لا لتمرير القانون التكبيلي للإضراب

أمين عبد الحميد

من خلال هذا المقال أريد لفت الانتباه مجددا إلى أبرز سلبيات القانون التكبيلي للإضراب الموضوع اليوم أمام البرلمان وإلى خطورته بالنسبة للحركة النقابية العمالية ومصير سائر فئات الأجراء والشغيلة.
إننا، وبدون ادنى مبالغة أمام أسوء مشروع ضمن مشاريع القانون التنظيمي لحق الإضراب التي جهزتها الحكومات المتتالية منذ اكتوبر 2001، تاريخ طرح أول مشروع . لقد تجاوز المشروع الحالي من حيث مضمونه كل طموحات الباطرونا المجسدة في مشروعها الخاص الذي قدمته للبرلمان في مطلع سنة 2016.

هذا المقال يرتكز أساسا على الدراسة التي أصدرتها يوم 8 دجنبر 2017 بتزامن مع الذكرى 65 للإضراب العام البطولي الذي خاضته الطبقة العاملة المغربية، خاصة في مدينة الدار البيضاء سنة 1952، تضامنا مع الطبقة العاملة التونسية على إثر اغتيال القائد النقابي التونسي فرحات حشاد. وقد جاءت الدراسة شهرين بعد مصادقة المجلس الوزاري على “مشروع القانون التنظيمي رقم 15-97 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب .

لقد نصت الدساتير الممنوحة الستة التي عرفها المغرب من 1962 إلى 2011 على أن “حق الإضراب مضمون. ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته”. ومع ذلك لم يتم إصدار هذا القانون رغم الإلحاح الدائم للباطرونا والحكومات المخزنية الخادمة لمصالحها وبعض النقابات كذلك على إخراجه للوجود.
وقد طرحت الحكومة منذ سنة 2001 عدة مشاريع لقانون الإضراب ظلت كلها حبرا على ورق نظرا لرفضها من طرف النقابات المناضلة والمدافعين عن مصالح الطبقة العاملة وعموم القوى التقدمية ببلادنا. وقد بادرت نقابة الباطرونا، الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب، بدورها في مطلع سنة 2016 إلى طرح مشروعها الخاص كوسيلة للضغط في هذا المجال،وهو المشروع الذي سحبته الباطرونا بعد طرح المشروع الحكومي الذي يتجاوب بشكل أفضل مع طموحات الرأسمالية المتوحشة.
إننا اليوم في البرلمان، أمام مشروع حكومي لقانون تنظيمي للإضراب تم طبخه خارج نطاق الحوار الاجتماعي ودون إشراك الحركة النقابية في بلورته . ومن المؤكد أن البرلمان الرجعي لن يتردد في المصادقة عليه لتكبيل حق الإضراب بموجب القانون تماما كما فعل عندما صادق على تخريب نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد.
رغم أن الإضراب كأسلوب كفاحي حاسم فرضته الطبقة العاملة بنضالاتها التاريخية دوليا ووطنيا، ورغم أن حق الإضراب حق من حقوق الإنسان يضمنه العهد الدولي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المصادق عليه من طرف المغرب، ورغم أنه حق دستوري تضمنه المادة 29 من الدستور المغربي الحالي، ورغم الادعاء الرسمي بأن صيغة مشروع القانون التنظيمي للإضراب “تضمن ممارسة حق الإضراب”، فالحقيقة الساطعة هي أن هذه الصيغة تعتبر الأكثر عدوانية على حق الإضراب بالمقارنة مع جميع الصيغ التي طرحت منذ أزيد من 16 سنة ومع الصيغة التي أعدتها منظمة الباطرونا نفسها. إنها تهدف بكل وقاحة إلى تكبيل حق الإضراب والإجهاز عليه، مع العلم أن الأجراء ببلادنا في ظل موازين القوى الحالية بلجؤون في غالب الأحيان إلى الإضراب من أجل التصدي لتعسفات الباطرونا ولانتهاك مقتضيات قوانين الشغل على علاتها ومن أجل الحفاظ على مكتسباتهم، وقليلا ما يتم اللجوء إلى الإضراب من أجل تحسين أوضاعهم.

إن أبرز سلبيات مشروع القانون الذي تدارسته الحكومة تتجسد في:
– التنزيل المبتور والمشوه للدستور الممنوح نفسه حيث تغيب الضمانات الفعلية لممارسة حق الإضراب وتمنح كل الضمانات للباطرونا والدولة لتمكينهما من إفشال الإضرابات قبل وأثناء خوضها.

في هذا الإطار تجدر الإشارة إلى التعريف الضيق والمبتور للإضراب الذي جاء به مشروع القانون والذي
يؤدي إلى إقصاء العديد من أشكال الإضراب والعديد من فئات الشغيلة (المنجميون، البحارة، البوابون، التجار، الحرفيون، الفلاحون الكادحون،…) وغيرها (طلبة، تلاميذ،…) من الحماية القانونية في مجال الإضراب رغم ما ورد في الدستور ورغم حقها في ممارسة العمل النقابي.
– تكريس العمل بالمقتضيات القانونية الحالية المناهضة لحق الإضراب : الفصل 288 من القانون الجنائي، الفصل الخامس من ظهير 5 فبراير 1958 الذي يحرم حق الإضراب على الموظفين، مقتضيات ظهير 13 شتنبر 1938 المتعلق بتسخير الأجراء.
– منع العديد من الفئات، أحيانا دون مبرر معقول، من ممارسة حقها في الإضراب إما لاعتبارات أمنية أو شبه أمنية وإما لاعتبار أنها تعمل في قطاعات حيوية وإما لضرورة الحفاظ على حد أدنى من نشاط المقاولة أو القطاع.
– منع العديد من أصناف وأشكال الإضراب: الإضراب غير محدد المدة، الإضراب بالتناوب، جميع الإضرابات الخارجة عن نطاق الدفاع عن المصلحة الاقتصادية والاجتماعية المباشرة للمضربين ومن ضمنها الإضرابات الاحتجاجية والتضامنية ولأسباب معنوية (الدفاع عن الكرامة مثلا) أو سياسية، مع العلم أن مصطلح السياسية له حمولة فضفاضة تسمح بنعت أي إضراب مهم بأنه سياسي.
– إجبارية التفاوض حول الملف المطلبي وكذا اللجوء إلى مسطرة الوساطة والمصالحة قبل الدخول في الإعلان والتحضير للإضراب.
– إقرار مهلة للإخطار بالإضراب جد طويلة تتراوح في القطاع الخاص بين 15 يوما على العموم و5 أيام في حالات نادرة في حين أن مدة الإخطار المعتادة حاليا هي 48 ساعة وقد تقل عن ذلك.
– تقنين الاقتطاع من أجور المضربين، على اعتبار أن مدة الاضراب هي توقف مؤقت عن العمل، دون اعتبار أن بعض الإضرابات تستمد مشروعيتها من الدفاع عن مقتضيات قوانين الشغل التي من المفروض على الدولة أن تسهر على تطبيقها.
– احتفاظ مشروع القانون بالتعريف الفضفاض لعرقلة حرية العمل وتأكيد زجرها (رغم الحفاظ على الفصل 288 من القانون الجنائي وما يتضمنه من عقوبات سجنية ومالية) وذلك بمعاقبة المنظمة النقابية والأجراء المتهمين بالعرقلة.
– سماح مشروع القانون للمشغل باستخدام أجراء من خارج المقاولة بدعوى توفير حد أدنى من الخدمات وهذا ما يمكن استغلاله من طرفه لإفشال الإضراب.
– منع ومعاقبة اعتصام الأجراء المضربين الذي يصنف كاحتلال لأماكن العمل أثناء الإضراب.
– تخويل رئيس الحكومة صلاحية منع الإضراب أو وقفه لمدة محددة في حالات معينة وهو ما يسمح بعرقلة ممارسة حق الإضراب.
– وضع المشروع لمقتضيات غير واضحة في مجال اتخاذ قرار الإضراب ولتعقيدات وغموض في تبليغ قرار الإضراب للمسؤولين والسلطات المعنية ، مما يسهل إمكانية الطعن في مشروعية الإضراب.
– بالنسبة للعقوبات في حالة الاخلال بمقتضيات القانون التنظيمي للإضراب، رغم أن المشروع يحاول إظهار نوع من التوازن في التعامل مع المشغل والأجراء، فإن الحقيقة الساطعة هي أن المنظمة النقابية والأجراء المضربين هم المستهدفون الأساسيون بالعقوبات ( انظر الفقرة الملحقة بهذا المقال ).
– تجدر الإشارة في الأخير إلى ما ورد في المادة 48 من المشروع التي تخول “السلطات العمومية المعنية اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحفظ النظام العام وحماية الأشخاص والممتلكات خلال سريان الإضراب”. وهكذا بعد فرض قانون طبقي لتنظيم الإضراب وبعد تخويل القضاء الطبقي صلاحيات مهمة لتفعيله، تكلف السلطات العمومية المعروفة بانحيازها الطبقي للرأسمالية باتخاذ الاجراءات العملية للسهر على تطبيقها.
يتضح من كل ما سبق أن الدولة المخزنية وحكومتها الرجعية والباطرونا لا تسعى نهائيا لإصدار قانون تنظيمي للإضراب من أجل ضمان ممارسته وإنما من أجل تكبيل هذا الحق، وعرقلة ممارسته والحد من فعاليته في حالة التمكن من اللجوء إليه.

أن تمرير هذا المشروع سيشكل انتكاسة بالنسبة للطبقة العاملة وعموم الشغيلة والحركة النقابية العمالية ومجموع القوى التقدمية ببلادنا. لذا فإن النهج الديمقراطي كمدافع أمين عن مصالح الطبقة العاملة وعموم الكادحين، وانسجاما مع إصراره الثابت على العمل الوحدوي، ينادي كافة النقابات المناضلة وفي مقدمتها الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقرتطية للشغل والقوى اليسارية والديمقراطية والحية الغيورة على مصالح الشغيلة – السياسية والمهنية والحقوقية والشبيبية والجمعوية الأخرى – إلى التصدي الجماعي لمشروع القانون التكبيلي للإضراب والنضال الوحدوي الحازم لإسقاطه قبل فوات الأوان.

===============================================================
مقابل غرامات تافهة للباطرونا ، عقوبات قاسية للشغيلة
إن قانون الإضراب قانون طبقي بامتياز. ففي حالات عدم تطبيق مقتضياته، هناك تساهل كبير مع الباطرونا مقابل إجراءات قاسية ضد الشغيلة :
++ بالنسبة للمشغل،هناك فقط الحكم بغرامات ضئيلة لا يمكن أن تشكل عامل ردع بالنسبة للباطرون الذي يريد عرقلة ممارسة حق الإضراب. وقد تصل في أقصى الأحوال إلى 50 ألف درهم .
++ بالنسبة للأجيرات والأجراء، فهناك ترسانة خطيرة من العقوبات ضد المضربات والمضربين خارج نطاق القانون :
+ حرمان المضربين/ت من أجورهم حتى لو كان الإضراب للضغط من أجل تطبيق بنود قوانين الشغل .
+ فرض غرامات على العمال المضربين قد تصل إلى 50 ألف درهم .
+ فرض غرامات إضافية على منظمتهم النقابية.
+ تسخير العمال لإجبارهم قسرا على العمل.
+ إصدار أحكام قضائية بتعويض المشغل عن الخسائر الناتجة عن الإضراب.
+ طرد العمال المضربين من العمل.
+ استعمال عنف السلطات العمومية لفض الإضراب أو الاعتصام.
+ الاعتقال والحكم بالسجن بموجب قانون الإضراب .
+ الاعتقال والحكم بالسجن بموجب الفصل 288 من القانون الجنائي حول عرقلة حرية العمل.
15 أبريل 2018