افتتاحية:

فاتح ماي وحوار تغطية الشمس بالغربال

لأنهم يشعرون بالعجز التام عن تلبية ابسط مطالب الطبقة العاملة وكل الشغيلة، نراهم يناورون ويحاولون التهرب وربح الوقت. قبيل فاتح ماي تشكلت ثلاث لجان لمتابعة حوار متعثر منذ 26 ابريل 2011. اعطيت فيه وعود بقيت الى حد الساعة حبرا على ورق ومن ضمنها تطبيق نفس الحد الادنى للأجور بالنسبة للعمال الزراعيين بالإضافة الى التزامات اخرى تم التراجع عليها لأنهم اعتقدوا ان ضغط حركة 20 فبراير قد خف او انتهى.

ولأن الحكومة لا تريد تحمل مسؤوليتها تجاه الشغيلة، وما يهمها بالمقام الاول هو حماية مصالح الكتلة الطبقية السائدة؛ فإنها اكتفت بتقديم عروض بخسة عبارة عن در للرماد في الأعين، وفي ذات الوقت ترغب في توقيع قيادات النقابات الاربعة المشاركة في الحوار الاجتماعي على هدنة اجتماعية او ما يسمى بالسلم الاجتماعي. استغلت الحكومة حملتها الجديدة بمناسبة مناقشة تقرير الامين العام للأمم المتحدة حول الصحراء الغربية للتعبئة حول ما يسمى بالإجماع الوطني والدفاع عن الوحدة الترابية والتهديدات الخارجية.الحق يقال، إن هذه العملة مقبولة من طرف جميع اولئك الذين تربوا على التقاعس والهروب من ساحات النضال والتعبئة الدائمة وحشد القواعد للدفاع عن الحقوق والمطالب.من غير المستبعد ان يوفر هذا العذر غطاء لقبول القيادات البيروقراطيات النقابية لنتائج الحوار المغشوش بما فيه الانتظارية ونشر الوعود الكاذبة وتسويقها للقواعد.

لكن حبل الكذب قصير وعلى القيادات البيروقراطية ان تضع في نصب اعينها بعض الحقائق والمعطيات التي يحبل بها الوضع العام ببلادنا ومن جملتها:

1- إن المراهنة على استكانة الكادحين وقبولهم بالأمر الواقع لم تعد ممكنة ولا هي مجدية.لم يعد من الممكن المزيد من الصبر والتحمل لان تردي الاوضاع وصل الى حد لا يحتمل.فمن يعتقد ان اجواء حركة 20 فبراير قد انتهت فهو واهم وليست له القدرة لفهم وإدراك معنى الحراكات الشعبية المتوالية.

2- هذه الحراكات الشعبية تعبر عن تغير جوهري في طرق النضال ومستواها.انها تعبير عن درجة من النضج والوعي يلخص تجربة عقود من الكفاح العفوي والمنظم، عقود من الحركات الاحتجاجية وما صاحبها من قمع ومن تنكيل وحتى من أخطاء وإخفاقات.إن الحراكات الشعبية تعبر عن استعدادات للنضال ترتكز على الرغبة في انخراط اوسع الجماهير في تنظيم نفسها حول ملفاتها المطلبية التي ناقشتها ورتبتها بطريقة ديمقراطية جديدة تقطع مع الديمقراطية التمثيلية والمغشوشة التي طبقها النظام المخزني طيلة عقود.

3- في هذه الأجواء الناهضة للنضال تخوض الطبقة العاملة وعموم الشغيلة نضالاتها الواسعة سواء في اطار وحدات الانتاج او المؤسسات من داخل النقابات أو من داخل تنسيقيات أو تنظيمات مستقلة او من داخل الاحياء الشعبية او القرى والمدن المنتفضة.لذلك لا يجب على القيادات النقابية ان تقايض الحقوق بمقابل  بخس، ولا أن توقع على بياض للحكومة على الالتزام  بالسلم الاجتماعي لأنها لن تكون قادرة ولا في مستطاعها فرضه على الحركات الاحتجاجية العارمة.

ان الطبقة العاملة تحيي عيدها الاممي هذه السنة وقد شيعت العشرات من القتلي من العمال والعاملات استشهدوا وهم في ميدان العمل نتيجة الاهمال الاجرامي والاستغلال الذي يسلطه الباطورنات على العمال والذين اعماهم الجري وراء تنمية الارباح عن واجب حماية ارواح العمال والعاملات وتوفير شروط الصحة والسلامة في مواقع العمل، وضمان نقل العمال من والى مواقع العمل في ظروف وشروط السلامة والوقاية من حوادث السير.هكذا ازهقت ارواح في الطرقات لان الباطرونا لم توفر حافلات النقل الخاصة والمجهزة بل استعملت بيكوبات متهالكة بتواطؤ السلطات وأجهزة المراقبة والحماية من حوادث السير.إن الباطرونا في رفضها شراء أسطول نقل العمال، إنما كانت تسعى للربح والتقشف ولا يهمها الخطر الذي يتهدد حياة العمال وأسرهم.كما شهدت اوراش كبرى في الجرف الاصفر او اسفي حوادث شغل مميتة ذهب ضحيتها العشرات من العمال لان شروط الصحة والسلامة غير متوفرة؛ وشجع على هذا الوضع الإهمال المجرم لمفتشيات الشغل وتقاعسها في زيارة الاوراش والضرب على يد المخالفين.اما قطاع البناء فانه سواء في شقه المهيكل أو غير المهيكل، عرف بدوره القتلى والمعطوبين نتيجة الحوادث المتكررة والخطيرة.فلأن هذا القطاع لا يحظى بالتاطير النقابي الواجب والنوعي، اعتبرت الباطرونا نفسها حرة ومطلوقة اليد في الاستغلال الوحشي للطبقة العاملة في قطاعها بدون احترام لا توقيت وساعات العمل ولا تطبيق الحد الادنى للأجور والتصريح بالعمال لذى صندوق الضمان الاجتماعي او تطبيق شروط الصحة والسلامة ناهيك عن ايواء العمال في شروط بهيمية وإسكانهم في الاوراش.

اما عن اوضاع المرأة العاملة فان السنة الحالية كشفت عن الاستغلال المضاعف الذي تتعرض له هذه الفئة الواسعة من طبقتنا العاملة؛ فإلى جانب عدم المساواة بينها وبين العمال الرجال في الاجور فإنهن يجدن انفسهم اولى ضحايا الطرد والتقليص من ساعات العمل.كما ان المرأة تتعرض في اماكن العمل او في الطريق الى المواقع والإحياء الصناعية الى التحرش الجنسي وحتى الاعتداء.انهن اكبر ضحايا فقدان الامن والسلامة البدنية نظرا لعدم توفر وسائل النقل الجيدة والكافية.

ان العمال والعاملات ببلادنا يحيون فاتح ماي في أجواء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وفي ظل تكالب الباطرونا والدولة عبر محاولة فرض قانون جديد للإضراب والذي يعد تراجعا على القليل من المكتسبات السابقة ويهدف هذا القانون الى تجريم الاضراب او جعله حقا من المستحيل تطبيقه في الواقع.كما ان الدولة برفعها اليد عن القطاعات الاجتماعية من عدم الاستثمار المنتج والخالق لمناصب الشغل القار ومن تخليها عن قطاع الصحة وإهدائه للقطاع الخاص بحيث اصبحت سوق العلاج سوقا مربحة و لا يمكن ولوجه إلا لمن توفرت له امكانية ذلك، مثله مثل ما يحصل اليوم في التعليم العمومي الذي وصل الى درجة الافلاس النهائي وبات الجميع يهرب منه او يضطر الى انقاذ اطفاله عبر نفقات ساعات الدعم التي تثقل كاهل الاسر.

إنها حرب تشنها الباطرونا عبر جهاز الدولة الامني والبيروقراطي ومحاكمها وسجونها لكي تفرض استسلام الطبقة العاملة وسكوتها عن حقوقها المشروعة.

وبما ان ما يجري هو في الحقيقة والواقع حرب، فعلى الطبقة العاملة ان تسترجع سلاحها لكي تدافع عن نفسها وفي المقام الاول ان تبني نقاباتها المناضلة والمكافحة، وألا تترك العمل النقابي بأيدي غير آمنة او في حوزة عناصر يستخدمون النقابة لإغراضهم الخاصة؛ ولكي تنجح هذه المهمة لا بد للطبقة العاملة من حزبها السياسي المستقل والذي لا دخل للطبقات الاجتماعية الاخرى فيه، فهو من صلب العمال وبفكرهم وبمشروعهم يسعى الى تحرير الشعب  كل الشعب بطبقاته المتضررة من الاستغلال والاستبداد والتعسف.