نظمت جريدة النهج الديموقراطي مائدة مستديرة تحت عنوان :

جبهة النضال الشعبي والحركات الاحتجاجية

 

المتدخلون : جريدة النهج الديموقراطي ـ عبد السلام الباهي ـ عبد الله الحريف ـ اليزيد البركة ـ بلعتيق محمد.

تنصب المناقشة على أربعة محاور أساسية وهي :
المحور الأول : لمحة تاريخية عن الحركات الاحتجاجية بالمغرب
وينقسم إلى نقطتين :
1) أهم الحركات الاحتجاجية لما قبل 20 فبراير2011.
2) لمحة عن التوزيع الجغرافي والقطاعي لأهم الحركات الاحتجاجية لما بعد 20 فبراير 2011.
المحور الثاني : قراءة مميزات وخصائص الحركات الاحتجاجية الراهنة ويتضمن خمس نقط على شكل تساؤلات:
1) ما هي الطبقات أو الفئات المعنية بهذه الحركات ؟
2) الأساليب النضالية التي عرفتها هذه الحركات الاحتجاجية ؟
3) المدة الزمنية التي استغرقتها الحركات الاحتجاجية ؟
4) رصد نتائج هذه الحركات وتقييم النتائج بالقياس مع حجم التضحيات .
5) كيف تعامل النظام وباقي القوى السياسية والنقابية والجمعوية مع الحركات الاحتجاجية.
المحور الثالث : من أجل تجاوز المعيقات ـ ما العمل؟
• النقطة الأولى في تشخيص المعيقات التي تفسر الوضع الراهن والصراع الطبقي في بلادنا ، والذي تشكل تلك الحركات الاحتجاجية أحد تجلياته.
• من هي القوى المطالبة بتوفير أدوات النضال الضرورية للجواب على سؤال ما العمل الذي تطرحه الحركات الاحتجاجية اليوم ؟
• ما هي أهم بنود البرنامج النضالي سواء على المستوى السياسي والفكري أوالمستوى التنظيمي ؟
المحور الرابع : جبهة النضال الشعبي والجواب على الاختلالات الراهنة في موازين القوى ضد المخزن . ويتضمن أربع نقاط أساسية:
1) لا محيد عن تجميع قوى النضال وفي قلبها قوى اليسار المناضل.
2) لا محيد عن العمل المشترك وفق التقاطعات المشتركة بين القوى المعارضة.
3) حركة 20 فبراير ، كقاطرة للنضال الجماهيري المشترك ، تحت شعارها الرائد “إسقاط الاستبداد والفساد”.
4) في النضال وبالنضال تبنى جبهة النضال الشعبي ضد المخزن وفي نفس الوقت تنضج شروط بناء النظام الديمقراطي البديل.
على مستوى طريقة نقاش هذه المحاور سنناقشها محورا محورا.

المحور الأول
لمحة تاريخية عن الحركات الاحتجاجية بالمغرب :

فليتفضل الرفاق.
مداخلة عبد السلام الباهي

” بالنسبة للمحور الأول يمكن تقسيمه إلى نقطتين :
– الحركات الاحتجاجية لما قبل 20 فبراير .
– التوزيع الجغرافي والقطاعي لأهم الحركات الاحتجاجية .
وسيتم التطرق للنقطتين معا بتداخل ، في إطار المحور الأول دائما .
إن أول سؤال قد يتبادر إلى الذهن ، ونحن نحاول تتبع وقراءة مسار الحركات الإحتجاجية والإجتماعية في المغرب ، يتعلق بإشكالية تخص المفهوم أو المصطلح . حيث أن العديد من الكتابات لا تميز بين مفهوم الحركة الاحتجاجية والحركة الاجتماعية .
نعم هناك من الباحثين من يذهب إلى القول بأن أغلب الحركات الاحتجاجية بالمغرب لم ترق إلى مستوى حركة اجتماعية ذات بعد استراتيجي . وهذا الرأي يطرح بعض التساؤلات والإشكالات ؟ ولكن التحليل الإجتماعي ، لا يمكنه إلا أن يأخذ بالإعتبار كون الحركات الاحتجاجية هي ذات بعد اجتماعي في النهاية . وبالتالي فإنه من الصعب القول بان الحركات الاحتجاجية لا ترقى إلى مستوى الحركات الاجتماعية . لأنه في جميع الأحوال ، تبقى الحركات الاحتجاجية هي في أساسها ذات بعد اجتماعي واقتصادي ، وقد تأخذ طابعا سياسيا واضحا أحيانا . مع العلم أن البعد السياسي حاضر كذلك . وإنما قد يكون واعيا وقد يكون غير واع لنفسه . وذلك يبرز من خلال شعارات الحركة المعنية نفسها . وبالتالي فإن مجمل هذه الأبعاد تكون حاضرة في الحركات الاحتجاجية .
الحركات الاحتجاجية هي حركات تتبنى التعبير من خلال الإحتجاج ، وذلك عن طريق إبراز عناصر الرفض أو التذمر أو المعاناة من واقع معين . ولذلك تستقطب الحركات الإحتجاجية عدة أساليب يتجلى من خلالها طابع الرفض أو التذمر أو المعاناة . وقد تكون ضمن أساليبها ، التظاهرات والمسيرات و الانتفاضات أو أشكال أخرى للاحتجاج مختلفة . لقد جسد نضال عمال مناجم إيميني بوارززات مثلا ، نوعا من الإحتجاج . ومن الأساليب التي لجأ إليها العمال ، أنهم نصبوا خيمة ، سميت ” خيمة الصمود ” . وكانت شكلا من أشكال التعبير ، جسدوا من خلالها دعم واستمرارية نضالاتهم واحتجاجاتهم الأخرى .
الحركات الاحتجاجية هي حركات لصيقة بجميع الأنظمة تقريبا . لأن غايتها في النهاية التعبير . وبينما تستوعب أغلب الأنظمة الديمقراطية أنواعا من التعبير و الرفض . فإن الوضع في الأنظمة الديكتاتورية يختلف . حيث أنه غالبا ما يؤدي كل تعبير على الاحتجاج أو الرفض أو التذمر في النهاية ، إلى الكشف عن أزمة ، تتعمق أمام تفاقم حدة التناقض بين الاستبداد والحق في التعبير والإحتجاج .
بالنسبة للمغرب ما قبل حركة 20 فبراير ، يمكن رصد عدة أشكال للحركات والتعبيرات الاحتجاجية حتى قبل فترة الحماية . وفي هذا الإطار يمكن التذكير بمفهومي بلاد السيبة وبلاد المخزن . حيث ظهرت في تلك الفترة ، أشكال من التعبير على رفض عدد من القبائل للسلطة المركزية للمخزن . وكذلك التمردات الأخرى التي كانت فئوية ، كتمرد الدباغين سنة 1873 . حيث رفضوا تأدية المكوس للسلطة المركزية . وكذلك في سنة 1804 الخ…
وظهرت أشكال أخرى من الاحتجاج ، وذلك عندما يتقاعس المخزن في الدفاع على البلاد . مثال ثورة الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي . فهي تعبير على هذا الاحتجاج . لأن السلطة المركزية لم تستطع تنظيم المقاومة لمواجهة الهجمات الاستعمارية .
وكذلك كان تمرد جيش التحرير الذي كان في الجنوب . ثم انتفاضة الريف في سنة 1958 ، التي تم قمعها بشكل وحشي.
كانت هناك احتجاجات أخرى تتم حتى داخل السلطة نفسها . وتعبر على التناقضات داخل السلطة ، كما تعبر على انعدام التوازن بين مكوناتها . وقد عبرت عنها في الستينات انتفاضة عامل قصر السوق “عدي أوبيهي” ، الذي انتفض وخلق أزمة داخل السلطة . وكذلك المحاولتان الانقلابيتان في سنتي 1971 و1972 . اللتين كشفتا حدة التناقضات في قمة هرم السلطة . وكل هذه أشكال من الرفض لممارسة سلطة معينة .
خلال السبعينات من القرن الماضي ، اتخذ الإحتجاج في المغرب مظاهر وأشكالا أخرى . كان من أبرزها حركة 3 مارس 1973 . وهي حركة مسلحة نظمها تيار من داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية . إذ اعتقد قادة هذه الحركة ، أن الظرفية كانت ملائمة لانطلاق عمل مسلح ، وتخليص البلاد من النظام القائم . لكن الأمور ذهبت في اتجاه آخر .
توالت فترات القمع المخزني ، وخلقت حالة من الرعب على مر أجيال . وهنا لابد من التذكير بانتفاضة 23 مارس 1965 . حيث كانت لحظة مهمة في تطور الحركة الاحتجاجية بالمغرب . ولكن ما ميزها كذلك ، هو الواقع الذي أصبح مفروضا بعد 1965. خاصة بعد إعلان حالة الإستثناء من طرف الملك . حيث أصبحت الأجهزة البوليسية تعمل بدون قيود . فتم تعميم الرعب والخوف . وهذه مرحلة لا تخلو من خطورة في تطور النظام البوليسي بالمغرب . خاصة بعد سنة 1974 . حيث تقوى التوجه البوليسي . وأصبحت وزارة الداخلية متغلغلة ومتحكمة في شرايين الدولة والإدارة . وأصبحت تعرف بأم الوزارات .
أما في الثمانينيات من القرن الماضي ، فقد ارتبط الإحتجاج بالعمل النقابي . وظهر ذلك الإرتباط واضحا في يناير 1984 ، كما في 14 دجنبر 1990 . وبرزت المطالب مرتبطة بالحركة النقابية وشعاراتها .
وبعد سنة 1990 ظهرت أشكال أخرى أكثر محلية في الاحتجاجات . بحيث شملت مناطق متعددة ، منها مناطق بوزنيقة وابن أحمد وتيفلت في سنة 1993 ، إثر تزوير الانتخابات. وشيشاوة في سنة 1996 ، عندما مست حقوق الفلاحين . وفي منطقة جرادة تم رفض مخطط التهيئة من طرف عمال المناجم ، وتضامنت معهم ساكنة جرادة . وانتفض الناس في إقليم أزيلال و العيون في سنة 1999 ، وفي الخميسات سنة 2000.
في إطار هذا التطور ، تعزز احتجاج الأطراف وتوسع . لأنه في مرحلة الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي ، كانت مراكز التمرد في المدن الكبرى. بينما المناطق النائية والمهمشة محاصرة . وحين تتحرك تكون أكثر عنفا . مثل ما كان عليه الحال في احتجاجات ساكنة تسلطانت قرب مراكش . وانتفاضة فلاحي أولاد خليفة والولجة قرب الدار البيضاء .
هذه الصيرورة انبعثت مرة أخرى بعد سنة 2005 . حيث عرفت مدينة الحسيمة احتجاجات بسبب الإهمال الذي تعرضت له على إثر الزلزال . خاصة أن المسؤولين قدموا وعودا ولم يتم الوفاء بها ، وتحدثوا عن أموال رصدت للمنطقة ، لكن لم يظهر لها أثر .
وعرفت سيدي افني فترات احتجاج متكررة . وكذلك مناطق أخرى ، مثل صفرو والبهاليل والقصر الكبير في سنة 2007 .
وكل هذه احتجاجات مناطق مهمشة أو مرشحة للتهميش .
وموازاة مع احتجاجات المدن والمناطق ، كانت الطلبة يحتجون في الجامعات .
وإذا كان القطاع الطلابي له خصوصياته. فإنه لم يكن معزولا عما يجري في المغرب وخارجه .
وظهرت احتجاجات أخرى في إطارات منظمة . منها التنسيقيات المناهضة الغلاء ما بين سنتي 2006 و2007 . حيث لعبت أدوارا مهمة لكنها لم تستمر.
بعد حركة 20 فبراير 2011 ، ظهر واقع آخر يختلف إلى هذا الحد أو ذاك .
ارتبط الإحتجاج بالظرفية ، وتأثر بما كان يجري في المنطقة المغاربية والعربية . حيث شهدت تونس ومصر على الخصوص ، انتفاضات شعبية أدت إلى سقوط رموز الأنظمة السائدة فيها .
انطلقت المنطقة المغاربية في صيرورة تغييرية تمس الأنظمة السياسية . مما طبع الإحتجاجات بطابع سياسي بارز .
بعد حركة 20 فبراير 2011 ، ظهرت تحركات وردود أفعال أخرى . منها تحركات واحتجاجات المعطلين التي دعمتها جماعة العدل والإحسان ، بعد انسحابها من حركة 20 فبراير .
وظهرت مجموعة من التحركات الاحتجاجية في مناطق أخرى ، منها منطقة الشليحات وبني بوعياش .
لم تبق الإحتجاجات مقصورة على المعطلين . بل شملت قطاعات أخرى مهنية ونقابية. وظهر التنوع على مستوى التنظيم والأساليب والشعارات. حيث أصبح الناس يميلون إلى تنظيم أنفسهم ، مثلما يلحون على سلمية التظاهر ورفض الإستفزازات والعنف . “
ـ عبد الله الحريف : التغيير في طبيعة الحركات الاحتجاجية جاء بعد التسعينات. ولو أن حركة 20 فبراير جاءت بأشكال جديدة – أنها طرحت بقوة واستماتة قضية التغيير السياسي: قضية الديمقراطية والحرية والكرامة.
– أنها استطاعت لف قوى سياسية ومجتمعية ذات مشارب مختلفة.
– أنها أرجعت الأهمية لدور الجماهير الشعبية وللنضال في الشارع في التغيير الحقيقي عوض التعويل على النخب أو المؤسسات “المنتخبة” والقوى المتواجدة داخلها.
. وكما جاء في كلمة عبد السلام الباهي ، فإن الحركات الاحتجاجية جاءت كشكل انتفاضات في المدن الكبرى ،65-81-84-90. وهي إضرابات قوية عمالية ، وتنفجر على شكل انتفاضات . وكانت البادية نسبيا ، رغم المراهنة عليها ، مثل ما وقع بأولاد خليفة على أنها بداية الثورة الشعبية في البوادي ، لكن تبين غياب هذه الدينامية النضالية . وما وقع بقي محدودا في البادية . وكان كذلك نضال الطلبة بتاريخهم النضالي القديم الذي ظل مستمرا. بعد ذلك اتخذ الاحتجاج طابعا آخر ، لأن قمع النظام كان شديدا ، وكذلك لجوؤه إلى اختيارات اقتصادية واجتماعية لا شعبية قاسية . في 1981 ، حيث الزيادة المهولة في أثمان المواد الاستهلاكية. وقد وقع نفس الشيء في 1984. إذن لابد من رد قوي. ثم إن القوى السياسية الموجودة آنذاك مثل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي ، كانت تلعب دورا في تأطير الاحتجاجات وقيادتها. والتغير الذي سيطرأ ناتج عن التغير الذي طرأ داخل هذه الأحزاب نفسها.
لذلك فالطابع الذي سيطبع المرحلة من بعد في نظري ، هو أولا أن هناك الكثير من الحركات الاحتجاجية ستتواجد فيها أغلب الفئات الشعبية ، ولكن ستبرز فيها أساسا حركة المعطلين ، وحركات المغرب المهمش . وقد أشار الرفيق عبد السلام الباهي إلى الكثير من الأمثلة على ذلك : الريف ،إفني ،…إلخ
وستبرز حركات أخرى مثل الحركة الحقوقية التي ستلعب دورا كبيرا في هذه المرحلة . ثم الحركة الأمازيغية . أما الطبقة العاملة فستكون نسبيا على مستوى هذه الحركة ، وإن كانت متواجدة في الإحتجاجات السابقة ، من خلال الطبقة العاملة المنجمية ، في إيميني وجبل عوام وإميضر . والطبقة العاملة الزراعية نظرا للظروف القاسية للعمل ، وغياب شروط الحد الأدنى . ونتذكر هنا نضال الكليمانتين بسوس ماسة والغرب . وفي هذه المرحلة كذلك ستظهر احتجاجات أحزمة الفقر في المدن الكبرى ، لأن الأوضاع الاجتماعية ستتدهور ، وخصوصا قضايا السكن والهدم و الغلاء . خاصة الماء والكهرباء. مثل ما وقع في تازة والريف . والحقيقة أن مسؤولية الأزمة تقع بالكامل على الكتلة الطبقية السائدة الريعية والتبعية للامبريالية ونظامها السياسي المخزني المرتكز إلى النهب والمحسوبية والزبونية والقمع.
فالكتلة الطبقية السائدة الريعية (الريع الفلاحي والعقاري والبحري والمالي…) والتبعية للإمبريالية، وخاصة الفرنسية الضعيفة على المستوى الاقتصادي، هي المسؤولة على هشاشة وتخلف وتبعية الاقتصاد المغربي الذي يجعله عاجزًا على توفير الاحتياجات الأساسية (الغذائية وغيرها) للشعب المغربي وعن مواجهة الأزمات. والنظام المخزني، بتركيزه على النهب والتبذير وعلى تقديم كل الامتيازات الممكنة للكتلة الطبقية السائدة (الإعفاءات الضريبية، المساعدات والقروض السخية وغيرها) وعلى تطوير آلته القمعية وعلى سن سياسات اقتصادية واجتماعية رجعية تخدم مصالح الكتلة الطبقية السائدة والامبريالية في المقام الأول يتحمل مسؤولية كبيرة في الأزمات الحالية.
 لقد مر هذا كله عبر مراحل . مثل المكتسبات التي ظهرت على مستوى حقوق الإنسان . إذ دفعت إلى بروز نوع من هذه الحركات . أما حركة 20 فبراير ، فقد اتسمت داخل هذه الأوضاع بأنها بدأت تطرح مطالب سياسية ، كمحاربة الفساد والاستبداد . وهي أشياء كانت غائبة من قبل . لأن المطالب كانت مطالب فئوية من جهة . ومن جهة أخرى أن هذه الحركات الاحتجاجية ستنزع الخوف منها ، وستتقدم بوثيرة أكثر على مستوى النضال في كل المناطق . كما أن المبادرات التي قادتها بعض الأحزاب ، وكذلك ما يسمى بالعهد الجديد ، والاستمرار في التناوب ، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، والأوراش الكبرى التي قادها النظام ، مثل الركوب على الأمازيغية ، كلها لعبت دورا ظرفيا وللإتفاف على السيرورة الثورية التي أطلقتها حركة 20 فبراير في بلادنا، استعمل النظام نفس الأساليب السابقة : محاولة شراء “سلم اجتماعي” بواسطة اتفاق 26 أبريل 2011، دستور جديد لا جديد فيه سوى الكثير من اللغو واستمالة القوى الأصولية والأمازيغ من خلال ترسيم اللغة الأمازيغية في حين أن ممارسة الدولة تسير في الاتجاه المعاكس. وقد توج هذا المسلسل الذي عرف تصاعدًا للقمع ضد حركة 20 فبراير والحركات الاحتجاجية والقوى المناضلة (استشهادات واعتقالات وأحكام جائرة وقاسية)، بتنصيب حكومة يرأسها حزب العدالة والتنمية.
. لأن ما وقع في مصر وتونس سيشعل الحركات الاحتجاجية ، وبشكل أقوى وأشمل داخل المغرب خاصة حركة 20 فبراير.
وهكذا في نظري كان التغيير الجوهري بعد التسعينيات ، إضافة إلى انهيار الاتحاد السوفياتي الذي لم يكن صدفة ، وارتباك الحركات الماركسية إزاء التغيير الهائل الذي وقع على المستوى العالمي ، وانهيار الكتلة الشرقية.
لقد كان لينين يعتقد أن السلطة السوفياتية يجب أن تكون في نفس الوقت دولة ولا دولة ” Non Etat ” وهو يعني بذلك إنها سلطة مركزية تتوفر على وسائل العنف والإكراه في مواجهة أعداء الثورة الداخليين والخارجيين، وانها تمركز ارادة البروليتاريا وحلفائها. لكنه كان، في الوقت نفسه كامل الوعي بخطورة الانحراف البيروقراطي وبنزوع الدولة في ( شكلها الكلاسكي ) الى التشكل كجسم منفصل عن المجتمع ومهيمن عليه. لذلك ظل يواجه بكل شدة وحزم البيروقراطية ويؤكد ضرورة تطوير كل اشكال المساهمة الشعبية في مختلف الميادين وخاصة الميدان السياسي : السوفياتات، النقابات، الجمعيات، الحزب الشيوعي… الخ. وهو ما كان يعبر عنه ب ” لا دولة “. لقد شدد لينين في كتاب : ” الدولة والثورة ” على الأهمية القصوى للديمقراطية المباشرة وللمشاركة والمراقبة الشعبية الفعلية، وأكد على ضرورة أن يكون الموظفون منتخبين وأن تتوفر الجماهير على الحق في عزل ممثليها في السوفياتات وفي إقالة الموظفين كلما أخلوا بالتزاماتهم أو تصرفوا بشكل يضر بمصالح الجماهير. وقال بأن للدولة، في المرحلة الانتقالية من الرأسمالية الى الاشتراكية، مضمونا مختلفا عن الدولة السابقة لأنها دولة مفترض فيها أن تعيش مرحلة الاضمحلال عبر التفويض التدريجي لمختلف وظائفها إلى المجتمع المدني المبني على أساس تعاون المنتخبين الأحرار فيما بينهم، كما نادى بثورة ثقافية ليصل المجتمع إلى مرحلة أعلى من الرقي والوعي والتطور حتى يواجه خطر البيروقراطية.
غير أن الصيرورة التاريخية للمجتمع السوفياتي أفضت إلى عكس هذا التطور حيث انتفخت الأجهزة الإدارية وتفاقم طابعها القمعي-السلطوي، بينما اضمحلت اللادولة متمثلة في أشكال التنظيم المستقل للمجتمع[17] وأصبحت الماركسية التي تقول باضمحلال الدولة في مرحلة الانتقال من الرأسمالية الى الشيوعية تبرر لتضخم الدولة وتعسفها وبطشها، لذلك لابد في نظرنا بعد انتصار ثورة البروليتاريا في بلد ما ألا يتماهى الحزب والدولة، وان يطبق المركزية الديمقراطية الحقيقية في صفوفه، وان يحترم الى أقصى حد التنظيمات المستقلة للجماهير ويعمل على ان تتطور ويتعامل معها تعاملا ديمقراطيا وان يحافظ على الجوهر النقدي للماركسية وذلك، من خلال عدم السماح بتحويلها الى ايديولوجيا للدولة لان الماركسية هي موجهة فكرا وممارسة المرحلة التي يتم خلالها اضمحلال الدولة.
وقد انتصر الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماوتسي تونغ في حرب التحرر الوطني بفضل قدرته على نقد وتجاوز اطروحات الأممية الثالثة وعلى استيعاب التناقضات الملموسة في المجتمع الصيني باعتباره مجتمعا شبه مستعمر وشبه إقطاعي.
فقد رفض ماو تحاليل الأممية الثالثة حول القبول بقيادة البرجوازية الوطنية لمرحلة التحرر الوطني، حيث اعتبر إنها طبقة متذبذبة وغير قادرة على قيادة الثورة، بينما رأى في الفلاحين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من الشعب الصيني القوة الرئيسية في الثورة المضادة للاستعمار والإقطاع أما بخصوص البروليتاريا فقد اعتبرها هي القوة القادرة على قيادة كل الطبقات والفئات الوطنية نحو الاشتراكية خلال صيرورة لا تنقطع وعبر مراحل تمثل الديمقراطية الجديدة التي يجب ان تنجز الأهداف المشتركة ما بين الطبقة العاملة والفلاحين والبرجوازية الصغرى والوطنية في مرحلتها الأولى. كما احدث ماو قطيعة مع نموذج البناء الاشتراكي الذي ساد في الاتحاد السوفياتي واعتبر ان الاشتراكية ليست نمطا جديدا للإنتاج ولكنها مرحلة متناقضة يتم خلالها الصراع بين ” الشيوعية الناشئة والرأسمالية المحتضرة “.
وقد كان ماو شديد الوعي بخطر البيروقراطية وخطر بروز من داخلها ومن داخل الحزب فئة محظوظة قد تتحول إلى برجوازية جديدة وقد حاول الإجابة على هذا التناقض عبر الدعوة إلى ثورة ثقافية ضد الحزب نفسه. غير ان هذه الثورة فشلت ربما لأنها سقطت في الارادوية والفوضوية ولم تأخذ بعين الاعتبار بما فيه الكفاية واقع المجتمع الصيني الذي كان لا يزال يعاني العديد من مظاهر التخلف لم تكن ملائمة للقيام بمثل الثورة التي تحولت إلى تصفية حسابات وصراعات وسط الحزب وغدت معزولة عن الجماهير.
والان، يكون من المفيد جدا التأكيد بأن المطلوب اليوم وخاصة بعد الانهيارات التي عرفتها العديد من الأنظمة الاشتراكية وبعد أن دخلت الرأسمالية في مرحلة جديدة هو الرجوع إلى الجوهر النقدي للماركسية.
وإذا كان يعد من الغرور طرح تصور متكامل للمرحلة الجديدة من الرأسمالية خاصة وان ملامح هذه المرحلة لا زالت غير واضحة بعد فإنه من الممكن إبراز بعض الارهاصات والميولات العامة التي يناط بالحركات التقدمية المناهضة للرأسمالية دراستها وتوضيحها وتصحيحها.
ـ اليزيد بركة الحركات الاحتجاجية وضرورة الجبهة الوطنية
1- سمات الحركات الاحتجاجية بين السرية والعلنية
كانت الأحزاب التقدمية منذ بداية الستينات، تحت وطأة القمع والملاحقة والسجون ، وفي أي مرحلة ذات طابع سري مثل هذه ، يكون التواصل مع الطبقات والفئات الشعبية تحت ضغوط وعوامل غير مساعدة، تحد منه . كانت احتجاجات وانتفاضات هذه المرحلة في المدن الكبرى منظمة ومؤطرة بالرغم من القمع. أما في البوادي فقد كانت عفوية ، ويغلب عليها طابع رد الفعل المباشرعلى إجراءات السلطات، مثل الاستيلاء على الأراضي أو تحويل مجاري المياه من الاستغلال الجماعي إلى الاستعمال الخاص، مثل ما وقع في تسلطانت وأولاد خليفة وغيرهما ،أو حول انتفاع القبائل من الغابات. لم يغب تماما عن البوادي في هذه الفترة التأثير السياسي للأحزاب التقدمية ولكن المراقبة الشديدة للمناضلين والقمع الواسع فرض طابع الرد السريع العفوي في البوادي ضد التعسف. ونحن نعرف أن المغرب مقسم بخط وهمي لدى أجهزة الدولة القمعية إلى قسمين يفصلهما خط يمتد من فكيك شرق المغرب مارا بوسطه وممتدا إلى حدود آسفي ، وقد استمده الاستعمار الفرنسي من الخط الروماني المعروف ب ” الليمس” والمعزز بالحصون والقلاع والذي قسم هو الآخر المغرب إلى قسمين : قسم خطير ، وقسم أقل خطورة في شماله ولم يتغير الخط كثيرا عن الخط القديم إلا أن الأقل خطورة توسع قليلا إلى الجنوب ، في الخط الوهمي منذ الاستقلال نجد أن كل بلداته ومراكزه جنوب الليمس المخزني، يعين فيه عسكريون وتوضع سلاسل حديدية في مداخله لا يمر أي غريب عن المركز حتى يستنطق وتعرف الغاية من زيارته وعند من سيحل ومدة زيارته. وكمثال فقط هو أزيلال لم يحذف الطابع العسكري عنها وتنزع السلسلة من بوابته إلا بعد 1974 حين وقفت أجهزة الدولة على واقع غريب بالنسبة لها وهو أن سكان هذه المناطق لم تمنعهم المراقبة والتعسف والإذلال من أن ينضموا إلى التنظيمات المسلحة أكثر من سكان المدن سواء في 1973 أو قبلها،ولم يكن ذلك الوضع مانعا للمناضلين الثوريين المنحدرين من المدن الحضرية من أن يتواصلوا بحميمية بسكان تلك القبائل التي احتضنتهم ، بل كان ذلك الوضع القمعي سببا حاسما في أن ينضموا إلى التنظيمات المسلحة . فكيف يمكن لأي احتجاج في مثل تلك الظروف السالفة ألا يكون عفويا ؟
في المدن كانت الطبقة العاملة قوية بقطاعاتها المهمة مثل السكك الحديدية والفوسفاط والمناجم والبريد وكلها ما تزال تستحضر التقاليد النضالية التي تراكمت لديها في النضال ضد الاستعمار ، والأحزاب التقدمية قوية أيضا بالرغم من القمع المتواصل ولها حضور قوي في الطبقة العاملة وفي الفئات الشعبية وحتى في البوادي . كانت الانتفاضات والاحتجاجات والتظاهرات في المدن منظمة وإن لجأ المنظمون إلى السرية مثل تحضير تظاهرات 22 مارس على إثر خطاب وزير التعليم انذاك، الذي أراد أن يرفع من سن الوصول إلى قسم الشهادة الابتدائية حتى يظل التلاميذ في الابتدائي سنة أخرى، في الوقت الذي كان يحصل فيها التلميذ على الشهادة الابتدائية في 5 سنوات تم رفعها ل 6 سنوات، كما حاول تفعيل إجراءات أخرى ولمح في تصريحاته بأنه سيرفع من سن الحصول على الشهادة الثانوية ، وقد تحولت المظاهرات بسرعة إلى انتفاضة في زوال الغد 23 مارس، مع استخدام الرصاص الحي . وقبل هذا التاريخ منذ 1962 تتالت عدة مظاهرات خاصة في الدار البيضاء لكنها لم تتحول إلى انتفاضة . ربما بسبب عدم استعمال الرصاص القاتل ضد المتظاهرين كما حصل في 23 مارس 65 ولأن التقاليد السلمية في التظاهر ما تزال قوية عند سكان المدن منذ أيام الاستعمار لما لا يستعمل المستعمر الرصاص الحي.
فيما بعد تعرضت الطبقة العاملة لمخطط التشتيت والإضعاف. واتخذت الدولة خطوات عديدة لتنفيذ المخطط مثل إغلاق المناجم والمعامل وتسريح عمالها حتى وإن كانت الدولة في حاجة ماسة إلى مادة إنتاجية ما ، كمثال إغلاق منجم قطارة قرب مراكش إذ فضلت الدولة أن تستورد مادة الكبريت التي كانت ضرورية لمركب الفوسفاط بآسفي وبالعملة الصعبة على أن تكون لديها طبقة عمالية قوية ومن الأمثلة على إغلاق المعامل وتسريح عمالها معمل السيم وكروش في أواخر الستينات ومعامل السكر في بداية السكر ، لكن ومع ذلك وبالرغم من إضعافها فالصراع لا يعرف الفراغ . لأن الشباب سيملأ هذا الفراغ ،خصوصا بالمراكز الحضرية . إذ بدأت المرحلة الثانية ، وهي مرحلة النضال الديمقراطي الذي سيبدأ مع سنة 1974 . وبدأت الفئات الشعبية تتنفس شيئا فشيئا .
وتتعلق فترة النضال الديمقراطي هذه والتي لم يغير فيها النظام جوهر سياسته إزاء الطبقة العاملة ولا جوهر خططه الاقتصادية إلا في بعض الأشكال في السياسة والاقتصاد والقانون، بفترة حصلت فيها تحولات هامة في الوعي وفي تطور أساليب التعبئة وفي انخراط شرائح وفئات جديدة في الصراع
في هذه المرحلة وبالرغم من الخلخلة التي وقعت في العلاقات الاجتماعية بسبب التحاق فئات دنيا من الطبقات الوسطى بالنضال السياسي بعد أن التزمت الحياد في سنوات القمع الشديد ، فإن الحكم لم يغير من سياسته الاقتصادية قيد أنملة . من بين الأمثلة أن الحكم لم يستطع أن يحل الأزمة الاقتصادية التي عرفت بسياسة التقويم الهيكلي من 79 إلى 1981 على حساب العلاقة مع الرأسمال المتوحش ومنها المؤسسات المالية الدولية فما كان منه إلا أن خطط لتجاوز الأزمة من معيشة الطبقات الشعبية التي هي معيشة متدهورة أصلا
المثال الثاني مع كثرة الأمثلة هو استيلاء العراقي بتواطؤ من أجهزة الدولة على أراضي قبائل الوداية بالقوة وإنشاء إسمنت تمارة وهي عملية تحويل للملكية من ملكية الجماعات إلى الملكية الفردية بدعوى المصلحة العامة وهو أسلوب قديم عرفته الكثير من الحالات في المغرب . وللتذكير فقط يجب أن نعرف أنه على مستوى التحالف الطبقي الحاكم حدث فيه تغيران مهمان الأول أن الأعيان والوجهاء القدامي بدأوا يختفون ويرثهم أبناؤهم الذين درسوا ويدرسون في معاهد عليا خارج المغرب ومسلحون بمعرفة واسعة في أساليب الذئاب الاقتصادية القائمة على النهب المغطى بالقانون على عكس أسلافهم الذين دأبوا على النهب المكشوف وبالقوة . الثاني أن من نتائج المغربة التي تمت في بداية السبعينات أن جزءا من البرجوازية المغربية الحالية جاءت من الإدارة إلى الاقتصاد ومن هذا التاريخ توطدت علاقة البرجوازية بالرأسمال الأجنبي أكثر مما مضى . وهي نتيجة غريبة: مغربة للرأسمال الأجنبي وفي نفس الوقت اندماج الرأسمال الأجنبي مع الرأسمال المحلي !
الاحتجاجات والانتفاضات التي وقعت في هذه المرحلة والتي توطدت فيها العلنية سواء في المدن والبوادي حملت سمات جديدة لم تكن ممكنة في مرحلة السرية /العلنية :
– التراكم النضالي في مواجهة السياسة الاقتصادية للدولة أصبح يعطي تصورات هامة لكيفية المواجهة وبالتالي الخروج من دائرة ردود الفعل والعفوية ومن هنا فإن سياسة التقويم الهيكلي التي بدأت في 1979 لم تعط ردا قويا إلا في 1981 من خلال الإضراب العام وما نتج عنه من احتجاج وتحوله إلى ما يشبه انتفاضة .
– أن التناغم بين المدن الكبرى والقرى والمراكز في البوادي بدأ يظهر ويتقوى مع اشتداد دحر الطبقات الشعبية من دائرة الاقتصاد والإنتاج وحتى التوزيع الذي بدأ يستولي عليه الرأسمال الكبير ويدحر التجار التقليديين الكبار والمتوسطين ويمس بذلك حتى الصغار.
– أن فئات شعبية وشرائح مهمة بدأت تلتحق بالاحتجاج بل أحيانا تكون في مقدمته هناك المرأة حيث لعبت الحركة النسائية دورا مهما في التوعية وابتكار أساليب جديدة في الاحتجاج والتعبئة ، وهناك أوساط من الوظيفة العمومية عززت التعليم والبريد والصحة التي كانت قطاعات سباقة في الاحتجاج وحتى في تنظيمه من خلال الاحتجاج النقابي .
– في الثمانينات كان قد تدخل عامل جديد في الذهنية النضالية وسيتعزز شيئا فشيئا هو النضال الحقوقي الذي كانت له تأثيرات قوية لفائدة غلبة النضال السلمي في تأطير الاحتجاج المطلبي ، بدل احتجاج التدمير ،وكان له أيضا تأثير في توحيد النضال في البوادي مع المدن من خلال وحدة المطالب في دائرة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والقانونية ، وحتى في تحرك وعي المرأة والشباب العاطل
طوال هذه الفترة كانت الاحتجاجات ذات وجه مطلبي اقتصادي اجتماعي بدءا من 1981 مرورا ب 1984 إلى 1990 وقد ظهرت في عدة مناطق احتجاجات محلية سواء كانت نقابية كمنجم إيميني وجبل عوام وجرادة وإميضر أو مراكز حضرية كصفرو وإيفني وغيرها إلا أنه من المهم جدا الإقرار على أن هذه الاحتجاجات لم ترق إلى التصور السياسي من جهة ولم تتبلور في وحدة نضالية منظمة على الساحة الوطنية ، الشئ الذي نجحت فيه حركة 20 فبراير.
ثم لا ننسى الدور الحيوي الذي قدمته حركة المعطلين في المغرب للتراكم النضالي الاحتجاجي خاصة في انطلاقاتها الأولى مع تصاعد الديناميكية المجتمعية خاصة منذ بداية التسعينات إلى أن خبت الديناميكية مع انعطاف جزء من القوى السياسية ومن المجتمع المدني التي كانت حاضرة في الدينامية وصوتت لدستور 1996 وتوجت ذلك بالمشاركة في تسيير الشأن العام مع الطبقة السائدة التي تملك وسائل الانتاح وتتحكم في القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وكان هذا الموقف كارثة على كل القوى التي كانت مشاركة في الديناميكية بما فيها القطاعات النقابية التي تحمل مطالب قوية وجوهرية ذات بعد اجتماعي .
غير أن حركة المعطلين بعد هذا التاريخ حصلت في قيادتها تغيرات دفعت بها إلى انكفاء على الذات والتوجس من كل الأحزاب بل والبحث عن الحلول الفردية والجزئية وظهور علامات التذبذب بين الانخراط في النضال المجتمعي وبين خوض المعارك الخاصة .
لا بد إذن من التأكيد على أن 20 فبراير كانت نتيجة منطقية لمسار كل هذه الانتفاضات والاحتجاجات السابقة بإيجابيات هذا المسار وسلبياته وإن تجاوزنا المقارنة بين احتجاجات وانتفاضات الماضي وبين 20 فبراير تنظيما ووعيا وتعبئة وسلمية وعلانية فلابد أن نقف عند أهم الملاحظات الأساسية التي يجب أن تخضع للنقاش لإيجاد الحلول الملائمة لها مستقبلا :
– الواقع السياسي والاقتصادي أفرز في ساحة المعركة في 20 فبراير قوى سياسية واجتماعية منسجمة ومتنافرة في آن واحد بالرغم من كل الجهود التي بذلت من أجل أن تظهر بمظهر الوحدة في الأهداف.
– أن غلبة الإيديولوجي في إصدار الأحكام على هذا الطرف أو ذاك كان حاضرا في حين وما دامت الديناميكية المجتمعية أعطت قوى متنافرة كان المهم جدا الانطلاق في إصدار الأحكام أساسا على الموقع في الإنتاج ثم موقف القوى سياسيا ثم إيديولوجيا وهو الأخير . علينا أن ندرك الأسباب التي جعلت الجميع وبسهولة يتفق على ما هو اقتصادي من كل تلك الأهداف المرفوعة في 20 فبراير ويبدي اختلافات في السياسة وفي ما يحيل على الإيديولوجيا لأن الجميع ينحدر من الطبقات الشعبية الكادحة بما فيها شرائح من الطبقات المتوسطة الدنيا وعلينا أن ندرك لماذا لم يرفع الإخوان المسلمون في مصر الأهداف الاقتصادية واكتفوا بعبارات غامضة ضد الفساد تحمل الكثير من التأويل ذلك لأنهم يمثلون جزءا قويا من الرأسمال الطفيلي في مصر ومناطق أخرى من العالم .
– العمل مستقبلا على تجنب الرتابة عند الإحساس بأن الديناميكية بدأت تتراجع لأسباب واقعية .
– أن 20 فبراير رفعت حركة النضال من حركات محلية إلى حركة وطنية ومن حركات قطاعية إلى حركة اجتماعية لكن لم تحضر شروط صحيحة للتناغم والذوبان في بوتقة واحدة
– أنها لأول مرة تمكنت حركة انتفاضية واحتجاجية وطنية من طرح السياسي وبقوة : الاستبداد والنظام السياسي والثروة والفساد بحمولتها السياسية والاقتصادية والقانونية
– باستقراء كل الأحداث المتعاقبة من اليوم الأول ل 20 فبراير مرورا بخطاب 9 مارس وما تلاه من تراجع شرائح الطبقات الوسطى عن دعم الشارع وتأثيرها على الطبقة العاملة وعموم الشغيلة لا يمكن أن نغض الطرف عن سبب هام جدا أضعف قوة الانتفاضة وأدى إلى انحباس في اندفاعها الأولي بل وبدء التراجع . ألا وهو بقاء القوى السياسية الموجودة في 20 فبراير متقوقعة في التصورات السياسية للتغيير وعدم طرح دور الميدان الاقتصادي في تصور التغيير . ذلك أن أي تحول اجتماعي ثوري لا يمكن إلا أن يكون تحولا في علاقات الإنتاج أساسا ، أي في طبيعة ملكية وسائل الإنتاج من ملكية أقلية إلى ملكية أغلبية ، وبدون تحقيق هذا التحول الثوري تبقى كل الأهداف الأخرى السياسية مجرد ظلال لا يمكن الوصول إليها وتحقيقها وإن تم الوصول إليها سيكون ذلك عديم الجدوى. كانت القوى المشاركة في الانتفاضة متقاربة جدا في كونها بعيدة عن ملكية الأقلية في المجتمع وكان من المهم طرح النقاش الواسع من طرف الأحزاب السياسية اليسارية أساسا حول طبيعة التغيير الاقتصادي وكان الشارع يرغب في الحلول الاقتصادية أكثر من الحلول السياسية خصوصا بعد خطاب 9 مارس الطي لعب دورا في استقطاب شرلئح مهمة من الطبقات الوسطى . وكانت هناك مصلحة كبرى للطبقات الشعبية في إقناع القوى الإسلامية المشاركة في 20 فبراير ( العدل والإحسان أساسا لأن السلفية الجهادية هي في مواجهة الدولة والمجتمع في آن واحد وفي تذبذب مستمر وتغلب في كل الأحوال الوقوف ضد المجتمع) على النقاش حول نقاط تتعلق بملكية وسائل الانتاج منها :
– هل الملكية( بالكسر) الحالية نتاج تطور اقتصادي طبيعي أم هي نتاج تاريخ طويل من النهب والاختلاس والسطو
– هل هي ملكية لوسائل الإنتاج للأقلية في المجتمع أم ملكية أغلبية
– إذا كانت ملكية أقلية وناتجة عن النهب ما هي الأضرار التي سببته للأغلبية والمجتمع بصفة عامية
– ما هو التغيير الأنجع للطبقات الشعبية والمجتمع الذي يجب أن يحدث في ملكية وسائل الانتاج وخاصة الأرض والمؤسسات المالية الكبرى ؟
إذن كان يجب أن يطرح سؤال من يملك وسائل الإنتاج؟ وتحديده بدقة ومن هنا يتأتى الطابع الطبقي للتغيير ،وسيعطي قوة جماهيرية دافعة نحو التغيير ، كانت هناك شعارات ذات طابع اٌقتصادي في الانتفاضة ولكن غاب التصور والأهداف الواضحة وغاب النقاش وغاب أصحاب المصلحة بغياب النقاش ،وهذا كان يجب أن تقوم به الأحزاب اليسارية . في غياب هذا العامل طغت المماحكات السياسية والإيديولوجية مع ما يمثل شرائح الطبقات الوسطى التي كانت هي الأخرى راغبة في طمس الطابع الطبقي للانتفاضة لتستفيد من أي تحول سياسي يمكن أن يحدث لصالحها .إن الديمقراطية وسيلة وهدف وسيلة للوصول إلى أهداف اقتصادية واجتماعية .. وهي هدف من أجل الحرية والكرامة والانعتاق، غير أن الجماهير الشعبية لا تدرك الغاية من الوسيلة وما يمكن أن تحمله في المستقبل ولهذا فإن تعزيز ما هو سياسي بما هو اقتصادي واجتماعي يعتبر موقفا استراتيجيا للتغيير ذلك أن ما هو اقتصادي هو أيضا وسيلة وهدف إلا أنه وسيلة من أجل تعبئة ونحريك أوسع الطبقات وهدف لتحقيق مطالبها وطموحاتها.
لم يحدث في التاريخ أن حصل أي تغيير مجتمعي بدون تغيير علاقات الملكية ولو كان من يقود التغيير طبقات أشد فقرا والأكثر تعرضا للعسف ومهما بلغت الشعارات السياسية والإيديولوجية التي ترفعها من الحدة والراديكالية. وآخر مثال حي هو ما وقع في مصر وفي تونس . حضر السياسي وغاب الاقتصادي وهو الأساس والقاعدة للتغيير والذي لم يصل في مصر إلى حتى ما حققه جمال عبد بالناصر بالإصلاح الزراعي لفائدة الفلاحين الفقراء وكان منهم والد محمد مرسي وهو إصلاح خلخل الملكية الزراعية وكان ضربة للملاك الكبار ، كان غير كاف ومع ذلك تراجع عنه السادات لصالح البرجوازيات الكومبرادورية
تاريخ الصراعات الدينية في أوروبا أرخت على الكثير من الناس الاعتقاد أنه من الأساسي الصراع ضد الدين كدين ، وهذا من الانحرافات التي مست التصور الصحيح في تطبيق المنهج المادي الجدلي . إن الكنيسة في أوروبا كانت تملك وسائل الإنتاج وتساهم في سياسة الدولة وتملك جيشا وحتى الكنائس الكبيرة والصغيرة ولو كانت في قرية نائية تتوفر على دهاليز للتعذيب بآلات جهنمية وزنازن معتمة مرعبة ، إن الصراع ضد الكنيسة في نهاية المطاف هو اقتصادي ذي طابع طبقي ، من هنا كان يجب علينا أن نطرح السؤال التالي في ما يتعلق بالحركات الإسلامية من يملك وسائل الإنتاج ويستغل ؟ ومن يساهم في صنع القرار السياسي للدولة من هذه الأطياف الإسلامية ؟ أما الانطلاق من كونها دينية فإن هذا التحليل لا يستند على أي أساس مادي جدلي .ولا يدفع إلى التغيير وإنما إلى خلق صراع في دوائر لا تتعدى الصراع مع شرائح من الطبقات الوسطى ومع أطيافها القاعدية الواسعة على أرضية تعزز التلاحم لديها ، الشئ الذي لن يستفيد منه إلا من يملك وسائل الإنتاج ويحتكر أجهزة الدولة. خصوصا إذا علمنا أن الدين في التاريخ الإسلامي كان لخدمة وتبرير الاستغلال ولكن كان أيضا في مواجهة الظلم والاستبداد على عكس تاريخ الدين المسيحي منذ أن استولت عليه الدولة الرومانية.
إن الدين في المجتمع المغربي دين محتكر ومهرب والمطلوب كمهام سياسية هي النضال لتأميمه لفائدة المجتمع ولن تستطيع أي مؤسسة القيام بهذه المهمة إلا الدولة الوطنية الديمقراطية ، وحتى في فرنسا النموذج الأساسي في فصل الدين عن الدولة نجد أن الدولة فرضت وصاية على الدين لمدة مئة سنة منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حتى تمكنت من تقليم أظافر الكنيسة وإذاك وضعت الدين في يد المجتمع من خلال مؤسساته الديمقراطية التي أصدرت عدة قوانين في هذا الباب .أما قلب المسألة وجعل فصل الدين عن الدولة هو الأولوية قبل الديمقراطية فلا يؤدي إلا إلى إبقاء احتكار وتهريب الدين كما هو وربما بأشكال أخطر مما هو قائم. إن النضال الفكري والثقافي مطلوب ولكن غدا الدولة الوطنية الديمقراطية هي التي ستقوم عمليا بتنفيذ هدف إعادة الدين للمجتمع.
من هذا المنطلق فإن كان هناك من يرغب أن يفرض على المجتمع صراعا دينيا صرفا وله في ذلك مصالح منها إضعاف الصراع الطبقي بين من يملك ومن في صفهم ومن لا يملك ومن في صفهم ، على الأحزاب اليسارية عكس ذلك أن تنشر الوعي بأن الصراع أساسا وفي نهاية المطاف وإن لبس لبوسات مختلفة هو على القاعدة الاقتصادية ويجب تبعا لذلك إقناع قواعد الحركات التي تنشر الاستلاب وليس السقوط في نفس المخطط القائم على تأجيج الصراع الديني ، هنالك بعض الآراء الصحفية والسياسية يحلو لها أن تقسم الصراعات إلى علمانيين وإسلاميين وهو تقسيم تخرفي للصراع سواء كصراع ضد التناقض الرئيسي أو في التناقضات الثانوية ، تحريفي لآنه لم ينبن على التحليل المادي التاريخي أساسا وإنما على ترف فكري وحتى وجداني ونفسي . إن الصراع قائم في المجتمع بين قوتين كبيرتين قوة تناضل ضد الاستغلال الاقتصادي ونهب الثروات وضد الاستبداد في الحكم والسلطة ، وقوة تدافع عن الاستغلال وتدافع عن الاستبداد واحتكار السلطة وأي تصور آخر في الشروط القائمة غير هذا سيكون محاولة للتضليل.
عبد الله الحريف : من العوامل التي ستعطي وتنضج شروط توسع النضالات حتى في البوادي ، هو أنه في المدن هناك استيعاب خريجي الكليات مع المغربة ، وكذلك شروط التقويم الهيكلي ، حيث لم تعد الدولة توفر شروط العمل لهذا الشباب لكي يلتحق بالوظيفة العمومية أو بالقطاع العام . إذ أن الشباب بدأ يرجع إلى مناطقه ، ويِؤسس جمعيات بأهداف وأشكال مختلفة. وهي التي ستوفر شروط هذه الاحتجاجات التي ستكون في البوادي. وهذا عامل مهم أود الإشارة إليه.
بلعتيق محمد: تحية للرفيقات والرفاق في جريدة النهج الديمقراطي، أحييهم على فتح هذا النقاش في هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية، التي تعتبر لحظة مفصلية، ليس في تاريخنا فقط، بل في تاريخ البشرية ككل، وبالتالي فهي تتطلب منا أن نتعامل معها من هذا المنطلق وبالمنطق الذي تفرضه.
يصعب تناول سؤال الحركات الاحتجاجية، ومناقشة الأشكال الاحتجاجية والاجتماعية بمعزل عن الظرفية الدولية والإقليمية، فالوضع الحالي في المغرب ليس خارج التاريخ، وخارج الجغرافية، بل هو انعكاس للوضع الدولي والوضع الإقليمي، أو على الأصح هو نتيجة تفاعل مع ما هو عالمي، ومع ما هو إقليمي، وبالتالي من المفروض أن نستحضر كل هذه المستجدات في نقاشنا. إن المعطيات العالمية لا تتلخص في أزمة الرأسمالية فقط، بل إن كل المؤشرات تبين أن المستقبل سيكون صعبا، والبشرية مقبلة على مرحلة ستحتد فيها التناقضات إلى مستويات عنيفة، وقد سبق لعدد من المفكرين والمهتمين أن تحدثوا عن ذلك بشكل متواتر وواضح، وينضاف إلى ما سبق ما تعيشه منطقتنا من سيرورات ثورية لا زالت لم تحط رحالها بعد، ولا زالت عصية على توقع مسارها وتحديد جغرافية تضاريسها؛ وبالتالي يطرح السؤال عن كيف سنتعامل كيسار مع ما يحدث ،أظن أنه من الضروري استيعاب ما يجري على الصعيد العالمي، وما يحدث في المنطقة العربية، حتى نتمكن من فهم متقدم لواقع وآفاق الحركات الاحتجاجية في المغرب. إن الاطلاع على تطورات الوضع في المنطقة وانعكاساته علينا ، وفهم التناقضات التي تعيشها، تفيدنا في تحليل الواقع المغربي، وفي غياب ذلك سيكون استيعابنا للوضع ناقصا، وبالتالي لن نكون في مستوى هذه اللحظة التاريخية، فلم يعد مقبولا أن نبقى كيسار على هامش المجتمع، لأن الأخطار التي ستواجهنا في المستقبل القريب كثيرة ومتنوعة، ومثال اليساريين في مصر وفي تونس وسوريا واليمن وليبيا والأردن والبحرين وهم يصارعون يوميا دفاعا عن الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، حاضر أمام أعيننا، والمغرب ليس استثناء ولا جزيرة منعزلة عن العالم، بل نحن بدورنا سنعيش نفس الصراعات والتناقضات التي تعرفها هذه المجتمعات، وإن بأشكال أخرى وبمستويات مختلفة، وكل منا واع بحجم ومدى تنامي كل تيار من التيارات السياسية في المغرب ومدى التهديدات والتحديات التي تواجه اليسار ؛ وهذا ما يفرض أن يتحول اليسار الآن إلى قوة مجتمعية قادرة على قيادة شعبنا نحو التغيير وتحقيق طموحاته، ولكي يدافع عن ذاته ويواجه الأخطار التي تحدق به.
من الناحية النظرية لا بد من الإشارة إلى ضرورة تجاوز ما نعيشه من تجريبية قاتلة، لأن من أسباب تراجع اليسار، ضعف الربط بين الممارسة والنظرية؛ فمهما كانت التضحيات والنضالات التي نقدمها فإنها لن تحقق أهدافها مادامت غير خاضعة للتوجيه النظري . فجل المدن و القرى المغربية تعرف نضالات واحتجاجات تتزايد وتتسع باستمرار، ولكن الإعاقة التي لم يجد اليسار حلا لها هي نظرته لما يحدث، والسبيل الذي سيمكنه من قيادة هذه النضالات وتحقيق مهامه التاريخية ؛ مما يستدعي فتح نقاش نظري حول هذه الحركات التي ليست كلها متساوية الأهمية، وقادرة على تحقيق أهداف الجماهير الشعبية وحماية مصالحها، إذ هناك حركات تتجه نحو التاريخ، وأخرى ضده، وثالثة على هامشه؛ والمؤسف أننا كيسار لا نمتلك المعرفة الضرورية بالواقع، وبالمنتج النظري في هذا المجال، لنتمكن من الاجابة عن الاشكالات والأسئلة التي تطرحها هذه الحركات الاحتجاجية.
إن التقدم في نقاش هذه الحركات، يتطلب تحديد المفاهيم والمصطلحات المتداولة في هذا الموضوع، لأن هناك اختلافات كبيرة حولها، فلا يمكن، مثلا، المطابقة بين “الحركات الاحتجاجية” و”الحركات الاجتماعية “، و”الحركات الاجتماعية الجديدة”، وهي كلها متقاربة وكل منا يقصد بها معاني مختلفة طبقا لخلفياته ومنطلقاته وأهدافه؛ فلا يمكن مثلا اعتبار كل الحركات الاحتجاجية حركات اجتماعية، فالثانية مرحلة متطورة في حياة الأولى، قد تصل إليها وقد تنطفئ دون بلوغ ذلك، فمن الممكن أن تتحول الحركات الاحتجاجية إلى حركات اجتماعية أولا تنجح في ذلك؛ وتعتبر الحركات الاجتماعية فعلا جماعيا منظما للاحتجاج دفاعا عن قضايا معينة، أو من أجل إقرار تغييرات اجتماعية أو سياسية، ويتقاطع عدد كبير من المهتمين في اعتبار أن من أهم محددات ومميزات الحركات الاجتماعية ما يلي:
• تعمل الحركات الاجتماعية من أجل إحداث تغييرات اجتماعية أو سياسية؛
• مرونة وتنوع أشكالها التنظيمية والبحث الدائم عن تجديدها؛
• استمرار عملها؛
• حضور بعد الهوية عند هذه الحركات؛
• علاقات معقدة وملتبسة مع السياسي، فإذا كانت تتوجه باحتجاجاتها ومطالبها للدولة أو السلطات السياسية، فإن أغلبها لا يطرح مسألة الوصول للسلطة السياسية على جدول أعماله؛
• التركيز على أعمال وتحركات صالحة للترويج الإعلامي والاستغلال المكثف للتقنيات الحديثة للتواصل والإعلام.
كما أن تصنيف هذه الحركات يختلف حسب النظريات التي تنتجه، فيتم وفق الجغرافية ومنها القروية والحضرية أو الفئات أو موقفها من العنف أو أساليبها؛ أويتم تصنيفها موضوعاتيا، ويبقى التصنيف الماركسي المبني على أساس الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية أكثر قدرة على المساعدة في فهم هذه الحركات؛ ونجرد في ما يلي أهم هذه الحركات:
• الحركات العمالية؛
• حركات الفلاحين؛
• الحركات الطلابية؛
• الحركات النسائية؛
• الحركات الدينية؛
• الحركات الثقافية؛
• الحركات الاجتماعية الجديدة: وتهتم بقضايا متنوعة مثل: البيئة، السلم، الهجرة، عقوبة الإعدام، منع انتشار الأسلحة، المناهضة للعولمة، مناهضة الامبريالية، مناهضة الرأسمالية، مناهضة و.م.أ، مناهضة الحروب، المرض، السكن، التعليم، الخدمات العمومية، مناهضة الأسلحة النووية، الزراعات المعدلة جينيا…الخ.
لقد ظلت الحركات الاجتماعية تحت قيادة الحركات العمالية إلى منتصف القرن الماضي حين ظهرت حركات اجتماعية جديدة حاول منظروها أن يبتعدوا بها عن الطبقة العاملة والصراع الطبقي والصراع من أجل السلطة السياسية؛ واستمرت هذه المحاولات حتى 1980 عندما حاول البنك الدولي أن يدفع بالمجتمع المدني كبديل عن الحركات الاجتماعية.
إن جميع التفسيرات الجديدة والقديمة والتي حاولت أن تبني هذه الحركات الاجتماعية الجديدة على أنقاض حركات الطبقة العاملة بما فيها الحركة النقابية، عجزت عن تحقيق أهدافها المتمثلة في تجاوز الصراع الطبقي والعمل من أجل سلطة سياسية بديلة والبحث عن قيادة للحركات الاجتماعية تعوض الطبقة العاملة.
لقد انقسم اليسار بين اتجاهين في النضال: الأول يعمل في مختلف الحركات الاحتجاجية والاجتماعية على قدم المساواة وبدون أولويات وبمعزل عن الطبيعة الطبقية للفئات التي يتوجه إليها، والثاني يركز على البعد الطبقي لهذا النضال أي ضرورة قيام الطبقة العاملة بدورها التاريخي وهو قيادة هذه الحركات من أجل بناء الاشتراكية.
إذن هناك خياران أساسيان أمام أي تنظيم يساري، وعليه أن يوضح المسار الذي يختاره. ومن بين الاختلالات التي تعاني منها التنظيمات اليسارية في المغرب عدم حسمها في المسألة و غياب الوضوح في العلاقة بين النظرية والممارسة. فإذا كان المشروع الاشتراكي هو مشروع الطبقة العاملة و كنا نريد فعلا بناء الاشتراكية و ليس فقط تجميل وجه الرأسمالية، فإن ذلك يفرض علينا ترتيب أولوياتنا للعمل في هذه الحركات الاجتماعية وتحديدا دقيقا للطبقات والفئات التي نتوجه إليها بنضالنا. أما أن نبقى منساقين مع الواقع ، أي كلما خرج البعض للاحتجاج نشاركهم فعلهم بدون تخطيط وبدون استراتيجية، فهذا لن يقدم أبدا حركة التغيير إلى الأمام، بل سيضعف الحركة العمالية ويؤجل قيامها بدورها التاريخي.
لن أقدم على جرد العديد من المحطات الاحتجاجية التي عاشتها بلادنا فقد سبقني الرفاق إلى ذلك في تدخلاتهم، أذكر فقط بأن الاحتجاجات التي كانت في المغرب منذ ما يسمى ب”زمن السيبة” إلى الآن، مرورا بالكثير من الثورات والانتفاضات والاحتجاجات في مختلف مناطق المغرب من تمردات القبائل والفلاحين إلى اعتصامات وإضرابات العمال والتلاميذ والطلبة والمعطلين والشباب والنساء، تظهر تاريخ المغرب وكأنه سلسلة مستمرة من الاحتجاجات.
وأود أن أتوقف عند محطة فارقة في تاريخ المغرب، وهي انتفاضة 23 مارس 1965 لأنها ترافقت مع سن النظام لسياسة تعليمية كانت لها نتائج كارثية علينا كشعب وكبلد، إذ سيقرر منذ هذا التاريخ إقبار التعليم بالمغرب وسن سياسة لتجهيل الشعب المغربي بدءا من مشروع بنهيمة والمخطط الثلاثي 1965-1967، و ما تلاه من مخططات وبرامج ومناظرات حول التعليم، كانت كلها تهدف إلى جعله في خدمة استمرارية النظام وإنتاج وإعادة إنتاج نفس العلاقات الاجتماعية.
وقد كان تصريح بنهيمة واضحا منذ البداية، إذ أعلن أنه من الواجب إغلاق التعليم من قاعدته (المغاربة ماخصهومش يقراو ). وقد كان هذا هو اختيار النظام آنذاك، وسيستمر كثابت في كل السياسات التعليمية التالية، ما دامت جل الاحتجاجات بالنسبة للنظام يكون وراءها المنتميات والمنتمين لقطاع التعليم. ونتج عن ذلك ما نعيشه اليوم من ارتفاع لنسبة الأمية و أزمة في النظام التعليمي والذي أصبح يقارن بأنظمة تعليمية في دول تعيش أوضاعا استثنائية كالحروب والاحتلال.
إن سياسة النظام المخزني هذه ما كان لها إلا أن تزيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية تأزما، ومن ثم إنتاج المزيد من الاحتجاجات الشعبية في المدن والقرى ؛ وهكذا ستتسع احتجاجات العمال وصغار الفلاحين والموظفين والشباب والطلبة والتلاميذ والمعطلين والنساء ، وتنوعت أسبابها بين الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وإن كان الطاغي عليها هو المطالب الاجتماعية والتي برزت من خلال تنسيقيات مناهضة غلاء الأسعار وتنسيقيات المطالبة بتحسين الخدمات العمومية، وعرفت احتجاجات الحركة الحقوقية والحركة الثقافية الأمازيغية نموا كبيرا، وكان التضامن مع فلسطين والعراق ولبنان وباقي الشعوب التي تعرضت للاحتلال أو الاضطهاد الإمبريالي حاضرا بقوة، وضمن ثوابت الاحتجاج المغربي؛ كما أن هذه الاحتجاجات كانت متباينة الأشكال النضالية: الاضراب، المسيرة، الاعتصام ، احتلال المؤسسات، الاضراب عن الطعام، …إلخ. وكان التشتت هو السمة العامة لهذه الاحتجاجات، أو ما يمكن أن نسميه بنضالات الجزر، كل واحد يناضل في جزيرته، وكل واحد راض بنضاله ويعتبر نفسه هو الاطار الوحيد للنضال، وهو الوحيد الذي يمتلك الحقيقة؛ الشيء الذي سينعكس سلبا على نتائج هذه الاحتجاجات، والتي لا تتناسب مع حجم التضحيات؛ أما بعد 20 فبراير 2011، فقد التحقت فئات اخرى بهذه الحركات الاحتجاجية وخاصة الفئات الوسطى والقطاع الحر والأطر المتوسطة وفئات من الموظفين لم تكن تشارك في السابق بسبب وضعها القانوني أو بسبب ظروفها المهنية خاصة في قطاعات الداخلية والعدل والأوقاف والجماعات المحلية ، وبعض قطاعات الشباب التي كانت تعيش بعيدا عن الاحتجاج في السابق؛ كما أن الاحتجاج بشكل عام أصبح مطبوعا مع حركة 20 فبراير بشعارات سياسية كالنضال من أجل إسقاط الاستبداد والفساد والنضال من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؛ وأمام زخم الحركة وهبوب رياح السيرورات الثورية من الشرق تنوعت سياسة النظام بين: التراجع والتنازل والرشوة والتهديد والمناورة والقمع والمحاكمات. وبالمقابل لم يستطع اليسار أن يلتقط اللحظة التاريخية ليتحول إلى قوة سياسية واجتماعية حقيقية متجذرة في المجتمع إن تشتت هذه الحركات الاحتجاجية لم يساعدها على تحقيق أهدافها، وسهل على النظام مهمة قمعها أو الالتفاف عليها، و بشكل عام فإنها لم تستطع أن تتحول من حركات احتجاجية إلى حركات اجتماعية، مع بعض الاستثناءات، حيث أن بعض الحركات قد تمكنت من بناء أدواتها التنظيمية، مثل حركات المعطلين وحركات السكن والأحياء الشعبية وحركات السلاليات وحركات التضامن مع الشعوب ومنها فلسطين والعراق ولبنان، وتعثرت حركات أخرى كتنسيقيات مناهضة غلاء الأسعار وتنسيقيات المطالبة بتحسين الخدمات العمومية، في حين أن احتجاجات أخرى أجهضت بفعل القمع، أو بفعل التخريب من الداخل أو التناقضات الداخلية أو تدخل المخزن لضربها من الداخل عبر أساليبه المعروفة.

ونظرا لضيق الوقت سيتم التطرق لنقاط المحورين الثالث والرابع حول وسائل التغلب على المعيقات وأفاق النضال وسؤال ما العمل والتحالفات وجبهة النضال

ـ عبد السلام الباهي :
” بالنسبة لجانب الطبقات والفئات المنخرطة في الإحتجاجات ، سبق لنا وأن تحدثنا على فئات مدينية في مرحلة معينة . وتحدثنا على دور العمال . حيث برزت هذه الفئات على الخصوص في المدن الكبرى .
ولا حظنا كيف انتقل الاحتجاج إلى المناطق المهمشة والقروية . وكيف كانت وضعية العمال المنجميين والزراعيين حاضرتين في المسيرتين معا .
وجاءت حركة 20 فبراير 2011 ، وبدا الطابع الشبابي للحركة أكثر بروزا . لكن الحركة ارتبطت بها فئات شعبية متعددة . حيث كان للظرفية تأثيرها الخاص .
وهكذا تميزت حركة 20 فبراير بطابعها الشبابي والشعبي معا . ومن ناحية الأشكال والأساليب النضالية ، طغت التظاهرات واحتجاجات الشارع ، كشكل من أشكال التعبير .
لم تكن هذه الأشكال كلها جديدة .
لقد تحدثت بعض الإحصائيات عن معدل 2 وقفتين احتجاجتين يوميا في الدار البيضاء . ما بين سنوات 2005 و 2006 وحتى 2007 . وربما هناك الحديث عن وقفات متعددة في مناطق أخرى حتى سنة 2011 .
المستجد الملفت مع حركة 20 فبراير ، يتمثل في دور الإعلاميات كأسلوب تواصلي . إذ لم يبق الاعتماد على الأساليب التقليدية التي تملكها الأحزاب والنقابات . وكان هذا العامل فعالا ومفيدا . وهناك أيضا الإستمرارية ، أي طول المدة الزمنية نسبيا . علما أنه في فترات سابقة ، وهذا كان مرتبطا بالعفوية كما سبق قول ذلك ، كان التمرد والانتفاض يؤدي إلى شل جزء من المجتمع ، والعنف والقمع المباشر . ثم يتوقف مباشرة .
بالنسبة لحركة 20 فبراير وما بعدها ، كان هناك نوع من الاستمرارية والتواصل والتجديد في العمل النضالي . وطبعا إذا ربطنا ذلك بالجانب الذي يركز عليه بعض الباحثين في الحركات الاجتماعية ، أي عنصر الاستمرارية والتجدد ، نجد أن حركة 20 فبراير 2011 والحركات التي أتت بعدها ، تتميز بنوع من الاستمرارية .
التجدد والاستمرارية عنصران مهمان . وذلك رغم السلبيات التي ينتجها احتكاك القوى المحتجة ، وصراع القوى الأخرى التي يدفع بها المخزن لأغراض مغايرة . لكن التراكم لابد أن يحدث . مما يساهم في تحول الحركة الإحتجاجية إلى حركة اجتماعية حقيقية بالمقومات التي أشرنا إليها .
يبقى السؤال حول دور اليسار ؟
اليسار يقول يدافع على الدور الأساسي للطبقة العاملة في التغيير .
ولكن الملاحظ منذ سنوات ، أن التطور الموضوعي والصراع الرأسمالي والامبريالي فرض مسارات أخرى غير عمالية . حيث نجد حركات اجتماعية غير عمالية ، تنخرط في مناهضة العولمة الرأسمالية .
كثيرا ما تم التساؤل حول تعامل النظام وباقي القوى السياسية والنقابية والجمعوية مع الحركات الاحتجاجية ؟
لكن الملاحظ أن النظام أفرز نوعين من السياسات ، خاصة مع حركة 20 فبراير !
خلق بنيات احتوائية منذ خطاب 09 مارس2011 .
ونهج سياسة قمعية مرنة ، متلائمة مع طبيعة الظرفية التي تمر بها المنطقة والعالم اليوم .
أما القوى السياسية المحافظة واليمينية ، فإن مواقفها واضحة اتجاه الحركات الاحتجاجية عموما ، وتجاه حركة 20 فبراير على الخصوص . غالبا الرفض والتخلي .
وتبقى القوى الوسطية مترددة ، وكذا جزء من الحركة النسائية والحركة الجمعوية ، التي ترددت ورفضت الانخراط إلا بشكل محدود ومتأخر .
اختلفت ردود فعل القوى السياسية والنقابية والثقافية الأخرى .
هناك من تحفظ وهناك من عارض بشكل واضح وصريح . ثم هناك من احتضن ودعم . لكن بتفاوت . ومما يجب الانتباه إليها هو تواجد التيارات الإسلامية . خاصة أن بعض هذه التيارات تحضر بقوة في هذه الحركات .
واستمر تواجد المناضلين اليساريين في الحركات الإحتجاجية . مما خلق نزعا من التوازن والتناقض الحيوي .
كيف سيتعامل الإسلاميون مع اليساريين في إطار هذه الحركات الجماهيرية ؟ وكيف سيكون تعامل اليساريين مع الإسلاميين ؟
الجواب مرتبط بموقع كل منهما في صيرورة النضال وبناء الديمقراطية في المغرب ؟
ويأتي ضمن التساؤلات ، واقع الحركة الأمازيغية وموقعها ؟ وذلك بحكم ما يخترقها من تناقضات ؟
تتصارع داخل الحركة الأمازيغية رؤيتان . رؤية شوفينية ضيقة ، لا يمكنها إلا أن تكون معرقلة للتطور الديمقراطي . ورؤية ديمقراطية منفتحة ، تضع نفسها ضمن مكونات جبهة النضال ، ومن أجل ديموقراطية حقيقية في المغرب .
المعيقات إذن متعددة . لكن الأهم هو كيف يمكن التعامل مع هاته المعيقات ، وكيفية تطوير مواجهتها .
وبالإضافة إلى هذا ، هناك الجانب النظري ، الذي يجب على اليسار أن يهتم به في علاقته بالحركة الاحتجاجية .
وهناك جانب آخر يتعلق بأدوات النضال . إذ لابد في هذه الرؤية النظرية أن يتقدم اليسار في تتبع أدوات النضال . لأنه يتعامل مع وسط مغاير ومع فئات مغايرة .
لابد من العمل من أجل الوضوح . لأن اليسار مطالب بالمساهمة في بناء خطة استراتيجية للحركات الاحتجاجية . بما يساهم في تطورها نحو حركة ذات مضمون اجتماعي شعبي .
. ـ اليزيد بركة
2- الجبهة الوطنية الواسعة
يجب أن نعرف أن شروط بناء جبهة وطنية واسعة لم تتوفر في الظروف الحالية فقط ، بل توفرت عبر عدة فترات في تاريخ المغرب السياسي منها قبل هذه الفترة من تاريخ النهوض المجتمعي فترة بداية التسعينات إلى 1996. والفترة الحالية بدأت مع 20 فبراير وبرزت معها ديناميكية مجتمعية وبأشكال وأساليب جديدة، وإن شروط الجبهة ما تزال قائمة بحيث أن الديناميكية وإن لم تنتصر انتصارا كاملا إلا أنها لم تنهزم وحافظت على مقوماتها وطموحاتها في جانبين إثنين كبيرين.
– استقرار عدالة المطالب المرفوعة في الوعي الاجتماعي الذي يتأمل الآن بروية ماذا حصل ولفائدة من ؟ وكيف حصل ذلك ؟
– الإحساس لدى غالبية الجماهير التي انتفضت والتي تتعاطف معها ولم تنزل لأنها كانت ما تزال مترددة وزاد خطاب 9 مارس من ترددها ، بأنها ضحية مؤامرات سرية وعلنية جعلت الأقلية المجتمعية السائدة تحظى بمساندة من الطبقات الوسطى وتوابعها ليختل ميزان القوى.
الجبهة تختلف عن تجميع أحزاب سياسية في تكتل عندما لا يتعدى هذا التجميع مفهوم التحالف الحزبي الذي يخضع لشروط أقل من شروط الجبهة، فالتحالف الحزبي مطلوب في الساحة السياسية باستمرار بينما الجبهة ولأنها مجتمعية تخضع للنهوض الجماهيري والدينامكية في تحرك الطبقات الشعبية وشرائح من الطبقات الوسطى ، كما أن برنامج الحد الأدنى في التحالف الحزبي تتم بلورته من حد أدنى في برامج الأحزاب المتحالفة بينما برنامج الجبهة الواسعة والتي تكون فيها عادة الأحزاب السياسية أساسية يبلور من منظور أوسع في إتجاه النقابات المناضلة والرافعة لمطالب الشغيلة ومنظمات المجتمع المدني الحقوقية والنسائية والاجتماعية والثقافية والإعلامية …وفي نفس الوقت مطالب ملموسة للطبقات الشعبية وشرائح من الطبقات الوسطى
وإذا كنا في حزب الطليعة ننادي بجبهة وطنية واسعة منذ 1989 متنبئين إذاك بدينامية مجتمعية فإن الحزب مع ذلك لا يتوانى في العمل من أجل تحالف يساري. وفي هذا الصدد كان مساهما في تأسيس التجمع اليساري الديمقراطي و مساهما في تأسيس التحالف اليساري الديمقراطي ويعمل من أجل الوحدة في حزب اشتراكي كبير باندماج كافة الأطراف اليسارية.
وهنا لابد من توضيح نقطة تتعلق بموقفنا من الاندماج . إن ما نعنيه دائما بالوحدة والاندماج هو من جهة تجاوز التحالف ومن جهة أخرى انصهار كل قوى وطاقات كل حزب: السياسية والنقابية والجمعوية والمالية في الاندماج ويصبح تحمل المسؤوليات السياسية والنقابية وغيرها قائما بين الأفراد على مقاييس موحدة للكفاءة والنزاهة والنضال وغير ذلك، لا على أساس المحاصصة بين الأطراف الشئ الذي عادة ما يحصل في أي تحالف ، إن هذا الشكل لا يعني في الواقع إلا خلق حلبة عامة للملاكمة إلى جانب حلبات الملاكمة النقابية والجمعوية والثقافية … في حين أن الاندماج الحقيقي هو إنهاء طابع الحلبات بشكل نهائي داخل هذا الحزب الكبير أو في منظماته الموازية ، وهذا لن يحصل كما يعتقد البعض بالإرادة بل بشروط يجب العمل على تحضيرها أولا قبل قرار الاندماج . كما أن شروط حل أحزاب يسارية لنفسها والاندماج في حزب واحد كما حصل في فيتنام مثلا غير متوفرة في الساحة السياسية كأن يكون الحزب المستقطب لتلك الأحزاب مهيمنا في الساحة بامتدادات شعبية واسعة وأن يكون نبراسا في الفكر والنظرية والممارسة وحتى ذلك الوقت عندما تتوفر هذه الشروط يمكن مناقشة الفكرة . إن اندماج أحزاب في حزب واحد في غياب هذه الشروط هو اندماج في الهياكل السياسية القديمة للحزب وهياكل تنظيماته النقابية والجمعوية واندماج في ماليته واندماج في ميكانيزمات صنع القرار الحزبي كما كانت قبل الاندماج.
نعني الوطنية في شعار الجبهة أن البعد السلبي لتأثير العولمة والتبعية للمراكز الرأسمالية الدولية له حضور لا يستهان به في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمغرب ، وأن البعد الاستراتيجي المصلحي للدول الرأسمالية الكبرى يجب أن يقابل بتصور استراتيجي يستحضر مصالح الشعب المغربي في تحالفاته الإقليمية والدولية مع الشعوب المضطهدة .
ونعني بالواسعة أن الجبهة تتعدى اصطفاف أحزاب يسارية إلى نقابات وجمعيات وطنية بمختلف مجالات وأنشطة المجتمع ومنظمات الأعمال التي تمثل قطاعات لشرائح الطبقات الوسطى مثل الصيدلة والأطباء وغير ذلك بل هي جبهة واسعة ولكنها طبقية أيضا أي أنها تجمع كل المعبرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنتمية للطبقات الشعبية وشرائح هامة من الطبقات الوسطى في مواجهة تحالف طبقي حاكم عبارة عن أقلية في المجتمع .
إن الديناميكية التي ستخلقها الجبهة في المجتمع ديناميكية سياسية وثقافية نحو أهداف ملموسة اقتصادية وسياسية واجتماعية .. لتنتهي بتحقيق هدف الدولة الوطنية الديمقراطية وعندما نقول هذا الهدف فإن طريقه الواضح هو ثورة وطنية ديمقراطية، بطابعها الطبقي السالف الذكر.
إن الجبهة جواب منطقي وتحصيل حاصل للديناميكية المجتمعية الجارية أمام أعيننا وبأشكال متعددة ، حيث أن الواقع كان سباقا إلى إعطاءنا الجواب السياسي للممارسة الصحيحة .حيث أن غياب جبهة وطنية واسعة في ظروف 20 فبراير شكل أهم عامل من العوامل التي ساعدت على اختلال ميزان القوى، والجبهة ليست إلا آلية مجتمعية تخلقها أو تشير إليها الشروط الموضوعية القائمة في أي مجتمع في فترة محددة ، وإذا ضاعت الفرصة وانقلبت الديناميكية إلى انهزام تطرح شروط جديدة للتجاوز وانتقام الواقع من القوى التي عرقلت الديناميكية وكمثال في لبنان: في فترات كثيرة كانت هناك فرص لليسار اللبناني كي يخلق جبهة وطنية واسعة ولكنه انشغل بالصراع مع الفلسطينيين و السوريين،وانشغل بالصراع ما بين فتح و الأسد و انغلقوا في هذا ثم ظهرت قوة جديدة لما ساد الفراغ هي حزب الله
ولكي لا تكون الجبهة تكرارا للأحزاب السياسية اليسارية يجب أن تبلور برنامج حد أدنى ليس بالضرورة هو برنامج الأحزاب اليسارية بل يجب أن ينبثق من التكتل الطبقي الذي تجمع في إطار الجبهة ، برنامج يعكس التنوع والوحدة في آن واحد بمعنى هو برنامج موجه ضد التحالف الطبقي القائم في ميادين السياسة والاقتصاد والثقافة والقضايا الاجتماعية .. وليس ضد أطراف الجبهة وبدون حوار ونقاش للوصول إلى ما هو صحيح وما هو غير صحيح سيظل التنافر والاختلاف هو الذي سيتحكم في تحديد البرنامج والأهداف.
لن أتكلم إذن عن برنامج الجبهة لأن هذا من اختصاص الأطراف التي ستشكل الجبهة، و ليس من اختصاصنا كذلك أن نقول هذا يكون و هذا لايكون، لكن ما يمكن أن نقوم به هو الحديث عن المبادئ الكبرى لهذه الجبهة، و في نظري المبدأ الأول هو أن تكون هذه الجبهة طبقية، فنحن لدينا تكتل طبقي، نواته الصلبة هي ما نسميه نحن في الحزب الطبقة الحاكمةّ (وهي المخزن)، و هو مكون من كل الطبقات التي تستفيد اقتصاديا وسياسيا من النظام الحاكم،إذن هذا تحالف طبقي قائم، توجد كذلك الطبقات الشعبية كتكل مناهض بالضرورة الاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمتها الطبقة العاملة
المبدأ الثاني أن تكون واسعة بالفعل وليس بالنيابة السياسية بشرائح وفئات اجتماعية ونقابات وجمعيات وأطياف ثقافية وفنية …كل هذا مؤهل أن يكون في جبهة، المبدأ الثالث، أن تكون وطنية، لماذا؟ بمعنى أنها ضد هذا البعد للاقتصاد الرأسمالي العالمي المتوحش المتغلغل في اقتصادنا و الذي يجعل هذا التحالف الطبقي السائد مجرد بيدق ضمن الآلة الجهنمية للرأسمالية العالمية.
من الواضح أن الشروط المجتمعية الجديدة وبعد أن استفاق المجتمع من تخدير التناوب الذي لم يعط أي شئ في المطالب الحقيقية للشعب المغربي في التغيير وبعد أن استفاق بأن التغيير الطفيف في الدستور لم يحدث التغيير ، هي شروط تدفع كلها إلى تشكيل هذه الجبهة الوطنية الواسعة وبقراءة بسيطة لمطالب 20 فبراير وللعمود الفقري لتنظيمها وشعاراتها يتبين أن الأحزاب اليسارية التي شاركت في الحركة هي المؤهلة للدعوة إلى الجبهة وللعمل على تفعيلها . ولو كانت الجبهة قائمة في مرحلة الاستجابة الجزئية لمطالب 20 فبراير بخطاب 9 مارس لكانت النتائج أحسن مما تحقق ،ولكانت الجبهة هي سيدة الموقف في الساحة السياسية . هي فرصة ضاعت في خضم تحرك المجتمع في 20 فبراير وأتمنى ألا تضيع فرص أخرى بسبب التأخر في تكوين جبهة وطنية واسعة.

بلعتيق محمد : يلاحظ تنوع وتعدد الطبقات والفئات الاجتماعية المشاركة في الحركات الاحتجاجية في المغرب قبل 20 فبراير: عمال، صغار الفلاحين، موظفين، طلبة، تلاميذ، معطلين، نساء سلاليات، سكان المناطق المهمشة، سكان الأحياء الشعبية…واستمرت هذه الفئات في الاحتجاج، بدرجات متفاوتة، بعد 20 فبراير، وانضافت إليها فئات وشرائح اجتماعية أخرى كانت لا تشارك في السابق إما بحكم وظيفتها ووضعها القانوني، أو بحكم وضعها الاقتصادي أو الاجتماعي، كما أن عدم اكتفاء حركة 20 فبراير بمطالب اجتماعية واقتصادية، وطرحها لشعارات سياسية مباشرة، دفع فئات اجتماعية متنوعة إلى الانخراط في نضال الحركة.
شكلت إرادة مواجهة الاستغلال الرأسمالي دائما حافزا للطبقة العاملة والحركة النقابية على خوض الاضرابات والمعارك النضالية، إلا ان قدرتها على تحقيق أهدافها ظلت دون طموحاتها بسبب معيقاتها الذاتية ، ولم يستطع اليسار الإجابة على سؤال التشتت النقابي وعلى سؤال الفئوية، ولم يتمكن من بلورة جواب لسؤال اختلاف المطالب بين مختلف الفئات، هذا في الوقت الذي تحافظ فيه الباطرونا على وحدتها بكل السبل؛ إن عدم توفر الطبقة العاملة على تنظيمها السياسي، يجردها من أداتها السياسية لخوض الصراع الطبقي ويجعلها عاجزة عن وضع نضالها في إطار استراتيجيتها العامة للتغيير؛ وما يزيد الطين بلة هو اكتفاء اليسار بعمل مناضلاته ومناضليه داخل النقابات وفق فهم خاطئ يعتبر العمل الجماهيري هو العمل في الإطارات الجماهيرية ، إن هذا الشق من العمل ضروري بكل تأكيد، ولكنه لا يعفيه من واجب القيام بعمل جماهيري خاص به كتنظيم سياسي من خلال برامج سياسية ونضالية وتنظيمية وتواصلية وتكوينية موجهة للعاملات والعمال؛ إن كون الطبقة العاملة صاحبة المشروع الاشتراكي مهما كان حجمها، وكونها تنتج الخيرات الضرورية لاستمرارية المجتمع، واعتبارا للتحديات التي تواجه اليسار المغربي اليوم، فإنه لا محيد له من إعطاء أولوية مطلقة للطبقة العاملة من أجل النهوض بالمهام التي سطرها لنفسه. فإذا استمر اليسار في هذا الخلط في الأولويات بين الحركة العمالية والحركات الاجتماعية الجديدة وإذا لم يحددها بالصرامة المنهجية الضرورية ويوجه ممارسته وفقا لمقتضيات النظرية، فإنه سيستمر في تقديم التضحيات وتحقيق بعض المكاسب ولكنها لن ترقى إلى مستوى هذه التضحيات، وسيبقى متعثرا في الوصول إلى أهدافه الاستراتيجية وطموحات الشعب المغربي، لذلك تنطرح مهمة التوجه للعمال والفلاحين وعموم الكادحين كأولوية مطلقة، للتقدم في اتجاه تحقيق مهام التحرر والديمقراطية والاشتراكية؛ كما أن العمل الجماهيري سيظل متخبطا ومتعثرا، بدون عمل سياسي قوي وحازم وواضح الرؤية، لذا يعتبر الاكتفاء بالنضال في الإطار الجماهيري، وعدم أو ضعف الانخراط في العمل السياسي إضعافا لهما معا وإهدارا للفرص التاريخية، وتأجيلا للحظات التغيير، عوض التعجيل بها. إن الانشغال مع طبقات أو فئات أو شرائح اجتماعية غير أساسية، ولا تحمل مشروعا للتغيير يطيل عمر مسلسل أخطاء اليسار، ويؤجل موعده مع التاريخ، مما يجدد التأكيد على راهنية الماركسية وحاجة اليسار إليها لفهم واقعه وتغييره.
إذا كان التجريد يساعد في فهم الحركة العامة للأشياء، فإن الواقع يكون أكثر تعقيدا وتشعبا وغنى في مساراته وتضاريسه، ولعل مثال الحركة النقابية المغربية يبقى ساطعا ومؤكدا لذلك ، فمن الناحية النظرية، يفترض أن تلتحم الطبقة العاملة بالحركات الاحتجاجية وتقودها نظرا لمصلحتها في التغيير، ولكن الواقع لم يكن كذلك، إذ أن احتجاجاتها سابقة على حركة 20 فبراير واستمرت معها، غير أن نضالاتها وتحركاتها لم تكن متناغمة مع نضالات الحركة، ففي الوقت الذي كانت تعيش حركة 20 فبراير لحظات عنفوان كبيرة ومدا جماهيريا واسعا، اختارت الحركة النقابية الحوار وتوقيع اتفاق 26 أبريل 2011 ، وفي الوقت الذي تراجعت فيه حركة 20 فبراير، بدأت تتحرك الحركة النقابية من جديد وتقرر خوض مجموعة من المعارك، أما على المستوى السياسي فإن عدم تجذر اليسار وسط الجماهير الشعبية جعل تأثير الطبقة العاملة ضعيفا في الحياة السياسية، الشيء الذي أتاح الفرصة أمام المخزن لكي يلتقط أنفاسه ويقوم بعدة مناورات التفافية على حركة 20 فبراير، ومنها الدستور الممنوح والتعديل الحكومي، ليتراجع بعد ذلك عن وعوده والتزاماته تجاه الحركات الاحتجاجية والحركة النقابية والشعب المغربي عموما، ويستعيض عن ذلك بالقمع والمحاكمات والاعتقالات.
يبرز مباشرة بعد سؤال الطبقة العاملة سؤال صغار الفلاحين ، والذي لا زال مؤرقا بالنسبة لليسار ، فرغم طول وتعدد وبطولية المعارك التي خاضوها، في مناطق مختلفة من المغرب ، فإن هذه الاحتجاجات لم تتحول إلى حركات اجتماعية قادرة على تنظيم ذاتها والاستمرار في التحرك المنتظم، ولا زالت عصية على محاولات اليسار لتأطيرها؛ وقد عرفت احتجاجات صغار الفلاحين زخما كبيرا وتوسعا مهما وتجديدا وتنويعا لأشكالها النضالية مع حركة 20 فبراير، إلا انها لا زالت تعاني من العزلة وضعف الاستمرارية.
بالإضافة للعمال والفلاحين شاركت فئات وشرائح اجتماعية وحركات اجتماعية كثيرة في الاحتجاج سواء قبل أو بعد 20 فبراير: حركة المعطلين، الطلبة، التلاميذ، الحركة الامازيغية، الحركة الحقوقية ، الأحياء الشعبية، السلاليات …إلا انه، ورغم الزخم الذي عرفته مع حركة 20 فبراير فإنها لم تلتحم معها بالشكل المطلوب ، وبعضها سقط في مناورات المخزن الهادفة إلى عزل حركة 20 فبراير، من خلال تقديم تنازلات ووعود كاذبة للحركات الاحتجاجية خارجها، مما أثر و يؤثر سلبا على الجميع؛ لقد كان من المفروض أن تعمل هذه الحركات بتكامل والتحام مع الطبقة العاملة ، وأن ينخرط الكل في حركة 20 فبراير بقوة وحماس من أجل إسقاط الاستبداد والفساد.
إن من أخطاء اليسار، والتي كررها في تعامله مع هذه الاحتجاجات ، السقوط في تجريبية مملة أو الانجراف مع ممارسة دون بوصلة أو الجري وراء مصالح فئوية دون مراعاة للمصالح المشتركة وللأهداف العامة، وهذا يؤكد أن عملنا غير مبني على أساس نظري صلب ولا يتحكم فيه منهج يحدد لنا بوضوح الممكن التاريخي، وكيفية التعامل مع الأوقات العادية واللحظات الاستثنائية، فكيف ستقود مجتمعا أو حركة وأنت فقط تابع ومنجرف مع تيار الواقع؟ فلكي يكون لك تأثير في المجتمع يجب ان يتوفر لديك مشروع ومنهجية يوجهان تحركاتك فيه، وليس فقط مقررات تصادق عليها لمؤتمرات لتنسى في الرفوف ؛ ولم نتعامل كيسار، رغم كل التضحيات التي قدمت، مع حركة 20 فبراير كلحظة استثنائية تتطلب تعاملا استثنائيا وأشكالا نضالية تصعيدية، عوض السقوط في التكرار والروتين واستهلاك الطاقات.
تعددت وتنوعت الأشكال النضالية للحركات الاحتجاجية بعد 20فبراير، وأصبحت أكثر جرأة ، ولم تعد تلتزم بالحدود التي كانت تبقى عندها في السابق، أوالتي تحاول فرضها الأجهزة القمعية ؛ وشاركت فئات لم تكن من قبل تحضر في مثل هذه الاحتجاجات، ولم يعد الاحتجاج محصورا في الفئات والشرائح الاجتماعية المعتادة، كما اتسعت دائرة قاعدة الحضور في هذه الأشكال النضالية، لتصل إلى عموم المواطنات والمواطنين، ولم يعد يغلب عليها حضور المناضلات والمناضلين، كما كان الحال في السابق؛ وهذا تطور ليس بالسهل، سواء داخل المدن أو في البوادي والقرى، وهو إيجابي بطبيعة الحال، وإن لم يصل إلى المستوى من الزخم الذي كنا نطمح إليه ووصلته شعوب أخرى.
هل انتهت حركة 20 فبراير؟ وهل هناك استثناء مغربي، كما حاولت أن تروج لذلك أبواق المخزن ؟ لا أعتقد ذلك، فحركة التاريخ لا يمكن لها أن تتوقف، والظروف في المغرب ليست بأقل مأساوية من ما كان عليه الحال في تونس ومصر، سواء في التعليم أو الصحة أو السكن أو الفقر والبطالة أو الفساد السياسي والمالي وباقي المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ إن الأوضاع العامة في المغرب تزداد تدهورا وتنذر بأن الغضب الشعبي آت لا محالة . وعلينا أن نستفيد من تجارب الشعوب في ترتيب الأولويات، وتدبير التناقضات، وتشكيل التحالفات، دون نسخ أو محاولة تكرار لأن ذلك مستحيل اعتبارا للاختلافات بين المجتمعات، فلكل منها تاريخ مختلف ومعطيات اقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة.
إن سؤال التحالفات وتدبير التناقضات يفرض نفسه بقوة، سواء على حركة 20 فبراير أو على اليسار، وبلورة إجابة واضحة عليه ضرورية للتقدم في تحقيق أهداف هذه الحركة وغيرها من الحركات الاحتجاجية، فإذا كان هدفنا اسقاط الاستبداد الحالي، فذلك يستوجب تجميع القوة القادرة على ذلك، وبالتالي لف كل الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية، ومعبراتها السياسية والاجتماعية المستعدة للتغيير، إنها سيرورة لا تعرف جمودا في التناقضات و الاختلافات ولا في التحالفات، بل تتغير حسب المهام المطروحة في كل فترة من فتراتها وفي كل محطة من محطاتها.
إن غياب الأداة السياسية للطبقة العاملة وعموم الكادحين يؤثر سلبا على الحركات الاحتجاجية وعلى حركة 20 فبراير، لأن هذا الغياب يضعف دور الطبقة العاملة، مما يسهل المهمة أمام الكتلة الطبقية السائدة ويفتح المجال أمام الأيديولوجيات الرجعية للتغلغل في المجتمع؛ وبناء هذه الأداة يتطلب من المناضلات والمناضلين اهتماما أكبر بالعمل السياسي وعدم الاكتفاء بالنضال في الاطارات الجماهيرية ؛ فبدون عمل سياسي لن نصل إلى الديمقراطية، وستظل مردودية هذه الاحتجاجات ضعيفة.
بالنسبة للبرنامج النضالي يبقى عنوانه في هذه الفترة هو شعار حركة 20 فبراير أي النضال من أجل اسقاط الاستبداد والفساد، ومن أجل نظام ديمقراطي يحقق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لذلك يتعين التقدم في المسارات التالية :
– تقوية اليسار، وتجذيره في المجتمع، والتعريف بقيمه، وتمييز خطابه، ليتمكن من النهوض بالمهام المطروحة عليه، ومجابهة التحديات التي تواجهه، ومن أجل اقتناع الشعب به كمشروع مناقض للاستبداد بتلاوينه المخزنية والرجعية؛
– تقوية المشاركة السياسية للطبقة العاملة والمرأة والشباب ؛
– تطوير الحركات الاحتجاجية والرقي بها إلى مستوى حركات اجتماعية، ودمجها في الدينامية النضالية العامة من أجل التغيير؛
– جعل هذه الحركات الاحتجاجية في خدمة الاستراتيجية العامة للتغيير؛
– فتح المجال أمام الشباب ليقوم بدوره في مختلف واجهات النضال؛
– تطوير وتدقيق الأهداف والملفات المطلبية لهذه الحركات الاحتجاجية ؛
– الدفاع عن القيم الانسانية والحريات وحقوق الانسان ومواجهة كل دعوات الترهيب والاقصاء والتجهيل ؛
– الدفاع عن تفعيل حقيقي لترسيم الأمازيغية في الدستور ؛
– الدفاع عن حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين؛
– الدفاع عن العلمانية باعتبارها الطريقة الوحيدة لتنظيم الدولة والمجتمع بدون إقصاء أو تمييز، وأحد شروط توفر الحرية والديمقراطية والمساواة ؛
– الاهتمام بوسائل الإعلام والتكنولوجيات الحديثة للاتصال.
ومهما كانت معطيات الواقع الحالية فإن هذ الحركات الاحتجاجية ستنتصر في النهاية، وستحقق ما تصبو إليه رغم القمع والمناورات ، لأن المستقبل للشعب، ولن يكون شعبنا أبدا عاجزا أو خانعا أو مستسلما للظلم والفقر والجهل واليأس؛ والمشروع اليساري هو مشروع المستقبل لأنه الوحيد القادر على تحقيق طموحات الانسانية ؛ فما على اليسار اليوم إلا ان يحاول طرح الأسئلة التي يفرضها الواقع، ويعمل على الإجابة عليها بالصرامة المنهجية الضرورية، وأن ينخرط بحماس في صفوف الشعب ويعمل على تقوية نضاله لمجابهة الجور والطغيان والفساد، وتحقيق طموحاته وأحلامه؛ وكلما أسرع بهذه العملية إلا وسيخفف من التضحيات التي يقدمها شعبنا وسيقلص من المدة المطلوبة لإنجاز بعض المهام، خاصة بعد أن تأكدت محدودية العمل من داخل المؤسسات والرهان على الانتخابات، وبعد تقديم الشعوب لملاحم أعادت البريق لفكرة الثورة ولقوة الشارع ولسيادة الشعب
عبد السلام الباهي

” لابد من الإشارة إلى نقطة تتعلق ببعض المكتسبات الإيجابية لحركة 20 فبراير .
حركة 20 فبراير 2011 ، شكلت على بالخصوص حدثا بارزا ، أخرج الإهتمام بالشأن العام من الدوائر المغلقة للبيروقراطية السياسية والإدارية المخزنية والحزبية ، إلى الشارع العمومي . وهذا أمر لابد من الإهتمام به ، لأن له تأثيرات مستقبلية . وأهميته واضحة بالنسبة للمرحلة المقبلة .
لقد عملت هذه الحركات على تكسير حواجز الخوف التي ظلت تعاني منه مختلف المبادرات الجماهيرية .
وذلك لأن القمع المخزني والإرهاب البوليسي ، استطاع خلال الستينيات والسبعينيات ، أن يخلق حالة عامة من الخوف ، وجوا سائدا من التخوف وعدم الثقة . تجسده المقولة الرائجة آنذاك بين الناس ، التي مفادها أن ” الجدران لها آذان ” . مما شكل عائقا كبير أمام أي تحرك أو احتجاج . ودفع ببعض التنظيمات اليسارية والراديكالية إلى اعتماد أساليب السرية في تحركاتها وأنشطتها .
اليوم هناك صيرورة أخرى . وأساليب جديدة . وحركة 20 فبراير لعبت دورا مهما في إبداعها . فقد أبدعت وجددت في الأساليب والشعارات . وأنزلت مجموعة من الشعارات إلى الشارع . مثل شعارات إسقاط الفساد والإستبداد ، وفصل السلط ، وحرية الإعلام ، واستقلال القضاء ، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي ، وشعارات تتعلق بالمحاسبة والمراقبة وعدم الإفلات من العقاب ، وشعارات من أجل الحريات العامة والفردية ، وشعارات أخرى تتعلق بجودة الخدمات الإحتماعية ، خاصة في الصحة والتعليم والإدارات العمومية ، وبالتوزيع العادل للثروات ، ورفض التهميش والهشاشة والإقصاء الإجتماعي والجهوي ، ورفض استثمار المال واستغلال الدين في الحياة السياسية والإنتخابية .
تنظيمات اليسار ، ومناضلوه وصحافته ، كلهم مطالبون بان يواكبوا هذه التطورات ، وان يستحضروا مضامين شعارات حركة 20 فبراير ، وما يربطها بالحركات الإحتجاجية والإجتماعية . وان يتواصلوا مع مختلف الفئات الإجتماعية التي انخرطت في النضال ضد الفساد والإستبداد .
ثم هناك إشكالات أخرى تواجه اليسار اليوم . يمكن تركيزها في النقط التالية :
1/ كيف يمكن لليسار أن يطور الصيرورة النضالية والديموقراطية التي يعرفها المغرب . خاصة بعد حركة 20 فبراير ، وباقي الحركات الإحتجاجية والإجتماعية الأخرى ، وما جسدته من آفاق ، وما بلورته من مضامين وطنية وجهوية ومحلية . حيث المطلوب هو الدفع بهذه الصيرورة من أجل تشكيل جبهة ديموقراطية واسعة ، تضع نفسها كاختيارات واضحة للشعب ، وتجعل من أهدفها النضال من أجل ديموقراطية حقيقية ، وتعمل من أجل التصدي لكل أشكال الإستبداد والفساد .
2/ كيف يمكن لليسار أن يطور نفسه كقوة سياسية واضحة ، تعمل على بلورة خطها السياسي في خضم هذه الصيرورة النضالية ، وتهدف إلى بناء تصور مجتمعي ، عبر نقاش عمومي ، وثورة ثقافية قوامها المساواة وعدم التمييز ، وحوار إيجابي مع المجتمع وقيمه التحررية ، وجدل وصراع مع مختلف الفاعلين من القوى الشعبية .
3/ كيف يمكن لليسار أن يحاور المجتمع وتياراته الفكرية والسياسية ، ويبرز فكر اليسار والإشتراكية ، كفكر إنساني متجدد ، مبني على مبادئ المساواة والعدالة الإجتماعية ، وإعطاء المثال الإيجابي ، من خلال قراءة نقدية للفكر والإيديولوجيا والتجارب الإشتراكية ، ومعالجة قضايا تهم المجتمع ، كالدين والعلمانية ، والديكتاتورية والديموقراطية ، والإشتراكية والرأسمالية ، والسلطة والدولة والثورة والمجتمع ، والمخزن والطبقات والفئات الإجتماعية ، وأجهزة الدولة ومؤسساتها ، والأحزاب والنقابات والجبهة والتحالفات.
4/ كيف يمكن لليسار أن يحاور المواطنين وقيمهم ، ويقارب مستوياتهم وهمومهم . ويجعل خطابه في متناول الفئات الشعبية . ويعمم المعرفة والفكر الإنسانيين .
إلى غيرها من الإشكالات والقضايا التي يتعين على اليسار أن يتناولها بجرأة وعمق فكري وسياسي مقنع . “
عبد الله الحريف :
• أعتقد أن حركة 20 فبراير شكلت قطيعة مع السابق ولو أنها الآن تعرف تراجعا رغم أن الأشكال النضالية لم تختلف عن السابق ولكن عرفت قفزة نوعية رغم ما تعرفه من التناور ومحاولة تلغيمها لتقدم بعض التنازلات التي قدمها النظام وتحييد الحركة النقابية والطبقة العاملة والإشكالات التي عرفتها بعض مكوناتها،والهجمات التي استهدفت القوى الجذرية وغير ذلك.
• ورغم كل هذا أعتقد أن 20 فبراير حققت بعض القفزات النوعية التي هي جد مهمة وعلى اليسار أن يلتقطها ويطورها.
• اولا: هو أن الشباب الذي كان يقال عليه أنه لا يهتم بالسياسة ولا يهتم إلا بالمخدرات والتطرف سار على العكس من ذلك إذ ظهر شباب مناضل يسعى نحو التغييرو مستعد أن يضحي وله القدرة على أن يواجه مجموعة من التواطؤات ومناورات النظام والقوى الملتفة حوله،وفي نظري هذه مسألة أساسية ونحن كيسار لابد وأن نولي لها الاهتمام هو كيف نتعامل مع هذا الشباب لكي يصبح أكثر ديناميكية،لأنه بقي هناك بعض من المنحدرين من تجربة السبعينات والثمانينات وبعد ذلك أصبحت هناك قطيعة عملية،إذ نسجل الآن غياب الطلبة المؤطرين للشباب ولكن الآن تحضر مرة أخرى هذه الإمكانية الجد المهمة خصوصا اليسار المناضل.
• ثانيا:أن النظرة للنظام بدأت تتغير في 12 سنة الماضية،وهناك وعي متنامي لرفض ديمقراطية الواجهة،وقد ظهر ذلك في الانتخابات ويظهر الآن أيضا وهذا جد مهم بالنسبة إلينا.
• ثالثا: تراجع مفهوم الخوف وقد لعبت الحركة الحقوقية دورا إيجابيا في ذلك،لذلك هناك استعداد نضالي أخذ يتنامى وقد دفعت بهذا الإحساس حركة 20 فبراير .
• رابعا: مسألة أخرى جد مهمة هي أن الشعب يتزايد وعيه ويتقدم ولابد أن ينزل إلى الشارع ليدافع عن مطالبه بشكل سلمي ولا يجب أن ينخدع بأحاييل المخزن،كما أضيف كذلك بمحدودية النضالات المشتتة،لأنها لا تراكم شيئا وهذا ما يفسر التحاق حركة المعطلين بحركة 20 فبراير.
• هذه القفزات كلها إيجابية لكن وكما أشار الرفيق بلعتيق الى دور الطبقة العاملة التي لم تلعب بعد دورها الأساسي في قيادة هذا النضال نظرا للدور الذي قامت به البيروقراطية النقابية وكذلك بعض أقطاب اليسار.
• أعتقد أن هذا ضعف كبير تعاني منه الحركة الاحتجاجية وله نتائج وخيمة إذا لم يتم تداركه في المستقبل،لأنه يترك الباب مفتوحا أمام تنامي وتقوية الحركات الأصولية بينما إذا استطاع اليسار أن يربط هذه النضالات بالطبقة العاملة فستتقوى أكثر.كما أن الطلبة لم يلتحقوا من قبل بحركة 20 فبراير والآن يتم تجاوز ذلك وعلى القطاع الطلابي والاتحاد الوطني لطلبة المغرب أن يتحمل المسؤولية في ذلك.
الظروف الموضوعية إذا مناسبة بشكل عام لا على مستوى أزمة النظام الرأسمالي التي يظهر بأنها أزمة طويلة ليس لها مخرج الآن،وسيستمر في ضرب مصالح الطبقة العاملة والكادحين بشكل عام والشعوب المضطهدة،والهجوم على الأوضاع الاجتماعية في المغرب تكرس أكثر في عهد الحكومة الجديدة: الزيادة في المحروقات، مراجعة نظام التقاعد،الضرائب،المقاصة،….اضف الى ذلك وجود أزمة نخب مخزنية جديدة إذ المخزن يحاول تجديد نفسه عبر هذه المسلسلات الهزلية المأساوية والبئيسة التي يمثلها ـ بإمرة من المخزن ـ خدامه القدامي/الجدد من شاكلة شباط ولشكر. وفي الجانب الآخر هناك استعداد هائل للنضال من طرف الجماهير وهناك شيء سلبي كذلك هو استمرار نفور الشعب نتيجة الإحباطات وعدم التزام بعض القوى المحسوبة على اليسار لم تف بوعدها وهذا ما يجعل اليسار لا يستطيع أن يتقوى إضافة إلى أحاييل المخزن ودور الامبريالية في ذلك التي تجعل من المجتمع المدني كبديل عن العمل السياسي.
وهذا ما دفع بالنهج الديمقراطي وقبل 20 فبراير في مؤتمره الثاني إلى طرح القيادة الحازمة للنضال الديمقراطي ذي الأفق الثوري،لأن القيادات القديمة فشلت ولابد من بناء قيادة جديدة حازمة وبديلة للقيادات المهترئة.
لكن الإشكال الكبير الذي يطرح هو أن اليسار المناضل يعاني من ضعف نظري وفهم قصير لما يجري في مجتمعنا،وهذا يؤدي إلى ضعف الطبقات الكادحة،وينتقص من دور اليسار في تجديد دمائه ونبذ الخلافات الداخلية التي تعيق انسجامه وتبلوره في خط واضح وصحيح،لتشكل قاطرة النضال عبر قيادة حازمة للنضال الديمقراطي التحرري ذو الأفق الاشتراكي،وهذه الخلافات سببها مراهنة جزء من اليسار على الاتحاد الاشتراكي والتوجه الديمقراطي في وسط النظام،إذ تؤدي هذه المراهنة على الانتظارية عوض التفاعل مع واقع يغلي،وهناك جزء آخر من اليسار حلقي مثل التروتسكيين ورفض أي تحالف مع الآخر. إن ماركس يعتبر أن سلاح النقد لا يجب أن يعوض نقد السلاح أي النقد العملي عبر الممارسة النضالية الهادفة إلى التغيير الثوري. والحال أن ما تروجه البرجوازية من كون ماركس وانجلز مجرد منظرين يعتبر كذبا ولا أساس له من الصحة ذلك لانهما قد كرسا حياتهما للنضال الثوري إلى جانب البروليتاريا ولم يكفا عن الالتحام بالحركة الشيوعية ومشاكلها فكانا قادة لها. ويكفي الرجوع إلى نشاطهما قبل وخلال ثورات 1848 وبعدها والى تأسيس ماركس للأممية الأولى وما كان له من نشاط هو وانجلز داخلها ومدى اهتمامهما الكبير والمستمر بنشاط الأحزاب العمالية وكذا إدراك نضالهما الذي لم يتوقف ضد الأخطاء والانحرافات للوقوف عن كثب على الطبيعة العملية لنشاطهما.
كما أن هناك خلافات أخرى مردها التعامل مع الحركات الاحتجاجية الأخرى والحركة النقابية إذ من داخل هذا اليسار المناضل هناك من يجامل البيروقراطية النقابية.ان المرحلة الراهنة تتطلب منا فتح الصراع أكثر وترك المهادنة،لأن البيروقراطية تطبق أكثر سياسة الصراع الطبقي ضد الطبقة العاملة ويجب فضحها،كما أن هناك نقاش من طرف مناضلين نقابيين منحدرين من النقابات وحتى من حركة 20 فبراير يرفضون ما آلت إليه الآن الأوضاع وينادون بتصعيد النضال،كما أن الصراع داخل الحركة الحقوقية حول المواقع له الأثر السلبي إذ لابد للحركة الحقوقية أن تتوسع وكذلك بالنسبة للاتحاد الوطني لطلبة المغرب إذ تتواجد به بعض المكونات اليسارية التي تدعي الحقيقة
أن جوهر الماركسية يتناقض مع الدوغمائية ومع فكرة النموذج الجاهز والصالح لكل مكان وزمان والذي يجب إدخال الواقع فيه رغم أنفه وأكثر من ذلك، فإن ما ينبغي استحضاره في كل لحظة، هو أن الماركسية تنطلق من تحليل الواقع كما هو[5].
وهكذا، تعرف الماركسية التقهقر والتفسخ كلما تحولت إلى منظومة أو كلما توقف الاجتهاد والإبداع أو حينما تتحول إلى تبرير للواقع عوض أن تكون منهجا ونبراسا للتغيير الثوري على طريق إقامة الاشتراكية فالشيوعية. ولعل أخطر تسطيح وتحجير للماركسية تم حين أصبحت ايديولوجيا الدولة السوفياتية أيام ستالين الذي أعطى أجوبة نهائية لكل قضايا الماركسية انطلاقا من فكرة أن الماركسية- اللينينية تقدم قوانين جاهزة وصالحة لكل مكان في مرحلة الرأسمالية ومرحلة البناء الاشتراكي، بل انه حدد نفس المراحل لتطور كل المجتمعات منذ ظهور المجتمعات البشرية. وقد أدى ذلك إلى أنه عوض النظر الى الواقع كما هو تم اعتبار العناصر التي تؤكد تلك القوانين وتم تجاهل غيرها. غير أن النتيجة تؤكد أن الواقع العنيد استمر في التطور بينما أصبحت الماركسية السوفياتية نموذجا ميتا. بحيث لعب ” تقنين ” الماركسية أيام ستالين نفس الدور الذي قام به التدوين في التاريخ الإسلامي، إذ أدى إلى توقيف الاجتهاد ووقف سدا منيعا أمام تطور بعض العلوم والفنون[6].
هكذا تحولت الماركسية إلى نموذج ساهم في العديد من الأخطاء التي شهدتها ممارسة أغلبية الاحزاب الشيوعية والتي كانت لها عواقب وخيمة فضلا عما ترتب عنه من بناء هش ومصطنع للاشتراكية في دول اوروبا الشرقية؛.كذلك الشأن في الحركة الأمازيغية إذ لابد منا كيسار أن نواجه العنصر الشفني الذي يعتمد على الاقصاء وأن ندافع بشكل واضح على الأمازيغيين في لغتهم ومطالبهم،أما المعطلون فلا بد من محاولة من اليسار لجمع شتاتهم.
كذلك الشأن بالنسبة للحركات الدينية، التي تعتبر أن الصراع يتمحور حول الدين ، وليس موجها ضد الاستغلال، والكتلة الطبقية السائدة ،والنظام المخزني؛ وعلى اليسار، وخاصة شبابه، أن يعرف كيف يتعامل مع هذه القوى، وأن يكون له وضوح في ذلك، لأنه لا يمكن أن يراهن على التغيير لوحده لأنه لا تغيير ، في اللحظة الراهنة، بدون هذه القوى، اعتبارا لموازين القوى الحالية في المجتمع، لكن كيف يمكن أن تتعامل معها في إطار سيرورة تفضي إلى أن يصبح اليسار قوة فاعلة ومأثرة؟
في نظري يجب أن ننجز مهام الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بمعنى أنه لابد من توضيح مسألة وهي أن لا ديمقراطية دون التحرر من الهيمنة الامبريالية وعملائها عكس ما يظن البعض أن فرنسا وانجلترا دول تسعى إلى الديمقراطية،فهذه الدول تتحالف مع من يحفظ مصالحها،كما هو الحال الآن مع الأصولية في تونس ومصر،إذن بالنسبة إلينا الديمقراطية والتحرر من الامبريالية وعملاءها هي عملية جدلية لا يمكن أن تتقدم إذا لم نتقدم نحن.وبالتالي فمناهضة الامبريالية والصهيونية لابد وأن تكون من أولويات برامجنا.
كما يجب أن نركز في المرحلة الحالية على المخزن على اعتبار أنه هو الذي يشكل العرقلة الأساسية أمام البناء الديمقراطي،لأن المخزن هو أداة القمع والذي ساهم في نهب الاقتصاد،وبالتالي فهو حامي اقتصاد النهب والريع،وبوجوده لا يمكن أن يكون هناك بناء ديمقراطي ولا تحرر من الامبريالية ولا عدالة اجتماعية،لأنني لا أتصور أن تكون هناك عدالة اجتماعية ونحن تابعون للامبريالية ،يجب أن نتحكم نحن في خيراتنا ومصيرنا حتى تكون هناك عدالة اجتماعية.
لذلك يجب على اليسار أن يرفع من وعي هذه الحركات الاحتجاجية،لا على مستوى توضيح محدودية نضالها الخاص،وكذلك بتوضيح قوي على أنه لا يمكن أن تحقق مطالبها إلا بانخراطها في النضال العام من أجل التغيير الديمقراطي ومن أجل العدالة الاجتماعية وأن النظام غير قادر الآن على تحقيق المطالب كما هو في السابق لأنه الآن لا يمتلك الإمكانيات لذلك.وبالتالي بهذا الشكل يمكننا أن نمركز هذه الأشياء لدى اليسار المناضل الذي لابد وأن يلعب الدور في تأطير الطبقة العاملة والكادحين،لأنه إذا لم يقم بهذا الدوربشكل بارز. بالضرورة ستنخرط الفئات البرجوازية الصغرى في هذه السيرورة،ونحن نعرف أن نضال البرجوازية الوسطى جد محدود ومثل ذلك ثورات التحرر في العالم والتي آلت إلى مصالحها،لهذا لابد وأن نرجع أهمية عملنا إلى الطبقة العاملة و داخل الأحياء الشعبية لكي تبنى هذه الحركة أدواتها وفي نفس الوقت،وفي نفس السيرورة نحن كقوى سياسية لابد وأن نرتبط بها وأن نتجدر وسطها.

– لإعادة الزخم لحركة 20 فبراير لكي تصبح الإطار الموحد لكل نضالات الشعب المغربي من أجل الديمقراطية والكرامة والحرية
الدؤوب من أجل الالتحام بالطبقات الكادحة وبناء الجبهة الموحدة للنضال الشعبي ضد المخزن ومن أجل الديمقراطية. الشيء الذي يفترض خوض صراع قوي ضد التوجهات اليمينية التي تجعل من القوى الأصولية العدو الرئيسي وتنزع نحو التحالف مع قوى ممخزنة كالاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وتناصب العداء للنهج الديمقراطي من خلال التركيز على الخلافات وتراهن، بشكل كبير، على الانتخابات والمؤسسات التمثيلية المخزنية. كما لا مفر من مواجهة اليسراوية التي تكتفي بالطروحات الاستراتيجية دون البحث عن التكتيكات التي من شأنها تحقيق التقدم نحو هذه الأهداف وترفض أية تنسيقات فأحرى تحالفات وتظن أنها تمتلك الحقيقة وتستعمل العنف لحل التناقضات داخل الشعب وتميل، في بعض الأحيان، إلى محاربة الدين عوض محاربة استغلاله لأغراض سياسية
-ولعرقلة بناء قوة شعبية واسعة مناهضة للمخزن

-تشكيل قوى سياسية أو جمعوية مخزنية : الحركة الشعبية، التجمع الوطني للأحرار، الحزب الوطني الديموقراطي، الاتحاد الدستوري… وصولا إلى حزب الأصالة والمعاصرة، عدد ضخم من الجمعيات ينضاف إليها مجالس متعددة مثل المجلس الوطني لحقوق الانسان
لعل أحد حسنات السيرورات الثورية في العالم العربي والمغاربي أنها كشفت يشكل ساطع أن الصراع الطبقي في هذه المنطقة يتمظهر، في الفترة الراهنة، في شكل صراع بين الأصولية الدينية والقوى الديمقراطية. فالإمبريالية وعلى رأسها ألأمريكية، تتخوف من أن تؤدي السيرورات الثورية في المنطقة إلى قيام أنظمة تقدمية تناهض سيطرتها على هذه المنطقة الاستراتيجة والغنية، خاصة بالنفط، واقتنعت أن القوى المؤهلة للحفاظ على مصالحها في المنطقة هي القوى الأصولية.
وتستفيد الإمبريالية من تنافس هذه الأصوليات لمنع تحويل أي منها إلى قوة مهيمنة قد تنحو إلى الاستقلالية، ولو نسبيا في قراراتها الاقتصادية والاجتماعية، تحت ضغط الشعوب المكتوية بنار الأزمة الرأسمالية وباقتصاد الريع والفساد. مما قد يهدد مستقبلا مصالح الامبريالية في المنطقة.
هكذا فإن الصراع الدائر في المنطقة هو صراع طبقي بامتياز، صراع بين قوى تتغطي بالدين للسيطرة على الجماهير المفقرة والمهمشة وجر فئات من الطبقات الوسطى إلى صفها، في ظل ضعف القوى الديمقراطية وخصوصا التي تمثل مصالح الطبقة العاملة وعموم الكادحين وذلك بالأساس لخدمة مصالح الكمبردور والامبريالية في المنطقة من جهة، وقوى يسارية وديمقراطية من جهة أخرى.
فالصراع إذن في العمق وإذا تجاوزنا المظاهر والادعاءات ليس صراع بين المسلمين من جهة والعلمانيين من جهة ثانية أو بين الأصولية من جهة والعلمانية من جهة أخرى. إنه صراع بين من يناضل من أجل تحرر الشعوب من التبعية للامبريالية ومن أنظمة العمالة والاستبداد والفساد من جهة وبين من يعمل من أجل تأبيد هذه التبعية وهذه الأنظمة العميلة ولو في حلة جديدة.
هذا لا يعني أن كل القوى ذات المرجعبة الإسلامية هي قوى تبعية للأمبريالية و لا تؤمن بالديمقراطية.
وفي مواجهة القوى الأصولية التي تشن هجوما كاسحا من أجل فرض مشروعها الرجعي والنكوصي توجد القوى الديمقراطية في موقع ضعيف ودفاعي لا تحسد عليه، وذلك لأسباب عدة نذكر منها ما يلي:
– ضعف الثقافة الديمقراطية وسطه،ا فالعديد منها لا يحترم الديمقراطية الداخلية مما يساهم في انسحاب العديد من أعضائه وعضواته وفي الانشقاقات. كما لا يحترم الديمقراطية في علاقته مع الجماهير وتجربة عدد من المنظمات الجماهيرية خير دليل على ذلك والنتيجة هي اضعاف هذه القوى وتشتتها وتقلص تأثيرها الجماهيري وتواجدها الشعبي.
– عجز هذه القوى، في الغالب، على بناء تحالفات حول برامج حد أدنى: مثلا في المغرب صعوبة بناء جبهة موحدة للنضال ضد المخزن ومن أجل بناء نظام ديمقراطي، رغم أن كل القوى الديمقراطية تزعم أنها تناضل من أجل الديمقراطية التي يشكل المخزن أكبر عرقلة أمام تحقيقها.
– تحالف بعض القوى الديمقراطية مع الأنظمة الاستبدادية أو التلكؤ في النضال ضدها، إما لحماية مصالح معينة أو خوفا من الأصولية أو هما معا.
– تخوف أغلب القوى من طرح العلمانية فأحرى الدفاع عنها، تحت مبررات مختلفة، منها حمولتها التاريخية الناتجة عن التجارب التي تجاوزت المفهوم الصحيح للعلمانية إلى محاربة الدين، أولوية القضايا الاجتماعية والاقتصادية، الاكتفاء بالدفاع عن الديمقراطية دون طرح العلمانية، تخوف من العزلة عن الجماهير…
أما في المغرب، فإن عدم طرح العلمانية من طرف جل القوى الديمقراطية نابع، في العمق، من الخوف من مواجهة النظام الذي ترتكز مشروعيته على “إمارة المؤمنين”. أي أنها تعني، في الحقيقة، عدم الاستعداد لتحمل كلفة النضال من أجل تغيير جدري.
–العدل والإحسان، إن كانت فعلا تريد خدمة مصالح الشعب الذي يطمح إلى القضاء على الاستبداد وإلى الحرية والعدالة الاجتماعية، يجب أن تراجع نفسها وأن تستفيد مما يجري في مصر بالخصوص والذي يبين أن الحلم بالرجوع إلى عصر ذهبي : عصر الخلفاء الراشدين ـ الذي لم يكن ذهبيا في الحقيقة حيث عرف حروبا ومقتل ثلاثة خلفاء من أصل أربعة ـ مسألة مستحيلة ولن تؤدي سوى إلى الفتن والحروب الأهلية والاستبداد في شكل جديد. إن الشعوب اليوم في حاجة، إضافة إلى تحسين أوضاعها المعيشية، إلى الحرية التي تعني، من ضمن ما تعني امتناع الدولة عن فرض أية قوانين فيما يخص المعتقدات. كما أنها تطمح إلى الديمقراطية التي تعني احترام إرادة الشعوب.
إن جماعة العدل والإحسان مطالبة، إن كانت تريد فعلا المساهمة، بجانب القوى الديمقراطية، في النضال من أجل التغيير الجدري وتسعى بصدق إلى المساهمة في بلورة ميثاق وطني للقوى المناضلة أن تقوم بنقد ذاتي واضح على انسحابها من حركة 20 فبراير لأن التبريرات التي قدمتها لا تقنع أحدًا وأن تعلن قبولها بالديمقراطية ليس كآلية للتداول على السلطة فقط، لكن أيضًا وأساسًا كقيم تضمن التعايش في المجتمع من خلال التسامح والتعددية الحقيقية وحرية المعتقد وفصل الدين عن الدولة وعن السياسة.
إ ننا ننطلق من موقع البروليتاريا ومصالحها الآنية والاستراتيجية
وهي تتقدم وتتطور بقدر ما تلتحم بتلك الحركة وتجيب على اشكالاتها وانشغالاتها وتربط ما بين مصالحها الانية ومصلحتها الاستراتيجية في تحرير الانسانية من نير الاستغلال
صحيح ان البروليتاريا الصناعية رغم أنها تنمو باستمرار ( كما وقع بالمغرب منذ أواسط السبعينات ) لا تزال ضعيفة اذ لا تشكل سوى جزء بسيط من السكان بينما لا زال الفلاحون والعاملون في القطاع الغير مقنن ” يمثلون الأغلبية فضلا عن تكاثر عدد العاطلين. غير أن تحليل دورالبروليتاريا في هذه التشكيلات الاجتماعية يقتضي الرجوع الى تحاليل ماركس. هذا الأخير الذي يعتبر ان الرأسمال يحتاج الى شروط خاصة : نوع معين من قوى الإنتاج، أشكال خاصة من التنظيم الاجتماعي، قيم وايديولوجيا معينة… الخ تلك هي الشروط التي تشكل الأسس الضرورية لسير الرأسمال وتطوره حسب منطقه. على أن الراسمالية لا تجد تلك الشروط جاهزة ومعطاة بشكل مسبق كما أنه لا يمكن ان تخلقها من العدم ضربة واحدة.
فالرأسمالية تتطور أولا اعتمادا على الشروط التي تجدها في أنماط الإنتاج السابقة ( مثل الايديولوجيا القبلية والمخزنية والعلاقات الجماعية في المغرب…) إذ أن الرأسمالية تجد نفسها، في مرحلة أولى ملزمة بأن تخضع تلك الأسس التي لا تناسبها لسيطرتها دون تغييرها بحيث ان تلك السيطرة تتم بشكل خارجي.
وخلافا للرأسمالية في المركز لا زال تحكم الرأسمالية في الجزء الأكبر من البوادي وفي أنشطة عويضة في المدن، بتم بشكل خارجي غير مباشر عبر علاقات السوق والقروض. هذا التحكم يؤدي الى افلاس العديد من الفلاحين الذين يتحول جزء منهم الى عمال زراعيين في ضيعات رأسمالية والجزء الاخر ينزح الى المدن. ونلاحظ نفس الصيرورة، فيما يخص العديد من الحرف التي تخضع في مرحلة أولى بشكل خارجي لنمط الإنتاج الرأسمالي ثم تندثر ويتبلتر أصحابها. هكذا، اذن توفر الرأسمالية شروط السيطرة المباشرة على صيرورة العمل اذ توفر الشغيلة الحرة التي لا تملك سوى قوة عملها.غير ان الرأسمالية التبعية غير قادرة على استيعاب كل اليد العاملة المحررة من أنماط الإنتاج السابقة لاسباب لا يسع المجال لتوضيحها الآن. لذلك نشاهد تضخم البطالة والقطاع غير المقنن. والحال ان تواجد هذا القطاع غير المقنن الخاضع لسيطرة التراكم الرأسمالي يعني ان الرأسمالية التبعية ملزمة نظرا لطابعها التبعي بالضبط بالسيطرة على هذا القطاع من الخارج. والخلاصة التي نصل إليها هي ان البروليتاريا في الدول التبعية تنمو باستمرار وهي تسير لان تصير غالبية المجتمع بفضل نمو الإنتاج العصري والإنتاج في القطاع غير المقنن وتكاثر اعداد العمال الزارعيين
لذلك فإن المطروح الآن هو كيف نغير موازين القوى التي لازالت مختلة لصالح النظام المخزني والكتلة الطبقية السائدة ونواتها الصلبة المافيا المخزنية إن تغيير موزاين القوى لصالح الشعب يتطلب تدخل الشعب وخاصة الطبقات التي في مصلحتها التغيير:الطبقة العاملة وكادحي الأحياء الشعبية والفلاحين الفقراء وسكان المناطق المهملة والمعطلون والطلبة والتلاميذ في الصراع الحالي بقوة وزخم أكبر.
– عزل المافيا المخزنية عبر تطبيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب بالنسبة للجلادين وناهبي المال العام وتفكيك الأجهزة المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
إن هذا التطور الهام فيما يخص الوعي والاستعدادات الشعبية النضالية يستوجب من كل القوى الغيورة على مصلحة الشعب و المناهضة للمخزن التحلي بالروح الوحدوية في النضال والسعي، بدون كلل أو ملل، لإعادة الزخم لحركة 20 فبراير لكي تصبح الإطار الموحد لكل نضالات الشعب المغربي من أجل الديمقراطية والكرامة والحرية.
وهذا ما يتطلب من اليسار المناضل العمل الدؤوب من أجل الالتحام بالطبقات الكادحة وبناء الجبهة الموحدة للنضال الشعبي ضد المخزن ومن أجل الديمقراطية
إن الحل الجذري للأزمة الاقتصادية الحالية يتمثل في القضاء على أسبابها العميقة، أي هيمنة الكتلة الطبقية السائدة ونظامها المخزني، من خلال بناء الجبهة الموحدة للنضال الشعبي ضد المخزن ومن أجل الديمقراطية التي قد تشكل جنين جبهة الطبقات الشعبية، أداة إنجاز مهام مرحلة التحرر الوطني والبناء الديمقراطي، وبناء التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين الذي يشكل ضمانة إنجاز مهام هذه المرحلة وانفتاحها على الأفق الاشتراكي

.
بلعتيق محمد : يعيش المغاربة على إيقاع التراجعات في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويتواصل هذا المسلسل بوتيرة سريعة في كافة المجالات : اتساع دائرة الفقر، إغلاق المعامل وتسريح العمال، تزايد أعداد المعطلين، تهريب الأموال للخارج ، تراجع جل المؤشرات الاقتصادية، تراجع الخدمات العمومية، تعميم الفساد، استمرارية الاستبداد رغم كل ما تم التطبيل له بمناسبة الدستور الجديد، التلكؤ في تفعيل الترسيم المحتشم للأمازيغية في الدستور، محاصرة الحريات العامة والفردية وتزايد الاعتقالات والمحاكات والتدخلات القمعية…إلخ. أمام هذه الأوضاع تتزايد وتتنوع الاحتجاجات الشعبية، ورغم ما تقدمه الجماهير من تضحيات فإن المكتسبات تبقى ضعيفة وبعيدة عن أهدافها ومطامحها، ويرجع ذلك إلى تشتت هذه النضالات وضعف اليسار. إن نجاح هذه الاحتجاجات في تحقيق أهدافها يفرض تجميع قوى النضال وضمنها القوى اليسارية لخوض معارك موحدة بغايات ومهام وخطط واضحة ، إن أي تأخير في إنجاز هذه المهمة لا يخدم إلا أنصار الاستغلال وأعداء الحرية.
إن النجاح في أية معركة يفرض مراعاة موازين القوى في ساحة الصراع، مما يلزم الجميع بالعمل الجماعي وفق التقاطعات المشتركة لقوى المعارضة، إن خوض الصراع مع كل من نختلف معهم في نفس الوقت، ودون ترتيب للأولويات ، ودون تمييز بين التناقضات الثانوية والتناقضات الرئيسية، سيكون خطأ سياسيا يؤدي إلى الفشل في حسم أي من هذه التناقضات، وتكون له نتائج كارثية على تطور المجتمع.
لقد جاءت حركة 20 فبراير كمحطة نضالية تاريخية نادرة، انتقلت بالاحتجاج إلى أشكال ومستويات نضالية نوعية وجديدة، وارتقت به من حدود النضال الاجتماعي إلى طرح شعارات سياسية واضحة، وعلى رأسها إسقاط الاستبداد والفساد وبناء نظام ديمقراطي، ولفت حولها تنظيمات سياسية وحركات اجتماعية وفئات وشرائح شعبية مختلفة ومتنوعة، وحققت مكاسب لم تحقق خلال عشرات السنين، وبينت أن هناك سبل للنضال لها قيمتها وجدواها خارج المؤسسات والانتخابات؛ و ما تزال حركة 20 فبراير قادرة على التقدم في تحقيق أهدافها رغم تنوع خريطة تضاريس نضالها، ورغم المحاكمات والقمع والمناورات المخزنية، ورغم ضعف ثقة البعض في قدراتها، وتراخي او تآمر جهات أخرى؛ إن تقدمها في تحقيق أهدافها رهين بانخراط مختلف الفئات الشعبية فيها، وبقدرتها على الحفاظ على استقلاليتها وحرية المبادرة والمرونة التنظيمية، وبمدى اكتسابها للحزم الضروري لإدارة نضالاتها ومواجهة كل محاولات لجمها؛ أما محاولات وضع سقف لنضال وشعارات الحركة فلا تعني إلا شيئا واحد وهو الحفاظ على الوضع الحالي وضمان استمراريته، مما يتطلب ترك الحرية للحركة لبلورة شعارتها بمرونة وبأفق منفتح.
إن الشعب المغربي ليس أقل من الشعوب الأخرى حبا للحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية، ولا أقل منها استعدادا للنضال والتضحية، ولا أحسن منها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ولعل ما يصدر من تقارير ومؤشرات حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، واستمرارية وتنوع الاحتجاجات يظهران مدى تعمق واتساع أزمة النظام المخزني، وأن تفجر الغضب الشعبي قادم لا محالة، مما يفرض على اليسار تقوية ذاته للقيام بدوره في هذه الاحتجاجات وبناء وتطوير أدوات خوض الصراع ومنها جبهة موحدة للنضال الشعبي ضد المخزن ومن أجل نظام ديمقراطي، جبهة سياسية اجتماعية تلف اليساريين والنقابيين والحقوقيين والمناضلات والمناضلين في مختلف إطارات وتنظيمات المجتمع الذين يكافحون من أجل إسقاط الاستبداد والفساد وبناء نظام ديمقراطي . إن الديمقراطية لن تكون أبدا منحة من المخزن ولن يتم الانتقال إليها دون معارك وتضحيات ودون تخل عن نزعات الانهزامية والانعزالية والحلقية والغرور؛ المستقبل للشعب، فإما أن نكون معه، أو سيلفظنا التاريخ دون رحمة.