا فالنساء تعانين من ويلات الحرب الأهلية وذلك بشكل مضاعف لما يفرضه عليهن من التقوقع في الدور التقليدي المتمثل إعادة إنتاج ورعاية القوى البشرية في الأسرة والمجتمع. هذه الأعباء التي تزداد من جراء التهجير اليومي للأسر وتزايد أعداد الجرحى والمعاقين. بالإضافة إلى الضغوطات النفسية المتضاعفة بسبب فقدان أبنائهن وبناتهن في النزاعات المسلحة، وبسبب التعايش اليومي مع الخطر والرعب جراء صراع لا يراد له أن ينتهي. إضافة إلى سيطرة المجتمع الذكوري على مناحي الحياة من جهة ثانية، فالبرغم دخول المرأة الانتخابات وفوزها بمناصب عدة، إلا أنها لا تزال مهمشة، إذ يقتصر دورها على المناصب غير السيادية، فمثلا حق المرأة في تولي منصب بالقضاء بات معرضا للخطر بسبب القيود الاجتماعية المتعددة والتي تكبل حرية المرأة في ليبيا وتحجب عنها حقوقاً أو تمنعها من ممارسة حقوق مقررة لها، حيث فرضت الجماعات المسلحة مثلا في إطار الفوضى السياسية، تقييد حرية المرأة في التنقل واختيار زيها، كما تم إباحة تزويج الأطفال، وقامت الجماعات المسلحة كذلك بتهديد ومضايقة النساء المشاركات في النشاط العام.

أما في تونس فنسجل باعتزاز المكاسب التاريخية التي حققتها الحركة الديمقراطية التونسية خاصة عبر إقرار قانون متقدم لحماية النساء من العنف، وكذا القرارات السياسية الجريئة للسلطات التونسية في الدعوة إلى تطبيق المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث ، وذلك تجسيدا لمضمون الدستور التونسي في فصله العشرين: “المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز”. والفصل 46: “تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، وتعمل على دعمها وتطويرها، وتضمن تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات”. لكن رغم هذا الإنجازات المحققة في مجال الحقوق المدنية، لا زال أمام النساء التونسيات تحدي تفعيل القوانين الجديدة لمواجهة العنف المبني على النوع المستشري في المجتمع بكلّ أنواعه من عنف جسدي ولفظي وجنسي واقتصادي وغيره، كما تواجه النساء من ضحايا الاغتصاب صعوبات خاصة في الحصول على خدمات منع الحمل والدعم النفسي، وغير ذلك من الجوانب الضرورية للرعاية. إضافة إلى ذلك، ما زالت المرأة التونسية عرضة للتمييز سواء في الشغل والأجور وفي التمتع بالتغطية الاجتماعية خاصة في المجال الفلاحي …

أما في موريتانيا فرغم الوضع الاعتباري من الناحية الاجتماعية  الذي تتمتع النساء الموريتانيات فقد شكل الاغتصاب والعنف الأسري أهم الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة في موريتانيا، حيث ازدادت ظاهرة الاغتصاب بشكل مقلق في السنوات الأخيرة وخاصة ضد القاصرات. وقد صدرت أحكام إدانة كثيرة في هذا الشأن . كما أن نسبة وفيات الامهات والأطفال أثناء الولادة ما زالت مؤشراتها في هذا البلد المغاربي مقلقة. إضافة إلى التمييز الذي يطال النساء في ولوجهم للخدمات الاقتصادية والاجتماعية كالشغل والصحة والتعليم خاصة في المناطق النائية.  وتعد وضعية الحرطانيين في موريتانيا خاصة النساء منهم، من القضايا المقلقة، فبالرغم منحظر العبودية رسمياً في عام1981، واعتبارها جريمة في القانون المحلي، الا أن منظمات حقوق الإنسان، كمنظمة “نجدة العبيد” ومبادرة “انبعاث الحركة الانعتاقية”،لازالت تنتقد استمرار تلك الممارسة والتي تبقى النساء أكثر عرضة لمثل هذه الممارسات الفظيعة .

وفي المهجر، تناضل النساء المهاجرات ضد الاتفاقيات الثنائية التي تمس حقوقهن، كما تنتهك كرامتهن بسبب التبعية للزوج التي تفرضها القوانين الوطنية مما يضع النساء في وضعية الهشاشة وعرضة للابتزاز ويضعف قدراتهن على حماية انفسهن في حالة تعرضهن للعنف داخل الأسرة، مما يجعل النضال من اجل اعتبار المرأة المهاجرة مواطنة مستقلة عن زوجها مسألة ملحة. وتتعرض النساء بشكل أكثر للاعتداءات العنصرية خاصة اللواتي يخترن ارتداء غطاء الرأس لما يعطى له من حمولة هوياتية يجعل مرتدياته هدفا للممارسات العنصرية التي تستهدف معتنقي الديانة الإسلامية أو المواطنين القادمين من البلدان المغاربية والعربية. وتمتد الممارسات العنصرية إلى حرمان النساء المهاجرات أو المنحدرات من الأسر المهاجرة  من حقهن في المساواة في فرص الشغل والتعليم، ويتعرضن أيضا للوصم والأحكام المسبقة مما يمس حقهن في المواطنة الكاملة تمتد أحيانا إلى مجال القضاء.

إن التنسيقية المغاربية لمنظمات حقوق الإنسان، وهي تحيي  كل نساء العالم بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، فإنها :

1ــ تشد على أيادي نساء العالم المضطلعات بأدوار رائدة في صنع التاريخ الإنساني، خاصة النساء المناضلات في مختلف مواقع النضال من أجل الحرية والكرامة ومن أجل عالم أكثر أمنا وسلاما، والنساء المعرضات لمختلف الانتهاكات الجسيمة من جراء النزاعات المسلحة في بلدانهن وجرائم العدوان على شعوبهن، والأسيرات في سجون الاحتلال الصهيوني،  وكل النساء المنتجات والمبدعات والمتحديات للأدوار النمطية المرسومة لهن سلفا ؛

2ــ تعبر عن تضامنها مع الحركة النسائية المغاربية المناضلة من أجل المساواة بين الجنسين ومن أجل الحقوق الإنسانية للمرأة ؛

3ــ تطالب الدول المغاربية بالتصديق على كل الاتفاقيات المعنية بحقوق المرأة والبروتوكولات الخاصة التي لم تصادق عليها بعد، ورفع كل التحفطات والتفسيرات المعرقلة لتفعيلها، وملاءمة التشريعات المحلية معها واحترامها في الواقع، وتنفيذ توصيات اللجن الأممية، وإدماج مقاربة النوع في كل السياسات العمومية وعلى كل مستوياتها ؛

4ــ تطالب الحكومات المغاربية باحترام المقاربة التشاركية والانفتاح على الحركة النسائية والحقوقية ومختلف تنظيمات المجتمع المنخرطة في النضال ضد التمييز المبني على النوع، وإشراكها في وضع السياسات وتقييمها، ووضع استراتيجيات فعالة لتحسين صورة المرأة في الإعلام وإعمال برامج التكوين على قيم المساواة في مختلف مجالات التثقيف ونشر القيم؛

5ــ تدعو الحركة الحقوقية والنسائية والنقابية والشبابية والجمعوية الأخرى إلى تكثيف الجهود لمواجهة التحديات التي تنتصب في وجه طموح الشعوب المغاربية في الديمقراطية والتنمية والسلم والتي لن تتأتى دون المشاركة الفعلية والفعالة للنساء في بنائها ؛

6 ــ تحيي الدور الهام الذي تقوم به جمعيات الهجرة وفي مقدمتها الهيآت العضوة بالتنسيقية في مجال الحماية والدفاع عن الحقوق الإنسانية للنساء المهاجرات وتدعم مطالبها في إلغاء الاتفاقيات الثنائية المجحفة، وتغيير القاونين المحلية بما يحمي المرأة من العنف الأسري كيفما كانت وضعيتها الإدارية

7 ــ تندد بالشروط المهينة التي يتم بها تشغيل العاملات المغربيات المؤقتات في إسبانيا، ويطالب الدولتين المعنيتين بمراجعة الاتفاقيات المبرمة في هذا المجال بما يضمن حقوق العاملات وكرامتهن، كما تستنكر بشدة مسلسل التضييق والاعتقال والترحيل والطرد الذي تمارسه الدول المغاربية في حق المهاجرين/ات واللاجئين/ات، بسبب  اتفاقيات ثنائية غير عادلة ومجحفة؛

8 ــ تؤكد من جديد مواصلتها النضال إلى جانب كافة القوى الديمقراطية المغاربية من أجل مغرب كبير دون حدود تسوده الحقوق والحريات وتتمتع فيه جميع النساء بالحرية والكرامة والمساواة مع الرجال.

عن التنسيقية المغاربية لمنظمات حقوق الإنسان
السكرتارية: الرباط في 7 مارس 2018